Indexed OCR Text
Pages 481-500
وفيها بَعَثَ صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طُغْتكين على مَمْلكة اليَمَن، وإخراج نُوَّاب أخيه تورانشاه منها، فدخل إليها، وقَبَضَ على مُتولِّي زَبيد حِطَّان ابن مُنقذ الكِناني. فيُقال: إنَّه قَتَله سرًا وأخذ منه أموالاً لا تُحصى. وهَرَبَ منه عِزُّ الدين عثمان ابن الزنجيلي. وتمكَّنَ سيف الإسلام من اليَمَن(١). وفيها مات عِزُّ الدين فَرُّ وخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، فبَعَثَ عَمُّه على نيابة دمشق شمس الدين محمد ابن المُقدَّم. سنة تسع وسبعين وخمس مئة في المحرَّم قَدِمَ رسول مَلِك مازَنْدران، فتُلُقِّي وأُكرم، ولم يكن لمُرسله عادةٌ بمراسلة الدِّيوان، بل اللهُ هداه من غَيِّ هَواه، وقدم هدية. وفيه جاء رجل إلى النِّظامية يَسْتفتي، فأُفتي بخلاف غَرَضه، فسبَّ الشَّافعي، فقام إليه فقيهان، لَكَمهُ أحدُهما، وضَرَبه الآخر بنَعْله، فمات ليومه، فحُبسَ الفقيهان أيامًا، وأُطْلقا عَمَلاً بمَذْهب أبي حنيفة . وفي جُمادى الأولى قَبَضَ عِزُّ الدين مَسعود صاحب المَوْصل على نائبه وأتابكه مُجاهد الدين قايماز، وكان هو سُلطان تلك البلاد في المَعْنى، وعِزّ الدين معه صورة. ولكن انخرم عليه النظام بإمساكه وتعب. ثم إنَّه أخرجه وأعاده إلى رُتبته . وفي رمضان جاء إلى صلاح الدين بالرسلية شيخُ الشُّيوخ، وبَشيرٌ الخادم . وفي شوال فُرِغَ من رباط المأمونية وفتح، أنشأته والدة الناصر لدين الله، ومُذَّ به سِماطٌ، وحَضَره أربابُ الدولة والقُضاة والأئمة والأعيان، ورُتِّب شهاب الدين الشُّهْر وَردي شيخًا به، ووُقِفَت عليه الوقوفُ النَّفيسة. وقَدِم رئيس أصبهان صَدْر الدين عبداللطيف الخُجَندي للحجِّ، فتُلقي بموكب الدِّيوان، وأُقيمت له الإقامات. وزعيم الحاجِّ في هذه السِّنين مُجير الدین طاشتِکین . (١) ينظر الكامل ١١/ ٤٨٠. تاريخ الإسلام ١٢/م٣١ ٤٨١ ومن كتابٍ فاضلي إلى الدِّيوان كان الفِرَنج قد ركِبوا من الأمر نُكرًا، واقتضُّوا(١) من البحر بِكْرًا، وعمروا مَراكب حَرْبية شَحَنوها بالمُقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليَمَن والحِجاز، وأنْخنوا وأوغلوا في البلاد واشتدَّت مَخافةُ أهل تلك الجَوَانب، بل أهل القِبْلة، لما أومض إليهم من جلل (٢) العواقب، وما ظنَّ المسلمون إلا أنَّها السَّاعة، وقد نُشرَ مَطْويُّ أشراطها، وانتظر غَضَبُ الله لفَنَاء بيته المحرَّم ومقام خليله الأكرم، وضريح نبيِّه الأعظم صلى الله عليهما وسلم ورَجَوا أن تشحذ البَصَائر آية كآية هذا البيت، إذ قَصَده أصحابُ الفِيل، ووكَّلوا إلى الله الأمْرَ، فكان حَسبهم ونِعم الوكيل. وكان للفِرَنج مَقْصدان: أحدهما قَلْعة أيْلَة، والآخر الخَوْض في هذا البَحر الذي تُجاورُهُ بلادُهم من ساحله، وانقسموا فريقين؛ أمَّا الذين قَصَدوا أيْلة، فإنَّهم قَدروا أن يَمْنعوا أهلَها من مَورد الماء، وأمَّا الفريق القاصد سواحلَ الحِجاز واليَمَن، فقدروا أن يَمنعوا طريق الحاجِّ عن حَجِّه، ويَحُول بينه وبين فَجِّه، ويأخذ تُجَّار اليمن وكارمٍ وعَدَن، ويلمُّ بسواحل الحِجاز فَيَسْتبيح، والعياذ بالله، المَحارمَ. وكان الأخُ سيف الدين بمصر قد عمر مَرَاكب، وفَرَّقها على الفرقتين، وأمَرَهم بأن تُطوى وراءَهم الشُّقَّتَين. فأما السَّائرة إلى قَلْعة أيلة، فإنَّها انقضَّت على مُرابطي الماء. انقضاضَ الجَوارح على بناتِ الماء، وقَذَفتها قَذْفَ شُهُب السماء، وكسرت(٣) أكثرَ مُقاتلتها ، إلا من تعلَّق بهضبةٍ وما كاد، أو دَخَلَ في شِعب وما عاد، فإنَّ العُربان اقتصُوا آثارَهم، والتزموا إحضارهم. وأمَّا السائرة إلى بَحْر الحِجاز، فتمادت للسَّاحل الحِجازي، فأخذت تُجَّارًا، وأخافت رفاقًا، ودلّها على عَوْرات(٤) البلاد من هو أشدُّ كُفرًا ونفاقًا. وهناك وَقَعَ عليها أصحابُنا، وأُخذت المَراكب بأسرها، وفرَّ فِرَنْجُها، فسَلكوا في الجبال مَهَاوي المَهالك، ومعاطن المَعاطب، ورَكِبَ أصحابُنا وراءهم خَيْلِ العَرَب يَقْتُلون ويَأْسِرون، حتى لم يتركوا مُخبرًا، ولم يُبقُوا لهم (١) بالقاف، وهو الصواب، وما يشاع عند العوام بالفاء فهو غلط، كما في معجمات اللغة. (٢) في المطبوع من الروضتين الذي ينقل منه المصنف: ((خلل)) بالخاء المعجمة، وما هنا أصح. (٣) هكذا في النسخ، وفي المطبوع من الروضتين: ((قتلت)). (٤) هكذا في النسخ، وفي المطبوع من الروضتين: ((غوارب)). ٤٨٢ أثرًا، ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١]، وقِيدَ منهم إلى مصر مئة وسبعون أسيرًا(١). وفي المحرَّم نزل صلاح الدين على حَلَب، ثم تَسلَّمها صُلحًا. وفيها سار شهاب الدين الغوري بعد ما مَلَك جبال الهند، وعَظُم سُلطانُه إلى مدينة لهاوور في جَيشٍ عظيمٍ وبها السُّلطان خُسرُوشاه بن بهرام شاه السُّكِتِكيني الذي كان صاحبَ غَزنةً من ثلاثين سنة، فحاصَرَه مدةً، ثم نزل بالأمان فأكرمه ووَفى له. فوَرَدَ رسولُ السُّلطان غياث الدين إلى أخيه يأمرُهُ بإرسال خُسرُوشاه إليه، فقال له: أنا لي يمينٌ في عُنُقك. فطيّب قَلبه ومَنَّاه، وأرسله هو وولدَهُ، فلم يجتمع بهما غياث الدين بل رفعهما إلى بعض القِلاع، فكان آخر العَهد بهما. وهذا آخر ملوك بني سُبكِتِكين. وكان ابتداءُ دَولتهم من سنة ستٍّ وستين وثلاث مئة، فتبارَكَ الله الذي لا يزولُ مُلكُه. وفيها عاد شيخُ الشُّيوخ وبشير من الرسلية، ومعهما رسول صلاح الدين بتقدمتين كان منها شمسة، يعني جترًا، وهي مصنوعة من ريش الطَّواويس، لم يُرَ في حُسنها، وعليها اسم المُستنصر بالله مَعَدّ العُبَيدي. وتوفي الخلاَل أبو المُظفَّر ابن البخاري نائب الوزارة، فوَليَ مكانه حاجب باب الثُّوبي ◌ِزُّ الدين أبو الفتح بن صَدَقة. ووَليَ الحجابةَ أحمدُ بن هُبَيرة. وعاد إلى الشام شيخُ الشُّيوخ وبشير على الفَوْر، فمَرِضا، وطَلَبا الرَّجعة إلى العراق، فقال صلاح الدين: أقيما. فلم يفعلا، وسارا في الحَرِّ، فماتا في الرَّحبة . ونازل السُّلطان حَلَب، وحاصَرَها أشدَّ حِصار، ثم وَقَعَ الصُّلح بين صاحبها عماد الدين وبين السُّلطان، على أن يُعوِّضه عنها سِنْجار ونَصِيبين، والرَّقَّة وسَرُوج والخابور. وتَسلَّم حَلَب في ثاني عشر صفر. وفيه يقول القاضي مُحيي الدين ابن القاضي زكي الدين ابن المُنتجب يمدحُهُ بأبياتٍ منها: وفَتحَكُمُ حَلَبًا بالسَّيف في صَفَر مُبِشِّرٌ بفُتُوحِ القُدسِ في رَجَبٍ (٢) (١) النص كله من الروضتين ٣٧/٢. (٢) ينظر الكامل ١١/ ٤٩٧ . ٤٨٣ وقد ذَكَر صاحب ((الرَّوْضتين))(١) أنَّ الفقيه مجد الدين بن جهبل الحَلَبي الشَّافعي وَقَعَ إليه (تَفْسير القرآن)) لأبي الحكم بن بَرَّجان(٢)، فوَجَد فيه عند قوله تعالى: ﴿الَّمَثَ غُلِبَتِ الرُّوُ ثَ﴾ [الروم]. أنَّ الرُّوم يُغلبون في رجب سنة ثلاثٍ وثمانين وخمس مئة، ويُفتحُ بيت المقدس، ويصيرُ دارًا للإسلام إلى آخر الأبد واستدلَّ بأشياء في كتابه. فلمَّا فُتحت حَلَب على يد السُّلطان صلاح الدين، كتب إليه المَجد بن جهبل وَرَقةٌ يبشِّرُه بفتح القُدس على يديه، ويعين فيه الزَّمان، وأعطاها للفقيه عيسى، فلم يَتَجاسَر أن يَعْرضها على السُّلطان، وحدَّث بما فيها لمُحيي الدين، وكان واثقًا بعَقْلِ المَجد وأنَّه لا يقولُ هذا حتى يُحَقِّقه، فَعَمِلَ القصيدة التي فيها هذا البيت، فلمَّا سمعه السُّلطان بُهت وتعجَّب. فلمّا اتَّفق له فَتَحُ القُدس في رجب، سار إليه المَجد مُهنِّئًا، وذكر له حديث الوَرَقة، فتعجَّب وقال: قد سَبَقَ إلى ذلك مُحيي الدين، غير أنِّ أجعلُ لك حظًا. ثم جَمَعَ له من في العَسكر من الفُقهاء والصُّلَحاء، ثم أدخله بيت المقدس والفِرَنج بعد فيه لم يُنَظف منهم، وأمَرَه أن يَذكر دَرْسًا على الصَّخرة. فدخل ودَرَّس هناك، وحَظِيَ بذلك. ثم قال أبو شامة(٣): وقفتُ أنا على ما فَسَّره ابن بَرَّجان من أنَّ بيت المَقْدس استولت عليه الزُّوم عام سبعةٍ وثمانين وأربع مئة (٤)، وأشار إلى أنَّه يَبْقى بأيديهم إلى تمام خمس مئة وثلاثٍ وثمانين سنة (٥) . " قال أبو شامة(٦): وهذا الذي ذكره أبو الحَكَم من عجائب ما اتَّفق. وقد تكلّم عليه شيخُنا السَّخَاوي، فقال: وَقَعَ في ((تَفْسير)) أبي الحَكَم إخبارٌ عن بيت المَقْدس وأنه يُفتح في سنة ثلاثٍ وثمانين. قال: فقال لي بعض الفُقهاء: إنَّه استخرج ذلك من فاتحة السُّورة. فأخذتُ الشُّورةَ، وكشفتُ عن ذلك، فلم أره (١) الروضتين ٢ /٤٥ - ٤٦. (٢) هو عبدالسلام بن عبدالرحمن المغربي ثم الأندلسي شيخ الصوفية الذي تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٣٦ هـ من هذا الكتاب. (٣) الروضتين ١١٣/٢. (٤) هكذا قال، وهو وهم ظاهر فإن استيلاء الفرنج الملاعين على بيت المقدس سنة ٤٩٢ هـ. (٥) هكذا في النسخ، ولو قال: إلى تمام سنة خمس مئة وثلاث وثمانين، لكان أحسن. (٦) الروضتين ١١٣/٢ . ٤٨٤ أخذَ ذلك من الحروف، وإنَّما أخذه فيما زَعَم من ﴿غُلِبَتِ الرُّومُّ ثَ فِيَ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنَ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌَ ، فِي بِضْعِ سِنِينٌ﴾ [الروم] فبَنَى الأمرَ على التاريخ كما يفعل المُنجِّمون، ثم ذكر أنهم يُغلبون في سنة كذا، وفي سنة كذا، على ما تقتضيه دوائر التَّقدير. وهذه نجامة وافقت إصابة إنْ صحَّ أنه قال ذلك قبل وقوعه، وليس ذلك من الحُروف، ولا هو من قبيل الكَرَامات. فإن الكرامة لا تُكْتَسَب، ولا تفتقر إلى تاريخ، ولذلك لم يوافق الصَّواب لمَّا أراد الحساب على القراءة الآخرى الشَّاذَّة وهي (غَلَبَت) بالفَتحِ، ويوضح ذلك، أنه قال في سورة القَدْر: لو عُلم الوَقتُ الذي نزل فيه القرآنُ لعُلم الوَقتُ الذي يُرفع فيه . فهذا ما ذكره. ومن كتاب إلى الديوان: ((أشْقى الأُمراء من سَمَّن كيسَهُ وأهزل الخَلْقَ، وأبعدهم من الحقِّ من أخذ المَكْس وسمَّاه الحقَّ. ولمَّا فَتَحنا الرَّقَّة أشرفنا على سُحتٍ يُؤكل، وظُلمِ ممَّا أمَرَ اللهُ به أن يُقطع، وأمَرَ الظَّالمون أن يُوصل، فأوجَبْنا على كافة الوُلاة من قِبَلنا أن يضعوا هذه الرُّسوم بأسرها، ويلقوا الرَّعايا من بشائر أيام ملكنا بأسرها، وتعتق الرَّقَّة من رقها، وتُسَد هذه الأبواب وتُعَطَّل، وتُنسخ هذه الأُمور وتُبَطَّل، ويعفى خبر هذه الضَّرائب من الدواوين ويُسامح بها جميعها جميع الأغنياء والمساكين مُسامحة ماضية الأحكام، دائمة الخُلود، خالدةَ الدَّوام، تامَّةَ البلاغ، بالغة التَّمام، ملعونًا من يطمحُ إليها ناظرُه))(١). ومنه: ((وإذا وَلاَه أمير المؤمنين ثَغرًا لم يثبت(٢) في وَسَطه، ولم يَقُم في ظلِّ غُرفه، بل يَبِيتُ السَّيفُ له ضجيعًا، ويُصبح ومُعْتركُ الحرب له ربيعًا، لا كالذين يغبُّون أبوابَ الخلافة إغباب الاستبداد، ولا يؤامرونها في تصرفاتها مؤامرة الاستعباد، وكأنَّ الدُّنيا لهم إقطاعٌ لا إيداعٌ، وكأنَّ الإمارةَ لهم تَخْليدٌ لا تقليدٌ. وكأنَّ السِّلاحَ عندهم زينةٌ لحامله ولابسه، وكأنَّ مالَ الله عندهم وديعةٌ، لا عُذْرَ لمانعه ولا لحابسه، وكأنَّهم في البُيُوت الدُّمى في لُزُوم خُدُورها(٣)، لا في مُسْتَحسنات صُورها، راضين من الدين بالعُروة اللقبية، ومن إعلاء كَلِمته (١) من الروضتين ٢/ ٤٧ . (٢) في المطبوع من الروضتين: ((لم يبت)). (٣) في المطبوع من الروضتين: ((جدرها)). ٤٨٥ بما يسمعونه على الدَّرَجات الخَشَبية، ومن جهاد الخَوارج باستحسان الأخبار المُهَلَّبية، ومن قتال الكُفَّار بأنَّه فَرْضُ كفايةٍ، تقومُ به طائفةٌ فيسقط عن الأخرى. وفيها سارَ السُّلطان بجيوشه إلى الكَرَك فحاصرها، ونَصَبَ عليها المجانيق، ثم جاءته الأخبار باجتماع الفِرَنج، فترك الكَرَك، وسار إليهم بعد أن كان أشرف على أخذها، فخالفوه في الطريق إلى الكَرَك، وأتوا إليها بجموعهم، فسار إلى نابُلُس، ثم إلى دمشق. وأعطى أخاه نائب مصر المَلِكَ العادل سيفَ الدين حَلَب وأعمالها، فإنه ألحّ عليه في طَلَبها. فَسَارَ إليها، وانتقل منها المَلِك الظَّاهر غازي، وقَدِم على والده. وبَعَثَ السُّلطان ابنَ عَمِّه المَلِك المُظفَّر تقي الدين عُمر صاحب حَمَاة على نيابة الدِّيار المصرية مَوْضع الملك العادل . سنة ثمانين وخمس مئة فيها جَعَلَ الخليفة الناصر مَشهد موسى الكاظم أمْنًا لمَن لاذَ به، فالتجأ إليه خَلقٌ، وحَصَلَ بذلك مَفَاسدُ. وفي صَفَرِ راهَنَ رجلٌ ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غُدوة إلى الظُّهر، فدُفن وأُهيل عليه التُّراب، ثم كُشف عنه وَقْت الظّهر، فوُجد مَيِّنًا وقد عضض سواعده لهول ما رأى. وفيها كتب زين الدين بن نُجَيَّة الواعظ (١) كتابًا إلى صلاح الدين يُشوِّقه إلى مصر ويَصفُ مَحاسنَها، ومواضع أُنسها. فكتب إليه السُّلطان، بإنشاء العماد فيما أظنُّ: ((وَرَدَ كتاب الفقيه زين الدين: لا ريب أنَّ الشَّامَ أفضلُ، وأجرَ ساكنه أجزلُ، وأنَّ القُلوبَ إليه أمْيلُ، وأنَّ زُلالَهُ البارد أغْلَى وأنْهَلُ، وأنَّ الهواءَ في صيفه وشتائه أعْدَلُ، وأنَّ الجَمالَ فيه أجملُ وأكملُ، وأنَّ القَلْبَ به أرْوحُ، وأنَّ الرُّوحَ به أقْبلُ. فدمشق عاشِقُها مُسْتَهامٌ، وما على مُحِبِّها مَلامٌ، وما في رَبَوتها ريبة، ولكل نور فيها شبيبة، وساجعاتها على منابر الوَرِق خطباء تُطرب، (١) هو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الدمشقي الحنبلي الآتية ترجمته في وفيات سنة ٥٩٩ من هذا الكتاب. ٤٨٦ وهزاراتها وبلابلها تُعجم وتُعرب، وكم فيها من جوارٍ ساقيات، وسواقٍ جاريات، وأثمار بلا أثمان، وفاكهة ورُمَّان، وخَيرات حسان، وكونه تعالى أقسم به فقال: ﴿وَالِّينِ وَالزَُّونِ (٣٠)﴾ [التين] يدلُّ على فَضْله المكنون، وقال وَلَه: ((الشَّامُ صَفْوةُ الله من بلاده، يَسُوقُ إليها خِيرتَهُ من عباده))(١). وعامَّةُ الصَّحابة اختاروا به المُقام. وفَتح دمشق بكر الإسلام. وما يُنكر أنَّ الله تعالى ذَكَر مصر، لكنَّ ذلك خرج مخرج العَيب له والذَّمِّ؛ ألا ترى أنَّ يوسف عليه السلام نُقْلَ منها إلى الشَّامِ. ثم المُقام بالشام أقرب إلى الرِّباط، وأوجب للنَّشاط. وأين قطوب المُقطَّم من سنا سَنِير(٢) وأين ذرى مَنْف(٣) منِ ذِروة الشَّرَف المُنير؟ وأين (٤) لُبانة لبنان من الهَرَمَين؟ وهل هما إلا مثل السَّلْعتين؟ وهل للنِّيل مع طول نَيله وطول ذَيله برد بَرَدى في نَفْع العليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل. وإنْ فاخَرنا بالجامع(٥) وفيه النَّسْر، ظهر بذلك قِصَر القَصْر، ولو كان لهم مثل باناس، لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوَطَنَ كما جفوته، وحبُّ الوَطَن من الإيمان، ونحن لا ننكر فَضلٍ مصر، وأنَّه إقليمٌ عظيمٌ، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضلي: إنَّ دمشق تصلُحُ أن تكون بستانًا لمصر(٦). وفيها هَجَمَ السُّلطان نابُلُس، وكان وَصَلَ لنَجْدته عَسکر ديار بكر وعَسكر آمد والحِصن والعادل من حَلَب وتقي الدين من حَمَاة ومُظفَّر الدين صاحب إربل؛ هكذا ذكر أبو المُظفَّر في ((مرآته)). قال (٧): نازل الكَرَك ونَصَبَ عليها (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٧١٨)، والحاكم ٥٠٩/٤ - ٥١٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١١٩/١ من طريق سليم بن عامر عن أبي أمامة، به، وفي إسناده عفير بن معدان وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٧٩٦) وفي مسند الشاميين (١٣٤١)، وابن عساكر ١١٩/١ من طريق القاسم عن أبي أمامة، وفيه عبدالعزيز بن عبيدالله وهو ضعيف أيضًا. ويروى من حديث ابن عمر وواثلة بن الأسقع وعبدالله بن حوالة الأزدي. انظر تاريخ ابن عساكر ١١٩/١ - ١٢٠، ومجمع الزوائد ٥٩/١٠ - ٦٠. (٢) المقطم جبل قرب القاهرة معروف، وسنير جبل بين حمص وبعلبك. (٣) اسم مدينة فرعون مصر. (٤) من هنا إلى قوله ((السلعتين))، ليس في المطبوع من الروضتين ٥٩/٢ فكأنه سقط منه. (٥) يعني: جامع دمشق. (٦) هذا كله من الروضتين ٥٨/٢ - ٥٩ . (٧) مرآة الزمان ٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣. ٤٨٧ المَجَانيق، فجاءتها نَجْدات الفِرَنج من كل فَجِّ، وأجْلَبوا وطَلَبوا. واغتنم الشُّلطان خُلُوَّ السَّواحل منهم، ورأى أنَّ حصارهم يَطُول، فسار ونزل الغَوْر وهَجَمَ نابُلُس، فقَتَلَ وسَبَى، وطَلَعَ على عَقَبَة فِيق، ودَخَلَ دمشق. وأمَّا ابن الأثير، فقال(١): نازل الكَرَك، ونَصَب المَنْجنيقات على ربَضَه ومَلَكه، وبَقِيَ الحِصْن وهو والرَّبَضِ على سَطْح واحدٍ، إلا أنَّ بينهما خَنْدِقًا عظيمًا، عُمقه نحو ستين ذِراعًا، فأمَرَ السُّلطان بإلقاء الأحجار والتُّراب فيه ليطمَّه، فلم يقدروا على الدُّنُوِّ منه لكَثْرة التُّشَّاب وأحجار المجانيق، فأمَرَ أن يُلقى من الأخشاب واللّين ما يمكن الرجال يَمْشون تحت السقائف، فيُلْقُون في الخندق ما يطُقُّه، ومَجَانيق المسلمين مع ذلك تَرْمي الحِصْن ليلاً ونهارًا، فاجتمعت الفِرَنج عن آخرها، وساروا عَجِلين، فَوَصَلَ صلاح الدينِ إلى طريقهم يتلقاهم، فقرُب منهم، ولم يمكن الذُّنُّوُ منهم لخُشونة الأرض وصُعوبة المَسْلك، فأقامَ ينتظرُ خُروجهم إليه، فلم يبرحوا منه، فتأخَّر عنهم، فساروا إلى الكَرَك، فِعَلِمَ صلاح الدين أنَّ لا يتمكّنُ منهم حينئذٍ، ولا يبلغُ غَرَضِهِ، فسار إلى نابُلُس، ونَهَبَ كلَّ ما على طريقه من قُرى الفِرَنج، وأحرق نابُلُس وأسَرَ وسَبَى، واستنقذ الأسرى، وبثَّ السَّرايا يمينًا وشمالاً . قال(٢): وفي شعبان خَرَجَ ابن غانية المُلثَّم وهو علي بن إسحاق، من كبار المُلِثَّمين الذين كانوا مُلوك المَغْرب، وهو حينئذٍ صاحب مَيُورقة، إلى بَجَّاية فَمَلَكَها بقتالٍ يسيرٍ، وذلك إثر موت يوسف بن عبدالمؤمن، فقَوِيَت نفس ابنٍ غانية وكَثُرَ جموعُهُ، ثم التقاه مُتولِّي بَجَّاية، وكان غائبًا عنها. وكَسَرَ عليّ مُتولَّ بَجَّاية، فانهزم إلى مَرَّاكُش، واستولى ابن غانية على أعمال بَجَّاية سوى قُسَنْطينية الهواء (٣)، فحَصَرها إلى أن جاء جيش المُوحِّدين في صَفَر سِنة إحدى وثمانين في البَرِّ والبَحْر إلى بَجَّاية، فَهَرَبَ منها أخَوَا ابن غانية فلَحِقًا بِهِ، فترحل عنٍ قُسَنْطينية، وسار إلى إفريقية، فحَشَدَ وجَمَعَ، والتفتِ عليه سُلَيم ورياح والتُّرك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وبوزبا(٤) وصاروا في جيشٍ عظيمٍ، فتملّك بهم ابن غانية جميعَ بلاد إفريقية، سوى تونس والمَهْدیة، حَفِظَتهما عساكرُ الموحدين على شدَّةٍ وضيقٍ نالهم، وانضاف إلى ابن غانية كُلُّ (١) الكامل ٥٠٦/١١ - ٥٠٧. (٢) الكامل ٥٠٧/١١ - ٥٠٨ و٥١٩ - ٥٢٢ بتصرف. (٣) ينظر معجم البلدان لياقوت ٣٤٩/٤ (ط. بيروت). (٤) بوزبا، ويكتب بوزابة أيضًا، كان من مماليك تقي الدين ابن أخي صلاح الدين. ٤٨٨ مُفسدٍ وكلُّ حَرَامي، وأهلكوا العباد والبلادٍ، ونَزَلَ على جزيرة باشُوْ(١) وهي بقُرب تونس، تشتملُ علَى قُرى كثيرةٍ، فطَلَب أهلُها الأمان فأمَّنهم، فلمّا دخلها عَسْكره نَهَبوها وسَلَبوا الناس، وامتدَّتَ أيديهم إلى الحَرِيم والصِّبيان، والله المستعان. وأقامَ ابن غانيةٍ بإفريقية الخُطبة العباسيةَ، وأرسل إلى الناصر لِدِين الله يَطلبُ منه تَقْليدًا بالسَّلْطنة. ونازل قَفصة في سنة اثنتين وثمانين، فتسلّمها من نُوَّاب ابن عبدالمؤمن بالأمان وحَصَّنها. فجهّز يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن جُيوشه، وسار في سن ثلاثٍ لحَربه، فوصَلَ إلى تونس، وبعث ابن أخيه في ستة آلاف فارس، فالتقوا، فانهزم المُوحدون لأنَّهم كان معهم جماعة من التُّرك، فخامروا عليهم حالَ المصافِّ، وقُتل جماعةٌ من كبار المُوحدين، وكانت الوَقْعة في ربيع الأول سنة ثلاثٍ. فسار يعقوب بنفسه، فالتقوا في رجب بالقُرب من مدينة قابس فانهزمَ ابن غانية، واسْتَحَرَّ القَتْل بأصحابه فتمزَّقوا، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها، وأخذ منها أهل قراقوش، فبعثهم إلى مَرَّاكَش. ونازل قَفصة فحاصرها ثلاثة أشهر، وبها التُّرك، فتسلموها بالأمان. وبعث بالأتراك ففرّقهم في الثُّغور لِمَا رأى من شجاعتهم، وقتل طائفةً من المُلثَّمين، وهَدَمَ أسوار قَفصة، وقطع أشجارها. واستقامت له إفريقية بعدما كادت تخرجُ عن بيت عبدالمؤمن. وامتدَّت أيام ابن غانية إلى حُدود عام ثلاثين وست مئة. وفي جُمادى الأولى جَمَعَ السُّلطان الجيوش، وسار إلى الكَرَك فنازلها، ونزل بواديها، ونَصَبَ عليها تسعة مَجانيقٍ قُدَّام الباب، فهدَّمتِ السُّور، ولم يَبْقَ مانع إلا الخَنْدق العميق، فلم تكن حيلةٌ إلا رَدمُه، فَضُربَ اللَّبن، وجُمعتْ الأخشاب، وعَمِلوا مثل دَرْب مَسْقوف يمرُّون فيها، ويَرْمون التُّراب في الخَنْدق، إلى أن امتلأ، بحيث إنَّ أسيرًا رَمَى بنفسه من السُّور إليه ونَجًا وكاتبت الفِرَنج من الكَرَك سائر مُلوكهم وفُرسانهم يستمدُّون بهم، فأقبلوا من كل فَجِّ في حَدِّهم وحديدهم، فنزلوا بمَضَايق الوادِي، فَرَحَلَ السُّلطان، ونزل على البَلقاء، وأقام ينتظر اللقاء، فما تَغيَّروا، فتَقَهْقر عن حُسبان فراسخ. فوصلوا إلى الكَرَك، فقَصَدَ السُّلطان السَّاحلِ لخُلُوِّه، ونَهَبَ كلَّ ما في طريقه، وأسَرَ وسَبَى، فأكثر وبَدَّع بسَبَسْطية وجينين، ثم قَدِمَ دمشق . (١) في أ: ((باشر له))، وفي المطبوع من الكامل لابن الأثير ٥٢٠/١١: ((باشرا)) لكنها وردت على الصواب في نسخة أخرى فلم يوفق المحقق بحيث رجح الخطأ على الصواب من غير دليل، وما أثبتناه يعضده ما نص عليه ياقوت في معجم البلدان ١/ ٣٢٤. ٤٨٩ ومن كتاب عمادي في حِصار الكَرَك، يقول: «لولا الخَنْدق الذي هو وادٍ لسَهُل المشرعِ، فَعَمِلنا دَبَّابات قدَّمناها، وبنينا إلى شفيره ثلاثة أسراب باللّبن وسَقَفناها، وشَرَعنا في الطَّمِّ، وتَسارَعَ الناس ولم يَبْقَ إلا من يستبشر بالعَمَل، وتَجاسَروا حتى ازدحموا نهارًا، كازدحامهم يوم العيد، وليلاً كاجتماعهم في جامع دمشق ليلة النصف السَّعيد، وهم من الجراح سالمون، وبنَصْر الله مُوقنون، وإنْ أبطأ العدوُّ عن النَّجدة، فالنَّصْر قريبٌ سريعٌ، والحِصْن بمن فيه صریع، قد خَرَّقت الحِجارةُ حجابهُ، وقُطِّعت بهم أسبابه، وناولته من الأجلٍ كتابه وحَسَرَت لِئامَ سُوره وحَلَّت نِقابه، فأنوف الأبراج مَجْدوعة، وثنايا الشُّرُفات مَقْلوعة، ورؤوس الأبدان مَحزوزة، وحروف العوامل مَهْموزة، وبُطون السُّقوف مَبْقورة، وأعضاء الأساقف مَعْقورة، وِوُجوه الجُدُر مَسْلوخة، وجُلود البواشير مَبْشورة(١)، والنَّصْر أشهر من نارٍ على عَلَم، والحَرْب أقوم من ساقٍ على قَدَم))(٢). وقَدِمِ السُّلطانَ وبدمشقِ الرَّسولان شيخ الشُّيوخِ صَدْر الدين والطّواشي بشير، فمَرِضا، ومات جماعةٌ من أصحابهما. وكان الشيخ نازلاً بالمُنَييع، فكان السُّلطان يَعُودُه في كل يوم. وكان قُدومهما فِي الصُّلَح بين السُّلطان وبين عِزِّ الدين صاحب المَوْصل، فلم ينبرم أمرٌ، فطَلَبا العَوْد إلى بغداد، وعادا، فمات بشير بالسُّخْنة(٣)، وشيخ الشَّيوخ بالرَّحبة . وأذن السُّلطان للجُيوِشِ بالرُّجوع إلى أوطانهم. وخَلَعَ على نور الدين بن قَرا رسلان صاحب حِصْن كَيْفا الخِلْعة التي جاءته هذه المرّة من الخليفة بعد أن لَبِسَها السُّلطان. ثم كتب لزَيْن الدين يوسف ابن زين الدين علي صاحب إربل مَنْشورًا بإربل وأعمالها لمَّا اعتزى إليه، وفارق صاحب المَوْصل. ثم وَصَلت رُسُل زَين الدين يوسف إلى السُّلطان بأنَّ عَسكر المَوْصل وعَسكر قزل صاحب العَجَم نازلوا إربل مع مُجاهد الدين قَيْماز. وأنَّهم نَهَبوا وأحرقوا، وأنَّه نُصر عليهم وكَسَرَهم، فكان هذا مما حرَّك عَزْمَ السُّلطان على قَصْد المَوْصل هذه المرّة. فسار السُّلطان على طريق البقاع وبَعْلَبَك، ثم حِمْص وحَمَاة، فأقام بحَمَاة إلى انسلاخ السَّنة . وفيها مات صاحب مارِدين قُطب الدين إيلغازي ابن نَجْم الدين الأرتقي. (١) البواشير: جمع الباشورة، وهو نوع من الحصون التي يتحصن بها الجند كما فصله دوزي في معجمه ١/ ٣٥٠. (٢) ينظر النص في الروضتين ٥٦/٢ ومنه نقل المصنف وفي المطبوع منه تصحيف وتحريف. (٣) بليدة في برية الشام بين دمشق والرحبة. ٤٩٠ بِسْمِ اللهِ الرَّحْيِ (الوفيات) سنة إحدى وسبعين وخمس مئة ١- أحمد بن علي بن محمد بن العباس، الشريف أبو جعفر ابن المقشوط(١) الهاشميُّ البغداديُّ. توفي في ربيع الآخر(٢). ٢- إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، أبو محمد القَيْسيُّ الدِّمشقيُّ الواعظ . سمع من ابن الأكفاني، وغيره. وعنه أبو القاسم بن صَصْرَى(٣). ٣- الخَضِر بن محمد بن نَمِر، أبو الحسن الإشبيليُّ الضَّرير الفقيه الظاهريّ قال الأبار(٤): كان يُجتمع إليه ويُناظر عليه. أخذ عنه مفرِّج بن حُسين الضَّرير، وغيرُه. ٤- طَغدي بن خُمارتكين، أبو محمد التُّرکيُّ، من شيوخ بغداد. سمع أبا القاسم الرَّبعي، وابن بَدْران الحُلواني. روى عنه ابن الأخضر، ومنصور بن السََّن، وغیرُه. توفي في ذي الحجَّة(٥) . ٥- عبدالله بن حمزة بن محمد بن سماوة، أبو الفَرَج الكِرْمانيُّ ثم الچِيرُفْتِيُّ ثم الدِّمشقيُّ. (١) هكذا كتبه المصنف بالقاف، وهو معروف بالكاف ((المكشوط))، فلعل هذا من تصرف المصنف . (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٧٢ (شهيد علي). (٣) لابن صصرى هذا معجم شيوخ، ومنه ينقل المؤلف عادة، ولكن لم يصل إلينا. (٤) التكملة ١/ ٢٥٢. (٥) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر المحتاج منه ١٢١/٢ - ١٢٢. ٤٩١ تفقه على جمال الإسلام السُّلمي، ووَليَ خطابة دُومة زمانًا. روى عن جمال الإسلام. روى عنه أبو المواهب بن صَصَرى، وقال: كان ثقةً صالحًا. توفي في ربيع الآخر وهو في عشر الثَّمانين. وروى عنه أيضًا أبو القاسم بن صصری. ٦- عبدالله بن محمد بن سَهْل، أبو محمد الغَرْناطيُّ الضَّرير المُقریء، ویعرف بوجه نافخ. أخذ القراءات عن أبي الحسن بن دُري، ولازمه، وعن عبدالرحيم بن الفَرَس وسمع منهما، ومن غالب بن عطية، وجماعةٍ. وأجاز له أبو علي بن سُگّرة، وغیرُه. قال الأبار(١): كان بارعًا في العربية. حدث عنه ابنه أبو عبدالله، وابن عيَّاد. توفي في ذي القَعْدة. ٧- عبدالحقِّ بن سُليمان، أبو عبدالله القَيْسيُّ التِّلمسانيُّ، قاضي تلمسان . سمع القاضي أبا بكر ابن العَرَبي، وغيرَه. قال الأبار (٢): كان جليلَ القَدْرِ، عظيمَ الوَجاهة، يستظهرُ ((مقامات الحريري))، ثم تزَّّد ورَفَضَ الدُّنيا، وحَجَّ وجاور، وأجهد نفسه صلاةً وصَوْمًا وطوافًا. وتوفي بالمدينة النَّبوية كَهْلاً. ٢- عبدالرحمن بن خَلَف الله بن عطية. في المُتوفين تقريبًا(٣). ٨- عبدالرحمن بن محمد بن محمد، أبو محمد السُّلميُّ المِكْناسيُّ الكاتب الأديب. قال الأبار(٤): خُتمت به البلاغة بالأندلس، ورَأسَ في الكتابة، وديوان رسائله بأيدي الناس يتنافسون فيه. وكتب لأبي عبدالله محمد بن سعد، وغيره من الأمراء. وتوفي کَهْلاً، رحمه الله. (١) التكملة ٢/ ٢٧١. (٢) التكملة ٣/ ١٢٥. (٣) كذا قال، ولم يترجمه. (٤) التكملة ٣/ ٢٩. ٤٩٢ ٩- عثمان بن عبدالمَلِك اللَّخميُّ الصَّفَّار الواعظ. · سمع أبا الحسن ابن العَلَّف، وابن فَتْحان الشهرزوري، وابن بيان. روى عنه ابن الأخضر، وغيره(١) . ١٠- علي بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن سَعْد الخَيْرِ، أبو الحسن البَلَنْسِيُّ البَلَد الأنصاريُّ النَّحويُّ. قال الأبار(٢): سمع من أبي محمد القَلَنِّي(٣)، وأبي الوليد ابن الدَّبَّاغ. ولازَمَ أبا الحسن ابنِ النِّعمة وتأذَب به. وكان عالمًا بالعربية واللّغة، إمامًا في ذلك، أقرأها حياتهُ كلَّها. وكان بارعَ الخطِّ، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مُجيدًا، مُوَلدًا. وكانت فيه غَفْلةٌ معروفةٌ، وله مُصَنَّف على كتاب ((الكامل)) للمُبرِّد، وغيرُ ذلك. توفي بإشبيلية في ربيع الآخر. وقيل: توفي سنة سبعين. ١١- علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله بن الحُسين، الحافظ الكبير أبو القاسم ثِقةُ الدين ابن عساكر الدِّمشقيُّ الشَّافعيُّ، صاحب «تاريخ دمشق))، أحدُ أعلام الحديث. وُلد في مُسْتهل سنة تسع وتسعين وأربع مئة. وسمَّعه أخوه الصَّائن هبة الله سنة خمسٍ وخمس مئة وبعدها من الشريف أبي القاسم النَّسيب، وأبي القاسم قوام بن زيد، وأبي الوَحْش سُبَيع بن قِيراط، وأبي طاهر محمد بن الحُسين الحِنَّائي، وأبي الحسن ابن المَوَازيني، وأبي الفَضَائل الماسح، ومحمد بن علي المِصِّيصي. ثم سَمِعَ بنفسه من أبي محمد ابن الأكفاني، وأبي الحسن بن قُبَيس المالكي، وعبدالكريم بن حمزة، وطاهر بن سَهْل، ومن بعدهم . ورحل إلى بغداد سنة عشرين، فأقام بها خمس سنين(٤). وحجَّ في سنة (١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٠٧ (باريس ٥٩٢٢). (٢) التكملة ٢١٢/٣ - ٢١٣. (٣) هذه النسبة لم يذكرها السمعاني في ((الأنساب))، ولا استدركها عليه عز الدين ابن الاثير في ((اللباب))، فتستدرك عليهما، وهي نسبة إلى ((قَلَنَّة)) بلدة بالأندلس. (٤) ينظر بحثنا ((ابن عساكر في بغداد، أخذ وعطاء)) المنشور في العدد الأول من مجلة التراث السورية (دمشق ١٩٧٩). ٤٩٣ إحدى وعشرين، فسمع بمكَّة من عبدالله بن محمد بن الغَزَال(١) المصري صاحب كريمة المَرْوَزية. وسمع ببغداد من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي الحسن الدِّينَوري، وأبي العِزِّ بن كادش، وقرَاتِكين بن أسعد، وأبي غالب ابِن البَنَّاء، والبارع أبي عبدالله الدَّبَّاس، وهبة الله الشُّروطي، وخَلْقِ كثيرٍ. وعلَّقَ ((مسائل الخلاف)) على أبي سَعد إسماعيل بن أبي صالح المُؤذِّن. ولازَمَ الدَّرس والتَّفَقه بالنِّظامية، ورجع بعِلْم جَمٍّ وسماعاتٍ كثيرةٍ. وسمع بالكوفة من عُمر ابن إبراهيم العَلَوي. ثم رحل سنة تسع وعشرين على أذْرَبيجان إلى خراسان، وجالَ في بلادها، ودخل إلى أصبهان، وبَقِيَ في هذه الرِّحلة نحو أربع سنين، فسمع أبا عبدالله محمد بن الفَضْلِ الفُرَاوي، وعبدالمُنعم ابن القُشَيري، وهبة الله السَّيِّدي، وتميم بن أبي سعيد الجُرجاني الهَرَوي، ويوسف بن أيوب الزَّاهد، وزاهر بن طاهر الشَّخَامي، والحُسين بن عبدالمَلِك الأديب، وسعيد بن أبي الرَّجاء، وغانم بن خالد، وإسماعيل بن محمد الحافظ، والمَوْجودين في هذا العصر . وخرَّج أربعين حديثاً في أربعين بَلَدًا كالسِّلَفي. وعدَّة شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ وثمانون امرأة ونيّق. وحدث بخُراسان وأصبهان وبغداد. وسمع منه الكبار كالحافظ أبي العلاء الهَمَذَاني، والحافظ أبي سَعد السَّمْعاني. وصنَّ الثَّصانيفَ المُفيدةَ، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرِّجال منه، ومن تصفّح ((تاريخه)) عَلِمَ قدر الرجل. وأجاز له من الكبار أبو الحسن ابن العَلَّف، وأبو القاسم بن بيان، وأبو علي بن نَبْهان وأبو الفَتح أحمد بن محمد الحَدَّاد، وغانم البُرجي، وأبو بكر بن عبدالغفَّار الشِّيروبي، وأبو علي الحَدَّاد، وأبو صادق مرشد بن يحيى، وأبو عبدالله الرَّازي، وطائفةٌ . روى عنه ابنه القاسم، وبنو أخيه فَخر الدين أبو منصور، وتاج الأمناء، وزين الأمناء، وعبدالرحيم، وعزّ الدين النَّسَّابة محمد ابن تاج الأمناء، والحافظ أبو المَوَاهب بن صَصَرى، وأخوه أبو القاسم الحُسين، والقاضي أبو (١) بالتخفيف، قيده المصنف في المشتبه ٤٨٤ . ٤٩٤ القاسم ابن الحَرَستاني، وأبو جعفر القُرطُبي، والحافظ عبدالقادر، وأبو الوَحْش عبدالرحمن بن نسيم، والحسن بن علي الصَّيْقلي، وصالح بن فلاح الزَّاهد، وظهير الدين عبد الواحد بن عبدالرحمن بن سُلطانِ القُرشي، وأبو العِزِّ مُظفَّر بن عَقِيل الشَّيباني الصَّفَّار والد النَّجيب، والصَّائن نَصْر الله بن عبدالكريم ابن الحَرَستاني، والبَدْر يونس بن محمد الفارقي الخطيب، والقاضي أبو نَصْر ابن الشِّيرازي، ومحمد ابن أخي الشَّيخ أبي البيان، وعبدالقادر بن الحُسين البغدادي، ونَصْر الله بن فِتْيان، وإبراهيم وعبد العزيز ابنا الخُشُوعي، ويونس بن منصور السَّقْباني، وإدريس بن الخَضِر السَّقْباني، ومحمد بن رومي السَّقْباني، وحاطب بن عبدالكريم المِزِّي، وذاكر بن عبدالوهاب السَّقْباني، وذاكر الله بن أبي بكر الشَّعيري، ومحمد بن غسّان، ومحمد بن عبدالكريم بن الهادي، والمُسَلَّم بن أحمد المازني، وعبدالعزيز بن محمد ابن الدَّجاجية، وعبدالرحمن ابن عبدالمؤمن زُرَيق العطّار، وشعبان بن إبراهيم، ومحمد بن أحمد بن زُهیر، ومحمود بن خُضَير الدَّارانيون، وعبدالرحمن بن راشد البيت سَوَائي، ونَجم الأُمناء عبدالرحمن بن علي الأزدي، وعُمر بن عبدالوهاب ابن البَرَاذعي، وعتيق السَّلْماني، وبهاء الدين علي ابن الجُمَّيزي، وعبدالمُنعم بن محمد بن محمد بن أبيِ المَضَاء نزيل حَمَاة ومات في آخر سنة أربع وأربعين، والرَّشيد أحمد بن مَسْلَمة، وعبدالواحد بن هلال، وخَلْقٌ آخرهم وفاةً أبو محمد مكي بن المسلم بن عَلَّن(١). وقد روى عنه الكثير أبو سَعد السَّمْعاني، ومات قبل ابن علان بتسعين سنة . فمن تصانيفه ((التاريخ))(٢) ثمان مئة جزء، و((المُوافقات)) اثنان وسبعون جزءًا، و((الأطراف التي للسُّنن)) ثمانية وأربعون جزءًا، و((عوالي مالك)) أحد وثلاثون جزءًا، و((التالي لحديث مالك العالي)) تسعة عشر جزءًا، و((غرائب مالك)) عشرة أجزاء، ((ومُعجم القُرى والأمصار)) جزء، و((مُعجم شيوخه)) اثنا عشر جزءًا، و((مَناقب الشُّبَّان)) خمسة عشر جزءًا، و((فَضْل أصحاب الحديث)) أحد عشر جزءًا، و((السُّباعيات)) سبعة أجزاء، وكتاب («تَبْبين كَذِب المُفتري فيما (١) توفي سنة ٦٥٢ . (٢) يعني: تاريخ دمشق، وهو مطبوع منتشر مشهور. ٤٩٥ نُسب إلى الأشعري)) مُجلَّد، و(المُسْلسلات)) له مُجلَّد، وكتاب ((فَضْلِ الجُمُعة)) مُجلَّد، و((الأربعون الطِّوال)) ثلاثة أجزاء، و((عوالي شُعبة)) مُجلَّد، و((كتاب الزَّهادة في تَرْك الشَّهادة)) مُجلَّد، و((عوالي الثوري)) مُجَيْليد، و((الأربعون الجهادية))، و((الأربعون البَلَدية))، و((الأربعون الأبدال))، و((مُسند أهل داريا)) مُجَلَّد، ((ومن وافقت كنيته كنية زوجته))، مجلد صغير، و((شيوخ النَّبَل)) مجلد لطيف، و((حديث أهل صنعاء الشام)) مُجلَّد صغير، و((حديث أهل قرية البلاط)) مُجلَّد صغير، و((فَضائل عاشوراء)) ثلاثة أجزاء، و((كتاب الزَّلازل)) ثلاثة أجزاء، و((ثواب المُصاب بالوَلَد)) جزءان، و((طُرُق قَبض العِلْم)) جزء، و((كتاب فَضْل مكة))، و((كتاب فَضْل المدينة))، و((كتاب فَضْل القُدْس))، وجزء ((فضائل عَسْقلان))، وجزء ((فيمن نزل المِزَّة))، وجزء في ((فضائل الرَّبوة والشَّيْرِب))، وجزء في ((مقام إبراهيم وبَرْزة))، وجزء في ((أهل قرية الحِمْيَريين))(١)، و((جزء أهل كَفَرْسُوسية))، و((جزء أهل كَفَرْبَطنا))، و((جزء بيت قُوفا))، و((بيت رانس))، و((جزء سَعد بن عُبادة))، و((المنيحة))، و((جزء أهل حَرَستا))، و((جزء أهل زَمْلَكا))، و((جزء بيت لِهْيا))، و((جزء جَوْبر))، و((جزء أهل حُرْدان))، و((جزء أهل جَدَيا))، و((جزء أهل بَرْزَة))، و((جزء أهل مَنِين))، و((جزء أهل بيت سوا))، و((جزء أهل بَعْلَبك))، وجزء ((المَبْسوط لمُنكر حديث الهُبوط))، و((الجواهر واللآلىء)» ثلاثة أجزاء، وغير ذلك. وأملى أربع مئة مجلس وثمانية مجالس في فُنون شتَّى، وخَرَّج لشيخه أبي غالب ابن البنَّاء ((مشيخة))، ولشيخه جمال الإسلام ((مشيخة))، وأربعين حديثًا مُصافحات لرفيقه أبي سَعد السَّمعاني، وأربعين حديثًا مُساواة لشيخه الفُرَاوي. وخَرَّج في آخر عُمُره لنفسه ((كتاب الأبدال)) ولم يُتِمَّه، ولو تمَّ لجاء في نحو مئتي جزء. ذكره ابن السَّمعاني في ((تاريخه))، فقال: كثيرُ العِلْم، غزيرُ الفَضْل، حافظٌ، ثقةٌ، مُتقنٌ، دَيِّزٌ، خَيٌِّ حَسنُ السَّمْت، جَمَعَ بين معرفة المُتُون والأسانيد، صحيحُ القراءة، مُتثبِّتٌ، مُحتاطٌ. رَحَلَ وتَعبَ، وبالَغَ في الطَّلَب (١) هكذا مجودة في النسخ، وهي نسبة إلى موضع بظاهر دمشق نزله جماعة من قبيلة حمير، ويقال فيه أيضًا: ((الحمريين))، كما في معجم الأدباء والسير. ٤٩٦ إلى أن جَمَعَ ما لم يَجْمع غيرُه، وأرْبى على أقرانه. ودخل نيسابور قبلي بشهر أو نحوه في سنة تسع وعشرين، فسمع بقراءتي وسمعتُ بقراءته مدة مُقامنا بها، إلى أن اتَّفق خروجُهُ إلى هراة وخروجي إلى أصبهان واجتمعتُ به ببغداد بعد رجوعه في سنة ثلاث وثلاثين. وسمعتُ منه كتاب ((المُجالسة)) بدمشق، و((مُعجم شيوخه)). وكان قد شَرَعَ في ((التاريخ الكبير)) لمدينة دمشق، وصنَّفَ التَّصانيف، وخرَّجِ التَّخاريج. وقرأتُ بخطَ ابن الحاجب، قال: حدثني زَين الأمناء، قال: حدثني ابن القَزْويني، عن والده مُدرّس النِّظامية، يعني أبا الخَيْرِ، قال: حَكَى لنا أبو عبدالله الفُراوي، قال: قَدِمَ أبو القاسم ابن عساكر فقرأ عليَّ ثلاثة أيام، فأكثر وأضْجَرَني، وآليتُ على نفسي أن أُغْلِق الغدَ بابي وأمتنع، فلمَّا أصبحتُ قَدِم علي شخصٌ فقال: أنا رسول رسول الله وَ له إليك. قلتُ: مَرْحبًا برسول رسول الله ◌َّه. فقال: رأيتُ رسولَ الله وَّه فِي النَّوم فقال لي: امض إلى الفُراوي وقُل له قَدِمَ بَلَدَكم رجلٌ من الشام أسمرُ اللَّون يطلبُ حديثي، فلا يأخُذك منه ضَجَرٌ ولا مَلَلٌ. قال القَزْويني: فوالله ما كان الفُراوي يقوم من المَجْلس حتى يقوم الحافظ ابتداءً منه . وقال ابنه القاسم أبو محمد الحافظ: كان رحمه الله مُواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يَخْتم في كلِّ جُمُعة، ويَخْتم في رمضان كلَّ يوم، ويَعْتكف في المَنَارة الشَّرْقية، وكان كثيرَ النَّوافل والأذكار. وكان يُحيي ليلة النصف والعيدين بالصَّلاة والذِّكر، وكان يُحاسب نفسَهُ على لَحْظةٍ تَذْهب في غير طاعةٍ. وقال لي: لمَّا حَمَلَت بي ◌ُمِّي رَأت في منامها قائلاً يقول لها: تَلِدين غلامًا يكون له شَأْن. وحدثني أنَّ أباه رأى رؤيا معناها: يُولدُ لك وَلَد يُحيي الله به السُّنَّة. حدثني أبي رحمه الله، قال: كنتُ يومًا أقرأ على أبي الفَتْح المُختار ابن عبدالحميد وهو يتحدَّثُ مع الجماعة، فقال: قَدِمَ علينا أبو علي ابن الوزير، فقلنا: ما رأينا مثله. ثم قَدِمَ علينا أبو سَعد ابن السَّمعاني فقلنا: ما رأينا مثله، حتى قَدِم علينا هذا، فلم نَرَ مثله. وحكى لي أبو الحسن علي بن إبراهيم الأنصاريُّ الحنبليُّ عن أبي الحسن سَعد الخَيْرِ، قال: ما رأينا في سِنِّ الحافظ أبي القاسم مثلهُ. وحدثنا محمد بن عبدالرحمن المَسْعودي، قال: سمعتُ أبا العلاء الهَمَذَانيَّ يقول لرجل وقد استأذنه أن يرحل، فقال: إنْ عرفتَ تاريخ الإسلام ٣٢٢/١٢ ٤٩٧ أُستاذًا أعرفَ منِّي أو في الفَضْلِ مثلي فحينئذٍ آذنُ لكَ أن تُسافر إليه، إلا أن تُسافر إلى الحافظ ابن عساكر، فإنَّه حافظ كما يجب. فقلتُ: من هذا؟ فقال: حافظ الشام أبو القاسم يسكنُ دمشق. وأثنى عليه. وكان يَجْري ذِكرُه عند خطيب المَوْصل أبي الفَضْل فيقول: ما نعلمُ من يستحقُّ هذا اللَّقَب اليوم، أعني الحافظ، ويكون به حقيقًا سواه. كذا حدثني أبو المواهب بن صَصْرى، وقال: لمَّا دخلتُ هَمَذَان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء، وقال لي: أنا أعْلمُ أنَّه لا يُساجل الحافظ أبا القاسم في شَأْنه أحدٌ، فلو خالَقَ الناس ومازَجَهم كما أصنع، إذًا لاجتمع عليه المُوافق والمخالف. وقال لي يومًا: أيُّ شيءٍ فُتح له، وكيف تَرَى الناسَ له؟ قلتُ: هو بعيدٌ من هذا كلِّه، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجَمعِ والتَّصْنيف والتَّسْميع حتى في نُزَههِ وخَلَوَاته. فقال: الحمد لله، هذا ثَمِرة العِلْم، ألا إنَّا قد حصلَ لنا هذا المَسْجد والدَّار والكُتُب، هذا يدلُّ على قلَّة حُظوظ أهل العِلْم في بلادكم. ثم قال لي: ما كان يُسمَّى أبو القاسم ببغداد ألا شُعْلة نارٍ من تَوَقُده وذكائه وحُسن إدراكه. وقال أبو المواهب: أما أنا فكنتُ أُذاكرُه في خَلَواته عن الحُفَّاظ الذين لَقِيهُم، فقال: أما ببغداد فأبو عامر العَبْدريُّ، وأما بأصبهان فأبو نَصر اليُونَارتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشْهرَ منه. فقلتُ له: فَعَلَى هذا ما رأى سيِّدُنا مثلهُ. فقال: لا تَقُل هذا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢]. قلتُ: وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .. ﴾ [الضحى]. فقال: نعم لو قال قائل: إنَّ عَيْنِيَّ لم تَرَ مثلي لَصَدَق . قال أبو المواهب: وأنا أقول لم أرَ مثلَهُ، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لُزُوم طريقةٍ واحدةٍ مدة أربعين سنة، من لُزُوم الصَّلوات في الصَّفِّ الأول إلا من عُذر، والاعتكاف في رمضان وعَشر ذيَ الحجّة، وعدم التَّطلّع إلى تَحصيل الأملاك وبناء الدُّور. وقد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرضَ عن طَلَب المَنَاصب من الإمامة والخطابة وأباها بعد أن عُرِضَت عليه، وقِلَّةِ التفاته إلى الأُمراء، وأخذِ نفسه بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المنكر، لا تأخذُهُ في الله لَوْمةُ لائم. قال لي: لما عزمتُ على التَّحديث، والله المطَّلعُ، أنَّه ما حَمَلَني على ذلك حبُّ الرِّياسة والتَّقدُّم، بل قلتُ: متى أروي كلَّ ما سمعتُ وأيُّ فائدةٍ ٤٩٨ في كوني أُخلِّفه بعدي صحائف؟ فاسْتَخَرتُ الله تعالى واستأذنت أعيانَ شيوخي ورؤساء البَلَد، وطُفتُ عليهم، فكلٌّ قال: ومن أحقُّ بهذا منك. فشَرَعتُ في ذلك في سنة ثلاثٍ وثلاثین. وقال عُمر بن الحاجب الحافظ: حَكَى لي زين الأُمناء أنَّ الحافظ لمَّا عزم على الرِّحلة اشترى جَمَلاً، وتَرَكه بالخان، فلمَّا رحل القَفل تجهز، وخَرَجَ فوجد الجَمَّال قد مات، فقال له الجماعة الذين خرجوا لِوَداعه: ارجع فما هذا فألٌ مُباركٌ، وفَتَّدوا عَزْمه، فقال: والله لو مشيتُ راجلاً لا أثنيت عَزْمي، وحمل خُرجِهُ لِمَا شرع، وتَبَعَ الرَّكب، واكترَى منهم في القَصِير. وكانت طريقه مباركة . وقال أبو محمد القاسم: قال لي والدي: لمَّا قَدِمتُ من سَفَري قال لي جَدِّي القاضي أبو المُفضَّل يحيى بن علي: اجلس إلى ساريةٍ من هذه السَّواري حتى نَجْلس إليك. فلمَّا عزمتُ على الجلوس اتَّفق أنَّه مَرِضَ ولم يُقَدَّر له بعد ذلك خروج إلى المسجد. وكان أبي رحمه الله قد سمع أشياء لم يُحصِّل منها نُسخًا اعتمادًا على نُسخ رفيقه الحافظ أبي علي ابن الوزير؛ وكان ما حَصَّله ابن الوزير لا يحصله أبي، وما حصله أبي لا يُحصِّله ابن الوزير، فسمعتُهُ يقول: رحلتُ وما كأنِّي رحلتُ. كنتُ أحسب أنَّ ابن الوزير يقدم بالكُتُب مثل الصَّحيحين وكُتُب البيهقي والأجزاء، فاتَّفق سُكناه بمَرْو، وكنتُ أؤمل وصولَ رفيقٍ آخر يوسف بن فارو الجَيَّاني، ووصولَ رفيقنا المُرادي، وما أرى أحدًا منهم قَدِمَ، فلابُدَّ من الرِّحلة ثالثاً وتَحْصيل الكُتُب والمهمَّات. فلم يَمْض إلا أيامٌ يسيرة حتى قَدِمَ أبو الحسن المُرادي، فأنزله أبي عندنا، فقَدِم بأربعة أسفاط كُتُب مَسْموعة، ففَرِحَ أبي بذلك، وكَفاه الله مَؤُونة السَّفَر، وأقبل على النَّسخ والاستنساخ، وقابل، وبَقِيَ من مَسموعاته نحو ثلاث مئة جزءٍ، فأعانه عليها ابن السَّمِعاني، ونقل إليه منها جُملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا . وكان كلَّما حَصَلَ له جزءٌ منها كأنَّه قد حَصَلَ على مُلك الدُّنيا . قلتُ: وله شِعر جَيِّد يُملي منه عقيب مجالسه، فمنه(١): (١) الأبيات في وفيات الأعيان ٣/ ٣١٠ وغيره. ٤٩٩ أيا نفسُ وَيْحِكِ جاءَ المَشيبُ فماذا التَّصابي وماذا الغَزَل توَلَّى شبابي كأنْ لم يكُن وجاء مَشِيبي كأن لم يَزَل فيالَيْتَ شِعري ممَّن أكون وما قدَّرَ اللهُ لي في الأزل سمعتُ أبا الحُسين اليُونيني يقول: سمعتُ أبا محمد المُنذري الحافظ يقول: سألتُ شيخَنا أبا الحسن علي بن المُفضَّل الحافظ عن أربعةٍ تعاصروا أيُّهم أحفظ؟ فقال: من؟ قلتُ: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر. فقال: ابن عساكر. فقلتُ: الحافظ أبو موسى المَدِيني، وابن عساكر. قال: ابن عساكر. فقلتُ: الحافظ أبو طاهر السِّلفي، وابن عساكر. فقال: السِّلَفي شيخُنا، السِّلَفي شيخُنا! قلتُ: يعني أنَّه ما أحَبَّ أن يُصرِّح بأنَّ ابن عساكر أفضل من السُّلَفي، ولَوَّح بأنَّه شيخُهُ، ويكفي هذا في الإشارة. قلتُ: والرَّجل وَرِعٌ ثَبْتٌ. وما أطْلَقَ أنَّه ما رأى مثل نفسه في جواب الحافظ أبي المَوَاهب إلا وهو بارٌّ صادق. وكذلك رأيتُ شيخَنا أبا الحَجَّاج المِزِّي يَمِيلُ إلى هذا. وأنا جازمٌ بذلك أنه ما رأى مثل نفسه. هو أحفظ من جميع الحُفَّاظ الذين رآهم من شيوخه وأقرانه. وقال الحافظ أبو محمد عبدالقادر الرُّهاوي: رأيتُ الحافظ السَّلَفي، والحافظ أبا العلاء، والحافظ أبا موسى، ما رأيتُ فيهم مثل ابن عساكر. قرأتُ بخطٍّ عُمر بن الحاجب، قال: حَكَى لي من أثقُ به أنَّ الحافظ عبدالغني(١)، قال: الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرفُ من البخاري لهم، ونَدِمَ على تَرْك السَّماعِ منه ندامةً كُلِّيَّة . وذكره ابن النَّجَّار في ((تاريخه))، فقال(٢): إمامُ المُحدِّثين في وَقته، ومن انتهت إليه الرِّياسة في الحِفْظ والإتقان والمعرفة التَّامة والثّقة، وبه خُتم هذا الشَّأن. روى عنه جماعةٌ وهو في الحياة، وحدثوا عنه بالإجازة في حياته. قال: وقرأتُ بخطُّ الحافظ مَعْمَر بن الفاخر في ((مُعجمه)): أخبرني أبو القاسم علي بن الحسن الدِّمشقي الحافظ من لَفْظه بِمِنَى إملاءً يوم النَّفْر الأول، (١) هو المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ هـ. (٢) نقله الدمياطي في المستفاد منه (١٤١). ٥٠٠