Indexed OCR Text

Pages 421-440

قُلْ للفقيه عُمارة يا خَيْرَ مَن أضْحَى يُؤلِّف خُطْبةً وخِطابا
اقْبَلْ نصيحةً من دعاك إلى الهُدَى قَلْ حِطْةٌ وادخل إلينا البابا
تَلْقَ الأئمةَ شافعين ولا تَجِدُ إلا لدينا سُنَّةً وكتابا
وعَلَيَّ إنْ يَعْلُو محلُّكَ في الوَرَى وإذا شفعتَ إليَّ كنتَ مُجابا
وتعجل الآلاف وحي ثلاثةٌ صلَةٌ وحقك لا تُعدُّ ثَوابا
فأجبتُهُ مع رسوله:
حاشاك من هذا الخِطاب خِطابا يا خيرَ أملاك الزَّمان نِصابا
فاشدُدْ يديكَ على صفاءِ مَحبَّتي وامنُنْ عليَّ وسُدَّ هذا البابا
ومن مليح قول عُمارة اليَمَني من قصيدة:
ولو لم يكن يدري بما جَهِلَ الوَرَى من الفَضْلِ لم تنفق عليه الفضائلُ
لئن كان منا قابَ قَوْسٍ فبيننا فراسخُ من إجلاله ومَراحلٌ
وله يرئي الصالح ابن رُزِّيك لمَّا قُتِلَ:
أفي أهلِ ذا النَّادي عليمٌ أُسائلُهُ فإنِّي لِما بي ذاهبُ اللُّبِّ ذاهلُهُ
سمعتُ حديثاً أحسدُ الصُمَّ عنده ويَذْهل واعيه ويخرسُ قائلُهُ
أرى الدَّسْتَ منصوبًا وما فيه كافلُهُ
وقد رابَني مَن شاهد الحال أنَّني
وإنِّي أرى فوقَ الوُجوه كآبةً تدلُّ على أنَّ الوُجوه ثَوَاكلُهُ
دَعُوني فما هذا بوَقْتِ بُكائه سيَأتيكم ظلُّ البُكاء ووبله
وله من قصيدة يمدحهم فذكر ما بينه لهم في المذهب :
أفاعِيلُهُم في الجُودِ أفعالُ سُنَّةٍ وإنْ خالفوني في اعتقاد التَّشَيُّع
ومن شعره الفائق :
لي في هوى الرشأ العُذْري أعذارُ لم يبقَ لي مُّذ أقر الدَّمعُ إنكارُ
لي في القُدُود وفيلَثْم الخُدُود وفي ضمِّ الثُّهودِ لُباناتٌ وأوطارُ
أولا فدعني وما أهوى وأختار
هذا اختياري فوافق إن رضيت به
لُمْني جُزافًا وسامِحني مُصارفةً فالنَّاسُ في دَرَجات الحُبِّ أطوارُ
وغُزَّ غيري ففي أسري ودائرتي في المَها درَّ قَلْبي لها دار
ومن كتاب فاضلي إلى نور الدِّين عن صلاح الدِّين في أمر المُصلبين،
٤٢١

وفي جُمْلتهم عُمارة اليَمَني: قَصْر هذه الخِدْمة على مُتجددٍ سار في الإسلام،
والمَمْلوك لم يزل يتوسّم من جُنْد مصر وأهل القَصْر أنَّهم أعداء وإن فَعَدت بهم
الأيام، ولم تزل عُيونه بمَقاصدهم موكَّلَة، وخطراته في التَّحرُّز منهم مُسْتعملة،
لا يخلو شهر من مكر يجتمعون عليه، وحيلة يُبرمونها. وكان أكثر ما
يَستروحون إليه المُكاتبات إلى الفِرَنْج، فسيّر ملك الفِرَنْج كاتبه جُرْج رسولاً
إلينا ظاهرًا، وإليهم باطنًا. والمَوْلى عالِمٌ أنَّ عادةً أوليائه المُستفادة من أدَبه أن
لا يبسطوا عقابًا مُؤلمًا، وإذا طال لهم الاعتقال خَلَّى سبيلهم. ولا يزيدهم العَفْوُ
إلا ضَراوةً، ولا الرِّقَّةُ عليهم إلا قَساوةً. وعند وصول جُرْج وَرَدَ إلينا كتابٌ ممن
لا نرتابُ به من قومه يذكرون أنَّه رسول مُخَاتَلة لا رسول مُجامَلة، حامل بليّة،
لا حامل هدية. فأوهمناه الإغفال، فتوصَّل مرةً بالخُروج إلى الكنيسة إلى
الاجتماع بحاشية القَصْر وأعوانهم، فنقلت إلينا أحوالهم فأمسكنا جماعة
متمرِّدة قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، وكُلّ أخذَ الله بذَنْبه، فمنهم من
أقرَّ طائعًا، ومنهم من أقرَّ بعد الضَّرْب وانكشفت المَكْتومات، وعَيَّنوا خليفةً
ووزيرًا. وكانوا فيما تقدَّم، والمَمْلوك بالعَسْكر على الكَرَك والشَّوْبك، قد
كاتبوهم، وقالوا لهم إنَّه بعيد، والفُرْصة قد أمكنت. وكاتبوا سِنانًا صاحب
الحَشيشية بأنَّ الدَّعْوةَ واحدةٌ، والكَلَمة جامعةٌ واستدعوا منه مَن يغتال
المَمْلوك. وكان الرسول خال ابن قرجلة، فقَتَلَ الله بسيف الشَّرْع والفتاوى
جماعةً من الغُواة الدُّعاة إلى الثَّار، وشُنِقوا على أبواب قُصورهم، وصُلِبوا على
الجُذوع المُواجهة لدُورِهم، ووَقَعَ التَّتَبُع لأتباعهم، وشُرِّدت الإسماعيلية،
ونودي بأن يرحل كافَّة الأجناد وحاشية القَصْر إلى أقصى الصَّعيد وثَغْر
الإسكندرية، فظهر به داعيةٌ يُسمَّى قديدًا القفاص، ومع خُموله بمصر قد فَشَت
بالشَّام دعوتُهُ، وطبّقَتْ مصرَ فتنتُهُ وإنَّ أرباب المَعايش يحملون إليه جُزءًا من
كَسْبهم. ووُجدتْ في منزله بالإسكندرية عند القَبْض عليه كُتُبٌ فيها خلع
العِذار، وصريح الكُفْر الذي ما عنه اعتذار. وكان يدَّعي النَّسَب إلى أهل
القَصْر، وأنَّ خَرَجَ منه صغيرًا، ونشأ على الضَّلالة كبيرًا، فقد صَرَعه كُفره،
وحاق به مَكْره، والحمد لله وحده .
٣٣٦- فوارس بن مَوْهوب بن عبدالله، ابن الشَّباكية الخَفَّاف، أبو
الهَيْجاء .
٤٢٢

روى عن إسماعيل بن مَلَّة. روى عنه مكِّ الغَرَّاد، وأبو محمد بن
قُدَامَة، وجماعةٌ(١).
٣٣٧- محمد بن أحمد بن مُحْرِز بن عبدالله، أبو بكر البَطَلْيَوسيُّ،
عُرفَ بالمَنْتَانْجشيِّ، نزيل إشبيلية.
سمع من أبيه، ومن أبي الوليد العُتْبي، وأبي محمد بن عَتَّاب، وأبي
القاسم ابن النَّخَّاس. وأخذ عن ابن النَّخَّاس القراءات، وعن أبي عبدالله بن
مُزاحم، وابن طريف. وأخذ العربية والأدب عن أبي عبدالله بن أبي العافية.
قال الأبَّار(٢): كان فقيهًا، مُشاورًا، حافظًا، أديبًا، حافلاً، كاتبًا. روى
عنه أبو بكر بن خَيْرِ، وأبو عُمر بن عيَّاد، وأبو الخَطَّاب بن واجب شيخنا،
وغيرُهم. تُوفي في آخر السَّنة. قال: وفي هذه السنة كانت غَزْوةُ السبطاط وفَتْحُ
قَنْطرة السَّيف عَنْوةً.
٣٣٨- محمد بن الحُسين بن أحمد بن عُمر، أبو شُجاع المادرائيُّ.
أحدُ الحُجَّاب الأعيان بالدِّيوان العزيز. سمع من طِراد الزَّيْنبي، وأبي
عبد الله بن طَلْحة النِّعَالي، وغيرهما. سمع منه المُبارك بن كامل مع تَقدُّمه،
وعُمر بن عليّ القُرَشي. وحدَّث عنه أحمد بن أحمد الأزَجي، وعبداللّطيف ابن
القُبَّيْطِي، وموفق الدِّين بن قدامة، وغيرُهم.
وكان مولدُهُ في سنة ثمانين وأربع مئة، وتُوفي في صَفَر(٣).
أخبرنا عبدالحافظ بنابُلُس، قال: أخبرنا عبدالله بن أحمد، قال: أخبرنا
محمد بن الحُسين المادرائي بقراءتي، قال: أخبرنا طِراد بن محمد، قال:
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حَسْنُون النَّرْسي، قال: حدثنا محمد بن
عَمْرو، قال: حدثنا محمد بن عبدالملك الدَّقيقي، قال: حدثنا بكر بن بَكَّار،
قال: حدثنا شُعْبة، قال: أخبرنا سِمَاك، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، عن النبي
وَلَه قال: ((إنَّ من الشِّعْرِ حِكَمًا، وإنَّ من البَيَان سِحْرًا)) (٤).
من تاريخ ابن الدبيثي، كما في مختصره ٣ / ١٥٩ .
(١)
(٢) التكملة ٢ / ٤١ .
(٣) من تاريخ ابن الدبيثي ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٤) إسناده ضعيف، فإن رواية سماك عن عكرمة خاصة مضطربة.
أخرجه الطيالسي (٢٦٧٠)، وابن أبي شيبة ١٨ / ٦٩١ - ٦٩٢، وأحمد ١ / ٢٦٩ =
٤٢٣

٣٣٩- محمد بن عبدالملك بن مَسْعود، أبو بكر الدِّينَوَريُّ.
أحدُ العُدول ببغداد، كان مُتَساهلاً في الشَّهادة فعُزِلَ، وكان غيرَ مَحْمود
الطَّريقة، ثم أُعيد إلى العَدالة في أواخر أيَّامه.
سمع من أبي سَعْد ابن الطُُّوري، وعبدالقادر بن يوسف. روى عنه أبو
سَعْد السَّمْعاني، ومات قبله.
تُوفي سنة تسع في شعبان(١).
٣٤٠- محمود ابن قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن اقْسُنْقُر التُّرْكيُّ،
المَلِك العادل نور الدِّين، ناصر أمير المؤمنين، أبو القاسم.
قال ابن عساكر(٢): كان آقْسُنْقُر قد وَليَ نيابة حَلَب للسُّلْطان ملك شاه بن
ألب رسلان، وولي غيرها من بلاد الشَّام. ونَشَأ قَسيم الدَّولة زَنْكي بالعراق،
ونَدَبِه السُّلْطان محمود بن محمد بن مَلِكْشاه بن ألب رسلان برأي الخَليفة
المُسترشد بالله لولاية المَوْصل وديار بكر والبلاد الشَّامية، بعد قَتْل آقْسُنقُر
البُرْسُقي ومَوْت ابنه مَسْعود. وظهرت كفاية زنكي، وعُرفت شَهامتُه وثباتُهُ عند
ظهور مَلِك الرُّوم، ونُزوله على شَيْزَر، حتى رجع إلى بلاده خائبًا. وقد حاصر
ابن قَسيم الدَّولة زنكي دمشق مَرَّتين، فلم يفتحها، وافتتح الزُّها والمَعَرَّة
وكَفَرْطاب وغيرها من أيدي الكُفَّار، وتُوفي. وقام مقامَهُ في ولاية الشَّام ابنُهُ
المَلِك نور الدّين. وُلد في شَوَّال سنة إحدى عشرة وخمس مئة، ودخل قَلْعة
حَلَب بعد قَتْل والده على جَعْبَر في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين، فخَلَعَ على
الأمراء.
قلتُ: تملَّك وله ثلاثون سنة. وكان أعدلَ مُلوك زمانه بالإجماع،
وأكثرهم جهادًا، وأحرصَهم على الخَير، وأَدْيَنهم، وأتقاهم لله .
قال ابن عساكر(٣): ظَهَرَ منه بَذْلُ الاجتهاد في قيام الجهاد، وخَرَجَ من
و٢٧٣ و٣٠٣ و٣٠٩ و٣١٣ و٣٢٧ و٣٣٢، والترمذي (٢٨٤٥)، وتمام تخريجه في تعليقنا
=
عليه .
(١) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٦٣ (شهيد علي).
(٢) في تاريخه ٥٧/ ١١٨ .
(٣) في تاريخه ٥٧/ ١١٩ - ١٢٢.
٤٢٤

حَلَب غازيًا في أعمال تل باشر، فافتتح حُصونًا كثيرةً، وفَلْعَة أفامية، وحِصْنَ
البارة، وقَلْعة الرَّاونْدان، وقَلْعة تل خالد، وحِصْنَ كفرلاثا، وحِصْن بَسَرْفُوت
بجبل بني عُلَيْم، وقَلْعة عزاز، وتل باشر، ودُلُّوك ومَرْعش، وقَلْعةَ عَيْنَ تاب،
ونَهرَ الجَوْز. وغزا حِصْن إِنَّب، فقصدَه الإبرِنْس صاحب أنطاكية، فواقَعَهُ،
فكَسَره نور الدِّين وقَتَله، وقَتَلَ ثلاثة آلاف إفرَنْجي، وبَقيَ له وَلَدٌ صغيرٌ مع أُمِّه
بأنطاكية، فتزوَّجت بِابْرِنْس آخر، فخرج نور الدِّين في بعض غَزَواته فأسر
الإِبْرِنْس الآخر، وتَمَلَّكَ أنطاكية ابنُهُ، وباعه نور الدِّين نفسه بمالٍ عظيم.
قال: وأظهر السُّنَّة بحَلَب، وغيّر البِدْعة التي كانت لهم في التَّأذين،
وقَمَعَ الرَّافضة، وبَنَّى بها المَدَارس، وأقام العَدْل. وحاصر دمشق مرَّتين، ثم
قصدها الثالثة. وقد كان صَالَحَ مُعِينَ الدِّين أُنْر نائب صاحبها، وصاهَره،
واجتمعت كَلِمتُهما على العدو، فسلَّم أهلُ دمشق إليه البَلَد لغَلاَء الأسعار،
وللخَوْف من العدوِّ، فتملكها وسَكنها، وحَصَّن سُورَها، وبَنَى بها المَدارس
والمَساجد ووسَّعَ أسواقَها، ورَفَعَ عن النَّاسِ الأثقالَ، ومَنعَ من أخذ ما كان
يُؤخذ منهم من المَغارم بدار بِطّيخ وسوق الغَنَم وضَمان النَّهْر والكَيَّالة، وأبطل
الخَمْر. وأخذ من الفِرَنْجِ ثَغْر بانِياس والمُنَيْطرة. وكان في الحَرْب رابِطَ
الجَأش، ثابتَ القَدَم، حَسَنَ الرَّمي. وكان يتعرَّض بنفسه للشَّهادة، فلقد حَكَّى
عنه كاتبُهُ أبو اليُسُر شاكر بن عبدالله أنَّه سمعه يسألُ الله أن يحشرَهُ من بطون
السِّباع وحواصل الطَّيْر، فالله يَقِي مُهْجته من الأسواء؛ فلقد أحسن إلى العُلماء
وأكرمهم، وبَنَى دُور العَدل، وحَضَرها بنفسه أكثر الأوقات، ووَقَفَ على
المَرْضى، وأدَرَّ على الضُّعَفاء والأيتام وعلى المُجاورين، وأمَرَ بإكمال سور
مدينة النَّبِي ◌َّةَ، واستخراج العَيْن التي بأُحُد وكانت قد دفنتها السُّيول. وفَتَحَ
سبيل الحجِّ من الشَّام، وعمر الرُّبَط والخوانق والبيمارستانات في بلاده، وبَنَى
الجُسور والطُّرُق والخانات، ونصَّبَ مُؤدِّبين للأيتام. وكذلك صَنَعَ لمّا مَلَكَ
سنجار وحَرَّان والرَّقَّة والرُّها ومَنْبِج وشَيْزَر وحَمَاة وحِمْص وصَرخَد وبَعْلَبك
وتَدمر. وٍوَقَفَ كُتُبًا كثيرةً على أهلَ العِلْمِ وكَسَرَ الفِرَنْجِ والأرمن على حارم هو
وأخوه قُطُب الدِّين في عَسْكر المَوْصل، وكان العدو ثلاثين ألفًا، فلم يفلت
منهم إلا القليل. وقَبْلها كَسَرَ الفِرَنْج على بانياس.
٤٢٥

قال سِبْط الجَوْزي(١): سَبَبُ أخذِ نور الدِّين دمشق ما ظَهَرَ من صاحبها
مُجير الدِّين من الظُّلْم ومُصادرات أهلها، وقَبْضه على جماعةٍ من الأعيان،
واستدعى زين الدَّوْلة ابن الصُّوفي الذي وَلاَه رياسةً دمشق لمَّا أخْرج أخاه وجيه
الدَّوْلة منها، فقَتَله في القَلْعة، ونَهَبَ دارَهُ، وأحرق دُورَ بني الصُّوفي، ونَهَبَ
أموالَهم. وتواترت مُكاتباتُهُ للفِرَنْجِ يستنجدُ بهم ويُطْمعهم في البلاد، وأعطاهم
بانياس، فكانوا يشتُّون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسِرون وجَعَلَ
للفِرَنْج على أهل دمشق قطيعةً، فكاتب أهلُ دَوْلته نور الدِّين، فأخذ نور الدِّين
معه في المُلاطفة والوُدِّ، وخاف إنْ شَدَّدَ عليه أن يستعينَ بالفِرَنْج. ولم يزل إلى
أن تسلّم دمشق.
قال ابن عساكر (٢): وقد كان شاور السَّعْدي أمير الجيوش بمصر وَصَلَ
إلى جنابه مُسْتجيرًا به لمَّا عايَنَ الذُّعْر، فأكرمه وأكرم مَوْرده واحترمه، وبَعَثَ
معه جيشًا ليرده إلى دَرَجته، فوصلوا معه، وقَتَلوا خَصْمه، ولم يقع منه الوَفاء
بما وَرَدَ من جهته، واستجاش بجيش الفرنج طلبًا لبقائه في مرتبته، ثم وجه إليه
بعد ذلك جيشًا آخر، فأصرَّ على المُشاققة وكابَرَ، واستنجد بالعدوِّ المَخْذول،
فأنجدوه، وضَمِنَ لهم الأموالَ العظيمةَ، فرجع عَسْكر نور الدِّين إلى الشَّام،
فحدَّث صاحبُ الفِرَنْج نفسَه بأخذ مصر، فتوجَّه إليها بعد سنتين لينتهز
الفُرْصة، فأخذ بِلْبيس، وخَيَّم بعَرَصَة مصر، فلمَّا بَلَغَ نور الدِّين ذلك، بَذَل
جُهْده في تَوْجيه الجيش إليها، فلمَّا سمع العدوُّ بمجيء جيشه رجعوا، وأمِنَ
أهلُ مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطُّلِعٍ من شاوَر على المُخامرة، وأنَّه أنفذ
يُراسل العدوَّ ليردَّهم إلى مصر، ويَدْفع بهم الجيش، فلمَّا عُرِفَ غَدْرُه تمارَضَ
أسد الدِّين، فجاء شاور يعودُهُ، فوَثَبَ جورِديك وبُزْغُش النُّوريَان فقَتَلاه، وأراحَ
الله منه، وصَفَى الأمرُ لأسَد الدِّين، وتَملَّكَ وحُمِدت سيرتُهُ، وظهرت السُّنَّة
بمصر .
وكان حَسَنَ الخطِّ، حريصًا على تَحصيل الكُتُب الصِّحاح والسُّنَن، كثيرَ
المُطالعة للفِقه والحديث، مُواظِبًا على الصَّلَوات في جماعةٍ، كثيرَ التِّلاوة
(١) مرآة الزمان ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) تاريخ دمشق ٥٧/ ١٢٢ - ١٢٤.
٤٢٦

والصِّيام والتَّسْبيح، عفيفًا، مُتحرِّيًّا في المَطْعم والمَشْرب، عُزْيًا عن التَّكَبُّر.
وكان ذا عقْلِ متينٍ ورَأي رصين، مُقتديًا بسيرة السَّلَف، مُتَشَبِّهَا بالعُلَماء
والصُّلَحاء. رَوى الحديث وأسمعه بالإجازة. وكان مَن رآه شاهَدَ من جلال
السَّلْطنة وهيبة المُلْك ما يُيْهِره، فإذا فاوضه رأى من لَطَافته وتَواضُعه ما يُحيِّرِه.
ولقد حَكَى عنه من صَحِبَهَ في حَضَرَه وسَفَرَه أنَّه لم يسمع منه كَلِمة فُحْش في
رِضاه ولا في ضَجَره، وإنَّ أشهى ما إليه كَلمةُ حقِّ يَسْمَعُها، أو إرشادٌ إلى سُنَّة
يَتَّبِعُها، يُؤاخي الصَّالحين ويَزورُهم، وإذا احتلم مماليكُهُ أعتقهم وزوَّج ذُكْرانَهم
بإنائهم ورَزِفَهم. ومتى تكرَّرت الشَّكاية من ولاته عَزَلهم. وأكثر ما أخذه من
البُلْدان تسلّمه بالأمان. وكان كُلَّما فَتَحَ الله عليه فَتْحًا وزاده ولايةً، أسقط عن
رعيَّتْه قِسْطًا، حتى ارتفعت عنهم الظُّلامات والمُكُوس، واتَّضعت في جميع
ولايته الغَرامات والُّحُوس .
وقال أبو الفَرَج ابن الجَوْزي(١): نور الدِّين وَلِيَ الشَّام سنين، وجاهَدَ
الشُّغور، وانتزع من أيدي الكُفَّار نيًّا وخمسين مدينة وحِصْنًا، وبنى مارستانًا في
الشَّام، فأنفق عليه مالاً، وبَنَى بالمَوْصل جامعًا غَرِمَ عليه سبعين ألف دينار؛ ثم
أثْنى عليه، وقال: كان يتديَّن بطاعة الخِلافة، وتَرَكَ المُكُوسَ قبل موته وبَعَثَ
جُنودًا فَتَحوا مصرَ. وكان يميلُ إلى التَّواضُع، ومحبّة العلماء والصُّلَحاء،
وكاتَبَنِي مِرارًا. وأحْلَفَ الأُمراءَ على طاعة وَلَده بعده، وعاهَدَ مَلِك الفِرَنْج
صاحبَ طَرَابُلُس، وقد كان في قَبْضته أسيرًا، على أن يُطْلقه بثلاث مئة ألف
دينار وخمس مئة حِصان، وخمس مئة زَرَدِية، ومثلها تراس إفرَنْجية، ومثلها
قنْطُوريات، وخمس مئة أسيرٍ مُسلمين، وبأنَّه لا يُغِيرُ على بلاد المُسلمين سَبْع
سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قَبْضته على الوَفاء بذلك مئة من
كبار أولاد الفِرَنْجِ وبَطَارقتهم، فإن نَكَثَ أراق دماءَهم. وعَزَمَ على فَتْح بيت
المَقْدس، فتُوفي في شوَّال، وكانت ولايتُهُ ثمانيًا وعشرين سنة .
وقال المُوفَّق عبداللَّطيف: كان نور الدِّين لم ينشف له لِبَدٌ من الجِهَاد،
وكان يأكلُ من عَمَلِ يَدِهِ، ينسخُ تارةً، ويعملُ أغلافًا تارةً. ويَلْبَس الصُّوف،
(١) المنتظم ١٠/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
٤٢٧

ويُلازِم السجَّادة والمُصْحَف، وعمر المدارس، وعمر المارستان بدمشق
للمُهذَّب ابن النَّقَّاش تِلْميذ أوحد الزّمان. وكان حنفيًّا، ويُراعي مَذْهب الشَّافعي
ومالك. وكان ولدُهُ الصَّالح أحسنَ أهل زمانه صورةً. ونزل نور الدِّين على
حارم، فكَبَستهم الفِرَنْجِ، وَهَرَب جيشُهُ على الخيل عُرْيًا، وقام هو حافيًا فرَكِبَ
فَرَس النَّوْبة، وأخذت الفِرَنْجِ الخِيَم بما حوَت، فلمَّا دخل حَلَبَ غَرِمَ لجميع
الجُنْد ما ذَهَبَ، حتى المِخْلاة والمِقْوَد، وخرج بعد شهرٍ بأتمِّ عُدَّة، وكَسَرهم
كَسْرةً مُبِيدة.
ونقل الحسن بن محمد القليوبي في ((تاريخه))، قال: لمَّا جاءت الزَّلْزلة
بَنَى نور الدِّين في القَلْعة بيتًا من خَشَبِ کان یَبیتُ فیه، فدُفِنَ في ذلك البیت،
ورثاه جماعةٌ من الشُّعَراء، وأخرجتَ الأمراء ولدَهُ مَشْقوق الثياب، مَجْزوزَ
الشَّعْر، وأجلسوه على الثَّخْت الباقي من عَهْد الملك تُتُش، والنَّاس حوله
يبكون ثم حَلَفَ له الأمراء.
وقال القاضي ابن خَلِّكان(١): وسيَّر نور الدِّين الأمير أسد الدِّين شيركُوه
إلى مصر ثلاث دُفُعات، ثم مَلَكها صلاح الدِّين نيابةً له، وضَرَبَ باسمه السِّكَّة
والخُطْبة .
قال(٢): وكان زاهدًا، عابدًا، مُتمسِّكًا بالشَّريعة، مُجاهدًا، كثيرَ البِرِّ
والأوقاف. وبَنَى بالمَوْصل الجامع النُّورِي. وله من المَنَاقب ما يستغرق
الوَصْف. تُوفي في حادي عشر شوَّال بقَلْعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عليه
بالفَصْد فامتنع. وكان مَهِيبًا، فما رُوجع. وكان أسمرَ طويلاً، حَسَنَ الصُّورة،
ليس بوجهه شَعْرٌ سوىَ حَنكه. وعَهِدَ بالمُلْك إلى ولده الملك الصَّالح
إسماعيل، وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وقال ابن الأثير (٣): حَكَى لي الطَّبيب، قال: استدعاني نورالدِّين مع
غيري، فدخلنا عليه، وقد تَمَكَّنت الخوانيقُ منه، وقارب الهلاكَ، ولا يكادُ
يُسمع صوتُه. فقلتُ: ينبغي أن ينتقل إلى مَوضعٍ فَسيحِ مُضيء، فله أثرٌ في هذا
(١) وفيات الأعيان ٥/ ١٨٥ .
(٢) نفسه ٥/ ١٨٥ - ١٨٨.
(٣) الكامل ١١ / ٤٠٢ - ٤٠٣.
٤٢٨

المرَض. وأشرنا بالفَصْد، فقال: ابن ستين سنة لا يفتصِدُ. وامتنع منه،
فعالجناه بغیره، فلم ینجع .
وقال ابن الأثير(١): كان أسمرَ طويلاً، ليس له لِحية إلا في حَنكه. وكان
واسعَ الجَبْهة، حَسَنَ الصُّورة، حُلْوَ العَيْنين. قد طالعتُ السِّيَر، فلم أرَ فيها بعد
الخُلَفاء الرَّاشدين وعُمر بن عبدالعزيز أحسنَ من سيرته، ولا أكثرَ تَحَريًا منه
للعَدْل. وكان لا يأكلُ ولا يَلْبَسُ ولا يتصرَّف في الذي يخصُّه إلا من ملْك كان
له قد اشتراه من سَهْمه من الغَنيمة، ومن الأموال المُرْصَدَة لمَصَالح المُسلمين .
ولقد طلبَتْ منه زوجتُهُ فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كِرَاؤها نحو عشرين دينارًا
في السَّنة، فاستقلَّتها، فقال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازنٌ
للمُسلمين. وكان رحمه الله يُصلِّي كثيرًا باللَّيل. وكان عارِفا بالفِقْه على مَذْهب
أبي حنيفة، ولم يترك في بلاده على سِعَتِها مَكْسًا. إلى أن قال في أوقافه على
أنواع البِرِّ: سمعتُ أن حاصل وقفه في الشهر تسعة آلاف دينار صوري. قال له
القُطْب النَّيْسابوري مرةً: بالله لا تُخاطَر بنفسك، فإنْ أُصِبتَ في مَعْركةٍ لا يَبقىِ
للمُسلمين أحدٌ إلا أخذه السَّيف. فقال: ومَن محمود حتى يُقال هذا؟ مَن حَفِظ
البلادَ قبلي؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو .
وقال يحيى بن محمد الوَهْراني، وذَكَرَ نور الدِّين: هو سَهْمٌ للدَّوْلة
سديدٌ، وركزٌ للخلافة شديدٌ، وأميرٌ زاهدٌ، ومَلِكٌ مجاهدٌ، تُساعدُهُ الأفلاك،
وتعضدُه الجُيوش والأملاك، غير أنَّه عُرف بالمَرعى الوكيل لابن السَّبيل،
وبالمحلِّ الجديب للشاعر الأديب، فما يُرزَّى ولا يُعزَّى، ولا لشاعرٍ عنده نِعْمةٌ
تُجزى. وإِيَّه عَنَى أُسامة بن مُنقذ بقوله :
سلطانُنا زاهدٌ والناس قد زَهِدوا له فكلٌّ عن الخَيْرات مُنكِمِش
أيَّامُه مثلُ شهر الصَّوم طاهرةٌ من المَعاصي وفيها الجُوعُ والعَطَشُ
قلتُ: وفي كتاب ((البَرق الشَّامي)) وغيره من مُصنَّفات العماد الكاتب كثيرٌ
من سيرة نور الدين وأخباره. وقد عُنِيَ الإمام أبو شامة في كتاب ((الرَّوضتين)) له
بأخبار الدَّوْلتين الثُّورية والصَّلاحِيَّة.
(١) الكامل ١١ / ٤٠٣ - ٤٠٤.
٤٢٩

ودُفِنَ نور بتربته الدين على باب الخَوَّاصين رحمه الله، وعاش ابنُهُ
عشرين سنة، ومات بالقولنج في حَلَب.
وقال مَجْد الدِّين ابن الأثير الجَزَري في ((تاريخ المَوْصل)» على ما حكاه
أبو المُظفَّر ابن الجَوْزي عنه، قال(١): لم يَلْبس حريرًا قط، ولا ذَهبًا ولا فضَّةً،
ومَنَعَ من بيع الخَمْر في بلاده.
قلتُ: قد لَبِسَ خِلْعَة الخليفة وهي من حرير وطَوْق ذَهَب، فلعلَّه أراد أنه
لا بُدَّ من لُبْس ذلكَ.
قال(٢): وكان كثيرَ الصِّيام، وله أورادٌ في الليل والنَّهار، كثيرَ اللَّعِب
بالكُرة، فكتب إليه بعض الصَّالحين يُنكرِ عليه، ويقول: تُتْعِب الخيل في غير
فائدة فكتب إليه بخطّه: والله ما أقصدُ اللَّعِبَ، وإنَّما نحن في ثَغْرٍ، فرُبَّما وقع
الصُّوت، فتكون الخيلُ قد أدْمنت على سُرْعة الانعطاف بالكَرِّ والفَرِّ. وأُهدِيت
له عمامة مذهَّبة من مِصْر، فوَهَبها لشيخ الصُّوفية ابن حَقُّوية، فبعث بها إلى
العجم، فأُبیعت بألف دينار.
قال: وكان عارفًا بمَذْهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصُّب، والمَذاهب
عنده سواء .
قال: وكان يلعبُ يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رجلٌ فطَلَبه إلى الشَّرْعِ،
فجاء معه إلى مَجْلس القاضي كمال الدِّينِ الشَّهْرَزُوري، وتقدَّمه الحاجب يقول
للقاضي: قد قال لك لا تنزعج، واسلك معه ما تسلكُ مع آحاد النَّاس. فلمَّا
حَضَرَ سَوَى بينه وبين خَصْمه وتحاكما، فلم يثبت للرَّجل عليه حقٌّ، وكان
يَدَّعي مُلْكًا في يد نور الدين، فقال نور الدين: هل ثبت له حقٌّ؟ قالوا: لا.
قال: فاشهدوا أنِّي قد وَهَبتُ له المِلْك، وإنَّما حضرتُ معه لئلا يُقال عني أني
دُعيتُ إلى مجلس الشَّرْع فأَبَيْتُ.
قال: ودخل يومًا فرأى مالاً كثيرًا، فقالوا: بَعَثَ بهذا القاضي كمال
الدين من قابض الأوقاف. فقال: رُدُّوه، وقولوا له: أنا رَقَبتي رقيقةٌ، لا أقدرُ
على حَمْله غدًا، وأنت رقبتُكَ غليظةٌ تقدر على حَمْله. ولما قدِم أمراؤه دمشق
(١) مرآة الزمان ٨/ ٣٠٧.
(٢) نفسه ٨/ ٣٠٧ وما بعد.
٤٣٠

اقتنوا الأملاك، واستطالوا على النَّاس، خصوصًا أسد الدِّين شيركُوه، ولم يقدر
القاضي على الانتصاف من شِيرَكُوه، فأمر نور الدِّين ببناء دار العَدْل، فقال
شيركوه: إنَّ نور الدين ما بَنَى هذه الدَّار إلا بسَبَبي، وإلا فمن يمتنع على كمال
الدين؟ وقال لديوانه: والله لئن أُحضرتُ إلى دار العَدْل بسَببٍ واحد منكم
الأصلبنَّه. فإن كان بينكم وبين أحدٍ مُنازعةٌ فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على
جميع مالي. وكان نور الدِّين يَقْعدُ في دار العَدْل في الأسبوع أربع مرات،
ويحضرُ عنده الفُقهاء والعُلَماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبَوَّابين.
قال: وكان إذا حَضَرت الحَرْبُ حَمَلَ قَوْسين وتركشَين(١)، وكان لا يتَكلُ
الجُنْد على الأمراء، بل يتولاَهم بنفسه، ويُباشر خُيولَهم وسلاحَهم.
قال: وأنفق على عِمارة جامع المَوْصل ستين ألف دينار، وفَوَّض عِمارته
إلى الشَّيخ عُمر المُلَّ الزّاهد. قال: ويُقال: أنفق عليه ثلاث مئة ألف دينار،
فتمَّ في ثلاث سنين. وبَنَى جامع حَماة على العاصي.
قال: ووَقَعَ في أسره مَلِكٌ إفْرَنجي، فأشار الأُمَراء ببقائه في أسْره خوفًا
من شرِّه، وبَذَلَ هو في نفسه مالاً. فبعث إليه نور الدين سرًّا يقول: أحضِرٍ
المالَ. فأحضر ثلاث مئة ألف دينار، فأطلقه. فعند وصوله إلى مأمنه مات.
فطلب الأمراء سَهْمهم من المال، فقال: ما تَسْتحقُون منه شيئًا لأنكم نَهَيْتُم عن
الفداء، وقد جَمَعَ الله لي الحُسْنَيين: الفداء، وموت اللَّعين، وخَلاص
المسلمين منه. فبَنَى بذلك المال المارستان والمَدرسة بدمشق ودار الحديث.
قال: وما كان أحدٌ من الأمراء يَتَجاسرُ أن يجلس عنده من هَيْبته، فإذا
دخل عليه فقيرٌ أو عالِمٌ أو ربُ خِرْقة قام ومَشَى إليه وأجلسه إلى جانبه،
ويُعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حقٌّ في بيت المال،
فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المِنَّة علينا.
وقال العماد الكاتب في ((البرق الشَّامي)): أكثَرَ نور الدين فِي السَّنة التي
تُوفي فيها من الصَّدَقات والأوقاف وعِمارة المساجد، وأسقط كلَّما فيه حَراٌ،
فما أبقى سوى الجِزْية والخَراج وما يحصلُ من قِسمة الغَلَّت على قَوِيم
المِنْهاج، وأمَرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبتُ أكثر من ألف
(١) التركش: جعبة السهام.
٤٣١

مَنْشور، وحَسَبنا ما تصدَّق به في تلك الشُّهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان
له برسم نَفَقته الخاصَّةِ في كل شهر من الجزية ما يَبْلُغ ألفي قِرْطاس، يَصْرِفُها
في كِسْوته ومأكوله وأُجرة خياطه، وجامكية طبَّاخه، ويستفضلُ منها ما يتصدَّقُ
به في آخر الشَّهر. وقيل: إنَّ قيمة كل ستين قِرْطاسًا بدينار. وذكر العماد جُملةً
من فضائله .
وقال في ترجمته القاضي ابن واصل(١): حَكَى مُعين الدين محمد بن
أحمد بن خالد بن محمد ابن القَيْسراني، قال: انكسر على ضامن الزَّكاة مالٌ،
وهو ابن شَمَّام، فباع أملاكَهُ بثمانية آلاف دينار صورية وحَمَلها، فخُبس على ما
بَقِيَ عليه، وكان جَدِّي خالد هو الوزير والمُشير، فقال لنور الدِّين: رأيتُ
البارحة كأنَّ المَوْلى قد نزع ثيابه ودفعها إليَّ، وقال: اغسِلْها. فأخذتُها
وغَسَلْتُها. فأطرق وسكت، فندِمتُ وخِفْتُ أن يكون تطيّ مني، فخرجتُ وأنا
ضيِّقُ الصَّدْر، فبَقِيتُ ثمانية أيامٍ لم يطلبني، فساء ظنِّي، فدخل على نور الدِّين
الشَّيخ إسماعيل المكبس، وكانَ يحبُّه، فقال: يا مولانا قد حَضَرَ مَن زاد في دار
الزّكاة خمسة آلاف دينار في السَّنة، فانتهره وقال: قد أصبحتُ على سَجَّادتي
بعد أداء فريضتي أذْكرُ الله، واستفتحتَ أنت تُبِشِّرُني بمَكْسٍ. فوَجَمَ الشَّيخ
إسماعيل، ثم قال: اطلبوا خالدًا. قال: فحضرتُ، فتبسَّم، وقال: قد تَفَسَّر
منامُك. فقلتُ: بخيرِ إن شاء الله. فقال: لا تظنّ أنَّ تَرْكي لك لمَوْجِدةٍ، بل
كنتُ مُفكِّرًا في المَنامَ حتى فَتَحَ الله بتأويله. اعلم أنَّ غَسْلَ الثّاب غَسْلُ أوساخ
الذُّنوب، ولا ذَنب أوسَخ من تناول أموال المُكوس. فلا تترك من يومنا هذا في
بَلَدٍ من بلادي مَكْسًا، ولا دِرْهمًا حَرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلَّدة في
البلاد. والتفتَ إلى إسماعيل، فقال: مُزْ أطْلِقِ ابن شَمَّام، ورُدَّ عليه ما أُخِذْ
منه، فلمَّا عَرَفَ ابن شَمَّام بذلك، اقترح بأن يجعل الذَّهَب في أطباق، وتُزَف
بالطُبول والبُوقات في الأسواق. فأمر نور الدِّين بإجابته، وأن يُخلَع عليه.
وكتب جدِّي خالد بذلك تواقيع ونُسْختُها كلها: ((الحَمْد لله فاتح أبواب الخَيْرات
بعد إغلاقها، وناهج سبُل النَّجاة لطُلابها وطُرَّاقها، وفارج الكُرُبات بعد إرتاجها
(١) مفرج الكروب ١/ ٢٦٣.
٤٣٢

وإطباقها، الذي مَنَحَ أولياءه التَّوفيق، وأوضحَ لهم دليلَهُ، ونَصَرَ أهلَ الحقِّ
وأعان قَبِيلَهُ، نحمدُهُ على جزيل مَواهبه وجليل رَغائبه، ونسأله أن يُصلِّي على
محمد الذي أوضح الطَّريق والمَحجّة وأوجب الحُجَّة، وعلى آله)). إلى أن
قال: ((وبعد، فقد اتَّضح على الأفهام، ووَضَحَ عند الخاصِّ والعامِّ، ما نُغاديه
ونُراوحه، ونُماسيه ونُصابحه، ونَشْتغلُ به عامَّة أوقاتنا، ونُعمِل به رؤيتنا
وأفكارنا من الاجتهاد في إحياء سنَّةٍ حَسَنة، وإماتة سُنَّة سَيّة، وإزالة مَظْلمة،
ومَحو سيرة مُؤلمة)). إلى أن قال: ((وقد عَلمتُم مَعاشرَ الزَّعايا وفَّقكم الله، ما
كان مُرَتًَّا من المَظالم المُجْحِفَة بأحوالكم، والمُكُوس المُسْتولية على شَطْر
أموالكم، والرُّسوم المُضيّقة عليكم في أرزاقكم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولاً
فأولاً، ولا نتبع في إقراره على وجوهه شُبْهة ولا تأوُّلاً. وقد كان بَقي من رسم
الظُّلْم ومعالم الجَوْر في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفةً بكم ولُّطْفًا، ﴿اٌلْثَنَّ
خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال ٦٦]. وسنذكرُ ما أزلناه من
المَظالم والمُكوس أولاً وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا عمرها الله في هذا السِّجل
من الدِّیوان)).
قال: ثم كتب بقلم دقيقٍ ما صورتُه: ((ذِكْر ما أُطْلِقِ من الرُّسوم والمُكوس
والضَّرائب في هذا التاريخ، ورَسْم إطلاق ذلك وتَعْفِيَة آثاره، وإخماد ناره،
ومبلغ ما يتحصَّل من ذلك في كل سنةٍ خمس مئة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربع
مئة وسبعون دينارًا نَقْد الشام، فمن ذلك دمشق بتواريخ متقدمة مئتا ألف
وعشرون ألفًا وخمس مئة وثلاثة وثمانون دينارًا. دمشق في تاريخ هذا الكتاب
خمسون ألفًا وسبع مئة وثلاثون دينارًا، تَدْمُر خمس مئة دينار، صَرْخَد سبع
مئة، القريتين والسَّخنة خمس مئة دينار، بانياس ألف ومئتا دينار، بَعْلَبك
وأعمالها ستة آلاف وتسع مئة وعشرون دينارًا، حِمْص وأعمالها ستة وعشرون
ألف دينار ونَيِّ، حَماة وأعمالها ستة وعشرون ألف دينار ونَيِّ، حَلَب ستةٌ
وتسعون ألف دينار ونيِّق، سرمين ألفان وثلاث مئة وستون دينارًا، المعَرَّة
سبعة آلاف دينار، كَفَرْطاب ألفا دينار، عزاز ستة آلاف وخمس مئة دينار، تل
باشر ألف وخمس مئة دينار، عين تاب تسعة وثمانون دينارًا، بالس أربعة آلاف
دينار، مَنْبِج وأعمالها ثمانية عشر ألفًا وخمس مئة وستة وستون دينارًا، الباب
وبزاعة ثلاثة آلاف دينار، قَلْعة نَجْم ثلاث مئة دينار، قَلْعة جَعْبَر سبعة آلاف
تاريخ الإسلام ٢٨٣/١٢
٤٣٣

وست مئة دينار ونيّ، الرَّقَّة ستة وعشرون ألف دينار ونيِّق، والرها ثمانية
آلاف وخمس مئة دينار، حَرَّان ستة عشر ألفًا وست مئة ونيِّ دينارًا، سِنْجار
سبعة آلاف دينار، المَوْصل ثمانية وثلاثون ألف دينار نصيبين عشرة آلاف وأربع
مئة دينار، عرابان خمسة آلاف وسبع مئة دينار، بطامان من أعمال الخابور مئتان
وخمسون دينار، الأرسل سبع مئة وخمسون دينارًا، السمسمانية ألف دينار،
قرقيسيا ألف دينار، السَّلين مئتا دينار، ماكسين خمسة آلاف دينار، المَجْدَل
ثلاثة آلاف دينار، الحُصَيْن ست مئة دينار ونيّق، الجُحَيْشة هي وما قبلها من
الخابور مئتا دينار، المحولية مئة وثلاثة وستون دينارًا، الرَّحْبَة ستة عشر ألفًا
وسبع مئة وأربعون دينارًا .
ثم كتَبَ بعد ذلك بالقَلْم الجافي: «تحقيقًا للحقِّ، وتَمحيقًا للباطل،
ونَشْرًا للعَدل، وتقديمًا للصَّلاحِ الشَّامل، وإيثارًا للثّواب الآجل على الحُطام
العاجل)). إلى إن قال: ((وأيقنوا أنَّ ذلك إنعامٌ مستمرٌ على الدُّهور، باقٍ إلى يوم
التُّشُور، ف﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سبأ].
وسبيل كل واقفٍ على هذا المثال من الوُلاة والعُمَّال حَذْف ذلك كُلِّه، وتَعْفية
رُسومه، ومَحْو آثاره وأوزاره وإطلاقه على الإطلاق، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا
إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ لِلْكَ﴾ [البقرة]. والتَّوقيع الأعلى حجَّة لمَضْمونه
ومُقتضاه. وكتب بالمشافهة الكريمة شَرَّفها الله، في مُسْتَهلِّ رجب سنة سبع
وستين وخمس مئة)) .
ومن شجاعته، نَقَلَ ابن واصل وغيرُه أنه كان من أقوى النَّاس بَدَنًا
وقَلْبًا، وأنَّه لم يُرَ على ظَهْر فَرَس أشد منه، كأنَّما خُلِقَ عليه لا يتحرَّك. وكان
من أحسن النَّاسِ لَعِبًا بالكُرَة، تَجْري الفَرَس ويتناولُها من الهَواء بيده، ويرميها
إلى آخر المَيْدان. وكان يمسكُ الجُوكان بكمِّ قبائه استهانةً باللَّعب. وكان إذا
حَضَرَ الحَرْب أخذ قَوْسِين وتركاشَين، وباشَرَ القِتال بنفسه. وكان يقول: طالما
تعرَّضتُ للشَّهادة فلم أُدْرِكُها.
قلتُ: قد أدركتها على فراشك، وبَقِيَ ذلك في أفواه المُسلمين، تراهم
يقولون: نور الدّين الشَّهيد، وما شهادتُهُ إلا بالخوانيق، رحمه الله.
٤٣٤

ومن فَضائله، قال سِبْط ابن الجَوْزي(١): إنَّه كان له عجائز بدمشق
وحَلَب، وكان يخيطُ الكوافر (٢) ويعملُ السَّكاكر(٣) وتبيعها له العجائز سِرًّا،
فكان يومَ يصومُ يفطر على أثمانها. حَكَى لي شَرَف الدِّين يعقوب بن المُعتمد
أنَّ في دارهم سُكرة على حَرَستان(٤) من عَمَل نور الدِّين يتبرَّكون بها، وهي
باقية إلى سنة خمسين وست مئة. ومنها ما حكاه لي الشَّيخ أبو عُمر، قال: كان
نور الدِّين يزورُ والدي في المَدْرِسة الصَّغيرة المجاورة للدَّير، ونور الدِّين بَنَى
هذه المدرسة، والمَصْنع، والفُرن، فجاء لزيارة والدي، وكان في سَقف
المَسجد خَشَبةٌ مَكسورة، فقال له بعض الجماعة: لو جدَّدتَ السَّقف. فنظر إلى
الخَشَبة وسكت. فلمّا كان من الغَدِ جاء مِعْمارُه ومعه خَشَبة، فزرقها موضع
المكسورة ومَضَى. فقال له بعض الحاضرين: فاكرتنا(٥) في كَشْف سَقف.
فقال: لا والله، وإنَّما هذا الشَّيخ أحمد رجلٌ صالحٌ، وإنَّما أزوره لأنتفع به،
وما أردتُ أن أُزْخرف له المَسْجد. ومنها ما حكاه لي نَجْم الدِّين الحسن بن
سلام، قال: لمَّا مَلَكَ الأشرف دمشق، وعمر في القَلْعة مَسْجد أبي الدَّرداء،
قال لي: يا نَجْم الدِّين، كيف ترى هذا المَسجد؟ قد عمرته وأفردتُه عن الدُّور،
وما صَلَّى فيه أحدٌ من زمان أبي الدَّرداء. فقلتُ: الله الله يا مَوْلانا، ما زال نور
الدِّين منذ مَلَكَ دمشق يُصلِّي فيه الصَّلَوات الخمس.
حذَّثني والدي، وكان من أكابر عُدُول دمشق، أنَّ الفِرنج لمَّا نزلت على
دِمياط بعد موت أسد الدِّين، وضايقوها، أشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين
عشرين يومًا صائمًا، لا يُفطر إلى على الماء، فضعُفَ وكاد يَتْلَف. وكاد مَهيبًا
لا يتجاسَرُ أحدٌ أن يُخاطبه في ذلك، وكان له إمامٌ ضريرٌ اسمه يحيى، وكان
يقرأُ عليه القرآن، فاجتمع إليه خواصُّ نور الدِّين، فكَلَّموه في ذلك. فلمّا كان
تلك الليلة رأى الشّيخ يحيى النَّبِيَّ ◌ََّ فِي المَنام يقول له: يا يحيى بَشِّر نور
الدِّين برحيل الفِرَنْج عن دِمياط. فقلتُ: يا رسول الله، ربَّما لا يُصدِّقني! فقال:
(١) مرآة الزمان ٨/ ٣١٣ وما بعد.
(٢) ثياب تلبس فوق الدروع.
(٣) هي مزاليج الأبواب.
(٤) هكذا في النسخ، ولعل المراد به: نوع من الأبواب.
(٥) تحرفت في المطبوع من المرآة ٨/ ٣١٤ إلى: ((ما كذبنا))، ولا معنى لها.
٤٣٥

قُلْ له بعَلَامة يوم حارِم. قال: وانتبه يحيى، فلمَّا صَلَّى نور الدِّينِ خَلْفَه الفَجْر،
وشَرَعَ يدعو، هابه أنْ يكلِّمه، فقال له نور الدِّين: يا يحيى. قال: لبيك. قال:
تحدِّثني أو أحدِّئك؟ فارتعد يحيى وخرس، فقال: أنا أحدِّتك، رأيتَ النبي وَلِّل
في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا. قال: نعم، فبالله يا مولانا، ما معنى
قوله: بعلامة يوم حارِم؟ قال: لما التقينا خفتُ على الإسلام، فانفردتُ
ونزلتُ، ومرَّغْتُ وجهي على التُّراب، وقلتُ: يا سيِّدي، مَن محمود في
البَيْن، الدِّين دِينك، والجُنْد جُنْدُك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرَمكِ.
قال: فَنَصَرنا الله علیھم.
وحَكَى لنا شيخنا تاج الدِّين الكندي، قال: ما تبسَّم نور الدِّين إلا نادرًا.
حَكَى لي جماعةٌ من المُحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التَّبَسُّم، وكان يرويه.
فقالوا له: تبسّم. فقال: لا والله لا أتبسَّم من غير عَجب.
وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه:
يا مَلِكًا أيامه لم تَزَل بفَضْله فاضلة فاخِرة
مَلَكت دنياك وخلَّفْتها وسِرْت حتى تملك الآخِرة
٣٤١- مُظْفَّر بن القاسم، أبو الأزهر الصَّيْدلانيُّ المُقرىء المُجوِّد.
قرأ القراءات على أبي العِزِ القَلانسي. وسمع من أبي القاسم بن
الحُصَين. وأقرأ ببغداد في آخر أيامه(١).
٣٤٢- هبة الله بن كامل، أبو القاسم المِصْريُّ، قاضي القضاة وداعي
الدُّعاة .
كان عالِمًا، فاضلاً، أديبًا، شاعرًا، مُتفتّنًا، من كبار عُلَماء الدَّولة
المِصْرية. وكان عندهم في الرُّتبة العُليا. وكان أحدَ الجماعة الذين سَعَوا في
إعادة دَوْلة بني عُبَيْد، فَظَفَرَ بهم السُّلطان صلاح الدين، فأوَّل ما صَلَب داعي
الدُّعاة هذا، وعُمارة اليَمَني، نسألُ الله الستر والسَّلامة، وصُلِبَ في رمضان
وهو صائم.
٣٤٣- الهَيْتم بن هلال بن الهَيْئم بن محمد، أبو جعفر بن أبي سَعْد
البغداديُّ.
(١) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر منه ٣/ ١٩٣.
٤٣٦

من أبناء الرُّؤساء، سمع من أبي القاسم الرَّبَعي، والحسن بن محمد
التِّكَكي، وأبي الحسن ابن العَلَّف. روى عنه أحمد بن طارق، وعبدالعزيز ابن
الأخضر، وأبو محمد بن قُدَامة، وآخرون. وتُوفي في جمادى الآخرة(١) .
٣٤٤- يحيى بن سَعْدالله بن عبدالباقي، أبو منصور البَجَليُّ الكوفيُّ.
قَدِمَ بغداد، وحدَّث بها عن عَمِّه محمد بن عبدالباقي بن مُجالد، وأبي
الغنائم الثَّرْسِي. روى عنه ابن أخيه سَعْد الله، وابن الأخضر. وتُوفي في ربيع
الآخر عن أربع وسبعين سنة (٢).
٣٤٥- يحيى بن نَجَاحِ البَغداديُّ المُؤدِّب.
محدِّثٌ، نحويٌّ، لُغَوِيٌّ، شاعرٌ، كان يؤدِّب(٣) .
٣٤٦- يوسف بن آدم.
تُوفي سنة تسع بحرَّان. وقد مرَّ مُجْمَلاً (٤).
(١) من تاريخ ابن الدبيثي، كما في المختصر منه ٣/ ٢٢٩.
(٢) من تاريخ ابن الدبيئي، كما في المختصر ٣/ ٢٤١.
(٣) ينظر المنتظم ١٠/ ٢٤٩.
(٤) في المتوفين على التقريب من الطبقة السابقة (الترجمة ٤٣٩).
٤٣٧

سنة سبعين وخمس مئة
٣٤٧- أحمد بن محمد بن أحمد ابن البُسْري، أبو الفَرَج البَغْداديُّ،
سِبْط أبي منصور ابن النَّقُّور.
شيخٌ بَزَّازٌ، سمع من جَدِّه. أخذ عنه عُمر القُرَشي، وعليّ الزَّيْدي.
وسمع أيضًا من أبي الحُسين ابن الطُّيُوري. روى عنه أحمد بن أحمد
البَنْدَنِيجي، وغيره(١) .
٣٤٨- أحمد بن المبارك بن سعد، أبو العباس البَغْداديُّ المُقرىء،
المعروف بالمُرَفَّعاتيِّ.
روى عن ثابت بن بُنْدار، وهو جَدُّه لأُمِّه. روى عنه ابنه عبدالرحمن،
وأبو محمد ابن الأخضر، وابن قُدامة، ونَصْر بن عبدالرَّزَّاق الجِيلي، وجماعةٌ.
وسُئِلِ الشَّيخ المُوفَّق عنه، فقال: أظنُّه نُسِب إلى المُرَفَّعاتي لكونه يبسطُ
المُرَقَّعة للشّيخ عبدالقادر على الكُرْسي.
وقال ابن الدُّبَيئي(٢): كان عَسِرًا في الرِّواية، توفي في صفر.
قلتُ: وأجاز للرشيد بن مَسْلَمة(٣)، وغيره. وكان مُلازمًا لخِدْمة
عبدالقادر .
٣٤٩- أحمد بن مَوْهوب بن المُبارك بن محمد بن أحمد السَّدَنْك،
أبو شُجاع.
كان أمينَ القُضاة بالحَريم الطَّاهري. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا عليّ
ابن نَبْهان. وكان ثقةً. روى عنه ابن مَشِّق، وابن الأخضر، وابن قدامة،
وآخرون.
تُوفي في ذي القعدة(٤).
(١) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٨٣ (شهيد علي).
(٢) تاريخه، الورقة ١٩٢ (شهيد علي).
(٣) المشيخة البغدادية، الترجمة (١٢).
(٤) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٩٤ (شهيد علي).
٤٣٨

٣٥٠- إبراهيم بن أبي عبدالله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرَّازيُّ، ثم
الإسكندرانيُّ.
سمع من أبيه، وأبي صادق المَدِيني، وكاتب الفارقي.
قال أبو الحسن بن المُفَضَّلِ: تُوفي في صفر ولم يكن أهلاً أن يُروى عنه.
٣٥١- أرسلان شاه السُّلْجُوقيُّ، صاحب هَمَذان.
قال سِبْط الجَوْزي(١): تُوفي سنة سبعين.
قلتُ: سيأتي في سنة ثلاث وسبعين.
٣٥٢- أسعد بن هبة الله، أبو المُظفَّر الرَّبَعِيُّ المُؤدِّب، المعروف
بابن الخَيْزرانيِّ، البغداديُّ.
تفقَّه على مَذْهب أبي حنيفة، وتأذَب على ابن الجَواليقي. وسمع ابن
الحُصَين، وأبا غالب ابن البَنَّاء. روى عنه عليّ بن أحمد الزَّيدي، وأحمد بن
أحمد البَنْدَنيجي(٢) .
٣٥٣- حامد بن محمود بن حامد، أبو الفَضْل الحنبليُّ.
قَدِمَ بغداد، وتفقَّه، وسمع من عبدالوهَّابِ الأنماطي، وعاد إلى حَرَّان،
ودَرَّس، وأفتى. وكان وَرعًا به وَسْواس في الطَّهارة. ذكره ابن الجَوزي في
((المُنتظم))(٣).
ويُقال له: حامد بن أبي الحجر (٤).
قرأتُ بخطُّ ابن الحاجب، قال: ذكر لي شيخنا عُمر بن مُنَجَّى أنَّه قَدِمَ
دمشق في دَوْلة نور الدِّين، فأخذ والدي إلى حَرَّان .
قال ابن الحاجب: وذكر لي عَدْلٌ حرَّانيٌّ أنَّ ابن حامد هذا كان من أعيان
البلد، ووجد من الجاه في أيام نور الدين ما لا يجده غيرُه، واستنابه في جميع
أمور البَلَد، وأمرَهم أن يكتبوا له تَوقيعًا بذلك. فلمَّا حضر عند الدِّيوان ورأوا
بِزَّته وسَمْتَه وأنه ابن أبي الحجر قال بعضهم لبعض: ما ذا يومُ مَعاشٍ ذا يومُ
(١) مرآة الزمان ٣٣٠/٨.
(٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢١٢ (شهيد علي).
(٣) المنتظم ١٠/ ٢٥٤.
(٤) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٣٧ (٥٩٢٢ باريس).
٤٣٩

صَخْرةٍ. ففَهِمَ وتلا: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَلُّ﴾ [البقرة ٧٤]
وتبسّم، فاستحيوا.
٣٥٤- خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبدالكريم، فَخر النِّساء
بنت النَّهرواني البغدادية، ويُعرف أبوها بابن العَنْبري.
امرأةٌ صالحةٌ مُسْنِدَةٌ. روت عن أبي عبد الله النِّعالي. روى عنها ابن أخيها
عليّ بن رَوْح، والمُوفَّق المقدسي، ونَصْر بن عبدالرَّزَّاق، والشَّيخ العماد
المقدسي؛ وأظُّ ابن راجح.
توفيت في رمضان(١).
٣٥٥- رَوْح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح، قاضي القُّضاة
أبو طالب الحَدِيثيُّ ثم البغداديُّ.
سمع إسماعيل بن الفَضْل الجُرْجاني، ومحمد بن عبدالباقي البَجَلي،
وابن الحُصَين. سمع منه صدقة بن الحُسَيْن، وعُمر بن عليّ القُرَشي. وحدَّث
عنه إسفنديار بن المُوفَّق. ولم يَزَل على قضاء القُضاة إلى حين وفاته .
قال ابن النَّجَّار: كان مُتدينًا، حَسَنَ الطَّريقة، عفيفًا، نَزِهًا، وَلاَه
المُستضيء سنة ستٍّ وستين وخمس مئة بعد امتناع منه شديد. تُوفي في
المحرّم، وله ثمانٍ وستون سنة(٢) .
وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد بن مَسْلَمةٍ (٣).
٣٥٦- سعيد بن صافي، أبو شُجاع البغداديُّ الحاجب الجَمَاليُّ،
مَوْلى أبي عبدالله بن جَرْدَة.
قرأ القرآن على جماعةٍ، وسمع حُضورًا من أبي الحسن ابن العَلَّف، ثم
من ابن بيان، وابن مَلَّة. وكتب الكثير بخطِّه. روى عنه ابن الأخضر، وأبو
محمد ابن قُدامة. وتُوفي في رجب (٤).
من تاريخ ابن الدبيئي كما في المختصر ٣/ ٢٦١.
(١)
ينظر تاريخ ابن الدبيني، الورقة ٥٢ (٥٩٢٢ باريس).
(٢)
(٣)
المشيخة البغدادية، الترجمة (٣٦).
(٤) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٦٤ (٥٩٢٢ باريس).
٤٤٠