Indexed OCR Text
Pages 401-420
سنة تسع وستين وخمس مئة ٣٠٩- أحمد بن جعفر بن أحمد بن إدريس، أبو القاسم الغافقيُّ المُقرىء الخطيب، نزيل الإسكندرية. تُوفي فيها، ومولدُهُ سنة خمس مئة. أخذ عنه الحافظ ابن المُفضَّل، وأبو القاسم الصَّفْراوي، وغيرُهما. ٣١٠- أحمد بن عبدالله، أبو طالب العَلَويُّ القَصْريُّ، من وَلَد محمد ابن الحَنَفَية . روى عن يوسف اللَّخْمي بالمَغْرب. ٣١١- أحمد بن عبدالرحمن بن محمد بن الصَّقْر، أبو العباس الأنصاريُّ الأندلسيُّ، قاضي إشبيلية. سمع من أبي الحسن بن الباذش، وأبي القاسم بن الأبرِش، ودَرَسَ عليهما العربية. وكان بصيرًا بالفِقْه، معروفًا بالذَّكاء، بارعَ الخطّ. روى عنه ابنه، وأبو خالد بن رفاعة. تُوفي بمَرَّاكش في جمادى الأولى، وقد قارب الثَّمانين(١). ٣١٢ - أحمد بن عُبَيْدالله بن العباس، أبو العباس البغداديُّ المُؤدِّب. صَحِبَ أبا الخَطَّابِ الكَلْوَذَاني الفقيه، وسمع منه. روى عنه عبدالله بن أحمد الخَبَّاز. وكان يؤمُّ بمَسْجدٍ . تُوفي في رمضان(٢) . ٣١٣- أحمد بن عليّ بن المُعَمَّر بن محمد بن المُعَمَّر، النَّقَيب أبو عبدالله العَلَويُّ الحُسينيُّ. شريفٌ، نبيلٌ، عَريقٌ في السِّيادة، له شِعْرٌ وترسُّلٌّ. تولَّى نَقابة الطالبيين بعد والده سنة ثلاثين. وسمع أبا الحُسين ابن الطُُّوري، وأبا الحسن ابن العَلَّف، وأُبِيًّا النَّرْسي، وغيرَهم. ووُلد في سنة ثلاثٍ وتسعين وأربع مئة. (١) من تكملة ابن الأبار ١/ ٦٩ - ٧٠. (٢) ينظر تاريخ ابن الأبار، الورقة ١٦٤ (شهيد علي). تاريخ الإسلام ١٢/م٢٦ ٤٠١ روى عنه أحمد بن طارق، والشَّيْخِ المُوفَّق، وأبو إسحاق الكاشغري، ومحمد ابن عبدالعزيز ابن الخَزَّاز، وطائفةٌ . قال ابن النَّجَّار(١): كان يحبُّ الرِّواية ويُكْرم أهل الحديث، وله شِعْرٌ فائقٌ، وحدَّث بالكثير. وتُوفي في جمادى الأولى(٢) . وللرَّشيد بن مَسْلَمة إجازةٌ منه(٣). ٣١٤- إبراهيم بن يحيى، أبو عَمرو الشَّاطبيُّ الأديب. روى عن أبي عليّ بن سُكَّرة، وأبي عِمْران بن أبي تَلِيد. كتب عنه أبو عُمر بن عات، وغيرُه. وكان أخباريًّا(٤). ٣١٥- إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالله بن باديس بن القائد، أبو إسحاق بن قُرْقُول الوَهْرانيُّ الحَمْزِيُّ. وحمزة: مَوْضع من عمَل بِجَّاية. وُلد بالمَرِيَّة، وسمع من جَدِّه لأُمِّه أبي القاسم بن وَرْد، وأبي الحسن بن نافع. وروى عن خَلْقِ منهم أبو عبدالله بن زُغَيْبة، وأبو الحسن بن مَعْدان ابن اللوان، وأبو عبدالله بن الحاج، وأبو العباس بن العريف. وأخذ عن أبي إسحاق الخَفَاجي («ديوانَهُ» . قال الأبَّار(٥): وكان رَخَّالاً في العِلْمِ فقيهًا، نَظَّارًا، أديبًا، حافظًا، يبصرُ الحديثَ ورجالَهُ. صنَّفَ وكتب الخطّ الأنيق، وأخذَ النَّاسُ عنه، وانتقل من مالَقَة إلى سَبْتة، ثم إلى سَلاَ، ثم إلى فاس، وبها تُوفي في شعبان. وكان مولده في سنة خمسٍ وخمس مئة رحمه الله . وكان رفيقًا للسُّهَيلي، فلمَّا تحوَّل إلى سَلاَ نَظَمَ فيه السُّهَيْلي: سَلاَ عن سَلا إِنَّ المَعَارف والتُّهى بها ودَّعا أُمَّ الرَّباب ومَأْسَلا بكيتُ أسىّ أيامَ كان بسَبْتَةٍ فكيفَ التَّأسي حين مَنْزله سَلا (١) في التاريخ، كما في المستفاد منه(٤٠). (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٧١ (شهيد علي). (٣) المشيخة البغدادية، الترجمة (٢٨). (٤) من تكملة ابن الأبار ١/ ١٣٠ . (٥) التكملة ١/ ١٣١. ٤٠٢ وقال أُناسٌ: إنَّ في البُعْد سَلوةً وقد طال هذا البُعْدُ والقَلْبُ ما سَلا فليتَ أبا إسحاق إذ شطَّتِ النَّوى تحيَّتَهُ الحُسنَى مع الرِّيح أرسلا فعادت دُبُورُ الرِّيح عندي كالصَّبا بذي غُمَر إذ أمرُ زيدٍ تبسَّلا فقد كان يُهْديني الحديثَ مُوصَّلاً فأصبحَ مَوْصولُ الأحاديث مُرْسلا وقد كان يُحْيِي العِلْمَ والذِّكْر عندنا أوانَ دنا، فالآنَ بالنَّأي كسَّلا فلله أمّ بالمَريةِ أنجبَت به وأبٌ ماذا من الخَيْر أنسلا ٣١٦- أسعد بن عبدالكريم بن أحمد، أبو المَنِيعِ الهَمَذَانِيُّ المُزكّ. أنفق مالاً صالحًا على العُلماء، وروى الكثير بالإجازة عن أبي الفَتْحِ عَبْدُوُس بن عبدالله بن عَبْدوس. ووَرَدَ دمشق مرة. روى عنه أبو المَواهب بن صَصْری. تُوفي في جمادى الأولى. ٣١٧- جامع السَّمَك بن محمد بن جامع الحَرْبِيُّ الصَّيَّاد. سمع ابنَ الحُصين. وحدَّث عنه أحمد بن أحمد ابن البَنْدَنيجي(١). ٣١٨- الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سَهْل، الحافظ أبو العلاء الهَمَذانيُّ العَطَّار المُقرىء المُحدِّث، شيخ مدينة هَمَذان. رحل إلى أصبهان، وقرأ القراءات على أبي عليّ الحَدَّاد، وسمع منه الكثير. وقرأ القراءات على أبي العِز القلانسي بواسط. وعلى أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المَزْرفي، وجماعة ببغداد. وسمع بها من أبي القاسم بن بيان، وأبي عليّ ابن المَهَدي، وخَلْقٍ. ومن أبي عبدالله الفُرَاوي، وطبقته بخُراسان. ثم رحل ثانيةً سنة نيٍِّ وعشرين وخمس مئة إلى بغداد، فقرأ بها الوَلَده الكثير، ثم قَدِمها بعد الثلاثين، ثم قَدِمها بعد الأربعين، فقرأ بها لوَلَده أحمد الكثير على أبي الفَضْلِ الأَرْمَوي، وابن ناصر، وابن الزَّاغوني، وحدَّث إذ ذاك بها . وقرأ عليه القراءات أبو أحمد عبدالوهاب ابن سُكَينة. روى عنه هو، والمُبارك بن الأزهر، وأبو المواهب بن صَصْرى، وعبدالقادر بن عبدالله (١) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٤٥ (شهيد علي). ٤٠٣ الرُّهَاوي، ويوسف بن أحمد الشِّيرازي، ومحمد بن محمود بن إبراهيم الحَمَّامي، وأولادُه أحمد وعبدالبَرِّ وفاطمة، وعَتيق بن بَدَل المكي بمكّة، وسِبْطه محمد بن عبدالرَّشيد بن عليّ بن بُنَيْمان، وأخو هذا القاضي عليّ بن عبدالرّشيد وماتا في سنة إحدى وعشرين، وأخوهما القاضي عبدالحميد وبَقي إلى سنة سَبْع وثلاثين، وسماعُهُ في الرابعة. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المُقَيَّر، وهوَ آخر مَن روى عنه فيما أعلمُ. ذكره أبو سَعْد السَّمْعاني، فقال: حافظٌ، مُتْقِرٌ، ومقرىءٌ فاضلٌ، حَسَنُ السِّيرة، جميلُ الأمر، مَرَضيُّ الطَّريقة، عزيزُ النَّفْس، سَخِيُّ بما يَمْلكُه، مُكْرِمٌ للغُرباء، يعرف الحديثَ والقراءاتِ والأدبَ معرفةٌ حَسَنَة. سمعتُ منه بهَمَذان. وقال الحافظ عبدالقادر الرُّهاوي: شيخُنا الإمام أبو العلاء أشهرُ من أن يُعرَّف، بل تعذَّر وُجودُ مثله في أعصار كثيرة، على ما بَلَغنا من سيرة العُلَماء والمشايخ. أرْبى على أهل زمانه في كَثْرِة السَّماعات، مع تَحْصيل أُصول ما سمع، وجَوْدة النُّسَخ، وإتقان ما كَتَبه بخطُّه؛ فإنَّه ما كان يكتبُ شيئًا إلا مَنْقوطًا مُعْرَبًا، وأولُ سماعِهِ من عبدالرحمن بن حَمْد الدُّوني في سنة خمسٍ وتسعين وأربع مئة. وبَرَعَ على حُفَّاظ عَصْره في حِفْظ ما يتعلَّق بالحديث من الأنساب والتواريخِ والأسماء والكُنى والقَصَص والسِّيَر. ولقد كان يومًا في مَجْلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان رضي الله عنه، فأخذها وكتب فيها من حِفْظه، ونحن جُلوسٌ، دَرْجًا طويلاً، ذكر فيه نَسَبَه، ومولدَهُ ووفاتَهُ وأولادَهُ وما قيل فيه، إلى غير ذلك. وله التّصانيف في الحديث والزُّهْد والرَّقائق، وصنَّفَ ((زاد المُسافر)) في نحو خمسين مُجّدًا. وكان إمامًا في القرآن وعلومه، وحَصَّل من القراءات المُسْنَدَة ما إنَّه صنَّفَ العشرة والمُفردات، وصنَّفَ في الوَقْف والابتداء، وفي التّجْويد، والماءات، والعَدد، ومَعْرفة القُرَّاء وهو نحوٌّ من عشرين مُجلَّدًا. واستُحْسِنت تصانيفُهُ في القرآن، وكُتبت، ونُقِلَت إلى خُوارزم والشَّام، وبَرَعَ عليه جماعةٌ كثيرةٌ في علوم القرآن. وكان إذا جَرَى ذِكر القُرَّاء يقول: فلانٌ مات في سنة كذا، وفلانٌ مات في سنة كذا، وفلانٌ يعلو إسناده على فلانٍ بكذا. وكان إمامًا في النّحو واللُّغة، سمعتُ أنَّ من جُملة ما حَفِظَ في اللُّغة كتاب ((الجَمْهرة))، وخَرج له تلامذة في العربية أئمة يُقرئون بهَمَذان. وفي بعض من رأيتُ من أصحابه من جُملة مَحْفوظاته كتاب ((الغريبين)) للهَرَوي. ٤٠٤ وكان عتيقًا من حُبِّ المال، مُهينًا له، باع جميعَ ما وَرِثه، وكان من أبناء التُّجّار، وأخرجه في طَلَبَ العِلْمِ، حتى سافر إلى بغداد وأَصبهان مراتٍ كثيرةً ماشيًا، وكان يحمل كُتُبُه على ظَهْره. وسمعته يقول: كنتُ أبيتُ ببغداد في المساجد، وآكل خُبز الدُّخن. وسمعت(١) شيخنا أبا الفضل بن بُنَيْمان الأديب بهَمَذان يقول: رأيتُ الحافظ أبا العلاء في مَسْجدٍ من مَساجد بغداد يكتبُ وهو قائم على رِجْلَيه لأنَّ السِّراج كان عاليًا. ثم نَشَرَ الله ذِكْره في الآفاق، وعَظُم شأنُهُ في قُلوبُ المُلوك وأرباب المناصب والعَوامِّ، حتى إنَّه كان يمرُّ في هَمذان فلا يَبْقى أحدٌ رآه إلا قام ودعا له، حتى الصِّبْيان واليهود، وحتى أنَّه كان في بعض الأحايين يمضي إلى مُشْكان؛ بَلْدةٍ في ناحية هَمَذان، ليُصلِّ بها الجُمُعة فكان يتلقَّاه أهلُها خارج البَلَد، المُسلمون على حِدَة، واليهود على حِدَة، يَدْعون له إلى أن يدخل البَلَد. وكان يُفتح عليه من الدُّنيا جُمَلٌ، فلم يدِّخرها، بل كان ينفقُها على تَلامذته، حتى أنَّه ماكان يكونُ عنده مُتعلِّم إلا رقَب له رفقًا يَصِلُ إليه، وإذا قَصَده أحدٌ يطلبُ بِرَّه وَصَله بما يجدُ إليه من السَّبيل من ماله وجاهِهِ، ويتدَّن له. وكانت عليه رسومٌ لأقوام في كلِّ سنة يبعثُها إلى مكَّة وبغداد وغيرهما. وما كان يبرحُ عليه ألف دينار هَّمَذانية أو أكثر من الدَّين، مع كثرة ما كان يُفْتَح عليه. وكان يطلبُ لأصحابه من النَّاس، ويعزُّ أصحابه ومن يَلْوذ به، ولا يحضرُ دعوةً حتى تحضرَ جماعةُ أصحابه. وكان لا يأكلُ من أموال الظَّلَمة، ولا قَبِلَ منهم مَدْرسة قط ولا رباطًا، وإنَّما كان يقرىء في داره، ونحن في مَسْجده، فكان يُقرىء نصف نَهاره الحديث، ونصفه القرآن والعِلْم. وكان لا يغشِى السَّلاطين، ولا تأخذه في الله لَوْمة لائم، ولا يُمكن أحدًا أن يعمل في مَحَلَّته مُنكرًا ولا سَماعًا. وكان يُنْزِل كلَّ إنسان مَنزلته، حتى تألَّفت القُلوب على محبَّته وحُسن الذِّكر له في الآفاق البعيدة. حتى أهل خُوارزم، الذين هم من أشدِّ النَّاس في الاعتزال كتبوا تصانيفَهُ، وصار له عندهم من الصِّيت لعل قريبًا من هَمَذان، مع مُباينتهم له في الاعتقاد. ومعرفتهم شدَّتَهُ في الحنبلية. وكان حَسَنَ الصَّلاة، لم أرَ أحدًا من مشايخنا أحسنَ صلاةً منه. وكان مُتَشدِّدًا في أمر (١) الكلام للحافظ عبدالقادر الرهاوي. ٤٠٥ الطَّهارات، حتى أنَّه ما كان يَثِقُ بكلِّ أحدٍ. وكان لا يَدَعُ أحدًا يمسُّ مَدَاسَه. وقد حضرتُهُ يومًا وأخذ منطرًا وجُبَّة بُرْدٍ قد أُهْديا له، وكانا جديدين بطَراوتهما، فجاء بهما إلى بِرْكةٍ فيها ماءٌ وطينٌ ووَرَقُ الشَّجَرِ، فَغَمَسهما في الماء وسمعتُهُ يقول: قليلاً قليلاً ثقة بالله. فغسَّلهما، وانطفأت نَضارتُهما. وكان لا يُيالي ما لبس. ولا يَلْبس الكَثَّان بل القُطْن، ثيابٌ قِصار، وأكمامٌ قصار، وعمامةٌ نحو سبعة أذرُع. وكان لا يتشهَى المَواكيل، ولا يكادُ يأمرُ بصَنْعة طعام. وكانت السُّنَّة شِعارَه ودِثارَه اعتقادًا وفِعْلاً. كان لا يكاد يبدأ في أمرٍ إلا ابتدأ فيه بسُنَّة إمَّا دُعاء وإما غير ذلك. وكان مُعظِّمًا للسُّنة بحيث إنَّه كان إذا دخل مجلسَهُ أحدٌ، فقدَّم رِجْله اليُسرى كُلُّف أن يرجع فيُقدِّم اليُمنى. وكان لا يمسُّ أحاديث النَّبِيِ بَهَ إلا وهو على وُضوء، ولا يَدْعُ شيئًا قط إلا مُستقبِل القِبلة تعظيمًا لها. ورآني يومًا وعلى رأسي فَلنسوة سَوْداء مَكْشوفة فقال لي: لا تَلْبسها مَكْشوفةً، فإنَّ أَول من أظهر لُبْسَ هذه القَلانِس أبو مُسْلم الخُراساني. ثم شَرَعَ في ذِكْر أبي مُسلم، فذَكَر أحوالَهُ من أولها إلى آخرها. قال: وسمعتُ من أثِقُ به يحكي أنَّ السَّلَفي رأى طَبَقةً بخطُّ أبي العلاء فقال: هذا خطُّ أهل الإتقان. وسمعتُهُ يَحْكي عنه أنَّه ذُكِر له فقال: قَدَّمه دينُهُ. وسمعتُ من أثِقُ به يَحْكي عن أبي الحسن عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي أنه قال للحافظ أبي العلاء لما دخل نَيْسابور ما دخل نيسابور مثلُك. وسمعتُ الحافظ أبا القاسم عليّ بن الحسن يقول: وذَكَرَ رجلاً من أصحابه رحل: إن رجع ولم يَلْقَ الحافظ أبا العلاء ضاعت سَفْرتُهُ. قال: وقد روى عنه الحافظ أبو القاسم. وقال الحافظ محمد بن محمود الحَمَّامي الهَمَذاني: ولد شيخنا أبو العلاء في ذي الحجة سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة . قال: وتُوفي في تاسع عشر جمادى الأولى. وذكره ابن النَّجَّار، فقال(١): إمامٌ في عُلوم القراءات والحديث والأدب والزُّهد والتَّمَسُّك بالسُّنَن(٢). (١) في التاريخ، كما في المستفاد منه (٦٣). (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢ (باريس ٥٩٢٢). ٤٠٦ ٣١٩- الحسن بن عبدالله بن حُسين، أبو علي ابن الأشِيري الكاتب، نزيل تِلِمْسان. قال الأبار(١): كان عالمًا بالقراءات واللُّغة والشِّعر. صنّف في غريب ((الموطَّأ))، وغير ذلك. ٣٢٠- الحُسين بن محمد بن الحسين بن حُما، الشيخ أبو عبدالله البغداديُّ. من وكلاء القُضاة. سمع من جده لأمه أبي سَعْد محمد بن عبدالملك الأسَدي، وأبي سَعْد بن خُشَيْش . قال ابن النَّجَّار: حدثنا عنه ابن الأخضر. وُلد سنة تسعين وأربع مئة، ومات في شؤَّال سنة تسع(٢). ٣٢١- دُلَف بن كَرَم، أبو الفَرَج العُكْبَرِيُّ المُقرىء الخَبَّاز. أحدُ طَلَبة الحدیث ببغداد. سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السَّمَرْقندي فمَن بعدهما. سمع منه عليّ بن أحمد الزَّيدي، ومكي الغَرَّاد. تُوفي في عَشر السبعين(٣). ٣٢٢- دَهْبَل بن عليّ بن منصور بن إبراهيم، المعروف بابن كارِهِ، أبو الحسن الحَريميُّ، والد عبدالله. كان فقيهًا حنبليًا، سمع الحُسين بن عليّ ابن البسْري، وأبا القاسم بن بيان، وابن نَبْهان. وكان زاهدًا، ثقةً. سمع منه أبو سَعْد ابن السَّمْعاني، وعليّ ابنِ أحمد الزَّيْدي، وأبو محمد بن الأخضر، وابن قُدامة، وأبو المُنَجّى ابن اللَِّّي، ولُبابة بنت الثَّلاَّجي، وآخرون. وتُوفي في ثاني المحرم، وكان قد أضرّ (٤). ٣٢٣- سَعْد الله بن مُصْعب بن محمد، أبو القاسم البغداديُّ (١) التكملة ١/ ٢١٨. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٣٢ (باريس ٥٩٢٢). (٣) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٤٨ (باريس ٥٩٢٢). (٤) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٤٩ (باريس ٥٩٢٢). ٤٠٧ المُقرىء، المعروف بابن ساقي الماء. قال ابن الدُّبَيثي(١): بَقِيَ أكثر من سبعين سنة مُقيمًا بمَسْجدٍ بالجانب الغَربي. قرأ القراءات على أبي عبدالله البارع. وسمع من أبي القاسم بن بيان. كتب عنه عُمر القُرَشي. وتُوفي في المحرم. ٣٢٤- سعيد بن المُبارك بن عليّ، أبو محمد ابن الدَّهَّان، البَغْداديُّ النَّحْويُّ، صاحب المُصنَفَّات. سمع أبا القاسم بن الحُصين، وأبا غالب ابن البَنَّاء، وغيرَهما . كتب عنه أبو سَعْد السَّمعاني، وقال: قال لي: وُلدت سنة أربع وتسعين وأربع مئة. وهو شابٌّ فاضلٌ له معرفةٌ بالنَّحْو ويدٌ باسطة في الشِّعْرِ. شَرَحَ ((الإيضاح)) لأبي عليّ الفارسي في ثلاثة وأربعين مُجلَّدًا، وشَرَحَ ((اللُّمَع)) لابن جِنِّي في ثلاثة مُجلَّدات. وقال ابن الدُّبَيثي(٢): سَكَنَ في آخر عُمُره بالمَوْصل، وأخذ عنه أهلُها. وقال جمال الدِّين القِفْطي(٣): رحل إلى أصبهان، وسمع بها، واستفاد من خَزائن وقوفها، وكَتَبَ الكثيرَ من الأدَب بخطّه، وأخذ النَّاس عنه. وخرج عن بغداد قاصدًا إلى دمشق، فاجتاز بالمَوْصل وبها وزيرُها جمال الدِّين محمد الأصبهاني الجَواد فارتبطه عنده وأكرمه، وصَدَّره بالمَوْصل للإفادة. وغَرِقت كُتُبُّهُ ببغداد في غَيْبته، ثم حُمِلت إليه، فَشَرَعَ في تَبْخيرها باللَّذَن ليقطع الرَّائحة الرَّدِية إلى أن بَخَّرها بنحوٍ من ثلاثين رطل لاذن(٤)، فطلع ذلك إلى رأسه وعینیه، فأحدث له العمى. ومن شعره: بادِرْ إلى العَيْش والأيّام راقدةٌ ولا تكُنْ لصُروف الذَّهْر تنتظرُ فالعُمر كالكأس يبدو في أوائله صفْوٌ وآخره في قَعْره الكَدَرُ (١) تاريخه، الورقة ٥٨ (باريس ٥٩٢٢). (٢) تاريخه، الورقة ٦٤ (باريس ٥٩٢٢). (٣) إنباه الرواة ٢ / ٤٧ - ٤٨ . (٤) في الإنباه: ((ثلاثين رطلاً من اللاذن))، وما هنا في النسخ كافة، وهو جائز في العربية . ٤٠٨ وقال الحافظ ابن عساكر: سمعتُ سعيد ابن الدَّهان ببغداد يقول: رأيتُ في النَّومِ مُنشدًا يُنْشدُ محبوبَهُ: أيُّها الماطِلُ دَيْني أمَلِيٍّ وتماطل؟ عَلِّلِ القَلْبَ فإِنِّي قانعٌ منك بباطلْ وله: ((سَرِقات المُتنبي)) في مُجلَّد، وكتاب ((الَّذْكرة)) سبعة مُجلَّدات. قال العماد الكاتب: هو سِيبُوية عَصْره، ووحيدُ دَهْره. لقيتُهُ ببغداد وكان يُقال حينئذٍ: النَّحويون في بغداد أربعة: ابن الجواليقي، وابن الشَّجَري، وابن الخَشَّاب، وابن الدَّمَّان. وقال ابن خَلِّكان: لَقَبُه ناصح الدِّين، رحمه الله تعالى(١). ٣٢٥- سَلْمان بن عليّ بن عبدالرحمن، أبو تميم الرَّحبيُّ الدِّمشقيُّ الخَبَّاز. سمع جُزءًا من عبدالرحمن بن الحُسين الحِنَّائي، وهو آخر من حدَّث عنه. روى عنه الحافظان أبو المواهب وعبدالغني، والشَّيخ المُوفَّق، وأبو القاسم بن صَصْرى، وعبدالرحمن بن عُمر النَّسَّاج، والقاضي عُمر بن المُنَجَّى. قال أبو المَواهب: تُوفي في ربيع الآخر، وكان مُقْرِئًا صالحًا. ما حدَّثنا عن ابن الحِثَّائي سواه. ٣٢٦- عبدالله بن أحمد بن الحُسين، أبو محمد ابن النَّقَّار الطَّرابُلُسيُّ الشَّاميُّ الحِمْيَرَيُّ الكاتب المُعدَّل. وُلِد بأَطْرابُلُس سنة تسع وسبعين وأربع مئة، وعاش تسعين سنة. قَدِم دمشق شابًّا عند استيلاء العدو على أطْرابُلُس، وتقدَّم في كتابة الإنشاء، وكتب لصاحب الشَّام. وكان جيِّدَ النَّظْم والنَّثْر، كبيرَ القَدْر. روى عنه ابن عساكر في ((تاريخه)) قصيدتين(٢) . (١) لم أجد هذا القول في ((وفيات الأعيان)) على أن المصنف نقل جل الترجمة منه ٢/ ٣٨٢- ٣٨٥. (٢) تاريخ دمشق ٢٧ / ١٤ - ١٧ . ٤٠٩ ٣٢٧- عبدالله بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنُون، أبو محمد بن أبي نَصْر بن أبي طاهر بن أبي الحُسين ابن النَّرْسيِّ البغداديُّ. من بيت العَدالة والرِّواية. سمع أبا الفَضْل محمد بن عبدالسَّلام، وأبا غالب الباقِلَّني، وأبا بكر الطُّرَيثيثي، وأبا الحُسين ابن الطَّيوري، وابن العَلَّف. سمع منه عليّ بن أحمد الزَّيْدي، وأبو بكر الباقداري. وحدَّث عنه جماعةٌ وأثنوا عليه منهم الحافظ عبدالغني، وأبو محمد بن قُدامة، وعبدالعزيز ابن الأخضر، وحفيداه أحمد وإسماعيل ابنا إسماعيل ابن النَّرْسي. وكان يُلَقَّب بالحَمَامة. تُوفي في رمضان، وله ثلاثٌ وثمانون سنة(١). ٣٢٨- عبدالواحد بن عبدالماجد بن عبدالواحد ابن الأُستاذ أبي القاسم القُشَيْري، أبو محمد النَّيْسابوريُّ الصُّوفيُّ. حدَّث بدمشق وبغداد عن أبيه، وعبدالغفَّار الشِّيروبي، ومحمد بن أحمد ابن صاعد. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وأبو القاسم بن صَصْرى، والجماعةُ. وتُوفي في المحرَّم بأصبهان(٢). ٣٢٩- عبدالواحد بن عبدالمَلِك بن محمد بن أبي سَعْد، أبو نَصْر الفَضْلُوسيُّ الكَرَجيُّ الصُّوفيُّ الزَّاهد. له عبادةٌ ومجاهداتٌ، وسافر الكثير ولَقِيَ المَشایخ، وحجَّ مرات، وربما حجَّ مُنفردًا مُتوكلاً. وسمع بأصبهان وبغداد ومصر. وسمع من أبي عبدالله محمد بن أحمد الرَّازي، وأبي القاسم بن الحُصَيْن. وكان أبو الَفرَج ابن النَّقُور قد كتب عنه عَجائب، وأنَّه قد رَأى الخَضِر ورأى الجِنَّ. وُلِدَ سنة أربع وتسعين وأربع مئة. وروى عنه جماعةٌ منهم أبو سَعْد السَّمعاني. (١) ينظر المختصر من تاريخ ابن الدبيئي ٢/ ١٢٩ - ١٣٠. (٢) من تاريخ دمشق ٣٧/ ٢٥٦ - ٢٥٧. وينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ١٧٢ (باريس ٥٩٢٢)، وتاریخ ابن النجار ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣. ٤١٠ وقال ابن الدُّبَيثي(١): بلغنا أنَّه تُوفي بالكَرَج في سنة تسع هذه. ٣٣٠- عبدالنَّبِي بن المَهْدِي اليَمَنيُّ الخارجيُّ، المُلقَّب بالمَهْدي. كان أبوه المَهْدي قد استولى على اليَمَن، وظَلَمَ وعَسَفَ، وشقَّ أجوافَ الحَبَالى، وذَبَحَ الأطفالَ، وتمرَّد على الله. وكان يَرَى رأي القَرامطة والباطنية، وكان يُظهر أنه داعية للمصريين، فهلك سنة تسع أو سبع وستين وخمس مئة. وولي الأمر بعده عبدالنبي هذا، ففعل أنحسَ من فِعْل الوالد، وسَبَى النِّساء، وبَنَى على قَبْر أبيه قُبَّةً عظيمةً لم يُعمل في الإسلام مثلها، فإنَّه صَفَّح حيطانَها بالذَّهب والجَواهر ظاهرًا وباطنًا، وعَمِلَ لها سُتُور الحرير، وقناديل الذَّهب، فيُقال: إنَّه أمر النَّاس بالحجِّ إلى قبر أبيه، كما تُحج الكعبة، وأن يحمل كل واحدٍ إليها مالاً، ومن لم يحمل مالاً قَتَله، ومَنَعهم من الحجِّ، فكانوا يقصدونها من السَّحَر، واجتمع فيها أموالٌ لا تُحصى، وانهمك في اللَّذَّات والفَواحش إلى أن قَصَمه الله واستأصله على يد شمس الدَّولة ابن أيوب، واستولى على جميع خزائنه وعَذَّبه، ثم قَتَله، وهَدَمَ القُبَّة، وأحرق ما فيها. هذا مَعنى ما قالَهُ صاحب ((مرآة الزّمان))(٢) . ٣٣١- عليّ بن أحمد بن أبي بكر، أبو الحسن الكِنَانيُّ، القُرْطَبِيُّ، ابن حُنين نزيل مدينة فاس . سمع ((الموطَّأ)) بقراءة أبيه من أبي عبدالله محمد بن الفَرَج مَوْلى الطَّلَّع. وسمع من أبي الحسن العَبْسي وأخذ عنه القراءات، وخازم بن محمد، وأبي القاسم بن مُدِير، وأبي الوليد بن خَشْرَم. وأخذ عنه الكبار. وأخذ أيضًا عن أبي الحسن بن شفيع، وأبي عِمْران الإلبيري. وقرأ بجَيَّان على أبي عامر محمد بن حبيب. ثم حجَّ سنة خمس مئة، ولَقِي أبا حامد الغَزَّالي وصَحِبَه، كذا قال أبو عبدالله الأبَّار (٣)، وفي هذا نَظَرٌ، إلا أن يكون دخل خُراسان، وهو محتَمَل على بُعْد. (١) تاريخه، الورقة ١٧١ (باريس ٥٩٢٢). وينظر تاريخ ابن النجار ١/ ٢٥٣ - ٢٥٦. (٢) مرآة الزمان ٨/ ٣٠٠ - ٣٠١. (٣) التكملة ٣/ ٢١٠. ٤١١ ٠٠ قال: وأقام ببيت المَقْدس يُعلِّم القرآن تسعة أشهر، ثم انصرف واستوطن مدينة فاس سنة ثلاثٍ(١) وخمس مئة، وتصدّر للإقراء، وطال عُمُره. وروى عنه من شيوخنا أبو القاسم بن بَقي، وأبو زكريا التَّادلي. وقرأتُ على التَّادلي كتاب ((الشِّهاب)) للقُضاعي، بسماعه منه، عن العبسي، عن مُؤلِّفه. وكان مولدُهُ في سنة ستٍّ وسبعين وأربع مئة. قلتُ: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وكان من أسْنَدِ أهل وَقته. وقد روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المُفضَّل، وبالسَّماع عبدالعزيز بن عليّ بن زيدان النَّحوي الشُّماني، نزيل فاس . ٣٣٢- عليّ بن إبراهيم بن المُسَلَّم، أبو الحسن الأنصاريُّ الزَّاهد، المعروف بابن بنت أبي سَعْد. توفي بمصر في رجب، وقد حدَّث قبل موته بيسير. وكان مُحدِّثًا، عارفًا بشيوخ المصريين. أخذ عنه الحافظ عبدالغني، والمصريون . ٣٣٣- عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي الأسود، أبو الحُسين بن البَل البَغْداديُّ، عَمُّ هبة الله بن البَلِّ . روى عن أبي القاسم الرَّبَعي، وابن بيان الرَّزَّاز. سمع منه عليّ بن أحمد الزَّيْدِي، وغيرُ واحد. وروى عنه عليّ بن محمد العَلَوي، وابن الأخضر، ومُوفَّق الدِّين المَقْدسي، وآخرون. وتُوفي في ذي الحجَّة(٢). ٣٣٤- عليّ بن الحسن بن عليّ، أبو الحسن ابن الرُّمَيْليِّ، الفقيه الشَّافعيُّ. كان من أئمة الشَّافعية، ورُشِّح ببغداد لتَدْريس النِّظامية. وروى القليل عن الأُرْمَوي، وأبي الوَقْت. وله تَعْليقةٌ في الخلاف. وكتب على طريقة ابن البَوَّاب، وأعاد بالنِّظامية(٣). (١) في المطبوع من التكملة ((ثلاثين)) محرف. (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٢٢ (باريس ٥٩٢٢). وينظر تاريخ ابن النجار ٣/ ٣٠٨- ٣٠٩. (٣) من تاريخ ابن النجار ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨. وينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٢٢٢ (باريس ٥٩٢٢). ٤١٢ ٣٣٥- عُمَارة بن عليّ بن زَيْدان، الفقيه أبو محمد الحَكَميُّ المَذْحِجِيُّ اليَمَنِيُّ، نَجْم الدِّين الشافعيُّ الفَرَضيُّ الشَّاعرِ المَشْهور. تفقَّه بزَبِيد مُدَّة أربع سنين في المَدْرسة، وحجَّ سنة تسع وأربعين وخمس مئة، ومولدُهُ سنة خمس عشرة. وسيَّره صاحب مكَّة قاسم بن هاشم بن فُلَيْتة رسولاً إلى الفائز خليفة مصر، فامتدحه بقصيدته الميمية، وهي : الحَمْدُ للعِيسِ بعدَ العَزْمِ والهِمَم حمْدًا يقومُ بما أوْلت من النِّعمِ لا أجْحَدُ الحقَّ، عندي للرِّكاب يَدٌ تمنَّت اللُّجْمُ فيها رتبة الخُطُمَ قَرَّبْنَ بُعد مَزَار العِزِّ من نَظَري حتى رأيتُ إمام العَصْر من أمَمٍ وفْدًا إلى كَعْبة المعروف والكَرَمِ ورُحْنَ من كعبةِ البَطْحاء والحَرَمِ فهل دَرَى البيتُ أَنِّي بعد فُرْقَتهَ ما سِرْتُ من حَرَمَ إلا إلى حَرَمِ حيثُ الخلافةُ مَضْروبٌ سُرَادِقُها بين النَّقيضَيْن من عَفْوٍ ومن نِقَمَ تجْلو البغيضين من ظُلْمٍ ومن ظُلَمِ على الخَفيَّين من حُكْمٍ ومن حِكَمٍ مدْحَ الجَزِيلَين من بأس ومن كَرَمِ وللإمامةِ أنوارٌ مُقَدَّسةٌ وللتُبُوَّة آياتٌ تَنُصُّ لنا وللمَكارم أعلامٌ تُعلِّمُنا وللعُلا أَلْسُنُّ تُثِنِي محامدها على الحَميدين من فِعْل ومن شِيَمِ فوْزَ النَّجَاةِ وأجْرَ البرِّ في القَسَمِ أقسمتُ بالفائز المَعْصوم مُعْتقدًا لقد حَمَى الدِّين والدُّنيا وأهلهما وزيرُه الصَّالحِ الفَرَّاجُ للغُمَمِ اللَّبسُ الفخْرَ لم تَنْسج غلائلَهُ إلا يدُ الصَّنْعتين السَّيف والقَلَمَ ليتَ الكَواكبَ تَدْنو لي فأنْظِمَها عقود مَدْحٍ فما أرضى لكم كَلِمي (١) فوَصَلوه، ثم ردَّ إلى مكَّة، وعاد إلى زَبِيد. ثُم حجَّ، فأعاده صاحب مكَّة في الرُّسْلية، فاستوطن مصر . قال ابن خَلِّكَان(٢): وكان شافعيًّا شديدَ التَّعصُّب للسُّنَّة، أديبًا، ماهرًا، ولم يَزَل ماشي الحال في دَوْلة المصريين إلى أن مَلَكَ صلاح الدِّين، فمدَحَه ومَدَح جماعةً. ثم إنَّه شَرَعَ في أُمور، وأخذَ في اتّفاقٍ مع رُؤَساء البَلَد في (١) الأبيات في الروضتين ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ . (٢) وفيات الأعيان ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٥. ٤١٣ التَّعصُّب للعُبَيْديين وإعادة أمرهم، فنُقِل أمرهم، وكانوا ثمانيةً من الأعيان، فأمر صلاح الدِّين بشَنْقهم في رمضان بالقاهرة، وكَفَى الله شرّهم. ولعُمارة كتاب ((أخبار اليَمَن))، وله شيءٌ في أخبار خُلَفاء مصر ووُزَرائها. وكان هؤلاء المَخْذولون قد هَمُّوا بإقامة وَلَد العاضد. وقيل: إنَّهم كاتَبوا الفِرَنْج ليُنْجِدوهم. فَنَمَّ عليهم رجلٌ جُنْديٍّ. وقد نُسِبَ إلى عُمارة بيت شعرٍ، وهو : قد كان أول هذا الأمر من رجل سَعَى إلى أن دَعَوْه سيِّد الأُمَم فأفتى الفُقَهاء بقَتْله . وله ((ديوانٌ)) مشهورٌ. وللفقيه عمارة مُجلَّد فيه ((النُّكَت العَصْرية في الدَّوْلة المصرية)» ترجم نفسه في أوله، فقال(١): والحديثُ كما قيل شُجُون، والجدُّ قد يُخْلَط بالمُجُون، وعسى أن يقول من وَقَع في يده هذا المَجْموع: خَبَّرْتَنا عن غيرك، فمَنَ تكون؟ وإلى أي عشِّ ترجع من الوكون؟ وأنا أقتصر وأختصر: فأمَّا جُرْثُومة النَّسَب فقَحْطانُ، ثم الحَكَم بن سَعْد العشيرة المَذْحِجي. وأمَّا الوَطَن فمن تِهامة باليَمَن مدينة يقال لها مُرْطان من وادي وساع، بُعدها من مكة أحد عشر يومًا، وبها المَوْلد والمَرْبَى، وأهلُها بقية العَرَب في تِهامة، لأنَّهم لا يُساكنهم حَضَري ولا يُناكحونه، ولا يُجيزون شهادتَه ولا يرضَوْن بقَتْله قَوَدًا بأحدٍ منهم. ولذلك سَلِمَتِ لُغَتُهم من الفَساد. وكانت رياستُهم تنتهي إلى المُثيب بن سُليمان، وهو جَدِّي من جهة الأمّ، وإلى زَيدان بن أحمد، وهو جَدِّي لأبي، وهما أبناء عَمِّ. وكان زَيْدان يقول: أنا أعُدُّ من أسلافي أحد عشر جَدًّا، ما منهم إلا عالم مُصنِّف في عدة عُلوم. ولقد أدركتُ عَمِّ عليّ بن زَيْدان وخالي محمد بن المُثيب، ورياسة حَكَم بن سَعْد تقفُ عليهما. وما أعرف فيمن رأيتُه أحدًا يشبه عمِّي عليًّا في السُّؤْدُد. وحدَّثني أخي يحيى بن أبي الحسن، وكان عالمًا يأيام النَّاس، قال: لو كان عمُّك علي بن زيدان في زَمَن نبيٍّ لكان حَواريًّا أو صِدِّيقًا له لفَرْط سُؤدُده. وحذَّثني الفقيه محمد بن حُسين الأوْقَص، وكان صالحًا، قال: والله لو كان عليّ بن زَيْدان قُرَشِيًّا ودعانا إلى بَيْعتِهِ لمُتْنا تحت رايته لاجتماع شروط الخلافة فيه. قال لي أخي يحيى: كان (١) النكت العصرية ٦ فما بعدها. ٤١٤ علي لا يغضبُ، ولا يَقْذَع في القَوْل، ولا يَجْبُن، ولا يَبْخَل، ولا يضرب مَمْلوكًا أبدًا، ولا يردُّ سائلاً، ولا عَصَى الله بقولٍ ولا فِعْل، وهذه هِمَّة المُلوك وأخلاق الصِّديقين، وحسبُكَ أنَّه حجَّ أربعين حَجَّة، وزار النَّبِيَّ وَّه عشر مرَّات، ورآه في النَّوْم خمس مرات، وأخبره بأمورٍ لم يُخْرَم منها شيء. فقلتُ لأخي : من القائل : إذا طَرَقَتْك أحداث اللَّيالي ولم يوجَد لعلَّتها طبيبُ وأعوَزَ من يجيرك من سُطاها فزَيْدانُ يجيرك والمثيبُ هما ردًّا عليَّ شَتيت مُلْكي ووجهُ الذَّهر من رَغْم قَطوبُ وقاما عند خذلاني بنَصْري قيامًا تَسْتكينُ له الخُطُوبُ فقال: هو السُّلطان عليّ بن حَبابة، كان قومُهُ قد أخرجوه من مُلْكه، وأفقروه من مِلكه وولَّوا عليهم أخاه سَلامة، فنزل بهما، فسارا معه في جُمُوع من قومهما حتى عَزَلا سَلامة ورَدَّا عليًّا وأصلحا له قَومه. وكان الذي وصل إليهُ من بِرِّهما وأنفقاه على الجيش في نُصرته ما ينيف على خمسين ألفًا. حذَّثني أبي، قال: مَرِضَ عَقُّكَ علي بن زَيْدان مَرَضًا أشرف منه على الموت ثم أبَلَّ منه، فأنشدتُه لرجلٍ من بني الحارث يُدعى سالم بن شافع، كان وَفَدَ عليه يستعينُهُ في دِيَة قتيل لَزْمَتْه، فلمَّا شُغِلنا بمَرَضه رجع الحارثي إلى قومه : إذا أَوْدَى ابنُ زَيْدان عليٌّ فلا طلعتْ نجومُكِ يا سَماءُ ولا اشتَمل النِّساء على جَنِينٍ ولا روَّى الشَّرَى للسحب ماءُ على الدُّنيا وساكِنها جميعًا إذا أوْدَى أبو الحسن العفَاءُ قال: فَبَكَى عَقُّكَ وأمرني بإحضار الحارثي، ودَفَعَ إليه ألف دينار. وبعد ستة أشهر ساق عنه الدِّيّة . وحدَّثني خالي محمد بن المثيب، قال: أجدبَ النَّاسُ سنةً، ففرَّق عليّ ابن زَيْدان على المُقِلُّين أربع مئة بَقَرةٍ لِبُونٍ، ومئتي ناقة لَبُون. وأذكرُ وأنا طفلٌ أنَّ مُعلِّمي عطيّة بن محمد بَعَثَنَي إلى عَمِّي بكتابةٍ كتبها في لَوْحِي. فَضَمَّني إليه وأجلسني في حُجْره، وقال: كم يُعْطِى الأديب؟ قلتُ: بَقَرة لَبُونًا. فضَحِكَ، ثم أمر له بمئة بَقَرةٍ لبونٍ معها أولادها، ووهب له غَلَّة ٤١٥ أرضٍ حصل له منها ألفا إرْدَبٍّ من السِّمْسم خاصَّة . وأمَّا سِعَة أمواله، فلم تكن تدخل تحت خَصْر، بل كان الفارس يمشي من صلاة الصُّبح إلى آخر السّاعة الثانية في فرقانات من الإبل والبَقَر والغَنَم كلُّها له. وكان يسكنُ في مدينةٍ مُنفردةٍ عن البَلَد الكبير. وأمَّا حماستُهُ وشدَّة بَأسه فيُضْرَب بها المَثَل، وهو شيءٌ يزيدُ على العادة بنوع من التَّأييد، فلم يكن أحدٌ يَقْدِر أن يَجُرَّ قَوْسه. وكان سَهْمه ينفذ من الدَّرَقة ومن الإنسان الذي تحتها. وكان النَّاس يُسِرِّحون أموالهم إلى وادٍ مُعْشِب مُخْصِبٍ مُسْبع بعيدٍ من البَلَد، وفيه عبيدٌ مُتغلّبة نحوٌ من ثلاثة آلاف راجل، قد حَمَوا ذلك الوادي بالسَّيف، يَقْطعون الطَّريق، ويَعْتصمون بشَعَفات الجبال وصَياصِيها. وكان العَدَد الذي يسرح مع المال في كل يوم خمس مئة قوس ومئة فارس. فشَكَى النَّاس إلى عليّ بن زَيْدان أنَّ فيهم من قَدّ طال شَعْره، وانقطع حِذاؤه ووَتَرُه، وسألوه أن ينظر لهم مَن ينوبُ عنهم يومًا ليُصلحوا أحوالهم. فنادى مناديه بالليل: مَن أراد أن يَفْعَد فَلْيقعد، فقد كُفي. ثم أمر الرِّعاء فسرحوا، ورَكِبَ وحده فَرَسًا له نَجْدِيًّا من أكرم الخَيْلِ سَبْقًا وأدَبًا وجنب حِجْرة. فما هو إلا أنْ وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خَرَجت عليها العَبِيد، فاستاقوها وقتلوا من الرِّعاء تسعة. فرَكِبَ ابن زَيْدان فأدرك العَبِيد، وهم سبع مئة رجل أبطالاً، فقال لهم: رُدُّوا المال، وإلا فأنا عليّ بن زَيْدان. فتسرَّعوا إليه فكان لا يضع سَهْمًا إلا بقتيلٍ، حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيدٍ، فإذا وَلَّوا كَرَّ عليهم، ولم يزل ذلك دَأَبَه ودَأْبَهم حتى قَتَل منهم خمسةً وتسعين رجلاً، فطلب الباقون أمانه ففعل، وأمرهم أن يدير بعضُهم بكتاف بعضٍ، ففعلوا، وأخذ جميعَ أسلحتهم فحمَلها بعَمائمهم على ظُهور الإبل، وعاد والعَبيد بين يديه أُسارى. وقد كان بعض الرِّعاء هَرَبَ فنعاه إلى النَّاس، فخرج النَّاس أرْسالاً حتى لَقوه العَصْرِ خارجًا من الواديٍ، والمواشي سالمة، والعَبِيد أُسارى. قال لي أبي: أذكر أنَّا لم نصل تلك اللَّيلة صُحْبته إلى المدينة حتى كسرت العربُ على باب داري ألف سيف، حتى قيل: إنَّ عليًّا قُتل وامتذَ الخَبَرُ إلى بني الحارث، وكانوا حلفاء، فأصبح في منازلهم سبعون فرسًا مَعْقورةً وثلاث مئة قوس مَكْسورة حُزْنًا عليه. ثم اصطنع العَبِيد وأعتقهم، وردّ عليهم أسْلحتَهم، فتكفَّلوا له أمان البلاد من عشائرهم. وكان السُّفَهاء والشَّباب منَّا لا ٤١٦ يزالُ يَجْني بعضُهم على بعض، ويكثر الجِراح والقَتْل، فأذكرُ عشية أنَّ القوم هَزَمونا حتى أدخلونا البيوت، فقيل لهم: هذا عليّ أقبل. فانهزموا حتى مات تحت أرجل النَّاس ثلاثة رجال. ثم أصلح بين النَّاس. تُوفي عليّ بن زَيْدان سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة، وتبِعَه خالي محمد ابن المثيب سنة ثمانٍ، فكان أبي يتمثّل بعدهما بقول الشاعر: ومن الشَّقاء تفرُّدي بالسُّؤدُدِ وتماسكت أحوال النّاس بوالدي سنة تسع وعشرين، وفيها أدركتُ الخُلْم. ثم مُنِعنا الغَيْث لسنةٍ وبعض أخرى، حتى هلك الحَرْث، ومات النَّاس في بيوتهم، فلم يَجِدوا من يَدْفنهم. وفي سنة إحدى وثلاثين دَفَعَتْ لي والدتي مَصُوغًا لها بألف مِثْقال، ودَفَعَ لي أبي أربع مئة دينار وسبعين، وقالا لي: تَمْضي إلى زَبِيد إلى الوزير مُسلم بن سَخْت، وتُنْفِقِ هذا المال عليك وتنفقه ولا ترجع حتى تُفْلِح، وزَبِيد عنا تسعة أيام. فأنزلني الوزير في داره مع أولاده، ولازمتُ الطَّلَب، فأقمتُ أربع سنين لا أخرجُ من المَدْرسة إلا لصلاة الجُمُعة. ثم زُرْتُ أبوي في السَّنة الخامسة ورددتُ ذلك المُصاغ، ولم أحْتَجْ إليه. وتفقَّهتُ، وقرأ عليَّ جماعةٌ في مَذْهب الشَّافعي، والفرائض ولي فيها مُصنَّفٌ يُقرأ باليَمَن. وقد زارني والدي بزَبِيد سنة تسع وثلاثين، فأنشدُتُه من شِعْري، فاستحسنه واستحلفني أن لا أهجوَ مُسلمًا. فحَلَفتُ له، ولَطَفَ الله بي، فلم أهْجُ أحدًا، سوى إنسانٍ هَجاني ببيتين بحَضْرة الملِك الصَّالح، يعني ابنُ رُرِّيك، فأقْسم عليَّ أن أُجيبه . وحججتُ مع الحُرَّة أُمِّ فاتك مَلِك زَبِيد، وربما حجَّ معها أهل اليَمَن في أربعة آلاف بعير. ويسافر الرَّجل منهم بحريمه وأولاده. إلى أن قال: فأذْكر ليلةً، وقد سَئِمت رُكوب المَحْمل، أني ركِبتُ نجيبًا، وحين تهوَّر اللَّيل آنستُ حسًّا، فوجدتُ هَوْدجًا مُفْرَدًا، والبعير يَرتعي، فناديتُ مِرارًا: يا أهلِ الجَمَل، فلم يُكلِّمني أحدٌ، فدنوتُ فإذا امرأتان نائمتان في الهَوْدِج، أرجُلُهما خارجة، ولكل واحدْ زَوْجِ خَلْخال من الذَّهَب. فسلبتُ الزَّوجين من أرجلهما وهما لا تَعْقلان، وأخذتُ بخِطام الجَمَل حتى أبركتُهُ في تاريخ الإسلام ٢٧٣/١٢ ٤١٧ المَحَجَّة العُظمى وعَقَلْته، وبعدتُ عنه بحيث أشاهدُهُ، حتى مرَّت قافلةٌ، فأقاموا البعير وساقوه، فلما أصبح النّاس إذا صائح يَنْشُد الضَّالَّة، ويبذلُ لمن ردَّها مئة دينار. وإذا هما امرأتان لبعض أكابر أهل زَبِيد. وكانت عادة الحُرَّة أن تمشي في السَّاقة، فمن نام أيقظَتْه، وكان لها مئة بعير برسم حمل المُنقطعين. وحين تنصَّفت اللَّيلة الثانية تأخّرتُ حتى مرَّ بي مَحْملها، فبادر الغِلْمان إليَّ وقالوا: لك حاجة؟ فقلتُ: الحديث مع الحُرَّة. ففعلوا ذلك، فأخرجتْ رأسها من سَجَف الهَوْدج. قال: فناولتُها الزَّوجين، وبَلَغني أنَّ وَزْنهما ألف مثقال، فقالت: ما اسمك؟ ومن تكون فقد وجب حقُّك. فأعلمتُها، وحَصَلَ لي منها جانبٌ قويٌّ وصورةٌ وتقدُّمٌ، وتَسْهيل الوصول إليها في كل وقت. وبذلك حصلت مَعْرفةٌ بالوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي، وكسبتُ بمعرفتها مالاً جزيلاً، وتَجَرتُ لهما بألوفٍ من المال، ورددتُ إلى عَدْن، وحصلت لي صُحْبة أهل عَدَن وامتد هذا من سنة تسع وثلاثين إلى سنة ثمان وأربعين وقضى ذلك باتِّساع الحال وذهاب الصِّيت، حتى كان القاضي أبو عبدالله محمد بن أبي عقامة الحفائلي رأس أهل العِلْم والأدب بزَبِيد يقول لي: أنتَ خارجيُّ هذا الوَقْت وسعيدُه، لأنَّك أصبحتَ تُعدُّ من جملةَ أكابر الثُّجَّار وأهل الثَّرْوة، ومن أعيان الفُقَهاء الذين أفتوا، ومن أفضل أهل الأدَب. فأمَّا الوجاهة عند أهل الدُّوَل، ونعمة خَدِّك بالطِّيب واللِّباس وكَثْرة السَّراري، فوالله ما أعرف من يَعْشُك فیه، فهنيئًا لك. فكأنَّه والله بهذا القول نَعَى إليَّ حالي وذَهاب مالي؛ وذلك أن كتاب الدَّاعي محمد بن سبأ صاحب عَدَن جاءني من ذي جَبْلة يستدعي وُصولي إليه، فاستأذنتُ أهل زَبِيد، فأذِنوا لي على غش. وكانت للدَّاعي بيدي خمسة آلاف دينار سيَّرها معي أتباعٌ له، بها أمتعةٌ من مكَّة وزَبِيد، فلمَّا قدمتُ إلى ذي جَبْلة وجدتُه قد دخل عروسًا على ابنة السُّلطان عبدالله. وكان جماعةٌ من أكابر التُّجَّار والأعيان، مثل بَرَكات ابن المقرىء، وحسن ابن الخَمَّار، ومُرَجَّى الحَرَّاني، وعليّ بن محمد النِّيلي، والفقيه أبي الحسن بن مَهْدي القائم الذي قام باليَمَن وأزال دَوْلة أهل زَبيد، وكانوا قد سَبَقوني ولم يَصِلوا إلى الدَّاعي. فلما وصلتُ إلى ذي جَبْلة كتبتُ إليه قول أبي الطيب: كُن حيثُ شئتَ تَصِلْ إليك رِكابُنا فالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوحدُ ٤١٨ ثم أتْبَعْتُ ذلك برُقْعةٍ أطلبُ الإذن بالاجتماع به، فكتب بخطّه على ظهرها : مرحبًا مرحبًا قدومُك بالسَّعْد فقد أَشْرَقت بك الآفاقُ لو فرشنا الأحداقَ حتى تطأهنَّ لقلَّتْ في حَقِّك الأحداق وكان هذان البيتان ممَّا حَفِظَه عن جاريةٍ مُغنيةٍ كنتُ أهديتُها إليه، واتَّفق أنَّ الرُّقعة وصلت مفتوحة بيد غُلام جاهل، فلم تَقَع في يدي حتى وَقَفَ عليها الجماعة كلهم، وركِبتُ إليه فأقمّت عنده في المُستنزه أربعة أيام، فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زَبِيد بما يوجب سَفْك دمي، ولا عِلم لي، حَسَدًا منهم وبَغْيًا. وكان ممَّا تمَّموا به المكيدة عليّ ونَسَبوه إليَّ، أنَّ علي بن مَهْدي صاحب الدَّوْلة اليوم باليَمَن التمس من الدَّاعي محمد بن سبأ أن ينصرَهُ على أهل زَبِيد، فسألني الدَّاعي أن اعتذر عنه إلى عليّ بن مَهْدي لما كان بيني وبين ابن مَهْدي من أكيد الصُّخْبة في مَبادىء أمره، لأنّي لم أُفارقه إلا بُعيد أن استفحل أمرُهُ، وكشف القناع في عَداوة أهل زَبِيد، فتركتُهُ خوفًا على مالي وأولادي لأني مُقيمٌ بينهم. وحين رجعتُ إلى زَبِيد من تلك السَّفْرة وجدتُ القوم قد كتبوا إلى أهل زَبِيد في حقِّي كُتُبًا مَضْمونها: إنَّ فُلانًا كان الواسطة بين الدَّاعي وبين ابن مَهْدي على حَرْبكم وزوال مُلْككم فاقتلوه. فحدَّثني الشيخ جيَّاش. قال: أجمَعَ رأيُهم على قَتْلك في ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين. فجاءهم في الليل خَبَر محمد بن أبي الأعز (١) ونفاقه وزَحْفه على تِهامة، فانزعجوا واشتغلوا، وخرجتُ حاجًا بل هاجًا إلى مكَّة سنة تسع. فمات أمير مكَّة هاشم بن فُلَيْتَة، ووليَ الحَرَمين ابنُهُ قاسم، فألزمني السِّفارة عَنه إلى الدَّوْلة المصرية، فقدِمْتُها في ربيع الأول سنة خمسين، والخليفة بها الفائز، والوزير المَلِكِ الصَّالِحِ طلائع بن رُزِّيك. فلمَّا أُحضِرتُ للسَّلام عليهما في قاعة الذَّهب أنشدتُهما: الحَمْدُ للعِيس بعد العَزْمِ والهِمَمِ حمْدًا يقومُ بما أوْلت من النِّعَمِ إلى آخرها. وعَهْدي بالصّالح يستعيدُها في حال النَّشيد، والأستاذون وأعيان الأُمَراء (١) في المطبوع من النكت ((الأغر)). ٤١٩ والكُبَراء يذهبون في الاستحسان كلَّ مَذْهب، ثم أُفيضت عليَّ خِلَعٌ من ثياب الخلافة مذهَّبَة، ودَفَعَ لي الصالح خمس مئة دينار، وإذا ببعض الأستاذين خرج لي من عند السَّيِّدة بنت الإمام الحافظ بخمس مئة دينار أُخرى. وأُطْلِقَتْ لي رسومٌ لم تُطلَقْ لأحدٍ قبلي. وتهادتني أُمَراءُ الدّولة إلى منازلهم، واستحضرني الصَّالح للمُجالسة، وانثالت عليَّ صِلاتُهُ، ووجدتُ بحضرته أعيانَ أهل الأدب الجليس أبا المَعالي بن الجَبَّاب، والمُوفَّق ابن الخَلَّل صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفَتْحِ محمود بن قادوس، والمُهذَّب حَسَنَ بن الزُّبَير. ومامن هذه الجلَّة أحدٌ إلا ويَضْرب في الفَضائل النَّفْسانية والرِّياسة الإنسانية بأوفر نصيب. وأما جُلَساؤه من أهل السُّيوف فولدُهُ مَجْد الإسلام، وصِهْره سيف الدِّين حُسين، وأخوه فارس الإسلام بَدْر، وعِزُّ الدِّين حُسام، وعليّ بن الرَّنْد(١)، ويحيى بن الخَيَّاط، ورضوان، وعلي هَوْشات، ومحمد ابن شمس الخلافة. قلتُ: وعَمِلَ عُمارة في الصَّالح عدة قصائد، وتوجّه إلى مكَّة مع الحُجَّاج، ثم ذَكَرَ أنَّه قَدِمَ في الرُّسْلية أيضًا من أمير مكَّة. وذكر أنَّه حَضَرَ مَجْلس الصَّالِحِ طلائع، قال(٢): فكانت تَجْري بحضرته مسائلُ ومُذَاكَراتٌ ويأمُرُني بالخَوْض فيها، وأنا بمعزل عن ذلك لا أنطقُ، حتى جَرَى من بعض الأمراء ذِكر بعض السَّلف، فاعتمدتُ قوله تعالى: ﴿ فَلَ نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهٍِّ﴾ [النساء ١٤٠] ونهضتُ، فأدْركني الغِلْمان، فقلتُ: حَصَاةٌ يَعْتَادُني وَجَعُها. وانقطعت ثلاثة أيام، ورسوله في كل يوم والطَّيب معه. ثم ركبتُ بالنَّهار، فوجدتُهُ في بُسْتان وقَّلتُ: إنِّي لم يكن بي وَجَع، وإنَّما كَرِهتُ ما جَرَى في حقِّ السَّلَف، فإنْ أمَرَ السُّلْطان بقَّطْع ذلك حضرتُ وإلا فلا، وكان لي في الأرض سَعَةٌ، وفي المُلوك كَثْرَة، فتعجَّب من هذا وقال: سألتُكَ ما الذي تعتقدُ في أبي بكر وعُمر؟ قلتُ: أعتقدُ أنَّه لولاهما لم يَبْقَ الإسلام علينا ولا عليكم، وأنَّ محبَّتَهما واجبةٌ. فضَحِكَ، وكان مُرتاضًا حَصِيفًا قد لَقِيَ في ولا يته فُقَهاء السُّنَّة وسمع كلامَهم، وقد جاءتني منه مرَّة أبياتٌ معها ثلاثة أكياس ذَهَب، وهي قوله: (١) في النكت: ((الزبد)) بالزاي والموحدة. (٢) النكت ٤١ فما بعد. ٤٢٠