Indexed OCR Text
Pages 241-260
والمَعَرَّة، وأن يكون لابن نور الدين حَلب وجميع أعمالها. وتحالفوا ورد إلى حَمَاة، فجاءه رُسُل المُستضيء بالهدايا والتَّشْريفات والتهنئة بالمُلْك. ثم سار إلى حصن بارين، فحاصره ثم أخذه. وأنعم بحمص على ابن عَمِّه الملك ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه، واستناب بقلعة دمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طُغْتِكين. ورجع من حِمْص، فسار إلى بعلبك. فأخذها من الخادم يُمْن الرَّيْحاني ثم أعطاها للأمير شمس الدين محمد ابن المقدم، فعَصَى عليه في سنة أربع وسبعين، فسار إليه، ثم حاصره أشْهُرًا. ومن كتاب فاضلي إلى العادل نائب مِصْر، عن أخيه صلاح الدين: ((قد أعلمنا المجلس أنَّ العَدوَّ المَخْذول، كان الحلبيون قد استنجدوا بصُلْبانهم، واستطالوا على الإسلام بعدوانهم، وأنه خرج إلى حِمْص، فوردنا حماة، وتَرتَّبْنا للِّقاء، فسارَ العدو إلى حصن الأكراد متعلقًا بحبله، مفْتَضحًا بحِيَله، وهذا فتحِّ تُفْتَح له القُلُوب، قد كفى الله فيه القتال المَحْسوب . ومن كتاب فاضلي إلى الدِّيوان العزيز من السُّلطان مضمونه تعداد ما للسُّلطان من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مع نُور الدين، ثم فتح مصر، واليَمَن، وأطراف المَغْرب، وإقامة الخُطْبة العباسية بها، ويقول في كتابه: ((ومنها قلعةٌ بثغر أيْلَة، بناها العدو في البَحْر، ومنه المَسْلَك إلى الحَرَمين، فغزوا ساحل الحَرَم، وقتلوا وسبوا، وكادت القبلة أن يُستولى على أصْلها، والمَشَاعر أن يسكنها غيرُ أهلها، ومضجع الرسولِ بَله أن يتطرق إليه الكُفَّار. وكان باليمن ما عُلِم من الخارج ابن مهدي المُلْحِد، الذي سبى الشَّرائف الصَّالحات، وباعهنَّ بالثمن البَخْس، واستباحهنَّ، ودعا إلى قَبْر أبيه، وسمَّاه كعبة وأخذ الأموال، فأنْهَضْنَا إليه أخانا بعسكرنا، فأخذه، والكلمة هناك بمشيئة الله، إلى الهند سامية. ولنا في المغرب أثرٌ أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما المَهلك دون المَطْلب، وذلك أن بني عبدالمؤمن قد اشتهر أنَّ أمرَهم قد أمِر، وملكهم قد عَمِر، وجيوشهم لا تُطاق، وأمرهم لا يشاق، ونحن فتملّكنا ما يجاورنا منه بلادًا تزيد مسافتها على شهر، وسَيَّرنا إليه عسكرًا بعد عسكر، فرجع بنصرٍ بعد نصر، ومن ذلك: بَرْقة، قَفْصَة، قَسْطِيلة، تَوْزَر، كل هذه تُقام فيها الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عهد لإقامتها من دهر. تاريخ الإسلام ١٢/م١٦ ٢٤١ وفي هذه السنة كان عندنا وفدٌ، نحو سبعين راكبًا، كلهم يطلب لسُلطان بلده تقليدًا، ويرجو منا وَعْدًا، ويخافُ وَعِيدًا. وسيَّرنا الخِلَع والمَناشِير والألوية. فأمَّا الأعداء الذين يقاتلوننا، فمنهم صاحب قُسطنطينة، وهو الطَّاغيةُ الأكبرُ، والجالوت الأكْفَر، جَرَت لنا معه غَزَوات بحرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصَلَتنا رسالةٌ في جُمعةٍ واحدةٍ نوبتين بكتابين، يُظهر خفْضَ الجَنَاحِ والانتقالَ من مُعاداة إلى مهاداة. ومن مُفَاضَحَةٍ إلى مُنَاصَحَة، حتى أندر بصاحب صِقِلِّية وأساطيله، وهو من الأعداء، فكان حين علم بأن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نَوْبة دِمياط فكُسروا، أرادَ أن يظهر قوته المستقلة، فعَمَّر أسطولاً، استوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمسُ سنين يُكْثِرِ عُدته وينتخب عِدَته إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الإسكندرية أمرٌ رائع، وخَطْب هائل، ما أثقل ظَهْرَ البَحْرِ مثلُ حَمْله، ولا ملأ صدرهُ مثلُ خيله ورَجِله، وما هو إلا إقليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره، لولا أنَّ الله خَذَلَه. ثم عدَّدَ أشياء، إلى أن قال: والمُراد الآن تقليدٌ جامعٌ بمصر، واليمن، والمغرب، والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية الثُّورية، وكل ما يفتحه الله الدَّولة العباسية بسيوفنا، ولمن يقيم من أخٍ وولدٍ من بعدنا تقليدًا، يضمن للنِّعمة تَخْليدًا، وللدعوة تَجْديدًا، مع ما تُنعم عليه من السِّمات التي فيها المُلْك، والفِرَنج فهم يعرفون منا خَصْمًا لا يمل حتى يملوا، وقَرْنًا لا يزال يحرم السَّيف حتى يُحلّوا، وإذا شد رأينا حُسن الرأي ضَرَبنا بسيفٍ يقطع في غِمده، وبلغنا المُنَى بمشيئة الله، ويد كلِّ مؤمن تحت برده، واستعدنا أسيرًا من المسجد الأقصى الذي أسرى الله إليه بعبده. وفيها ملكِ البهلوان بن إلْدِكز مدينة تُوريز بالأمان، واستعمل عليها أخاه قَرا رسلان، وتَسَلَّم مَرَاغَة . قال ابن الأثير(١) في فتنة قطب الدين قايماز: ولما أقام قايماز بالحِلَّة، امتنع الحاج من السَّفَر، فتأخروا إلى أن رحل، فبادروا ورحلوا من الكوفة إلى عَرَفات في ثمانية عشر يومًا، وهذا ما لم يُسْمع بمثله، ومات كثيرٌ منهم. (١) الكامل ١١/ ٤٢٦. ٢٤٢ بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحـ ٧ سنة إحدى وستين وخمس مئة (الوفيات) ١- أحمد بن الحُسين بن الحَسَن بن الحُسين بن زينة، أبو عاصم الأصبهانيُّ، أخو أبي غانم محمد. عدلٌ، زاهدٌ، فاضلٌ، من أولاد المُحدِّثين. سَمِعَ أبا مطيع، وأبا الفتح الحدَّاد، وأبا العباس أحمد بن الحسن بن نجوكة، وأبا سَعْد المُطْرِّز، وطائفةً . وعنه جماعةٌ من الأصبهانيين. تُوفي في ربيع الأول، وله تسعٌ وستون سنة(١). ٢- أحمد بن يحيى بن عبدالباقي بن عبدالواحد، أبو الفضائل الزُّهرِيُّ البَغْدادُّ الفقيه، ويُعرف بابن شُقْران. كان إمامًا، واعظًا، صوفيًّا، مُعِيدًا بالنِّظامية. سَمِعَ أبا الحسن ابن العَلَّف، وأبا الغنائم ابن المُهتدي بالله. روى عنه إبراهيم الشَّغَّار، وأحمد بن منصور الكازَرُونيُّ، وتُوفي في المحرَّم(٢). وأخوه: ٣- أحمد أسنُّ منه، ولا أعلم متى تُوفي. سَمِعَ من ثابت بن بُنْدار. روى عنه عُمر بن عليّ القُرشي(٣) . ولهما أخٌ آخر. ٤- إبراهيم بن الحسن بن طاهر، الفقيه أبو طاهر ابن الحصنيِّ، الحَمَويُّ الشافعيُّ. (١) سيعيدة المصنف في آخر هذه السنة (الترجمة ٤٨). (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٠١ (شهيد علي). وسيعيده المصنف في آخر السنة (الترجمة ٤٩). (٣) من تاريخ ابن الدبيئي أيضًا، الورقة ٢٠١ (شهيد علي). ٢٤٣ : من فُقهاء دمشق، روى عن أبي عليّ بن نَبْهان، ومحمد بن محمد ابن المَهْدي، وأبي طالب الزَّيْنبي، وأبي طالب اليُّوسُفي، وأبي طاهر الحِنَّائي، وابن المَوَازيني. روى عنه ابن السَّمْعاني، وابنُ عساكر، وابنهُ القاسم، وأبو القاسم بن صَصْرَى، وأبو نصر ابن الشِّيرازي. وتُوفي بدمشق في صَفَرِ، ووُلِد بحَماة في سنة خمسٍ وثمانين. ٥- إسماعيل بن سُلْطان بن عليّ بن مُقلَّد بن نَصْر بن مُنْقذ، شَرَفُ الدَّولة أبو الفَضْلِ الكِنَانِيُّ الشَّيْزَريُّ الأمير. أديبٌ فاضلٌ، وشاعرٌ كاملٌ، كان أبوه صاحبَ شَيْزَر وابنَ صاحبها، فلما مات أبوه وَلِيَها أخوه تاج الدَّولة، وأقامَ هو تحت كَنَف أخيه إلى أن خرَّبتها الزَّلْزَلَةِ، ومات أخوه وطائفةٌ تحت الرَّدْم، وتوجَّه نور الدين فتسلَّمها، وكان إسماعيل غائبًا عنها، فانتقل إلى دمشق وسَكَنها، وكانت الزَّلْزلة في سنة اثنتين وخمسين. ولمَّا سَقَطتِ القَلْعة على أخيه وأولادِهِ وزوجة أخيه خاتون بنت بُوري أخت شمس المُلُوك، سلِمَت خاتون وحدها وأُخرجت من تحت الرَّدْم، وجاء نور الدِّين فطَلَبَ منها أن تُعْلِمَهُ بالمال وهَذَّدها، فذكَرَتْ له أنَّ الرَّدْم سَقَطَ عليها وعليهم ولا تَعْلَمُ بشيء وإن كان شيءٌ فهو تحت الرَّدْمِ. فلمَّا حَضَرَ إسماعيل وشاهَدَ ما جَرَى عَمِل: نزلت على رغم الزَّمان ولو حَوَتْ يمناك قائم سيفها لم تنزِل فتبذَّلَت عن كِبْرها بتَوَاضُعِ وتَعَوَّضَتْ عن عزّها بتذلُلِ ومن شعره: ومُهَفْهَفٍ كَتَبَ الجمالُ بخدِّه سطْرًا يُدَلِّه ناظر المُتأمِّل بالغتُ في استخراجه فوجدتُهُ لا رأيَ إلا رأيَ أهل المَوْصِلِ(١) ٦- إسماعيل بن علي بن زيد بن علي بن شَهْرَيار، أبو المحاسن الأصبهانيُّ. سَمِعَ رِزْق الله التَّميمي، وغيرَهُ، وأجاز في هذا العام لأبي المُنَجَّى ابن اللَّتِّي. وسمع منه الحافظ عبدالقادر، وأبو شجاع الديلمي، ومحمد بن محفوظ المُعَدَّل، وأبو النَّجم زاهر بن محمد، وغيرهم. (١) البيتان في معجم الأدباء ٢ / ٥٩٠ . ٢٤٤ ٧- جَيَّاش بن عبدالله الحَبَشيُّ، عبد ابن عَفَّن الواعظ . روى عن أبي الحسن ابن العَلَّف، وعنه ابن سُكَيْنة، والحسن بن المُبارك ابن الزَّبيدي(١) . لَعلَّه مات أوَّل العام، فإنَّ ابن الخُصْري سَمِعَ منه في شوَّال سنة ستين. ٨- الحسن بن سَهْل بن المُؤمَّل، أبو المُظفَّر البغداديُّ الكاتب. سَمِعَ بواسط من أبي نُعيم محمد بن إبراهيم الجُمَّاري. وحدَّث ببغداد ((بُمُسْنَدٍ مُسَدَّد))؛ سَمِعَ منه إبراهيم الشَّغَّار، وعليّ بن أحمد الزَّيْدي، وعُمر بن عليّ، وأحمد بن طارق في هذه السَّنة. ثم رَجَعَ ومات بعدها بيسير. وكان مولدُهُ في شَوَّال سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة(٢). ٩- الحسن بن العباس بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسنٍ بن محمد بن الحسن بن عليّ بن رُسْتُم، العَلاَّمة أبو عبدالله بن أبي الطّيِّب الرُّسْتُميُّ الأصبهانيُّ الفقيه الشَّافعيُّ. وُلِدَ في صَفَر سنة ثمانٍ وستين وأربع مئة، وسَمِعَ أبا عَمْرو بن مَنْدة، ومحمود بن جعفر الكَوْسَج، والمُطَهَّر بن عبدالواحد البُزَاني، وإبراهيم بن محمد القَفَّلِ الطَّيَّان، وأبا بكر محمد بن أحمد السِّمْسَار، والفَضْل بن عبدالواحد بن سَهْلان، وعبدالكريم بن عبدالواحد الصّخَّاف، وأبا عيسى عبدالرحمن بن محمد بن زياد، وسُليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبا منصور محمد بن أحمد بن شُكْرُوية، وأحمد بن عبدالرحمن الذَّكْواني، وسَهْل بن عبدالله الغازي، وأبا الخَيْرِ محمد بن أحمد بن رَرَا، والقاسم بن الفَضْل الثَّقَفي، ورِزْق الله التَّميمي، وطِرادًا الزَّيْنبي، وطائفةً سواهم. روى عنه ابنُ السَّمْعاني، وابنُ عساكر، وشَرَف بن أبي هاشم البَغْداديُّ، وأحمد بن سعيد الخِرَقي، وأبو موسى المَدِيني، وقال فيه: أُستاذي الإمام أبو عبدالله، ثم ساقَ نَسَبه كما تقدَّم . وروى عنه جماعةٌ كبيرةٌ منهم الحافظ عبدالقادر الرُّهاوي، وقال: كان (١) منسوب إلى ((زبيد)) البلدة المعروفة باليمن، وسيأتي في وفيات سنة ٦٢٩ . (٢) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٥ - ٦ (باريس ٥٩٢٢). ٢٤٥ فقيهًا، زاهدًا، وَرِعًا، بَكَّاءً، عاش نَيِّفًا وتسعين سنة، ومات سنة ستين. كذا قال . قال: وحضرتُهُ يوم موته، وخَرَجَ النَّاسُ إلى قَبْرِه أفواجًا، وأملى شيخُنا الحافظ أبو موسى عند قَبْرِه مَجْلسًا في مَنَاقبه، وكان عامَّةُ فُقهاء أصبهان تلاميذَهُ، حتى شيخنا أبو موسى عليه تفقَّه، وروى عنه أبو موسى الحديث، وكان أهل أصبهان لا يَثِقِون إلا بفَتْواه، وسألني شيخُنا السِّلَفي عن شيوخ أصبهان، فذكرتُهُ له، فقال: أعرفُهُ فقيهًا متنسكًا. قال أبو سَعْد السَّمعاني: إِمامٌ، مُتديِّنٌ، وَرِعٌ، يُزْجِي أكْثَرِ أوقاته في نَشْرِ العِلْم والفُتيا، وهو مُتواضعٌ على طريقة السَّلَف، وكان مُفَتي الشَّافعية. قال عبدالقادر: سمعتُ أبا موسى شيخَنا يقول: أقرَأ المَذْهب كذا وكذا سنة، وكان من الشِّداد في السُّنَّة، وسمعتُ بعضَ أصحابنا الأصبهانيين يَحْكي عنه أنَّه كان في كل جُمُعةٍ ينفردُ في موضعٍ يَبْكي فيه، فبَكَى حتى ذهبت عَيْناه. وكنّا نسمعُ عليه وهو في رثاثةٍ من المَّلْبس والمَفْرش، لا يُساوي طائلاً، وكذلك الدَّار التي كان فيها، وكانت الفِرَقُ مُجتمعة على مَحبَّته. قلتُ: وروى عنه أبو الوفا محمود بن مَنْدة؛ وبالإجازة أبو المُنَجَّى ابن اللَّتِّي، وكريمة وأختها صَفِيَّة، وعاشت إلى سنة ستٍّ وأربعين وست مئة؛ وآخر مَن روى عنه بالإجازة عجيبة بنت الباقداري. قال أبو موسى: تُوفي مساءً يوم الأربعاء ثاني صفر سنة إحدى وستين. وقال أبو مَسْعود الحاجّي(١): تُوفي عشية يوم الأربعاء غُرَّة صفر سنة إحدى وستين . وقال أبو سَعْد السَّمْعاني: إمامٌ فاضلٌ، مُفتي الشافعية، وهو على طريقة السَّلَف، له زاويةٌ بجامع أصبهان أكثر أوقاته يُلازمُها، وَرَدَ بغداد حاجًّا بعد العشرين، وحدَّث بها . وقال ابن الجَوْزي في ((المنتظم))(٢): قال الشَّيخ عبد الله الجُنَّائي: ما رأيتُ أحدًا أكثرَ بُكاءً منه. قال الجُبَّائي: وسمعتُ محمد بن سالار أحد أصحابه (١) وفياته (١٨٧). (٢) المنتظم ١٠/ ٢١٩. ٢٤٦ يقول: سمعتُ شيخي أبا عبدالله الرُّستمُي يقول: وقفتُ على ابن ماشاذة وهو يتكلّمُ على النَّاس، فلمَّا كان في اللَّيل، رأيتُ ربَّ العِزَّة في المَنام، وهو يقول لي: يا حسن وقفتَ على مُبتدع ونظرتَ إليه وسمعتَ كلامَهُ، لأحرمَنَّك النَّظَر في الدُّنيا، فاستيقظتُ كما تَرَىّ. قال الجُبَّائي: وكانت عيناه مفتوحتين وهو لا ينظرُ بهما . ١٠- الحسن بن عليّ ابن الرَّشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحُسين بن الزُّبَيْرِ، القاضي مُهذب الدين أبو محمد الغَسَانيُّ الأسوانيُّ، أخو القاضي الرَّشيد أبي الحُسين أحمد، وسيأتي في سنة ثلاث(١). ولأبي محمد ((ديوان)) شِعْر، وهو أشعرُ من أخيه. تُوفي بالقاهرة في رَجَب. وأوَّل شِعرِ قالَهُ في سنة ستٍّ وعشرين وخمس مئة . وله في العاضد خليفة مصر: وإنَّ أمير المُؤمنين وذِكرَهُ قريبان للآي المُنَزَّلِ في الذِّكْر لقَوْل رسول الله: تَلْقَوْن عِتْرَتي معًا وكتابَ الله في مَورد الحَشْرِ فوا العَصْر إنَّ الجاحدين لَفِي خُسر وما قد حَوَتْه من بَهاءٍ ومن فَخْر يُوحُ مع الشَّمْسِ المُنيرة في الظُّهْر إذا ما تَحَلَّى بالجَواهر والدُّرِّ وشمسُ الضُّحى تُغْنِي عن الأنجُم الُهْرِ به أبدًا تَسْمُو على هالة البَدْر إذا ما إمامُ العَصْر لاحَ لنَاظِرٍ ويَكْفي الوَرَى منه يتيمةُ تاجِهِ ولم تَرَ عَيْني قبلها قَطُّ كَوْكَبًا وما هو إلا البحر ليس بمنكرٍ على أنَّه لا يَقْتنيها لحاجةٍ وقد قابَلَتْها للمظلَّة هالةٌ وما هي إلا بعضُ سُحْبِ يمينهِ وما زال منشأ الشُّحُبِ منَ لُجة البَحْرِ .ومن شعره : لا تغررنِّي بمَرْأى أو بمُسْتَمع فما أصدّقُ لا سَمْعي ولا بَصَري وكيف آمَنُ غيري عند نائبةٍ يومًا إذا كنتُ من نفسي على غَرَرِ وهو القائل : (١) سيأتي برقم (٨). ٢٤٧ وما لي إلى ماءٍ سوى النِّيل غُلَّةٌ ولو أنَّه، أسْتغفرُ الله، زمْزَمُ(١) ١١- الحُسين بن عبدالرحمن بن مَحْبوب، أبو عبدالله البَغْداديُّ. توفي في شعبان عن ست وسبعين سنة. أصلُهُ من غَزَّة، من كبار الشَّافعية. سَمِعَ من أبي الحُسين ابن الطُُّوري، وأبي الحسن ابن العَلَّف، وأبي غالب الباقِلَّني. وعنه ابنُ الأخضر، وداود بن مَعْمَر، وابن الخُصْري، وآخرون. ١٢ - الحُسين بن عليّ بن محمد بن عليّ، أبو عليّ ابن قاضي القضاة أبي الحسن ابن قاضي القضاة أبي عبدالله الدَّامَغانيُّ. سَمِعَ أَبِيًّا النَّرْسي. روى عنه عُمر بن عليّ القُرَشي. وتُوفي في رَجَب(٢). ١٣- زيد بن عليّ بن زيد بن عليّ، أبو الحُسين الشُّلَميُّ الدِّمشقيُّ الدُّواجيّ(٣) الفقيه. سَمِعَ أباه، وأبا محمد ابن الأكفاني، وجماعةً وتفقه على جمال الإسلام. ورَحَلَ إلى بغداد فَلِقِيَ أبا الفَضْلِ الأُرموي وطبقتَهُ. ومات كَهْلاً في المحرَّمِ(٤). ١٤ - سعيدة بنت أبي غالب أحمد بن الحسن ابن البنّاء. امرأةٌ صالحةٌ، سمعت عبدالواحد بن فَهْد العَلَّف. وعنها السَّمْعاني، وابن الخُصْري . ماتت في صَفَر . ١٥- شعيب بن أبي الحسن عليّ بن عبدالواحد الدِّيْنَوَريُّ ثم البَغْدادِيُّ، أبو الفُتُوح الخَيَّاطْ. سَمِعَ من أبيه، روى عنه عُمر القُرَشي. تُوفي في ربيع الأول(٥). ينظر معجم الأدباء ٢ / ٩٤١ - ٩٤٨. (١) (٢) من تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٢٧ (باريس ٥٩٢٢). (٣) لم يذكر السمعاني هذه النسبة في الأنساب ولا استدركها عليه ابن الأثير في اللباب، ولم أقف عليها، ولعله منسوب إلى الدُّواج، كرُمَّان وغراب: اللحاف الذي يلبس. (٤) من تاريخ دمشق ١٩ / ٤٨٠ - ٤٨١. (٥) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٧٧ (باريس ٥٩٢٢). ٢٤٨ ١٦- عبدالله بن جابر بن عبدالله بن محمد بن عليّ، أبو إسماعيل ابن أبي عطية ابن شَيْخ الإسلام الأنصاريُّ، الهَروميُّ. انتهت إليه رئاسةُ الصُّوفية بهَرَاة وتقدَّمَهم. وكان ذا قُعْدُدٍ في النَّسَب. قال أبو سَعْد السَّمْعاني: كان فيه سَلامٌ، وحجَّ بعد الأربعين وخمس مئة، فسافر لا على سَمْت الصُّوفية وأهل العِلْم. كتبتُ عنه، وكان يعقِدُ المَجَالس في الأشهر الثَّلاثة. سَمِعَ أبا الفَتْحِ نَصْر بن أحمد بن محمد الحَنَفي، وطبقتَهُ. وكان يحضرُ مَجْلسَه عالَمٌ لا يُحْصَوْن اعتقادًا إلى جَدِّه وتبرُّكًا بمكانه. وُلِد سنة خمسٍ وخمس مئة، وتُوفي في جُمادَى الآخرة بهَرَاةَ(١). ١٧ - عبدالله بن الحُسين بن رَوَاحة بن إبراهيم بن رَوَاحة، أبو محمد الأنصاريُّ الحَمَويُّ. وُلِد بحَماةَ سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة. وكان شاعرًا مُجوِّدًا. قال ابنُ عساكر(٢): له يدٌ في القراءات، وتهجُّدٌ في الخَلَواتِ، دَخَل بغداد، ومَدَحَ المُقتفي لأمر الله مِرارًا، وخَلَعَ عليه ثيابَ الخطابة، وقَلَّده إياها بحَماة. وقد أُسِر ولدُهُ في البحر، فمات قبل أن يراه، ووُلد لابنه الحُسين بالبحر ولده أبو القاسم عبدالله، ثم خلصهُ الله، وأتى بابنه إلى الإسكندرية وسَمِعا الكثيرَ من السِّلَفي. وتُوفي هذا الخطيب في المحرَّم بحَمَاة. وآخر ما قال : إلهي ليس لي مَوْلَّى سِواكا فهَبْ منِ فَضْل فَضْلك لي رضاكا وإن لا تَرْضَ عني فاعفُ عني لعَلي أن أجوزَ به حِماكا فقد يَهَبُ الكريمُ وليس يرضى وأنتَ مُحَكَّمٌ في ذا وذاكا ١٨- عبدالله بن رِفاعة بن غَدِير بن عليّ بن أبي عُمر بن الذَّيَّال بن ثابت بن نُعَيْم، أبو محمد السَّعْديُّ المِصْريُّ الفقيه الشافعيُّ الفَرَضيُّ. كان فقيهًا، دَيِّنًا، بارعًا في الفرائض والحِساب، وَلِيَ القضاء بمصر بالجِيزة مدةً، ثم استعفى فأُعفي، واشتغل بالعبادة. وكان مولدُهُ في ذي القَعْدة سنة سَبْع وستين وأربع مئة، ولَزِمَ القاضي الخِلَعي، وسَمِعَ منه الكثيرَ وقَدَّمه، (١) ينظر التحبير ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤. (٢) تاريخ دمشق ٢٧ / ٤٠٤ - ٤٠٥. ٢٤٩ وتفقَّه عليه، وسَمِعَ منه ((السيرة)) و((السُّنن)) لأبي داود، والأجزاء العشرين، وغيرَ ذلك، وهو آخرُ من حدَّث عنه. روى عنه محمد بن عبدالرحمن المَسْعودي، وأبو الجود المُقرىء، ومحمد بن يحيى بن أبي الرَّدَّاد، ويحيى بن عَقِيل بن شَرِيف بن رِفَاعة، والقاضي عبدالله بن محمد بن مُجْلِي، والحسن بن عَقيل بن شَرِيف، وعبد القوي ابن الجَبَّاب، وصنيعة المُلْك بن هبة الله بن خَيْدرة، ومحمد بن عماد، وابن صَبَّاح، وآخرون. وتُوفي في ذي القَعْدة. أخبرنا يحيى بن أحمد، ومحمد بن الحُسين، قالا: أخبرنا محمد بن عماد، قال: أخبرنا ابن رفاعة، قال: أخبرنا أبو الحسن الخِلَعي، قال: أخبرنا أبو سعد المَاليني، قال: أخبرنا عبدالله بن عَدِي، قال: حدثنا الحَسَن بن الفَرَج الغَزِّي، قال: حدَّثني يحيى بن بُكَيْر، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رجلاً لاعَن امرأته في زمان رسول الله وَّرَ، وانتفى من وَلَدها، ففرق رسول الله وَّه بينهما وألحق الوَلَد بالمرأة (١). ١٩- عبدالله بن محمد بن عبدالله بن عليّ، أبو محمد الأشِيريُّ المغربيُّ الفقيه الحافظ . رَحَلَ في كِبَرِه إلى العراق وإلى الشَّام، وحدَّث عن أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن مَوْهَب الْجُذَامي، والقاضي عياض. سَمِعَ منه عُمر بن عليّ القُرَشي، ومحمد بن المُبارك بن مَشِّقٍ، وأحمد بن أحمد، وأبو الفُتُوحِ نَصْر ابن الحُصْري، وأبو محمد ابن الأُستاذ الحَلَبي، وآخرون. وكان عالمًا بالحديث والإسناد واللُّغة والنَّسَب والنَّحْو، مجموعَ الفَضائل. حَضَرَ أجَلُهُ بِاللَّبْوة بين حِمْص وبَعْلَبَك فحُمل، ودُفِن بظاهر بَعْلَبَك. وزار قَبْرَه السُّلطان نور الدِّين، وبَزَّ عياله، وأجرى عليهم رِزْقًا. وقال جمال الدين عليّ القِفْطي في ((أخبار التُّحَاة))(٢): إنَّ الأشِيْريَّ كان (١) الحديث عند مالك في الموطأ (١٦٤٣ برواية الليثي)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري ٧/ ٧٢ و٨/ ١٩١، ومسلم ٤ / ٢٠٨. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على جامع الترمذي (١٢٠٣). (٢) إنباه الرواة ٢/ ١٣٨ فما بعده. ٢٥٠ يَخْدم في بعض الأمور بدَوْلة عبدالمؤمن، ولما حصلَ مع القوم بالأنْدَلس جَرَى له أمرٌ، خَشِيَ عاقبَتَه، فانهزم بأهله وكُتُبه، وقَصَدَ الشَّام، فخرجَ من البحر إلى اللَّذقية وبها الفِرَنْج، فسلمه الله حتى قَدِمَ حَلَبَ، فَزَلَ على العلاء الغَزْنَوي مُدرِّس الحلاوية، وأقام عنده مدة، وروى لهم عن أبي بكر ابن العَرَبي، والقاضي عياض، وأقام إلى سنة تسع وخمسين. واتفق أنَّ الوزير يحيى بن هُبَيْرة صنَّف كتاب ((الإفصاح)) وجمع لَهُ عُلَماء المَذاهب، فطَلَبَ فقيهًا مالكيًّا، فذكروا له الأشِيري، فطَلَبه من نور الدين، فسيَّره إليه، فأكرمه ثم حجَّ من بغداد بعِياله سنة ستين، فضاق بهم الحالُ، فأقام بالمدينة، ثم جاء بمفرده في وَسَط السَّنة إلى الشَّام، فاجتمع بنور الدين بظاهر حِمْص، فوَعَده بخَيْر، فاتَّفق أَنَّه مَرِضَ ومات في رمضان باللَّبْوة. وله كتاب ((تَهْذيب الاشتقاق)) الذي للمُبَرِّد. ثم إنَّ نور الدِّين أحْضر عائلتَهُ مع مُتولِّي السَّبيل، وفَرَّر لهم كِفايتهم بحلب، وصار ابنه جُنْديًّا . وقال الأبَّار(١): عبدالله بن محمد الصِّنْهاجي الأشِيري، سَمِعَ أبا جعفر ابن غَزْلون، وغيره. وكان شاعرًا، كَتَبَ لصاحب المغرب، فلمَّا تُوفي مَخْدومه استؤسر ونُهِبَت كُتُبُه، فتوجَّه إلى الشَّام. وذَكَره ابن عساكر، وقال(٢). سَمِعَ مني وسمعتُ منه، وتُوفي في شوال. وقال ابن نُقْطَة(٣): سَمِعَ من شُرَيْح ابن محمد، وابن العَرَبي. وكان ثقةً، صالحًا، حافظًا. تُوفي في رمضان. قلتُ: أشِير قَلْعة بالمغرب لبني حَمَّاد. قال ابن النَّجَّار: حدثنا عنه ابن الحُصْري، وقال لي: كان إمامًا في الحديث، ذا معرفةٍ بفِقْهه ومَعانيه ورجاله ولُغَته. ثم حَكَى انزعاجَ ابن هُبَيْرة وقوله له: ما قلت ليس بصحيح، فانقطع الأشِيري، وطَلَبه الوزير ولاطَفَه، وما تَرَکه حتى قال له مثلَ قوله له، ووَصَلَه بمال. ٢٠- عبدالرحمن بن الحَسَن بن عبدالرحمن بن طاهر بن محمد، أبو طالب ابن العَجَميِّ، الحلبيُّ. (١) تكملة الصلة ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥. (٢) تاريخ دمشق ٣٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥. (٣) إكمال الإكمال ١/ ١٩٣ - ١٩٤. ٢٥١ من بيت حِشْمةٍ وتقدُّم وفضيلةٍ. رَحَلَ إلى بغداد فتفقَّه على أبي بكر محمد بن أحمد الشَّاشي، وأسعد المِيْهَني، وسَمِعَ من أبي القاسم بن بَيَانِ. وعاد إلى بَلَده، وتقدَّم بها. وقَدِمَ دمشق رسولاً من صاحب حَلَب، وتَوَلَّى عِمارة المسجد الذي بَبَعْلَبَك في أيام أتابَك زَنْكي بن آقسُنْقُر. ثم حجَّ وجاوَرَ، وتولَّى عِمارة المَسْجد الحَرام من قِبَل صاحب المَوْصلِ. وبنى بحَلب مدرسةً مليحةً، ووَقَفَ عليها. وكان فيه عصبيةٌ وهمَّةٌ ومحبَّةٌ للعُلَماء. وُلِدَ سنة ثمانين وأربع مئة؛ روى عنه أبو سَعْد ابن السَّمْعاني، وعُمر بن عليّ القُرَشي، وأبو محمد بن عُلوان الأُستاذ، وأبو القاسم بن صَصْرَى، وآخرون. وتُوفي في نصف شعبان(١). ٢١- عبدالصَّمد بن الحُسين بن أحمد بن عبدالصَّمد بن محمد بن تَميم، أبو المَعالي التَّميميُّ الدِّمشقيُّ الخطيبُ الشَّاهد. قَرَأْ برواياتٍ، وسَمِعَ كثيرًا من أبي القاسم النَّسيب، وأبي طاهر الحِنَّائي. وكان صَدُوقًا أمينًا، حدَّث بشيءٍ يسير. وتُوفي في رمضان وله ثمانٍ وستون سنة(٢). ٢٢- عبدالعزيز بن الحُسين، القاضي الجَليس أبو المَعالي ابن الجَبَّابِ التَّميميُّ السَّعْدِيُّ الأَعْلِيُّ المِصْريُّ. كان جليسًا لخليفة مصر، من أجِلاَّء الأُدَباء، وكبار الألبّاء. توفي عن نيٍِّ وسبعين سنة. وهو والد عبدالقوي راوي ((السِّيرة)). ومن شعره: ومن عَجَبِ أن السُّيوف لديهم تَحيض دماءً والسُّيوف ذكورُ وأعجبُ من ذا أنَّها في أكُفْهمْ تأجَّجُ نارًا، والأكُفُّ بُحورُ ٢٣- عبدالقادر بن أبي صالح عبدالله بن جنکي دُوست، وزاد بعض النَّاس في نَسَبه إلى أن وَصَلَه بالحسن بن عليّ رضي الله عنه فقال: ابن أبي عبدالله بن عبدالله بن يحيى الزَّاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبدالله ابن موسى بن عبدالله المحض بن الحَسَن المثنى بن الحسن بن عليّ بن أبي (١) جله من تاريخ دمشق ٣٤ / ٣٠٦. (٢) من تاريخ دمشق ٣٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩. ٢٥٢ طالب رضي الله عنه، الشَّيْخ أبو محمد الجِيليُّ الحنبليُّ الزَّاهد، صاحب الكَرَامات والمقامات، وشيخُ الحنابلة رحمة الله عليه. وُلِدَ بِيلان في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة، وقَدِمَ بغداد شابًا، فتفقه على القاضي أبي سَعْد المُخَرِّمي. وسَمِعَ الحديث من أبي بكر أحمد بن المُظَفَّر ابن سُوسن الثَّمَّار، وأبي غالب الباقِلاني، وأبي القاسم بن بَيان الرَّزَّاز، وأبي محمد جعفر السَّرَّاج، وأبي سَعْد بن خُشَيْش، وأبي طالب بن يوسف، وجماعةٍ . روى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، وعُمر بن عليّ القُرَشي، ووَلَداه عبد الرَّزَّاق وموسى ابنا عبدالقادر، والحافظ عبدالغني، والشَّيْخِ المُوفَّق، ويحيى ابن سَعْدالله التَّكْريتي، والشَّيخ عليّ بن إدريس البعقوبي، وأحمد بن مطيع الباجِسرائي، وأبو هريرة محمد بن لَيْث ابن الوَسْطاني، وأكمل بن مَسْعود الهاشمي، وطائفةٌ آخرهم وفاةً أبو طالب عبد اللَّطيف بن محمد ابن القُبَيْطي. وآخر من روى عنه بالإجازة الرَّشيد أحمد بن مَسْلَمة(١). وكان إمامَ زمانِهِ، وقُطْبَ عصرِهِ، وشيخَ شُيوخِ الوَقْت بلا مُدافَعَة. أخبرنا أبو محمد عبدالخالق بن عبدالسَّلام ببعلبك، قال: أخبرنا أبو محمد بن قُدَامة سنة إحدى عشرة وست مئة، قال: أخبرنا شيخ الإسلام مُحبي الدين أبو محمد عبدالقادر بن أبي صالح الجيلي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن المُظفَّر التَّمَّار، قال: أخبرنا أبو عليّ بن شاذان، قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن العباس بن نَجيح، قال: أخبرنا يعقوب بن يوسف القَزْوِيني، قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا عَمْرو بن أبي قيس، عن سِماك، عن عبدالرحمن ابن يزيد، عن أبيه، عن عبدالله بن مسعود، قال: إنَّ بني إسرائيل استخلفوا خليفةً عليهم بعد موسى، فقام يُصلِّي في القَمر، فوق بيتِ المَقْدس، فذَكَر أُمُورًا كان صَنَعها، فخرجَ فتدلَّى بسَببٍ، فأصبح السَّبَبُ مُعلَّقًا في المَسْجد وقد ذَهَبَ، فانطلق حتى أتَى قومًا على شَطَّ البحر، فوجَدَهم يصنعون لَبِنَّا فسألهم: كيف تأخذون هذا اللَّبن؟ قال: فأخبروه، فلبَّن معهم، وكان يأكل من عَمَل يده، فإذا كان حين الصَّلاة تطهّر فصلَّى، فرَفَعَ ذلك العُمَّالُ إلى قهر مانهم: إنَّ (١) المشيخة البغدادية، الترجمة ١٥. ٢٥٣ فينا رجلاً يفعل كذا وكذا. فأرسل إليه، فأبى أن يأتيه، ثلاث مرات، ثم إنّه جاءه بنفسه يسيرُ على دابته، فلمَّا رَآهَ فَرَّ واتَّبعه فسَبَقَه، فقال: أَنْظِرني أُكلِّمك. قال: فقام حتى كلَّمه، فأخبره خَبَره، فلمَّا أخبره خَبره، وأنَّه كان مَلِكًا، وأنه فَرَّ من رَهْبة الله ربِّه عزَّ وجلَّ، قال: إني لا أظنُّ أني لاحِقٌ بك. قال: فلَحِقه فعَبد الله حتى ماتا برَمْلة مصر. قال عبدالله: لو كنتُ ثمَّ لاهتديتُ إلى قَبْريهما من صِفَة رسول الله وَ لَه التي وَصَفَ(١) . قال ابن السَّمعاني: أبو محمد عبدالقادر من أهل جِيلان، إمامُ الحنابلة وشيخُهم في عصره، فقيهٌ صالحٌ دينٌ خَيٌِّ، كثيرُ الذِّكْرِ، دائمُ الفِكْرِ، سريعُ الدَّمْعة. تفقه على المُخَرِّمي، وصَحِبَ الشَّيخ حَمَّادًا الدَّبَّاس. قال: وكان يَسْكن باب الأزَج في المدرسة التي بنوا له. مضيتُ يومًا لأودِّع رفيقًا لي، فلمّا انصرفنا قال لي بعض مَن كان معي: ترغبُ في زيارة عبدالقادر والتَّرُّك به؟ فمضينا ودخلتُ مدرستَهُ، وكانت بكرة، فخَرَجَ وقَعَدَ بين أصحابه، وخَتَموا القُرآن، فلمَّا فرغنا أردتُ أن أقومَ، فأجلسني، وقال: حتى نَفْرُغ من الدَّرْس. فألقى دَرْسًا على أصحابه ما فَهِمتُ منه شيئًا، وأعجبُ من هذا أنَّ أصحابَهُ قاموا وأعادوا ما دَرَّس لهم، فلَعلَّهم فَهموا لإلفهم بكلامه وعبارته . وقال أبو الفَرَج ابن الجَوْزي(٢): كان أبو سَعْد المُخَرِّمي قد بَنَى مدرسةً لطيفةً بباب الأزج، ففُوَّضت إلى عبدالقادر، فتكلَّم على النَّاس بِلِسَان الوَعْظ، وظَهَرَ له صِيتٌ بالزُّهْد، وكان له سَمْتٌ وصَمْتٌ، وضاقت المَدْرسة بالنَّاس. وكان يجلسُ عند سُور بغداد، مُستندًا إلى الرباط، ويتوبُ عنده في المَجْلس خَلْقٌ كثيرٌ، فعُمِّرَت المدرسة ووُسِّعَت. وتَعَصَّب في ذلك العَوَامُّ وأقام فيها يُدرِّس ويَعِظ إلى أن تُوفي. (١) هكذا روي هذا الحديث بهذا الإسناد، ولا يعرف إلا من طريق عاصم بن عليّ عن قيس ابن الربيع عن سماك بن حرب عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه ابن مسعود، به؛ أخرجه من هذا الوجه الطبراني في الكبير (١٠٣٧٠)، وفي الأوسط (٦٥٩٥)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٦٧، وهذا إسناد ضعيف فإن قيس بن الربيع الأسدي ضعيف يعتبر به كما بيناه ولم يتابع، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢١٨ - ٢١٩ وزاد نسبته إلى البزار، وحسنه. (٢) المنتظم ١٠/ ٢١٩. ٢٥٤ قلتُ: لم تَسَعْ مَرَارةُ ابن الجَوْزي بأن يترجمه بأكثر من هذا، لِمَا في قَلْبه له من البُغْض، نعوذُ بالله من الهَوَى. أنبأنا أبو بكر بن طَرْخان أنَّ الشَّيْخِ المُوفَّق أخبرهم، قال، وقد سُئل عن الشَّيخ عبدالقادر رضي الله عنه: أدركناه في آخر عُمُره، فأسْكِنَنا في مدرسته، وكان يُعنَى بنا، وربما أرْسلَ إلينا ابنه يحيى، فيُسْرج لنا السِّراج، وربَّما يُرْسِل إلينا طعامًا من منزله، وكان يُصلِّي الفريضةَ بنا إمامًا، وكنتُ أقرأ عليه من حِفْظي من كتاب الخِرَقِي غُدْوةً، ويقرأ عليه الحافظ عبدالغني من كتاب ((الهِداية))، في الكتاب وما كان أحدٌ يقرأ عليه ذلك الوَقْت سوانا، فأقَمْنا عنده شهرًا وتسعة أيام، ثم مات، وصلَّينا عليه ليلاً في مدرسته. ولم أسمع عن أحدٍ يُحْكَى عنه من الكَرامات أكثر مما يُحكى عنه، ولا رأيتُ أحدًا يُعظَّمه النَّاسُ من أجل الدِّين أكثر منه. وسَمِعنا عليه أجزاءَ يسيرةً. قرأتُ بخطُّ السَّيْف ابن المَجْد الحافظ: سمعتُ أبا عبدالله محمد بن محمود المَرَاتبي يقول: سمعتُ الشَّيْخ أبا بكر العماد رحمه الله، قال: كنتُ قد قرأتُ في أُصول الدِّين، فأوْقَع عندي شكًّا، فقلتُ: حتى أمضي إلى مَجْلس الشَّيْخِ عبدالقادر، فقد ذُكِرَ أنَّه يتكلَّمُ على الخَوَاطِر. فمضيتُ إلى مَجْلسه وهو يتكلّمُ فقال: اعتقادنا اعتقادُ السَّلَف الصَّالح والصَّحابة. فقلتُ في نفسي: هذا قالَه اتِّفاقًا. فتكلَّم ثم التَفتَ إلى النَّاحية التي أنا فيها فأعاد القَوْل، فقلتُ: الواعظ يَلْتفتُ مَرَّة هكذا، ومَرَّةً هكذا. فالتفتَ إليَّ ثالثةً وقال: يا أبا بكر، فأعاد القَوْل، قُم فقد جاء أبوكَ وكان غائبًا. فقمتُ مُبادرًا إلى بيتنا، وإذا أبي قد جاء . قلتُ: ونظير هذه الحكاية ماحدَّثنا الفقيه أبو القاسم بن محمد بن خالد، قال: حدثني شيخُنا جمال الدِّين يحيى ابن الصَّيْرفي، قال: سمعتُ أبا البَقَاء النَّحْوي، قال: حضرتُ مجلس الشَّيخ عبدالقادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلتُ في نفسي: تُرى لأي شيءٍ ما يُنْكر الشَّيخ هذا؟ فقال الشَّيْخِ: يجيءُ واحدٌ قد قرأ أبوابًا من الفِقْه يُنكرُ. فقلتُ في نفسي: لعلَّ أنَّه قَصَدَ غيري. فقال: إِيَّاك نعني بالقَوْل. فتُبْتُ في نفسي من اعتراضي على الشَّيْخِ. فقال: قد قَبِلَ الله توبتَكَ . ٢٥٥ وسمعتُ شيخَنا ابن تيمية يقول: سمعتُ الشَّيخ عِزَّ الدين أحمد الفاروثي يقول: سمعتُ شيخنا شِهاب الدِّين السُّهْرَ وَرْدي يقول: عَزَمْتُ على الاشتغال بالكلام وأُصول الدِّين، فقلتُ في نفسي: أستشيرُ الشَّيْخ عبدالقادر. فأتيتُه فقال قبل أن أنطق: يا عُمر، ما هو من عُذَّة القَبْر، يا عُمر ما هو من عُدَّة القَبْر. قال: فتركته . وقال أبو عبدالله محمد بن محمود المَرَاتِبي: قلتُ للشَّيْخِ المُوفَّق: هل رأيتم من الشيخ عبدالقادر كرامة، لما أقمتم عنده؟ فقال: لا أظن، لكن كان يجلس يوم الجمعة فكنا نتركه ونمضي لسَماع الحديث عند ابنِ شافع، فكل ما سمعناه لم ننتفع به . قال السَّيْف: يعني لنُزول ذلك، وذلك أنهم سَمِعوا منه ((المُسْند)) و ((البخاري)). وقال شيخُنا أبو الحُسين اليُونيني: سمعتُ الشَّيخ عِزَّ الدِّين بن عبد السَّلام يقول: ما نُقِلت إلينا كراماتُ أحد بالتَّواتر إلا الشَّيْخ عبدالقادر؛ فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟ قال: لازمُ المَذْهب ليس بمَذْهب. وقال ابن النَّجَّار في ترجمة الشَّيْخ عبدالقادر(١): دخَلَ بغداد سنة ثمانٍ وثمانين، وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه على أبي الوَفاء بن عَقِيل، وأبي الخَطَّاب، وأبي سَعْد المُبارك المُخرِّمي، وأبي الحُسين ابن الفَرَّاء، حتى أحكمَ الأصول والفُروع والخِلاف. وسَمِعَ الحديث. فذكر شيوخَهُ. قال: وقَرَأ الأدَب على أبي زكريا التِّبْريزي، واشتغل بالوَعْظ إلى أن بَرَّز فيه، ثم لازم الخَلْوة والرِّياضة والسِّياحة والمُجاهدة والسَّهر والمُقَامَ في الخَراب والصَّحْراء. وصَحِب الشَّيْخ حمَّادًا الدَّبَّاس، وأخذَ عنه عِلْم الطَّريق. ثم إنّ الله أظهره للخَلْق، وأوقع له القَبُول العظيم، فعَقَدَ مَجْلس الوَعْظ في سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، وأظهر الله الحِكْمةَ على لِسانه. ثم جَلَسَ في مدرسة شيخه أبي سَعْد للتَّدْريس والفَتْوى في سنة ثمانٍ وعشرين، وصار يُقْصَد بالزِّيارة والنُّور. وصنَّ في الأصول والفُروع، وله كلامٌ على لسان أهل (١) في تاريخه، کما في المستفاد منه (١٢٥). ٢٥٦ الطَّريقة عالٍ. روى لنا عنه ولدُهُ عبدالرَّزَّاق، وأحمد ابن البَنْدَنيجي، وابن القُبَيطي، وغیرُهم . كَتَبَ إليَّ(١) عبدالله بن أبي الحسن الجُنَّائي بخطّه، قال: قال لي الشَّيخ عبدالقادر: طالَبَتْني نفسي يومًا بِشَهْوةٍ، فكنتُ أُضاجِرُها، وأدخل في دَرْبٍ وأخرج إلى دَرْب أطلبُ الصَّحْراء، فبينما أنا أمشي إذَ رأيتُ رُقْعةً مُلْقَاةً، فإذا فيها: ما للأقوياء والشَّهَوات، إنَّما خُلِقت الشَّهَوات للضُّعَفاء ليتقوَّوا بها على طاعتي. فلمّا قرأتُها خرجَتْ تلك الشَّهْوة من قَلْبِي. قال: وقال لي: كنتُ أقتاتُ بِخَرْنوب الشَّوْك، ووَرَق الخَسِّ من جانب النَّهْر. قرأتُ(٢) بخطّ أبي بكر عبدالله بن نَصْر بن حَمْزة التَّيْمي: سمعتُ عبدالقادر الجِيلي، قال: بَلَغَت بي الضَّائقةُ في غلاءٍ نَزَلَ ببغداد، إلى أن بَقيتُ أيامًا لا آكلُ فيها طعامًا بل أتَّبعُ المَنْبوذات، فخرجتُ يومًا إلى الشَّطِّ لعلِّي أجدُ وَرَقَ الخَسِّ والبقل، فما ذهبتُ إلى موضع إلا وجدتُ غيري قد سَبَقني إليه، فرجعتُ أمشي في البَلَد، فلا أدركُ موضعًا قد كان فيه شيءٌ مَنْبوذٌ إلا وقد سُبِقْتُ إليه، فَأَجْهَدَني الضَّعْفُ، وعَجَزتُ عن التَّماسُك، فدخلتُ مَسْجِدًا، وقَعدتُ، وكدتُ أُصافحُ الموت، إذ دَخَلَ شابٌ أعْجميٌّ ومعه خُبزٌ وشواءٌ، وجَلَسَ يأكلُ، فكنتُ أكادُ كلَّما رَفَعَ يده باللُّقمة أن أفتح فَمي من شدة الجُوع، حتى أنكرتُ ذلك على نفسي، إذ التَفت فرآني، فقال: بسم الله؛ فأبيتُ فأقْسَم عليَّ، فبادرتْ نفسي إلى إجابته، فأبيتُ مخالفًا لها ولهَوَاها، فأقْسَم عليَّ، فأجبْتُهُ، فأكلتُ مُقصِّرًا، وأخذَ يَسألني: ما شُغلُكَ، ومن أين أنتَ فقلتُ: أمَّا شغْلي فمُتفقّه، وأمَّا من أين، فمن جيلان. فقال: وأنا والله من جيلان، فهل تَعْرفُ لي شابًّا جِيلانيًّا اسمه عبدالقادر، يُعرف بسِبط أبي عبدالله الصَّوْمعي الزَّاهد؟ فقلتُ: أَنَا هو. فاضطرب لذلك، وتغيَّر وَجْهُه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلتُ إلى بغداد، ومعي بقيّة نَفَقةٍ لي، فسألتُ عنكَ، فلم يُرشْدني أحدٌ، إلى أن نفدتْ نَفَقَتي، وبَقِيتُ بعدها ثلاثة أيام لا أجدُ ثَمَنَ قُوتي إلا من مالك معي، فلمَّا كان هذا اليوم الرابع قلتُ: قد تَجاوزتْني ثلاثة أيام لم آكل فيها (١) الكلام لابن النجار. (٢) الكلام لابن النجار. تاريخ الإسلام ١٢/ ١٧٣ ٢٥٧ طعامًا، وقد أُحِلَّت لي المَيْتَةُ، فأخذتُ من وَديعتك ثَمَنَ هذا الخُبزِ والشِّواء، فكُلْ طَيِّبًا، فإنَّما هو لك، وأنا ضَيْفُك الآن. فقلت: وما ذاك؟ قال: أمُّكَ وجَّهت معي ثمانية دنانير، والله ما خُنْتُكَ فيها إلى اليوم. فسكَّنْتُهُ وطَيِّبتُ نفسه ودفعتُ إليه شيئًا منها. كَتَبَ إليَّ(١) عبدالله بن أبي الحسن الجُنَّائيُّ، قال: قال لي الشَّيْخ عبدالقادر: كنتُ في الصَّحْراء أُكرِّر الفقه وأنا في مَشَقَّةٍ من الفَقْر، فقال لي قائل لم أرَ شخْصه: اقترض ما تَسْتعينُ به على طَلَب الفقه. فقلتُ: كيف أقترضُ وأنا فقيرٌ، ولا وفَاء لي؟ قال: اقترض وعلينا الوَفاء. قال: فجئتُ إلى بَقّال، فقلتُ له: تُعاملُني بشَرْط إذا سَهَّل الله لي شيئًا أُعطيكَ، وإن متُّ تَجْعلُني في حِلِّ، تُعْطيني كلَّ يوم رغيفًا ورشادًا. قال: فَبَكَى وقال: يا سيدي أنا بحُكْمك. فأخذتُ منه مدّةً، فضاق صَدْري. فأظنُّ أنَّه قال: فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأي شيء رأيتَ على الدَّكَّة فخُذْه وادفعه إلى البَقَلي. فلمَّا جئتُ رأيتُ على دَكَّةٍ هناك قطعةَ ذَهَبٍ كبيرةً، فأخذتُها وأعطيتُها للبقلي. قال: ولَحِقَني الجُنون مرَّةً، وحُمِلتُ إلى المارِسْتان، وطَرَقتني الأحوالُ حتى متُّ، وجاؤوا بالكَفَن، وجَعَلوني على المُغْتَسل، ثم سُرِّيَ عني وقمتُ ثم وَقَعَ في نفسي أن أخْرُج من بغداد لكَثْرة الفِتَن التي بها، فخرجتُ إلى باب الحَلَبة، فقال لي قائل: إلى أين تَمْشي؟ ودَفَعني دَفْعة حتى خَرَرْتُ منها، وقال: ارجع، فإنَّ للنَّاس فيكَ مَنْفَعةٌ. قلتُ: أُريدُ سَلامةً دِيني. قال: لك ذاك. ولم أَرَ شَخْصه. ثم بعد ذلك طَرَقتني الأحوالُ، فكنتُ أتمنى من يَكْشفها لي، فاجْتزتُ بالظَّفَرية، ففتح رجلٌ داره، وقال لي: يا عبدالقادر، أيش طلبتَ البارحة؟ فَنَسِيتُ وسكتُّ، فاغتاظ مني، ودَفَعَ الباب في وجهي دَفْعَةً عظيمةً، فلمَّا مَشيت ذكرتُ الذي سألتُ الله، فرجعتُ أطْلبُ الباب، فلم أعرفه، وكان حمَّادًا الدَّبَّاس، ثم عرفتُهُ بعد (١) الكلام لابن النجار. ٢٥٨ ذلك، وكَشَفَ لي جميع ما كان يُشكِلُ عليَّ. وكنتُ إذا غِبْتُ عنه لطَلَب العِلْمِ ورَجَعتُ إليه يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنتَ فقيهٌ، مُزَّ إلى الفقهاء، وأنا أسكت. فلمّا كان يوم جُمُعةٍ خرجتُ مع الجماعة معه إلى الصَّلاة في شدَّة البَرْد، فلما وَصَلنا إلى قَنْطرة النَّهْرِ فَدَفَعني ألقاني في الماء. فقلتُ: غُسْلِ الجُمُعة، بسم الله. وكان عِلِيَّ جُبَُّ صوفٍ، وفي كُمِّي أجزاء، فرفعتُ كُمِّي لئلا تَهْلك الأجزاء، وخَلَّوني ومَشوا، فعَصْرتُ الجُبَّة، وتبِعْتُهم، وتأذَّيتُ من البَرْد كثيرًا. وكان الشيخ يؤذيني ويَضْرِبُني، وإذا غبتُ وجئتُ يقول: قد جاءنا اليوم الخُبْز الكثير والفالوذَج، وأكلنا وما خَبَّأْنا لك وَحْشَةً عليك، فطَمعَ فيَّ أصحابُهُ وقالوا: أنتَ فقيهٌ، أيش تعملُ معنا؟ فلمَّا رآهم الشَّيْخِ يُؤذونني غار لي، وقال لهم: يا كِلاب. لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنما أُؤذيه لأمْتحنه، فأراه جَبَلاً لا يتحرَّك. ثم بعد مدةٍ قَدِم رجلٌ من هَمَذان يُقال له يوسف الهَمَذاني، وكان يُقال إنَّه القُطْب، ونَزَلَ فِي رِباطٍ ؛ فلمَّا سمعتُ به مشيتُ إلى الرِّباط، فلم أرَهُ فسألتُ عنه، فقيل: هو في السِّرْداب، فنزلتُ إليه، فلمَّا رآني قام وأجْلسني ففَرَشَني، وذَكَرَ لي جميع أحوالي، وحلّ لي المُشْكلِ عليَّ، ثم قال لي: تَكَلم على النَّاس. فقلتُ: یا سيدي أنا رجلٌ أعْجميٌّ قُتُّ أخرس، أيش أتكلمُ على فُصَحاء بغداد؟ فقال لي: أنتَ حَفِظتَ الفقه وأصولَهُ والخلافَ والنَّحْوَ واللُّغْة وتفسيرَ القرآن، لا يصلحُ لك أن تتكلَّمَ؟ اصعد على الكُرْسي، وتكلّم على النَّاس، فإني أرى فيك عِذْقًا سيصيرُ نَخْلةً. قال: وقال لي الشَّيْخ عبدالقادر: كنتُ أُؤْمر وأُنَّهَى في النَّوْمِ واليقَظَة، وكان يَغْلبُ عليَّ الكلام، ويَزْدحم على قَلْبي إن لم أتكلم حتى أكاد أختنقُ ولا أقْدرُ أن أسْكتَ. وكان يجلسُ عندي رجلان وثلاثة يَسْمعون كلامي، ثم تَسَامَع النَّاس بي، وازدحم عليَّ الخَلْقِ، حتى صار يحضرُ المجلسَ نحوٌ من سبعين ألفًا . وقال لي: فتَّشتُ الأعمال كلَّها، فما وجدتُ فيها أفضلَ من إطعام الطَّعام، أوذُّ لو أنَّ الدُّنيا بيدي فأُطْعمها الجِياع. ٢٥٩ وقال لي: كَفِّي مَثْقوبةٌ لا تضبطُ شيئًا، لو جاءني ألف دينار لم أُبيّتها . وكان إذا جاءه أحدٌ بذَّهَب يقول له: ضَعْه تحت السَّجَّادة. وقال لي: أتمنَّى أن أكونَ في الصَّحَارى والبَرَاري، كما كنتُ في الأول لا أرى الخَلْقِ ولا يَروني. ثم قال: أراد الله منِّي مَتْفعةَ الخَلْقِ، فإنَّه قد أسلمَ على يَدي أكثرُ من خمس مئة، وتاب على يدي من العَيَّارين والمشالحة أكثرُ من مئة ألف، وهذا خَيْرُ کثیرٌ. وقال لي: تَرِدُ عليَّ الأثقالُ الكثيرة، ولو وُضِعت على الجبال تفسَّخَتْ فأضعُ جَنْبي على الأرض، وأقول ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا فَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا. [الشرح] ثم أرفعُ رأسي وقد انفرجت عنّي. وقال لي: إذا وُلد لي وَلَدٌ أخَذتُه على يدي، وأقولُ هذا مَيِّت. فأخْرِجه من قَلْبي، فإذا مات لم يُؤْثِّر عندي موتُهُ شيئًا. وقال ابن النَّجَّار: سمعتُ عبدالرَّزَّاق بن عبدالقادرِ يقول: وُلِدَ لوالدي تسعُ وأربعون وَلَدًا، سبعةٌ وعشرون ذَكَرًا، والباقي إناث. وقال: كَتَبَ إليَّ عبد الله بن أبي الحسن الجُنَّائي، قال: كنتُ أسمعُ كتاب ((الحِلْية)) على ابن ناصر، فرَقَ قَلْبي، وقلتُ في نفسي: اشتهيتُ أن أنقطع عِن الخَلْقِ وأشتغل بالعبادة. ومضيتُ فصلَّيتُ خَلْفَ الشَّيْخ عبد القادر، فلمَّا صلَّى جَلَسنا، فنظَرَ إليَّ وقال: إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقَّه وتُجالس الشُّيوخ وتتأذَّب، وإلا فتَنْقَطع وأنتَ فُرَيْخ ما رَيَّشْتَ. قال ابن النَّجَّار: أخبرني أبو عبدالله محمد بن سعيد الشَّاهد، عن عبدالوهّاب ابن الشَّيْخ عبدالقادر، قال: سمعتُ أبا الثَّنَاء بن أبي البَرَكات النَّهْر ملكي يقول: قال لي صديقٌ لي: قد سمعتُ أنَّ الشَّيْخِ عبد القادر لا يَقَعُ على ثيابه الذُّباب. فقلتُ: ما لي عِلْمٌ بهذا. ثم بكَّرنا يوم الجُمُعة، وحَضَرنا مجلسَهُ، فالتفتَ إليَّ وإليه وقال: أيش يعملُ الذُّباب عندي، لا دِبْس الدُّنيا، ولاعَسَلُ الآخرة. قال: وأنبأنا أبو البقاء عبدالله بن الحُسين الحَنْبلي، قال: سمعتُ يحيى ابن نجاح الأديب يقول: قلتُ في نفسي: أريدُ أُحصي كم يقصُّ الشَّيْخ ٢٦٠