Indexed OCR Text
Pages 221-240
ولما عرف نور الدين النَّصْر، واستقرار مُلْك مصر، ارتاح سِرُّه، وانشرح صدرُه، وأمدَّ الصَّلاح بأخيه شمس الدولة تُورانشاه. وأما مملكة الرَّي فكانت بيد إينانج يؤدي حملاً إلى إليكز صاحب أَذْرَبيجان، فمنعه سنتين، وطالبه، فاعتذر بكثرة الجُنْد والحاشية، فقصدَهُ إلدكز، فالتقيا وعَمِلا مَصَافًا، فانهزم إينانج، وتحصَّن بقَلْعة، فحصره إلدكز فيها. ثم كاتب غِلْمان إينانج وأطمعهم، فقتلُوه، وسَلَّموا البلد إلى إلدكز، فلم يَفِ لهم بما وعد، وطردهم، وظفَرَ خُوارزم شاه بالذي باشر قتل إينانج، فأخذَه وصلبه. وأما إلدكْز فعاد إلى هَمَذان، وكان هذه المدة قد سكنها(١). وفيها تملَّك الأمير شَمْلَة صاحب خُوزَسْتان بلادَ فارس، ثم حشد صاحبُها وجمع، وحارب شملَة ونُصِر عليه، فرَدَّ شَملة إلى بلاده. وفيها قَتَل العاضِدُ بالقصرِ الكاملَ وأخاه ابني شاور وعَمَّهما في جُمادَى الآخرة. وذلك أنهم لاذوا بالقَصْر، ولو أنهم جاءوا إلى أسد الدين سَلِموا، فإنه ساءه قَتْل شاور. وفيها كانت الزَّلزلة العُظمى بصِقِلِّية، وأهلِك خَلْقٌ كثير، فلله الأمرُ من قبل ومن بعد . سنة خمس وستين وخمس مئة وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشَّام وقع فيها نِصْف حلب، ويقال: هلك من أهلها ثمانون ألفًا. ذكره ابن الجوزي (٢). وقال العِماد: تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد، وأن زلات زلازلها حلَّت وجلَّت، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت، وألقت ما فيها وتخلت، وأن أسوارها غَرَّتها الأسواء وعَرتها، وقرَّت بها النَّواكب فنكبتها وما أقرَّتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأنَّ سماءها انفطرت، وشموسَها كُوِّرت، وعُيونها عُوِّرّت وغُوِّرت. وذكَر فصلاً طويلاً في الزَّلزلة وتهويلها . (١) من الكامل ١١/ ٣٤٨. (٢) المنتظم ١٠/ ٢٣٠. ٢٢١ وقال أبو المظفر ابن الجوزي بعد أن أطنب في شأن هذه الزَّلزلة وأسهب(١): لم يَرَ النَّاس زلزلة من أول الإسلام مثلَها، أفنت العالم، وأخربت القِلاع والبلاد. وفرَّق نور الدين في القلاع العساكر خوفًا عليها، لأنها بقيت بلا أسوار. وفيها نَزَلت الفِرَنج على دمياط في صَفَر، فحاصروها واحدًا وخمسين يومًا، ثم رحلوا خائبين، وذلك أنَّ نور الدِّين وصلاح الدين أجْلَبا عليها بَرًّا وبحرًّا، وأغارا على بلادهم. قال ابن الأثير(٢): بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخُلُو البِلاد من مانع، فلما بلغهم ذلك رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النَّعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أُذنين. وأخرجَ صلاحُ الدِّين في هذه المرة أموالاً لا تُحصى، حُكيَ لي عنه أنه قال: ما رأيتُ أكرمَ من العاضد، أرسل إليَّ مدة مُقام الفِرَنْج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها. وفيها توجه نور الدين إلى سِنْجار، فحاصرها حِصارًا شديدًا، ثم أخذها بالأمان، ثم توجَّه إلى المَوْصل ورتَب أمورَها، وبَنَى بها جامعًا، وقفَ عليه الوقوف الجليلة . وفيها دخل نجم الدين أيوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه وكان يومًا مشهودًا، وتأذَب ابنه صلاح الدين معه، وعَرَضَ عليه منصبه . وفيها سار نور الدين، فنازل الكَرَك، ونَصَبَ عليها منجنيقين، وقاتلهم أشد القِتال، فبلغه وصول الفِرَنج إلى ماء عين، فعطف عليهم، فانهزموا. وفيها طَرَقَ الفِرَنجِ حصنَ عَكَّار من المُسلمين، وأسروا أميرها، وهو خُطُلُخ العَلَمدار مملوك نور الدین. سنة ست وستين وخمس مئة فيها وفاة المستنجد بالله، وما زالت الحُمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مَرِض، وكانت تَرْمي ضوءها على الحِيطان. وبُويع ابنه المستضيء بالله أبو (١) مرآة الزمان ٨/ ٢٨٠. (٢) الكامل ١١/ ٣٥٢. ٢٢٢ محمد الحَسَن، وأمه أرمنية؛ بايعه النَّاس وصَلَّى ليومه على المُسْتَنجد، ونادى برفع المُكُوس، وردَّ مظالمَ كثيرة، وأظهر من العدل والكَرَم ما لم نره من الأعمار، قاله ابن الجوزي(١). ثم قال: واحتجب المستضيء عن أكثر النَّاس، فلم يَرْکب إلا مع الخَدَم، ولم يدخل عليه غير قايماز. وقال العِماد الكاتب: أنشأتُ عن نُور الدين كتابًا إلى العاضد، يهنئه برحيل الفِرَنجِ عن دِمْياط. وكان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك في مصر خوفًا منهم، والاقتصار منهم على صلاح الدين. فقلت: الخادم يهنىء بما نَشَّأه الله من الظَّفَر الذي أضحك سن الإيمان. ثم ذكر أنّ الفِرَنْج لا تؤمن غائلتهم، والرأي إبقاء التُّرك بديار مصر. ولما بلغ نورَ الدين وفاة أخيه قطب الدين بالمَوْصل، توجه ليدبر أحوالها. وكان الخادم فخر الدين عبد المَسِيح قد تعرَّض للحُكم، وأقام سيف الدين غازي مقام أبيه، فقال نور الدين: أنا أولى بتدبير البلاد، فسَار مارًّا على قَلْعة جَعْبَر، واستصحب معه العَسْكر. ثم سير من الرَّقة العمادَ الكاتب في الرُّسْليَة إلى الخليفة . ثم حاصر نور الدين سِنْجار، وهَدم سورها بالمجانيق، ثم تَسَلَّمها، وسَلَّمَها إلى ابن أخيه زنکي بن مودود. وقصد الموصل، فنزل عليها، خاض إليها دِجلة من مخاضةٍ دله عليها تُرْكماني. ثم أنعمَ نور الدين على أولاد أخيه، وأقرَّ غازيًا عليها، وألبسه التَّشْريف الذي وصل إليه من الإمام المستضيء. ثم دخل نورُ الدين قلعة المَوْصل، فأقامَ بها سبعة عشر يومًا، وجَدَّد مناشير ذوي المَنَاصب، فكتب مَنْشورًا لقاضيها حُجَّة الدين الشَّهْرزُوري، وتوقيعًا لنقيب العلويين، وكتب مَنْشورًا بإسقاط المُكُوس والضرائب، فما أعيدت إلا بعد وفاته. قال العماد: وكتبت له مَنْشورًا أيضًا بإسقاط المكوس والضرائب في جمیع بلاده. قال: وحضر مجاهد الدين قايماز صاحب إربل في الخدمة الثُّورية، وزخرفت المَوْصل بأنوار هداياه. ثم وَلَّى نور الدين سعد الدّينِ كُمُشْتكِين بقلعة (١) المنتظم ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣. وهذا يقال عن كل خليفة جديد! ٢٢٣ المَوْصِل عنه نائبًا، وأمر فخرَ الدِّين عبدالمسيح أن يكون له في خدمته بالشَّام مُصاحِبًا، واقتطع عن صاحب المَوْصِل: حَرَّان، ونَصِيبين، والخابور. وعاد إلى سِنْجار، فأعادَ عمارة أسوارها، ودخل حَلَب في رَجَب. وكان ثلاث مئة من الفرنج قد أغاروا، فَصَادفهم صاحب البيرة شهاب الدين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتُقْ وهو يتصيَّد، فقَتَل وأسَرَ أكثرهم، وقَدِمَ بالأُسارى على نور الدين، وكان منهم سبعة عشر فارسًا، فيهم مُقَدَّم الإسبتار الأعور بحصن الأكراد، وللعماد الكاتب في شهاب الدين قصيدة مَطْلَغَها: يروق ملوكَ الأرض صيْدُ القَنَائص وصَيْدُ شهاب الدين صَيْد القوامصِ وفيها عَمِل صلاح الدين بمصر حَبْس المعونة مدرسةً للشافعية، وبنی دار الغَزْل مدرسةً للمالكية. وقلَّد القضاء بديار مصر صدر الدين عبدالملك بن دِرْباس. وخرجَ بجيوشه فأغارَ على الرَّمْلة وعَسْقلان وأولى الكُفْر الخذلان وهجم رَبَض غَزَّة، ورجع إلى مِصْر. وافتتح قلعة أيْلَة في السَّنة، غَزَاها جُنْدُه في المراكب واستباحها قتلاً وسَبْيًا. وفيها سار إلى الإسكندرية ليشاهدها، ويُرَتِّب قواعدها، وسمع بها حينئذٍ من السَّلَفي. وفيها اشترى تقيُّ الدين عُمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز بمصر، وصَيَّرها مدرسة للشَّافعية. وفي جُمادَى الآخرة تُوفي بمصر القاضي ابن الخَلَّل صاحب ديوان الإنشاء بمصر، ولما كَبُر جلسَ في بيته. وكان القاضي الفاضل يوصل إليه كل ما كان له . وفيها ظَهَرَ ملك الخَزَر وفتح دُوِين، وهي بلدةٌ قرب أذربيجان، وقتلوا من المُسلمين بها ثلاثين ألفًا . وفيها ظهر بدمشق مُعز(١) في أخلاط طائفة من الأغبياء، وأظهر التَّخاييل، ثم ادَّعى الرُّبوبية، فقُتِلَ، ولله الحمد. (١) هو معز الدين المغربي. ٢٢٤ سنة سبع وستين وخمس مئة في هذه السنة دخلَ نجاح الخادم على الوزير ابن رئيس الزُّؤساء ومعه خَط الخَليفة بعزله، وأمر بطَبْق دَواته، وحلّ أزراره، وإقامته من مُسْنَدِه، وقَبَضَ على ولده أستاذ الدَّار، ثم نُهِبت دارهُ ودارُ ولده، واستنيب ابن جعفر ناظر المخزن في الوزارة (١). وفيها وقع حريقٌ عظيم ببغداد. ووصلت رُسُل صاحب البحرين إلى الخليفة بهدايا . قال ابن الجوزي(٢): وتَكَلَّمتُ في رمضان بالحَلبة، فتاب نحو مئتي رجل، وقُطّعَت شعور مئة وعشرين منهم. ووصلَ ابن عَصْرون رسولاً، بأن أمير المؤمنين خُطِبَ له بمصر. وضُربت السِّكَّة باسمه، فغُلِّقت أسواق بغداد، وعُمِلت القِبَاب. وكانت قد قُطِعت من مصر خطبة بني العباس من أكثر من مئتي سنة . قال العماد(٣) رحمه الله: استفتحَ السُّلطان سنة سَبْع بجامع مصر كل طاعة وسمع، وهو إقامة الخُطْبة في الجمعة الأولى بمصر لبنّ العباس، وعَفَت البدْعة، وصَفت الشِّرْعَة، وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة. وأَعقبَ ذلك موتُ العاضِد في يوم عاشوراء بالقَصْر، وجلس السُّلطان صلاح الدين للعَزاء، وأغرب في الحُزْن والبُكاء، وتَسَلَّم القَصْر بما فيه من خزائنه و دفائنه . ولما قُتِلَ مُؤْتَمَنُ الخِلافة صُرِفَ من هو زمام القَصْر، وصُيِّرِ زِمامُهُ بهاء الدين قَرَاقوش، فما دخل القَصْر شيءٌ ولا خرج إلا بمرأى منه ومَسْمع، ولا حَصَل أهلُ القَصْر بعد ذلك على صفْو مُشْرَع. فلما تُوفي العاضد احتيط على آل القَصْر في موضع جُعِل برسمهم على الانفراد وقُرِّرت لهم الكُسْوات والأزواد فدامت زمانًاً، وجُمِعت رجالهم، واحتُرِزَ عليهم، ومُنِعُوا من النساء (١) من المنتظم ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وكذلك الأخبار التي بعده. (٢) المنتظم ١٠/ ٢٣٧. (٣) سنا البرق الشامي ١ / ١١١. تاريخ الإسلام ١٥/١٢ ٢٢٥ لئلا يتناسلوا، وهم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقص عَدَدِهم، وقُلِّص مددُهم. وفَرَّقَ ما في القَصْر من الحرائر والإماء، وأخذ ما صَلُحَ له ولأمرائه من أخاير الذَّخاير، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، وقلائد الفرائد، والدُّرَّة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة. ووصف العماد أشياء، عديدة. قال: واستمر البيع فيما بقي عشر سنين، ومن جُملتها الكُتُب، وكانت خزانة الكُتُب مشتملةً على نحو مئة وعشرين ألف مجلّدة. وانتقل إلى القصر الملك العادِل سيف الدين أبو بكر لما ناب عن أخيه، واستمرّت سُكْناه فيه . وكان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نُور الدين، ويعمل له عمل القوي الأمين، ويرجع إلى رأيه المتين. وسيَّر نور الدين إلى الدِّيوان العزيز بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين بن أبي عَصْرون، وأمرني بإنشاء بشارة عامة تُقرأ في سائر بلاد الإسلام: ((الحمدُ لله مُعلي الحق ومعلنه، وموهي الباطل ومُوهنه)). منها: ((ولم يبق بتلك البلاد مِنْبرٌ إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وتمهدت جوامع الجُمَع، وتهدَّمت صوامع البَدع)). إلى أن قال: ((وطالما مَرَّت عليها الحِقبُ الخوالي، وبقيت مئتين وثمان سنين ممنوَّةً بدعوة المُبْطلين، مملُؤةً بحزب الشياطين. فمَّكنا الله تلك البلاد، ومَكَّن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كُنا نؤمِّلُه من إزالة الإلحاد والرَّفْض. وتقدمنا إلى من اسْتنَبْناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك، ويورد الأدعياء، ودُعاة الإلحاد بها المهالك)). وقال من إنشائه في البشارة إلى الدِّيوان العزيز: ((وصارت مصر سوقَ الفُسُوق، ودَوْحة شعب الإلحاد، وموطن دعوة الدَّعي، ومَحل المُحال والمَحْلِ، وقَحْط الضلال والجَهْل، وقد استولت بها جُنْد الشياطين، واستعلت بها دَعوة المعطّلين، وغلبت بها نجوى المُبْطلين، وتَبَطَّلت الجماعات والجُمع، واستفحلت الشَّناعات والبِدَع، وأفرخ الشَّيطان بها وباض، واشتُهِرَ الجور واستفاض، واستبدلت العمائم السَّواد بالبياض)). وللعماد قصيدة منها : قد خَطَبْنا للمستضيء بمصرَ نائب المُصْطَّفى إمام العصر ٢٢٦ وخَذَلنا نُصْرة العَضْد العا ضد والقاصِرَ الذي بالقَصْر وتَرَكنا الذَّعيَّ يدعو ثُبُورًا وهو بالذل تحت حَجْرٍ وحَصْر ووصل الأستاذ عمادُ الدِّين صَنْدَل الطواشي المقتفوي إلى دمشق رسولاً من دار الخِلافة في جواب البِشارة بالخِلَع والتَّشْريفات لنور الدين وصلاح الدين في السَّنة، ومعه رسولان من الوزير، ومن الأمير قُطْب الدين قايماز. وكان صَنْدَل قد وَلِيَ أُستاذية الدَّار المستضيئة بعد الكمال ابن رئيس الرؤساء. ولبس نور الدين الخِلَع، وهي فَرَجية، وجُبَّة، وقباء، وطوْق ذهب ألف دينار، وحصان بسَرْج خاص، وسيفان، ولواء، وحصان آخر بحليته يُجَّب بين يديه، وقُلِّد السيفين إشارة إلى الجَمْع له بين مصر والشَّام. وخرج في دَسْت السَّلْطنة، واللّواء منشور، والذَّهب منثور إلى ظاهر دمشق، وانتهى إلى آخر المَيْدان، ثم عاد. وسُيِّر إلى صلاح الدين تشريف فائقٌ، لكنه دون ما ذكرناه لنور الدين بقليل، فكان أول أهبة عباسية دخلت الدِّيار المصرية، وقضى أهلها منها العَجَب، وكان معها أعلام وبُنُود وأهب عباسية للخُطباء بمصر. وسُيِّر إلى العماد الكاتب خِلْعةً ومئة دينار من الدِّيوان. قال: فَسَيَّرت إلى الوزير هذه المَدْحة، واستزدتُ المِنْحة، وهي: عسى أن تعود ليالي زُرُودِ وهي طويلة منها: نُحُولي من ناحلاتِ الخُصُور ومَيْلِي إلى مائلات القُدُودِ وتطميني طاميات الوشاح وتعلّقني عَلَقات العُقُودِ فوق الشّرائب بين النهود وما العَيْش إلامَبِيتُ المُحِب ـره قانصات الأسود وما كنتُ أعلم أن الظِّبا بوجـ كما العجاج بأرض الصَّعيد وخيلُ بنتٍ لنجوم الصَّعاد سوابقُ قد ضُمِّرت للطّرادِ بكل عِتاقٍ من الجرد قُودٍ فتخفقُ منها قلوب العِداة كما خَفَقَتْ عَذَباتُ البُنودِ أدالت بمصرَ لداعي الهُداة وانتقمت من دَعِي اليَهود ٢٢٧ يعني بدَعِي اليهود: العاضد، لأن جدهم عُبيد الله قد جاء أنه يهودي الأصل. وقال ابن الأثير(١): فصل في انقراض الدَّولة المصرية وإقامة الدولة العباسية بمصر (٢) وذلك في المحرَّم سنة سَبع، فقطِعت خطبة العاضد، وخُطِبَ فيها للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. وسبب ذلك أنَّ صلاحَ الدين لما ثَبَّت قَدَمَه، وضعُفَ أمرُ العاضد، ولم يبق من العَسَاكر المصرية أحدٌ، كتب إليه نور الدين يأمره بذلك، فاعتذرَ بالخَوْف من وثوب المِصْريين وامتناعهم، فلم يُصْغ إلى قوله، وأرسل إليه يُلْزمه بذلك. واتَّفق أنَّ العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قَطْع الخطْبة، فاستشار أمراءَهُ كيف الابتداء؟ فمنهم من أقدم على المُساعدة، ومنهم من خافَ. وكان قد دخل مصر أعجميٌّ يُعرف بالأمير العالم، قد رأيته بالمَوْصل، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدي بها. فلما كان أول جمعة من المحرَّم صعِدَ المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم يُنكر ذلك أحد. فلما كانت الجُمُعة الثانية أمر صلاح الدين الخُطباء بقطع خطبة العاضد، فَفُعِلَ ذلك، ولم ينتطح فيها عَنْزان. والعاضد شديد المرض، فتُوفي يوم عاشوراء، واستولى صلاح الدين على القَصْر وما حَوَى، وكان فيه من الجَوَاهر والأعلاق النَّفيسة ما لم يكن عند ملك من المُلوك، فمنه القَضِيب الزُّمُرُّد، طوله نحو قبضةٍ ونصف، والجبل الياقوت، ومن الكُتُب التي بالخطوط المنسوبة نحو مئة ألف مجلد. وذكر أشياء، ثم قال(٣): وفي هذه السنة حَدَث ما أوجب نَفْرة نور الدين عن صلاح الدين. أرسل نور الدين إليه يأمره بجمع الجَيْش، والمسير لمنازلة الكَرَك، ليجيء هو بجيشه ويحاصرانها. فكتب إلى نور الدين يعرِّفه أنه قادم. فرحل على قَصْد الكرَك وأتاها، وانتظر وصوله، فأتاه كتابٌ يعتذر باختلال البلاد، فلم يقبل عُذْره. وكان خواص صلاح الدين خوَّفوه من الاجتماع، وهمَّ (١) الكامل: ١١/ ٣٦٨ فما بعد. (٢) هكذا في النسخ، وفي المطبوع من الكامل: ((ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر وانقراض الدولة العلوية)). (٣) الكامل ١١/ ٣٧١ فما بعد. : ٢٢٨ نور الدين بالدُّخول إلى مصر، وإخراج صلاح الدين عنها فبلغ صلاحَ الدين ذلك، فجمع أهله، وأباه، وخاله الأمير شهاب الدين الحارمي، وسائر الأمراء، وأطلعهم على نيّة نور الدين، واستشارهم فسكتوا، فقال ابن أخيه تقي الدين عُمر: إذا جاء قاتلناه، ووافقه غيرُه من أهله، فسبهم نجم الدين أيوب واحتدَّ، وكان ذا رأي ومَكْر، وقال لتقي الدين: اسكت، وزبَرَه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك، أتظن أن في هؤلاء من يريد لك الخَيْرِ مثلَنا؟ فقال: لا. فقال: والله لو رأيتُ أنا وهذا نور الدين لم يمكننا إلا أن ننزل ونقبل الأرض، ولو أمَرَنا بضرب عُنقك لفَعَلْنا، فما ظنُّك بغيرنا؟! فكل من تراه من الأمراء لو رأى نور الدين لما وسعه إلا التَّرَجُّل له. وهذه البلاد له، وإنْ أراد عَزْلك فأي حاجة له إلى المجيء؟ بل يطلبك بكتاب. وتفرقوا، وكتب أكثر الأمراء إلى نور الدين بما تم. ولما خلا بولده قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتُطْلِعَهم على سِرِّك، ولو قصدك نور الدين لم تر معك أحدًا منهم. ثم کتب إلی نور الدین بإشارة والده نجم الدین یتخضع له، ففتر عنه. قال العماد(١): وكان نور الدين لا يقيم في البَلَد أيام الربيع والصَّيف محافظةً على الثغر، وصونًا من الحَيْف، ليحمي البلاد بالسَّيف. وهو مُتَشَوِّفٌ إلى أخبار مصر وأحوالها، فرأى اتخاذ الحَمَام المناسب، وتدريجها على الطيران، لتحمل إليه الكُتُب بأخبار البلدان. وتقدَّم إليَّ بكتب منشور لأربابها، وإعذار أصحابها، ونودي بالتَّهديد لمن اصطاد منها شيئًا . قال: وفي رجب فوّض إليَّ نور الدّين المدرسة التي عند حمام القصير، وهي التي أنا منذ قدِمْتُ دمشق فيها ساكن. وكان فيها الشيخ الكبير ابن عبد وقد استفاد من علمه كل حر وعَبْد، فتُوفي، وخَلَّف ولدين، استمرا فيها على رسم الوالد، ودَرَّسا بها، فخدعهما مغربي بالكيمياء فلزماه، وافتقرا به وأغنیاه، وغاظ نور الدين ذلك، وأحضرهما ووبَّخهما، ورتَّبني فيها مُدَرِّسًا وناظرًا. وفيها عبرت الخَطا نهر جَيْحون يريدون خُوارزم، فجمع خُوارزم شاه ابن أرسلان بن آتسز بن محمد جيوشه وقصدهم، فمرض، فجهز الجيش (١) سنا البرق الشامي ١/ ١١٩ - ١٢٠. ٢٢٩ للمُلْتَقى، فالتقوا واشتد الحرب، ثم انهزم الخُوارِزميون، وأُسِر مقدَّمُهم ورجعت الخَطَا. سنة ثمان وستين وخمس مئة قال ابن الجوزي(١): جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحضر من الجَمْع ما حُزِر بمئة ألف. وفيها وقعت الأراجيف بمجيء العَسْكر من هَمَذان، فأخذ الخليفة في التَّجْنيد، وعمارة السُّور، وجَمَع الغلات، وعَرَض العَسَاكر. وعمل خِتان إخوة الخليفة وأقاربه، فتفرقت الخِلَع، وذُبِحَ ألف رأس غنم، وثلاثة آلاف دجاجة، وعشرون ألف خُشْكُنانكة(٢)، وغير ذلك. وفي رجب تُقُدِّم إليَّ بالجلوس بباب بَدْر ليسمع الخليفة، فكنتُ أجلس أسبوعًا، وأبو الخَيْرِ القَزْويني أسبوعًا إلى آخر رمضان، وجَمْعي عظيم، وجمْعُه يسير. ثم شاعَ أن أميرَ المؤمنين لا يحضر إلا مجلسي. وكانت زيادة عظيمة ببغداد . قال ابن الأثير(٣): وفيها سار طائفة من التُّرك مع قراقوش مملوك تقي الدين عُمر ابن أخي السُّلطان صلاح الدين إلى جبال نَقُوسة، فاجتمع به بعض المقدَّمين هناك، فاتَّفقا وكَثُر جمعُهُما، ونزلا على طرابُلُس الغرب، فحاصراها مدة، ثم فُتِحَت، فاستولى عليها قراقوش، وسكنها، وكثُرَت عساكره. وفيها افتتح شمس الدَّولة أخو صلاح الدين بَرْقة على يد غلام له تُركي ثم سارَ وافتتح اليمن بعد ذلك. وقبض على ابن مهدي الخارج باليمن. وكان شابًّا أسود، مُنْحَل الاعتقاد. وفيها سار صلاح الدين بعساكر مصر يريد الكَرَك، وإنما بدأ بها لقُربها إليه، وكانت تمنع من يقصد الدِّيار المصرية، وتقطع القوافل، فحاصرها، وقاتل الفرنج، ثم رجع ولم يفتحها . وفيها مات خُوارزم شاه أرسلان، ومَلَكَ بعده ابنُه الصغير محمود. وكان (١) المنتظم ١٠/ ٢٣٩ - ٢٤٠. (٢) نوع من الكعك، وهو المعروف بالبقصم. (٣) الكامل ١١/ ٣٨٩. ٢٣٠ ابنه الكبير علاء الدين تِكِش غائبًا نائبًا لأبيه على الجُنْد، فاستنجد بالخَطَا، وأقبل بهم، فاستعان أخوه محمود بصاحب نَيْسابور المؤيد، وعَمِلوا المَصَافَّ، فأسِرَ المؤيد وذُبح صَبْرًا، وهَرَب محمود وأُسرت أمه فيما بعد، وقُتِلت، وثبت قدم تِكِش في المُلْك، فجاءته رسُلُ صاحب الخَطَا بأمور مُشِقَّة، واقتراحات صَعْبة، فقتل كلَّ من عنده من الخطا، ونبذ إلى ملك الخطا، فسار محمود إلى ملك الخطا، فجهّز معه جيشًا، فنازل خُوارزم وحصرها، فأمر تِكِش بإجراء ماء جَيْحون فكادوا يغرقون، فرحلوا وندموا، فسار محمود بهم، فأخذ مَرْو، فعادت الخطا إلى بلادها؛ وجعل محمود الغُز من دأبه، وحاربهم وأوطأهم ذُلاً، ثم افتتح مدينة سَرْخس سنة ستٍّ وسبعين، ثم أخذ طُوس. وأما نَيْسابور ومملكتها، فتولاها طُغان شاه، بعد والده المؤيد، وكان لَغَابًا، مُسْرِفًا على نفسه، مَلَكَ أربع عشرة سنة ومات(١). وفيها، في جُمادى الأولى هزم مليح بن لاون الأرمنيُّ النَّصرانيُّ صاحب بلاد الدّرُوب وسِيس عسكر الزُّوم، لعنهم الله معًا، وذلك أن نور الدين، رحمه الله، كان قد استخدم صاحب سِيس هذا، وأقطَعَهُ واستماله، وظهر له منه نُصْحه، وكان ملازمًا لخدمة نور الدين، مُعِينًا له على الفرنج، ولمَّا قيل لنور الدين في معنى استخدامه وإعطائه بلادَ سِيس، قال: أستعين به على قتال أهل مِلَّته، وأُريح طائفةً من عَسْكري، وأجعله سدًّا بيننا وبين صاحب القُسطنطينية. فجهّز إليه صاحب الروم جيشًا كثيفًا، فالتقاهم، ومعه طائفة من عَسْكر المسلمين، فهزمهم، وكثرُ القتلُ والأسرُ في الرُّومِ، وقَوِيَتْ شوكةُ مليح(٢) . وفيها سار نور الدين إلى بلاد الشَّرق، فصلى في جامع المَوْصل الذي بناه، وتَصَدَّق بمالٍ عظيم، ثم ردَّ وقطع الفُرات، وقصد ناحية الرُّوم، فافتتح بَهَسْنَا، ومَرْعَش. ورَدَّ إلى الشام، ومعه ابن الدانشمند ووعده بخلاص بلاده، فبعثَ قلج أرسلان إلى نور الدين يخضع له، وأن يرد إلى ابن الدَّانشمنْد قِلاعَه، فشرط عليه نور الدين تجديد إسلامه، لأن قلج أرسلان اتُّهم بالزَّندقة، (١) من الكامل لابن الأثير ١١/ ٣٧٧ - ٣٧٩. (٢) من الكامل أيضًا ١١/ ٣٨٧ - ٣٨٨. ٢٣١ : وأنه متى طلب منه عسكره ينجده به، وأن يزوِّج بنت قلج أرسلان بابن أخيه سيف الدين غازي صاحب المَوْصل. ففعل، وبعثَ نور الدين في خدمة ابن الدَّانشمنْد عسكرًا صُحبة الأمير فخر الدين عبدالمسيح إلى مَلَطْية وسِيواس فلما مات نور الدین عادت البلاد إلى قلج أرسلان. وفيها قَدِمَ القُطْب النَّيْسابوري من حَلَب إلى دمشق، فدرَّس بالغَزَّالية . وشرع نور الدين في بناء مدرسةٍ للشافعية، ووضع محرابها، فمات ولم يُتِمَّها. وبقي أمرها على حاله، إلى أن أزال الملك العادل ذلك البناء وعملها مدرسةً عظيمة، فهي العادلية . سنة تسع وستين وخمس مئة في المحرم وقع حريق بالظَّفَرِية، فاحترقت مواضع كثيرة(١). قال ابن الجوزي (٢): وجلستُ يوم عاشوراء في جامع المنصور، فحُزِر الجميع بمئة ألف. كذا قال. قال(٣): وسألني في ربيع الأول أهل الحربية أن أعمل عندهم مجلسًا فوعدتهم ليلةً، فانقلبت بغدادُ، وعبر أهلها، وتُلُقيتُ بشموع حُزِرت بألف شمعة، وما رأيت البرية إلا مملوءة بالضَّوء، وكان أمرًا مُفْرطًا، فلو قال قائل : إن الخَلْق كانوا ثلاث مئة ألفٍ لَمَا أَبْعَد. وفي رجب وصلِ ابن الشَّهْرَزُوريُّ (٤) بتُحَفٍ وتقادُم للخليفة من نور الدين، وفيها حمار مخطّط كثوب عتابي، وخرج الخَلْقِ للفُرْجة عليه وكان فيهم رجل عتابي كثير الدَّعَاوى، وهو بَليد، ناقص الفضيلة فقال رجل: إن كان قد بُعِثَ إلينا حمارٌ عتابي، فنحن عندنا عتابي حمار. وفيها وَلِيَ أبو الخير القَزْويني تدريس النِّظامية ببغداد. وخرج ابن أخي شَمْلة الثُّرْكماني، ويُعرف بابن سنكة(٥)، وأخذ قلعةً (١) من المنتظم ١٠/ ٢٤٢. (٢) المنتظم ١٠/ ٢٤٢. (٣) نفسه ١٠/ ٢٤٣. (٤) قيده السمعاني وابن الأثير بضم الراء، وأما ياقوت ففتح الراء، وهو المختار. (٥) ويلفظ: ((سنكا)) أيضًا. ٢٣٢ بنواحي باذَرايا ليتخذها عَوْنًا له على الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن المَيْمنة، ثم حميَ القتال، وظفروا به، وجيء برأسه إلى بغداد(١) . وفيها وقع بَرَدٌ بالسَّواد، هدم الدُّور، وقتل جماعة وكثيرًا من المواشي؛ وقال ابن الجوزي (٢): فحدثني الثقة أنهم وَزنُوا بَرَدَةً، فكانت سبعة أرطال. قال: وكان عامتُه كالنَّارنج. وفي رمضان زادت دجلة زيادةً عظيمة على كل زيادةٍ تقدَّمت منذ يُنِيت بغداد بذراع وكَسْر، وخرجَ النّاس إلى الصحراء، وأيسُوا من البلد، وضجوا إلى الله بالبكّاء، وانهدمت دُورٌ كثيرة بمرَّة، وكان آيةً من الآيات، وهلكت قُری ومزارع لا تُحصى، ونُصِب يوم الجمعة مِنْبرٌ خارج السُّور، وصَلَّى الخطيب بالناس هناك. وفي الجمعة الأخرى جَمَّعُوا بمسجد التوثة، ودام الغَرَق أيَّامًا، وكثر الابتهال إلى الله، وبقي الخَلْق والأمراء كلما سَدُّوا بَثْقَا وتعبوا عليه، غَلَبهم الماء وخرّبه، أو انفتح آخَرُ غيره. وجاءت أمطار هائلة بالمَوْصل، ودامت أربعة أشهر، حتى تهدَّم بها نحو ألفَي دار، وهلك خَلْقٌ تحت الرَّدْم، وزادت الفُرات زيادةً كبيرة، وفاضت حتى أهلكت قُرى ومَزارع. ومن العجائب أنّ هذا الماء على هذه الصفة، ودُجيل قد هلكت مزارعه بالعَطَش . وتُوفي السُّلطان نور الدين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السُّنَّة والرَّافضة، فقُتِلَ من الطَّائفتين خَلْق، ونُهِبَ ظاهر البلد. وكان مما قَدِم به ابن الشَّهْرَزُوري من البشارة، فتحُ اليَمن، وكَسر الفرنج مرةً ثانية، ومقدَّمهم الدُّوقْش، وكان أسيرًا عند نور الدين، أسره نَوْبة حارِم، فقداه بخمسةٍ وخمسين ألف دينار، وخمس مئة ثوب أطلس وفي كتابه يقول : ((ولم يَنْجُ من عشرة آلاف غير عشرة حُمُرٍ مستنفرة، فَرَّت من قَسْوَرَة)). وذكر ابن الأثير(٣): أنَّ صلاحَ الدين لما استولى على مصر، وأراد أن (١) هذا كله من المنتظم ١٠/ ٢٤٤. (٢) المنتظم ١٠/ ٢٤٤. (٣) الكامل ١١/ ٣٩٦ فما بعد. ٢٣٣ يستبدَّ بالأمر، خافَ من نور الدين، وعرف أنه ربما يقصده، ويأخذ منه مصر، فشرع هو وأهل بيته في تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إن قصدهم، فجهز أخاه تورانشاه إلى النُّوبَة، فافتتح منها. فلما عاد تجهز إلى اليَمَن بقصد عبدالنبي صاحب زَبِيد، وطَردِه عن اليمن، وحَسَّنَ لهم ذلك عُمارة اليَمَني، فسَار في أكمل الهيبة والأهبة، فلم يثبت له أهلُ زَبِيد، وانهزموا، فعمد العَسْكر إلى سُور زَبِيد، ونصبوا السَّلالم، وطَلَعوا، فأسروا عبدالنبي وزوجته الحُرَّة، وكانت صالحة، كثيرة الصَّدَقة، فعذبوا عبدالنبي، واستخرجوا منه أموالاً كثيرة، ثم سار تُورانشاه إلى عَدَن، وهي لياسر، فهزموه وأسروه. ثم سارَ فافتتح حُصُون اليمن، وهي قلعة تَعِزِ، وقلعة الجَنَد. واستناب بعدن عز الدين عثمان ابن الزَّنْجبيلي، وبزَبِيد سيف الدّولة مبارك بن مُنقذ. زاد أبو المظفر السِّبط، فقال(١): يقال إنَّه افتتح ثمانين حِصْنًا ومدينة، وقتل عبدالنبي بن مهدي. وذكر ابن أبي طبىء، قال: في هذه السنة وصل المُوَفَّق ابن القَيْسراني إلى مصرَ رَسُولاً من نور الدين، فاجتمعَ بصلاح الدين، وأنهَى إليه رسالةً، وطالبه بحساب جميع ما حَصَّله من ارتفاع البلاد، فشق ذلك عليه، وأراد شق العصا، ثم ثاب، وأمر الثُّواب بالحساب، ثم عرضه على ابن القَيْسراني، وأراه جرائد الأجناد بالإقطاع. ثم أرسل معه هديّةً على يد الفقيه عيسى، وهي خَتْمة بخط ابن البَوَّاب، وختمة بخط مُهَلْهل، وختمة بخط الحاكم البَغْدادي، ورَبْعة مكتوبة بالذَّهب بخط يانَس، ورَبْعة عشرة أجزاء بخط راشد، وثلاثة أحجار بَلَخْش، وست قَصَبات زُمُرّد، وقطعة ياقوت وزن سبعة مثاقيل، وحجر أزرق ستة مثاقيل، ومئة عِقْد جوهر وزنها ثمان مئة وسبعة وخمسون مِثقالاً، وخمسون قارورة دُهْن بلْسان، وعشرون قطعة بِلَّوْر، وأربع عشرة قطعة جزع، وإبريق يشم، وطست يشم، وصحون صيني، وزبادي أربعون، وكُرَتان عُود قماري وزن إحداهما ثلاثون رِطْلاً بالمصري والأخرى أحد وعشرون، ومئة ثوب أطلس، وأربعة وعشرون (١) المرآة ٨/ ٢٩٩. ٢٣٤ بُقيارا مُذَهَّبة، وخمسون ثوبًا حرير، وحُلَّة فُلْفُلي(١) مذهَّب، وحلة مرايش صَفْراء، وغير ذلك من القماش، قيمتها مئتان وخمسة وعشرون ألف دينار، وعدة من الخَيْلِ، والغِلْمان، والجَوَاري، والسِّلاح، ولم تصل إلى نور الدين، لأنه ماتَ، فمنها ما أُعيد، ومنها ما استُهْلك، لأن الفقيه عيسى وابن القَيْسراني وضعا عليها من نَهبها واستبدا بأكثرها. وقيل: رُدَّت كلُّها إلى صلاح الدِّين، وكان معها خمسة أحمال مالاً. وتحركت الفِرَنج بالسَّواحل، وكان بدمشق الملك الصالح إسماعيل ابن السُّلطان نور الدين، صبي عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدين صاحب مصر. وبلغَ صلاحَ الدين نزولُ الملاعين على بانياس، فصَالحهم الأمراء وأهل دمشق، وهادنوهم على مالٍ وأسارَى يُطْلَقُون. فكتب إلى جماعة يوبخهم، فكتب إلى الشيخ شرف الدين ابن أبي عَصْرون يخبره أنه لما أتاه كتاب الملك الصالح تجهز للجهاد وخرج، وسار أربع مراحلٍ، فجاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذُل الإسلام، من رَفْع القطيعة، وإطلاق الأسارى، وسيدنا المسيح أول من جَرَّد لسانَهُ الذي تُغمد له السيوف وتُجَرَّد. وكتب في ذي الحجة من السَّنة . مصرع الذين سَعَوا في إعادة دولة بني عُبَيْد كانت دولة العاضد وذويه لذيذة لأُناس، وهم يتقلَّبون في نعيمها، فَأُخِّروا وأُبُعِدوا، فذكر جمال الدين بن واصل(٢)، وغيره، أن في سنة تسع وستين، أراد جماعةٌ من شيعة العُبَيْديين ومُحِبيهم إقامةَ الدَّعوة، وردّها إلى العاضد، فكان منهم عُمارةُ اليَمني، وعبدُ الصّمَد الكاتب، والقاضي هبة الله ابن كامل، وداعي الدُّعاة ابن عبدالقَوِي، وغيرهم من الجُنْد والأعيان والحاشية ووافقهم على ذلك جماعةٌ من أمراء صلاح الدين، وعَيّنوا الخليفة والوزير، وتقاسموا الدُّور؛ واتفق رأيُهم على استدعاء الفِرَنج من صِقلّية والشَّام يقصدون مصر، ليَشْغَلوا صلاح الدين بهم، ويَحْلُو لهم الوقت، ليتم أمرُهم ومَكْرُهُم (١) ثوب فلفلي: ثوب موشَّى كصعارير الفلفل، أي حمله. (٢) مفرج الكروب ١/ ٢٢٩ فما بعد. ٢٣٥ وقال لهم عُمارة اليمني: أنا قد أبعدتُ أخاه تورانشاه إلى اليمن خَوْفًا من أن يسد مَسَدَّه، وقرَّروا الأمور، وكادَ أمرهم أن يتم، وأبى الله إلا أن يُتِمَّ نورَه، فأدخلوا في الشُّورَى الواعظ زين الدين عليّ بن نجًا، فأظهر لهم أنه معهم، ثم جاء إلى صلاح الدين، فأخبَرَهُ، وطلب من صلاح الدين ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذل له، وأمره بمخالطتهم، وتعريف شأنهم، فصار يُعْلِمُهُ بكل مُتَجَدد. فجاء رسول ملك الفِرَنج بالساحل إلى صلاح الدين بهديةٍ ورسالة، وفي الباطن إليهم. وأتى الخَبَر إلى صلاح الدين من أرض الفرنج بجَليَّة الحال، فوضعَ صلاح الدين على الرسول بعضَ من يثق إليه من النَّصارى، فداخل الرسولَ، فأخبره بحقيقة الأمر. وقيل: إنَّ عبدالصمد الكاتب كان يلقى القاضي الفاضل بخضوع زائد، فَلَقِيه يومًا، فلم يلتفت إليه، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلا لسبب فَأحضر ابنَ نجا الواعظ، وأخبره الحال، وطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدين، فأوضح له الأمر، فطلب صلاح الدين الجماعة، وقرَّرهم فأقرُّوا؛ وكان بين عُمارة وبين الفاضل عَدَاوة، فلما أرادَ صلاح الدين صَلْبَه، تقدَّم الفاضل وشفع فيه، فظنَّ عُمارة أنَّه یحثُه على هلاكه، فنادى: یا مولانا لا تسمع منه في حقي. فغَضِبَ القاضي الفاضل وخرج. فقال صلاح الدين: إنما كان يشفع فيك، فندِمَ، وأُخرج ليُصْلَب، فطلب أن يمروا به على مجلس القاضي الفاضل، فاجتازوا به عليه، فأغلق بابه، فقال عُمارة: عبدالرحيم قد احتجبْ إن الخلاصَ من العَجَب ثم صُلِبَ هو والجماعة بين القَصْرين، وذلك في ثاني رمضان، وأفنى بعد ذلك من بقي منهم . قال العماد الكاتب(١): وكان منهم داعي الدُّعاة ابن عبدالقوي، وكان عارِفًا بخبايا القَصْر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها. وأمَّا الذين نافقوا على صلاح الدين من جُنْده فلم يعرِض لهم، ولا أعلمهم بأنَّه علم بهم. وكان ممن صُلِبَ القاضي العوريس(٢)؛ فحكى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز أنَّ قاضي (١) سنا البرق الشافي ١/ ١٤٩. (٢) هكذا في النسخ، وفي سنا البرق والروضتين: ((العويرس)). ٢٣٦ القُضاة عوريس رأى عيسى ابن مريم، كأنه أخرج له رأسه من السماء، فقال له العوريس: الصَلَّب حق؟ فقال له ابن مريم: نعم. فعَبَّرها العابر، وقال: صاحب هذه الرؤيا يُصلب لأن المسيح مَعْصوم، ولا يمكن أن يكون ذلك راجعًا إليه، لأن الله تعالى نص لنا أنه لم يُصْلَب، فبقي أن يكون راجعًا للرائي. وجاء الكتاب إلى دمشق بقصة هؤلاء يوم موت نور الدين رحمه الله، وكانوا أيضًا قد كاتبوا سنانًا وأهلَ الحصون يستعينون بهم(١). فلما كان في السادس والعشرين من ذي الحجة وصل أصطول الفِرَنج من صقلية، فنازلوا الإسكندرية بَغْتة، فجاءوا بناء على مراسلة الذين صُلِبوا، وكان معهم ألفٌ وخمس مئة فَرَس، وعذَّتهم ثلاثون ألف مقاتل، من بين فارسٍ وراجل، وكان معهم مئتا شِيني(٢)، وست سُفُن كبار، وأربعون مركبًا، وبرزَ الحربهم أهل الثغر، فحملوا على المُسلمين حملةً أوصلتهم إلى الشُّور، ففُقِد من المسلمين فوق المئتين، فلما أصبحوا زحفوا على الإسكندرية، ونصبوا ثلاث دَبَّابات بكِباشها، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تَضْربُ بحجارةٍ سود، استصحبوها من صِقِلَّية، فزحفوا إلى أن قاربوا الشُّور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية ما رَاعَهم. وبُعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدين وهو نازل على فاقوس، فاستنهضَ الجيش وبادروا، واستمرَّ القتال. وفي اليوم الثالث فتح المُسلمون باب البلد، وكَبَسوا الفِرَنج على غَفْلةٍ، وحَرَّقوا الدَّبَّابات، وصَدَقوا اللَّقاء، ودامَ القتال إلى العَصْر، ونزل من الله النَّصر، واستحرَّ بالفِرَنجِ القَتل. وردّ المسلمون إلى البلد لأجل الصَّلاة. ثم كَبَّروا عند المَغْرب، وهاجموا الفِرَنج في خيامهم، فتَسَلَّموها بما حَوَت، وقتلوا من الرَّجَالة ما لا يوصف. واقتحم المُسلمون البحرَ، فغَرَّقُوا المراكب وحَرَّقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدو بين أسيرٍ، وقتيل، وغريق. واحتمى ثلاث مئة فارس في رأس تل، فأُخذوا أسرى، وغَنِمَ المسلمون غنيمةً عظيمةً، فلله الحمد کثیرًا. (١) سنان هو مقدم الباطنية في بلاد الشام. (٢) جمعها شواني، وهو نوع من السفن. : ٢٣٧ وفي آخر السنة هلك مُرِّي ملك الفرنج، لا رحمه الله، وهو الذي حاصر القاهرة، وأشرف على أخذها . ولما بلغ صلاح الدين سوء تَذْبير الأمراء في دولة ابن نور الدين، كتب إليهم، ونهاهم عن ذلك. فكتب إليه ابن المُقَدَّم يردعه عن هذه العزيمة، ويقول له : ((لا يقال عنك إنك طَمَعْت في بيت من غَرَسَكَ، ورَبَّاك وأسَّسَك، وأصْفَى مَشْرَبَكَ، وأضوى مَلْبَسَك، وفي دست مُلْك مصر أجْلَسَكَ، فما يليق بحالك غيرُ فضلك وإفضالك)). فكتب إليه صلاح الدين: إنه لا يؤثر للإسلام وأهله، إلا ما جَمَعَ شَمْلَهم، وألفَ كلمتهم، وللبيت الأتابكي، أعلاه الله تعالى، إلا ما حفظ أصله وفَرْعه. فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، ونحن في وادٍ، والظَّانون بنا ظَنَّ السَّوء في وادٍ. وفيها وعظ الطّوسي بالتَّاجية من بغداد، فقال: ابن مُلْجم لم يكفر بقَتْله عليًّا رضي الله عنه، فجاءه الآجُرُّ من كل ناحية، وثارت عليه الشّيعة، ولولا الغِلْمان الذين حوله لقُتِل. ولما همَّ الميعادُ الآخر بالجلوس، تجمعوا ومعهم قوارير النِّقْط ليحرقوه، فلم يحضر. فأحرقوا مِنْبره. وأحضره نقيب النقباء وسَبَّه، فقال: أنتَ نائب الدِّيوان، وأنا نائب الرحمن. فقال: بل أنت نائب الشيطان. وأمر به فسُحِبَ ونُفي، فذهب إلى مصر، وعظُم بها، ولَقَبُه: الشهاب الطُوسي. سنة سبعين وخمس مئة فيها أُعيد أبو الحسن ابن الدَّامَغَاني إلى قضاء القُضاة ببغداد، بعد أن بقي مَعْزولاً خمسة عشر عامًا . وفيها أراد المستضيء بالله إعادة ابن المُظَفَّر إلى الوزارة، فغضب من ذلك قايماز، وأغلقَ باب الُّوبي، وباتَ العامَّة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغدادَ حتَّى يخرج منها ابن المُظَفَّر هو وأولاده، فإنَّه عدوي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني، فقيل لابن المظفر؛ تخرج من البلد. فقال: لا أفعل. فلما شُدِّدَ عليه، قال: إن خرجتُ قُتِلت: فاقتلوني في بيتي. فتلطّفوا به، فجاء فخر ٢٣٨ الدَّولة ابن المطّلب، وشيخ الشيوخ، وحلف له قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العَسْكر في السِّلاح، والذُّروب تُحفظ ثم خرج بالليل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد. ثم دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثم خرج طَيِّبَ النَّفْس. ثم بقيت الرُّسُل تتردّد، واستقرَ الأمر أن ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربي. وفي رَجَبَ تكلم ابن الجوزي، قال(١): تُقُدِّم إليَّ بالجلوس تحت مَنْظرة أمير المؤمنين، فتكلمت بعد العَصْر، وحَضَرَ السُّلطان، واكترى النَّاس الدَّكاكين، وكان موضع كل رجل بقيراط، حتى إنه اكتُرِيَت دُكانٌ بثمانية عشر قيراطًا، ثم جاء رجلٌ فأعطاهم ستة قراريط حتى جلس معهم. ودَرَّسْت بالمدرسة التي وَقَفَتْها أم الخليفة، وحضر قاضي القضاة، وخُلِعَت عليَّ خِلْعة، وألقيتُ يومئذٍ دروسًا كثيرة من الأصول والفروع. ووقف أهل بغداد من باب النُّوبي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر، وعلى باب المدرسة أَلُوف، وكان يومًا مشهودًا، لم يُرَ مثله. ودخل على قلوب أرباب المذاهب غمٌّ عظيم. وتُقُدِّم ببناء دكّةٍ لنا في جامع القَصْر، فانزعجوا، وقالوا: ما جَرَت عادة الحنابلة بدَكة؛ فبُنيت وجلستُ فيها. وكان الأمير تُتَامُش قد بعث إلى بَلد الغَرَّاف من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصَّلاة أكثرَ الناس، فأنكر أميرُ المؤمنين ما جرى، وأمر تُتَامش وزوج أخته قايماز، فلم يَحْفلا بالإنكار، وأصرا على الخِلاف، وجرت بينهما وبين ابن العَطَّار مُنابَذَات، ثم أُصْلِحَ بينهم. فلما كان الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النَّار في دار ابن العَطَّار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز فأبى، وبارزَ بالعِنَاد. وكان قد حَلَّفَ الأمراء، وخرج هو وتتامش وجماعةٌ من الأمراء من بغداد، فنَهَبت العوامُ دُورهم، وأخذوا أموالاً زائدة عن الحد. قال ابن الأثير(٢): ودخل بعض الضَّعاليك فأخذ أكياس دنانير، وفزع لا يؤخذ منه، فدخل إلى مَطْبخ الدَّار، فأخذ قِدْرةً مملوءة طَبيخًا، فألقى فيها (١) المنتظم ١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣. (٢) الكامل ١١ / ٤٢٥ . جاد ٢٣٩ الدنانير، وحملها على رأسه، فضحك الناس منه، فقال: دعوني أطعمه عيالي ثم أستغني بعد ذلك، ولم يبق من نعمة قُطْب الدين في ساعةٍ واحدةٍ لا قليل ولا كثير. وأمَّا العامة فثاروا بأعوان قُطْب الدين، وأحرقوا من دُورهم مواضعَ كثيرة، وبقي أهلها في جَزَع وحَيْرة، وقصدوا الحِلَّة، ثم طلبوا الشام وقد تقلل جَمْعُهُم، وبقي مع قایماز عددٌ يسير . ثم خُلع على الوزير ابن رئيس الرؤساء، وأعيد إلى الوزارة، وكتب الفقهاء فتاويهم أنَّ قايماز مارِق، وذلك في ذي القَعْدة. ثم جاء الخبر في ذي الحجة أنّ قايماز تُوفي، وأن أكثر أصحابه مَرْضَى، فسبحان مُزِيل النَّعْم عن المتمردين. وفيها ملك صلاح الدين دمشق بلا قتال، وكتب إلى مصر رجلٌ من بُصْرى في الرابع والعشرين من ربيع الأول، وقد توجه صاحبها في الخدمة: ثم لقينا ناصر الدين ابن المولى أسد الدين والأمير سعد الدين بن أُنُر ونزلنا في الثامن والعشرين بجسر الخَشَب، والأجناد إلينا متوافية من دمشق. وأصبحنا ركِبنا على خيرة الله، فعرض دون الدخول عددٌ من الرجال، فدَعَسَتْهم عساكرنا المنصورة وصَدَمتهم، ودخلنا البلد، واستقرت بنا دار ولدنا، وأذَعْنا في أرجاء البَلَد النِّداء بإطابة النُّفوس وإزالة المُكُوس، وكانت الولاية فيهم قد ساءت وأسرفت وأجحفت، فشَرَعْنا في امتثال أمرِ الشَّرْعِ. ثم نازل صلاح الدين حمص، ونُصِبَت المجانيق على قلعتها حتى دكتها . وسار إلى حَمَاة، فمَلَكَها في جمادى الآخرة. ثم سار إلى حَلَب، وحاصرها إلى آخر الشَّهر، واشتد على الصالح إسماعيل ابن نور الدين بها الحصار، وأساءَ صلاح الدين العشرة في حَقِّه، واستغاثَ الصَّالح بالباطنِيَّةِ، ووعدهم بالأموال، فقتلوا الأمير ناصح الدين خمارتكين وجماعة، ثم قُتِلوا عن آخرهم. ورجع النَّاصر صلاح الدين إلى حِمْص، فحاصرها بقية رجَب، وتسلمها بالأمان في شعبان. ثم عطف على بعلبك فتسلمها. ثم رد إلى حِمْص، وقد اجتمع عسكر حَلَب، وكتبوا إلى صاحب الموصل، فجهز جيشه، وأمدَّهُم بأخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، فأقبل الكل إلى حَمَاة، فحاصروا البَلَد، فسار صلاح الدين فالتقاهم على قُرون حَمَاة فانكسروا أقبح كَسْرة، ثم سار إلى جهة حَلَب. ثم وقع الصُّلح بينه وبين ابن زَنكي، على أن يكون له إلى آخر بلد حماة ٢٤٠