Indexed OCR Text
Pages 521-540
٣٨٩- عبدالملك الطَّبَرِيُّ الزَّاهد، شيخُ الحَرَم في زمانه. ذكره ابنُ السَّمْعاني في ((ذَيْله))، فقال: كان أحدَ المشهورين بالزُّهد والورع، أقامَ بمكة قريبًا من أربعين سنة على الجِدِّ والاجتهاد في العبادة، والرِّياضة، وقَهْر النَّفْس. وكان ابتداء أمره أنه كان يتفقه في المَدْرسة، فلاح له شيءٌ فخرج على التَّجْريد إلى مكة، وأقامَ بها. وكان يَلْبَس الخَشِن، ويأكل الجَشْب، ويُزْجي وقته على ذلك صابرًا. سمعتُ أبا الأسعد هبة الرحمن القُشَيْرِي يقول: لمَّا كنتُ بمكة أردتُ زيارته فأتيتُه فوجدتُه مَحْمُومًا مُنْطرِحًا، فتكلَّفَ وجلسَ، وقال: أنا إذا حُمِمت أفرحُ بذلك، لأن النَّفْس تشتغل بالحُمَّى، فلا تشغلني عمَّا أنا فيه، وأخلُو بقلبي كما أريد. وقال الحُسين الزَّغُنْداني(١): رأيتُ حوضًا يقال له عَنْبَر، والماء في أسفله، بحيث لا تصل إليه اليد، فرأيتُ غير مرةٍ أنَّ الشَّيْخ عبدالملك تَوَضَّأ منه، وارتفع الماءُ إلى أن وصلَ إليه، ثم غارَ الماءُ، ونَزَلَ بعد فراغه. وكنتُ معه ليلةً في الحَرَم، وكانت ليلةً باردة، وكان ظهْرُه قد تشقق من البَرْد، وكان عُرِيانًا، فنامَ على باب المَسْجد، وضعَ يده اليمنى تحت خَدِّه اليُمنى، واليد اليُسْرى على رأسه، وكان يذكرُ الله. فقلت له: لو نمتَ في زاوية من زوايا المسجد كان يكُثُّك من البَرْد. فقال: نمتُ في بعض الليالي، فرأيت شخصين دخلا المَسْجد، وتقدَّما إليَّ، وقالا لي: لا تَنَمْ في المَسْجد، فقلت لهما: من أنتما؟ فقالا: نحن مَلَكان. فانتبهت، وما نمتُ بعد ذلك في المَسْجد. وقلتُ له : إني أراك صبورًا على الجوع. قال: آكل قليلاً من ورق الغَضَا فأشبع. ٣٩٠- عبدالرحمن بن أحمد بن فِهْر، أبو القاسم السُّلميُّ الأندلسيُّ. روى عن أبي الوليد الباجي، وابن دِلْهاث. وعنه أبو بكر بن رِزْق، وأبو محمد بن عُبيد الله الحَجْري وجماعة(٢) . ٣٩١- عليّ بن الحسين بن محمد بن مهدي، أبو الحَسَنِ البَصْرِيُّ الصُّوفيُّ، من مشايخ الصُّوفية الكبار. تغرب إلى الشام، ومصر، والجزيرة، واستقرَ ببغداد. وكان ذا عبادة، (١) منسوب إلى ((زغندان)) قرية بمرو. (٢) من تكملة ابن الأبار ٢٠/٣ - ٢١. ٥٢١ وطريقة جميلة. حدَّث عن أبي الحسن الخِلَعي، وعنه جماعة. تُوفي بعد سنة خمسٍ وعشرين(١). ٣٩٢- عليّ بن عبدالقاهر بن الخَضِر بن عليّ، أبو محمد المَرَاتبيُّ الفَرَضيُّ، المعروف بابن آسة، لأنَّ جده وُلِد تحت آسة فسُمِّي بها. إمامٌ في الفَرَائض، صالحٌ، خَيِّرٌ، منقبضٌ عن النَّاسِ. سمع أبا جعفر ابن المُسْلِمة، وعبدالصَّمد ابن المأمون وجماعة. سمع منه أبو القاسم ابن عساكر، وأجاز لابن السَّمعاني، وتُوفي بعد سنة .(٢) . ثلاثٍ وعشرينَ ٣٩٣- عليّ بن علي بن جعفر بن شيران، أبو القاسم الضَّرير الواسطيُّ المقرىء. قرأ بالروايات على أبي علي غُلام الهَرَّاس، وحدَّث عن الحسن بن أحمد الغَنْدَجاني، وتَصَدَّر للإقراء مُدَّة مع أبي العز القلانسي. قرأ عليه أبو بكر عبدالله بن مَنْصور الباقلاني، وأبو الفتح نصر الله بن الكَيَّال، وجماعة. وكان قَدِمَ بغداد في سنة ثلاث وخمس مئة، وحدَّث بها. روى عنه عليّ بن أحمد اليَزْدي. وقيل عنه: إنه كان يميل إلى الاعتزال. تُوفي سنة نيٍّ وعشرين بواسط(٣). ٣٩٤- عليّ ابن القُدوة الكبير أبي عليّ الفَضْل بن محمد، أبو الحسن الفَارَمَذِيُّ. بقية مشايخ الصوفية بالطَّابَران. سمع ((مُتفق)) الجَوْزقي من أحمد بن مَنْصور بن خَلَف. وسمع من أبي القاسم القُشَيْري، ومن شيخ وقته أبي القاسم الگُرکاني، وحَدَّث. ذكره عبدالغافر، فقال(٤): لَزْمَ طريقة المَشَايخ، باركَ الله في أنفاسه العَزِيزة، وأبقاه رُكنّا في الطَّريقة . (١) ينظر تاريخ دمشق ٤١ /٤٢٤ - ٤٢٥ . (٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ثلاثين وخمس مئة (الترجمة ٣٥٠). (٣) ينظر سؤالات السلفي لخميس الحوزي (٥٦). (٤) في السياق، كما في منتخبه (١٣٥١). ٥٢٢ قلتُ: كان حيًّا بعد العشرين . ٣٩٥- عليّ بن محمد بن الحُسين بن حَسُّون، أبو الحسن البَزَّاز، المعروف بابن الماشِطة . سَمِعَ أبا الحُسين ابن المُهْتدي بالله، وابن النَّقُّور. وعنه ابن عساكر. ٣٩٦- عليّ بن محمد بن علي ابن المَحْلبان، أبو الحسن البَغْداديُّ الكاتب . سمع أبا يَعلَى ابن الفَرَّاء. وعنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر . ٣٩٧- غالب بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو نصر البَغْداديُّ الأَدَميُّ القارىءُ بالألحان، المُغَنِّيِ بالقَضِيب. سمع أبا جعفر ابن المُسْلِمة. روى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر. وامتنع بعضهم من السَّماعِ منه للغِناء. ٣٩٨- فيروز، أبو الحسن الكُرْجيُّ الدَّلاَل في الكُتُب، عَتِيق بن عَيْشون. روى عن أبي جعفر ابن المُسْلِمة، وعنه أبو المُعَمَّر، وأبو القاسم ابن عساكر(١). ٣٩٩- لطيفة بنت أحمد بن أبي سعيد محمد المحموديِّ العَطَّار. شيخةٌ صالحٌ، من أهل نَيْسابور، أجازت في سنة سبع وعشرين لأبي سَعْد السَّمْعاني. سمعت أبا يَعْلَى الصَّابوني، وأبا سَعْد الكَنْجَروِذِي. وعاشت نحوًا من ثمانين سنة . ٤٠٠- المبارك بن أحمد بن عليّ، أبو نَصْر البَيِّع البَغْداديُّ الفَاميُّ. سَمِعَ القاضي أبا يَعْلَى، وأبا الحُسين ابن النَُّور، وجماعة. وعنه أبو القاسم، وأبو المُعَمَّر. ٤٠١- محمد بن أحمد بن الحُسين بن عليّ بن قُرَيْش، أبو غالب البَغْدادِيُّ النَّصْرِيُّ الحَنَفَيُّ. سمع عبدالصمد ابن المأمون، وأبا يَعْلى ابن الفَرَّاء، وجماعة. روى عنه مسعود بن غَيْث الدَّقَّاق، وعُمر بن طَبَرْزَد. (١) ينظر ((الكرجي)) من الأنساب. ٥٢٣ وبقي إلى سنة سبع وعشرين . ٤٠٢- محمد بن ناصر بن محمد بن أحمد بن هارون، أبو منصور اليَزْديُّ الصائغ الصَيْرفيُّ. شابٌّ فاضلٌ، ومحدثٌ نبيل. كان جَيِّد التَّحْصِيل، سريع الكِتَابة. رأيتُ جماعة أجزاء بخطه. رحل إلى بَغْداد قبل الخَمْس مئة، وقرأ القرآن على الزَّاهد أبي منصور محمد بن أحمد الخَيَّاط. وسمع من أبي الحسن ابن العَلَّف وابن بيان وخَلْقٍ. وتفقه بالنِّظامية على أبي سَعْد المُتَوَلَّي. روى عنه المبارك بن كامل وآحاد الطلبة . قبض عليه علاء الدَّوْلة كِرشاسب ثم قَتَله بعد العشرين وخمس مئة بناحية طَس . قال الحافظ ابن ناصر: كان فيه تَسَاهل في الحديث، وكان يُصَحِّف. ٤٠٣- مَلِكْداذ بن علي بن إلياس، أبو بكر العمر كيُّ القَرْوينيُّ، مفتي أهل قَزْوين، وعالمهم وصالحهم. سمع ابن خَلَف الشِّيرازي بنَيْسابور، ومالكًا البانياسي ببغداد، وأبا عطاء المَلِيحي بهَرَاة. تفقه ببغداد ونَيْسابور، وكان وَرِعًا دينًا إمامًا . ٤٠٤- يوسف بن أحمد بن حَسْدائي بن يوسف الإسرائيليُّ المُسْلِم الأندلسيُّ، أبو جعفر الطبيب. من أعيان الفُضلاء في الطِّبِّ، وله مصنَّفات. قدِم ديار مِصْر، واتَّصَل بالدولة، وكان خصيصًا بالمأمون وزير الآمر بأحكام الله، وشَرَحَ له بعضُ كُتُب أبقراط. وله كتاب ((الإجمال)) في المَنْطق. وهو من بيت طب وفلسفة، وأجداده من فُضلاء اليهود وأحبارهم، لعنهم الله(١). (آخر الطبقة والحمد لله) (١) من عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٤٩٩ - ٥٠٠. ٥٢٤٠ - الطبقة الرابعة والخمسون ٥٣١ - ٥٤٠ هـ بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ (الحوادث) سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة وَرَد أبو البركات بن سَلَمَةٍ(١) وزير السُّلطان مَسْعود، فقبضَ على أبي الفُتوح بن طَلْحة، وقَرَّرَ عليه بحَمْل مئة ألف دينار من ماله ومن دار الخلافة، فبعثَ إليه المُقْتَفي يقول: ما رأينا أعجبَ من أمرك، أنتَ تعلم أنَّ المُسْتَرشد سار إليكَ بأمواله، فَجَرَى ما جَرَى. وأن الرَّاشِد وَلَيَ ففعلَ ما فعل، ورحل وأخذ ما تَبَقَّى، ولم يبق إلا الأثاث، فأخذته كُله وتصرفت في دار الضَّرْب، وأخذت التَّركات والجَوَالي، فمن أي وجهٍ نُقيمُ لكَ هذا المال؟ وما بقي إلا أن نخرج من الدَّار ونُسَلِّمها، فإني عاهدت أن لا آخذ من المُسلمين حبةً ظُلْمًا . قال: فأسقطَ ستين ألفًا، وقام أبو الفتوح صاحب المَخْزن من ماله بعشرة آلاف دينار، وأمرَ السُّلطان بجباية الأملاك، فلقي النَّاس من ذلك شِدَّة، فخرج رجل صالح يُقال له ابن الكَوَّز إلى الشُّلطان إلى المَيْدان، وقال: أنت المطالب بما يجري على النَّاس، فما يكون جوابك؟ فانظر بين يديك، ولا تكن ممن ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، فأسقطَ ذلك المالَ. وجاءت الأخبار بأنَّ الوَبَاء شديد بهَمَذَان وأصبهان . ثم عادت الجِبَاية من الأملاك، وصُودر الثُّجَار، ولم يُتْرك للخليفة إلا العقار الخَاص . وجاءت مُكاتبة سَنْجَر إلى ابن أخيه مَسْعود يأمره أن يدخل إلى المُقْتَفي ويبايع عنه. ثم أُخذت البيعة من زنكي صاحب الموصل. ودُفع الراشد عن زنكي، فتوجه نحو أذْرَبِیجان. وتزوَّجَ المُقتفي بفاطمة أخت السُّلطان مسعود. (١) في المطبوع من المنتظم ٦٦/١٠: ((مسلمة))، وما أثبتناه من خط المصنف. ٥٢٧ وتوجه مسعود إلى بلاد الجبل، واستناب على بغداد ألْبقش السِّلاحي، فورد سُلْجوق شاه، أخو مَسْعود إلى واسط، فطرده ألبقش، وكان مُسْتضعفًا. واجتمع الملك داود وعَسَاكر أذربيجان، فواقعوا السُّلطان مسعودًا، وجَرَت وَقْعة هائلة. ثم قصدَ مَسْعود أذربيجان، وقصدَ داود هَمَذَان، ووصلَها الرَّاشد المَخْلُوع يوم الوَقْعة، وتَقَرَّرت القواعد أنَّ الخليفة المُقْتَفِي يَكتُب لزَنْكي عشرة بلاد، ولا يُعين الرَّاشد. ونفذت إليه المَحَاضر التي أوجبت خَلْع الرَّاشد، وأُثبتت على قاضي المَوْصل، فخطب للمُقْتَفِي ومَسْعود. فلما سَمِعَ الراشد نَفَّذَ يقول لزنكي: غدرتَ؟! قال: ما لي طاقة بمَسْعود. فمَضَى الرَّاشد إلى داود في نَفَرِ قليل، وتَخَلَّف عنه وزيره ابن صَدَقَة، ولم يَبْقَ معه صاحب عِمَامة سوى أبي الفُتُوح الواعظ. ونَفَّذَ مسعود ألْفَي فارس لتأخذه، ففاتهم ومَضَى إلى مَرَاغة، فدخل إلى قبر أبيه، وبَكَى وحَشَى الثُّراب على رأسه. فوافقه أهل مَراغة، وحملوا إليه الأموالَ، وكان يومًا مَشْهودًا. وقوي داود، وضَرَبَ المَصَاف مع مَسْعود، فقُتل من أصحاب مسعود خَلْق. وعادت الجِبَاية، والظُّلْم ببغداد. وفيها هربَ الذي وَلَيَ الوزارة بالدِّيار المِصْرية بعد الحسن ابن الحافظ العُبَيدي، وهو تاج الدَّولة بهرام الأرمني النَّصْراني. وكان قد تَمَكن من البلاد، واستعملَ الأرمن، وأساءَ السِّيرة في الرَّعِيَّة، فأنف من ذلك رضوان بن الوَلَخْشي، فجمع جَيْشًا وقَصدَ القاهرة، فهربَ منه بهرام لعنه الله إلى الصَّعيد، ومعه خَلْق من الأرمن، فمنعه مُتَولِّي أُسوان من دخولها، فقاتله، فقتل السُّودان طائفةً من الأرمن، فأرسلَ يطلب الأمان من الحافظ فأمَّنه، فعاد إلى القاهرة، فسُجن مدة، ثم تَرَهَّب وأُخرِجَ من الحَبْس. وأما رضوان فَوَزَرَ للحافظ، ولُقِّب بالملك الأفضل، وهو أول وزير بمصر لقبوه بالملك. ثم فسد ما بينه وبين الحافظ، فهربَ في شوال سنة ثلاثٍ وثلاثين، ونُهبت أمواله وحَوَاصله، فأَتَى الشَّامَ، فنزل على أمين الدَّولة كُمُشْتكين صاحب صَرْخَد، فأكَرَمُه وعَظَّمَهُ، وجَرَت له أمور ذكرنا بعضها سنة ثلاثٍ و أربعین. ٥٢٨ قال ابن الجوزي(١): ونُودي في الأسواق لابن الخُجَنْدي الواعظ بالجلوس في جامع الخَلِيفة، فجلسَ يوم الجُمُعة بعد الصَّلاة، ومُنِعَ من كان يجلس. ونُودي له بالجلوس في النِّظامية، فاجتمعَ خلائق، وحَضَرَ الوزير والشِّخْنة والمُسْتَوفي، ونَظَر، وسديدُ الدَّولة، وجماعةٌ من القُضاة، وحَضَرتُ يومئذٍ، وكان لا يُحسن يعظ ولا يندار في ذلك. وفي جُمادى الأولى أُعيدت بلاد الخَلِيفة، ومعاملاته والتَّركات إليه، واستقرَّ عن ذلك عشرة آلاف دينار. وعادَت ببغداد الجبايات مَرة خامِسَة بعنف وعَسف. وقبضَ الشِّخْنة على أبي الكَرَم الوالي وقال: لِمَ تتصرَّف بلا أمري؟ فذهب أبو الكرم إلى رباط أبي النَّجيب، فتابَ وحَلَقَ رأسَهُ، ثم خُلع عليه، وأُعيد إلى الولاية، وكان كافيًا فيها. وفيها سارَ عَسْكر دمشق وعليهم الأمير بُزْواش، فحاربوا عَسْكر طرابُلُس، فنُصروا، وقُتل خَلْق من الفِرَنج، ورجعَ المُسلمون بالغنائم والسَّبْي الكثير . وفيها وَقْعة بَعْرِين بقُرب حَمَاة، التَّقَى الأتابك زَنْكِي والفِرَنج، فنُصر عليهم أيضًا، وأخذَ قَلْعة بَعْرين. وكان ذلك أول وَهْنِ أدخله الله على الفِرَنْجِ. وسار زَنْكي إلى بَعْلَبك، فَسَلَّمها إليه كُمُشْتِكِين الخادم. وفي ليلة الثلاثين من رمضان رُقِبَ الهلال، فلم يُرَ، فأصبحَ أهلُ بغداد صائمين لتَمَام العِدة. فلما أمسوا رقبوا الهلال، فما رأوه أيضا، وكانت السَّماء جليَّةً صاحية؛ ومثل هذا لم يُسمع بمثله في التَّواريخ، وهو عَجِيب. سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة فيها ظَفروا بأحدَ عَشَر عيَّارًا، فصُلِبوا في الأسواق ببغداد، وطُلب صوفيٌّ من رِبَاط البسْطامي لَكَمَ صبيًّا فماتَ. وفيها أخذت الرُّومِ بُزَاعَة فاستباحوها، وجاءَ النَّاسُ يَسْتَنْفرون . وفيها قُبض على ألْبقش نائب بغداد، ووَليَ مكانه بَهْروز الخادم. (١) المنتظم ٦٨/١٠. تاريخ الإسلام ٣٤٣/١١ ٥٢٩ وتَزَوَّج السُّلطان مَسْعود بسفرى بنت دُبَيْس الأسَدي، وسببه أنَّ أولاد دُبَيْس أُقْطِعت أماكنُهم واحتاجوا، فجاءت بنت دُبَيْس وأقُّها بنت عميد الدَّولة ابن جَهِير، وكانت بديعة الحُسن، فدخلت على خاتون زوجة المُسْتَظْهر لتشفع لها إلى السُّلطان، ليُعيد عليها بعضَ ما أُخِذ منها، فوُصِفت له، فتزَوَّجها، وأُغلقت بغداد سبعة أيام للفرح، وضُرِبت الطُّبول وشُربت الخُمُور ظاهرًا وكَثُر الفَسَاد. وفي جُمادى الآخرة قَتَل شِحنة ببعض البُلْدان صبيًّا مَسْتورًا من المختارة، فأمر السُّلطان بصَلْب الشِّحْنة فصُلِبَ، وحطه العَوَام فَقَطْعُوه. ولما أخذ زَنْكي قلعةَ بَعْرين ثارت الرُّوم، وقَدِمُوا في البَحْر من القُسطنطينية، وسَبَقَ الفُرسان إلى أنطاكية، ثم وَصَلت مراكبهم، فنازلوا أَذَنَة والمِصِّيصة وهما لابن لاون الأرْمني، فأخذها منه الرُّوم، ثم أخذوا عين زَربة عَنْوَةً، وتَل حَمْدون؛ ثم حاصروا أنطاكية في آخر سنة إحدى وثلاثين، وضَيَّقوا على أهلها وبها بَيْمُنْد الفِرَنْجي ثم تصالح الأرْمَن والرُّوم. ثم نازلوا حَلَب. وفيها، وفي التي بعدها كان بين المُوَحِّدين والمُلَثَّمين حُروبٌ عِدَّة، ومُنازلة طويلة ومُصَابَرة. كان عبدالمؤمن بالمُوَحِّدين في الجَبَل والشَّعْراء، وابن تاشفين قبالته في الوطاء. ثم جاءت أمطار عَظِيمة تَلَف فيها أصحاب ابن تاشفين، وهَلَكت خيلهم، وجاعوا. وفي رَمَضان وُصف للسُّلطان مَسْعود امرأةٌ بالحُسن، فخَطَبها وتزوَّجها، وأغلق البلد ثلاثة أيام. وكان أمر الرَّاشد بالله قد استفحلَ، واجتمعت عليه عَسَاكر كثيرة، فدخل عليه الباطنية - لعنهم الله - فَقَتُلُوه. وفيها أمر السلطان بقتل ألْبقش الذي كان نائب بغداد، فقُتِلَ، وقيل: غَرَّقَ نفسَهُ، فأخرجوه من الماء وقطعوا رأسَهُ. وفيها نازل ملك الروم - لعنهم الله - مدينة بُزَاعَة، فسلَّموها بالأمان في رجب، وكان عدة من خرج منها خمسة آلاف وثمان مئة نَفْس، وتَنَصَّر قاضيها وجماعة من أعيانها نحو أربع مئة نَفْس. ثم نازل حَلَب، فخرج إليهِ خَلْقٌ من أهلها، فقاتلوه، فقُتل خَلْق من الرُّوم، وقُتِل بطريقٌ كبير، ثم مَلَكوا قلعة ٥٣٠ الأثارب. ثم نازلوا شَيْزَر وبها سُلْطانِ بن عليّ الكِنَانِي، فَنَصَبوا عليها ثمانية عشر مَنْجَنِيقًا؛ وعائوا في الشَّام، وقَتَلُوا ونهبوا، فضايقهم عِمَادُ الدين زَنْكي، ولم يقحم عليهم، ونَفَّذَ في الرُّسْلية كمال الدِّين الشَّهْرزُوري القاضي إلى السُّلطان مسعود يستنجدُ به، فما نَفَعَ، ولطفَ الله، ورحلت المَلَاعين الرُّوم عن الشام بتخذيل من زنكي بين الرُّوم والأرمن. سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة قال أبو الفَرَج ابن الجوزي(١): كانت فيها زلزلة عظيمة بجَنْزَة، أتت على مئتي ألف وثلاثين ألفًا، فأهلكتهم، وكانت الزَّلزلة عَشرة فَرَاسخ في مثلها، فسمعتُ شيخَنا ابن ناصر يقول: جاء الخَبَرُ أنه خُسِفَ بجَنْزَة، وصارَ مكان البلد ماءً أسود، وقَدِمَ الثُّجَّار من أهلها، فلزِموا المَقَابر ييكون على أهاليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قلتُ: وفي ((مرآة الزَّمان))(٢) مئتي ألف وثلاثين ألفًا، أعني الذين هلكوا في جَنْزَة بالزلزلة. وكذا قال ابن الأثير في ((كامله))(٣) ولكن ذكر ذلك سنة أربع و ثلاثین . وفيها وَصَل رسول ابن قاروت صاحب كَرْمان إلى السُّلطان مسعود يخطب خاتون زوجة المُسْتظهر بالله، ومعه التَّقَادُم والتُّحَف. فجاء وزير مسعود إلى الدَّار يستأذنها، ونُشِرت الذَّنانير وقت العَقْد، وبُعِثت إليه، فكانت وفاتها هناك. وفي ربيع الأول أُزيلت المواصير (٤) والمُكُوس من بَغْداد ونُقِشت الألواح بذلك. كان السُّلطان قد استَوْزَر محمد بن الحُسين كمال الدين الرَّازي الخازن، فأظهرَ العَدْلَ ورفعَ المُكُوس والضَّرائب، ثم دخل إليه ابن عُمارة، وابن أبي قيراط، فدفعا في المُكُوس مئة ألف دينار، فرفعَ أمرهما إلى السُّلطان، فشُهِرا في البلد مسؤَّدَيْن الوجوه، وحُبسا. فلم يتمكن مع الوزير أعداؤه مما يريدون، (١) المنتظم ٧٨/١٠. (٢) المرآة ٨/ ١٦٨. (٣) الكامل ١١/ ٧٧. (٤) جمع مأصر، وهو المكان الذي تحبس به السفن في النهر لأخذ الرسوم منها . ٥٣١ فأوحشوا بينه وبين قُراسُنْقُر صاحب أذربيجان، فأقبل قُراسُنْقُر في العساكر الكثيرة، وقال: إما يُحمل رأسه إليَّ أو الحَرْب. فَخَوَّفوا السُّلطان مسعود من حادثة لا تُتلافى، ففسح لهم في قَتْله على كرهٍ شديد، فَقَتَلَهُ تتر الحاجب، وحمل رأسه إلى قُراسُنْقُر. واستولت الأمراء على مُغَلَّت البلاد؛ وعجزَ مَسْعود، ولم يبق له إلا مجرَّد الاسم. وفيها خرج خُوارزم شاه عن طاعة السُّلطانِ سَنْجَر، فسارَ سَنْجَر لحربه فقاتَلَهُ، وهزمَ جُيوشه، وقُتِل في الوَقْعة ولدٌ لخوارزم شاه، ودخل سَنْجَر خُوارزْم، فأقطعها ابن أخيه سُليمان بن محمد، ورَّب له وزيرًا وأتابكًا، ورَدَّ إلى مَرْو؛ فجاء خُوارزم شاه، وهرب منه سُليمان، فاستولى على البلاد. وفيها قُتل شِهاب الدِّين محمود، وأحضروا أخاه محمدًا من بَعْلَبَك، فتملَّك دمشق. فجاء زَنْكي الأتابك، فأخذ بَعْلَبَك بعد أن نَصَبَ عليها أربعة عشر مَنْجَنيقًا ترمي ليلاً ونهارًا، فأشرفَ أهلُها على الهَلاك، وسَلَّموا البلد، وعَصَى بالقَلْعة جماعةٌ من الأتراك، ونزلوا بالأمان، فغدرَ بهم وَصَلَبَهم، فمقتَهُ النَّاسُ وأبغضُوه، ونَفَرَ منه أهلُ دمشق وقالوا: لو مَلَك دمشق لفعل بنا مثل ما فعل بهؤلاء. وفي صفر كانت زلازل هائلة بالشَّام والجَزِيرة، وخرب كثير من البلاد لا سيَّما حَلَب، فلما كَثُرت عليهم خرجَ أهلها إلى الصَّحراء؛ قال ابن الأثير(١): عَدُّوا ليلةً واحدة أنها جاءتهم ثمانين مرة، ولم تزل تتعاهدهم بالشَّام من رابع صَفَر إلى تاسع عَشَرِهِ. وكان معها صوت وهَذَّة شديدة. سنة أربع وثلاثين وخمس مئة فِي رَجَب عَقَد السُّلطان مسعود على بنت المُقْتفي لأمر الله . وتمكن الوزير أبو القاسم بن طِرَاد من الدّولتين تمكُّنًا زائدًا، ثم وقعت وَحْشٌ بينه وبين الخليفة. وتُوفي رَجَلٌ مُبارك من أهل باب الأزَجِ نُودي عليه، واجتمعَ النَّاسُ في مدرسة الشَّيخ عبدالقادر للصَّلاة عليه، فلما أُريد غَسْله عَطَسَ وعاشَ. (١) الكامل ١١/ ٧١. ٥٣٢ وفيها تكاثرت كَبْسات العَيَّارين ببغداد وصاروا يأخذون جهارًا، وعمَّ الخَطْب . وفيها حاصر زَنْكي دمشق، فذكر ابن الأثير (١) أنَّ زَنْكي ملك بَعْلَبَك، وسار فنزل دَاريا، وراسلَ جَمَالِ الدِّين محمد بن بُوري يطلب منه دمشق، ويُعَوِّضه عنها أيَّ بلدٍ اختار، فلم يُحِبْه. فالتَقَى العَسْكران، فانهزم الدِّمشقيون، وقُتل كثيرٌ منهم، ثم تقدَّم زَنْكي إلى المُصَلَّى، فالتقاه جَمْعٌ كبيرٌ من جُنْد دمشق وأحداثها ورجال الغُوطة، وقاتلوه، فانهزموا، وأخذَهُم السّيف، فقتلَ فيهم وأكثرَ وأسَرَ، ومن سَلِمَ عاد جَرِيحًا. وأشرفَ البلد على أن يُؤخذ، لكن عاد زَنْكي فأمسكَ عدة أيام عن القِتَال وتابعَ الرُّسُل إلى صاحب دمشق وبَذَل له بَعْلَبَك وحِمْص، فلم يَجيبوه. فعاود القِتال والزَّحْف، فمرض صاحب دمشق محمد، ومات في شعبان، فطمع زَنْكي في البَلَد وزحفَ عليه زَحْفًا متتابعًا، فلم يقدر على البلد. وولي بعد موت محمد ابنه مُجير الدِّين أبق، ودَبَّر دولته أُنُر، فلمَّا ألح عليهم زَنْكي بالقِتال راسل أَثُر الفِرَنج يستنجد بهم، وخَوَّفهم مِن زَنْكي إنْ تَمَلَّك دمشق، فَتَجمَّعت الفِرَنجِ، وعَلِمَ زَنُكي فسار إلى حَوْران لمُلْتقاهم فهابوه ولم يجيؤوا، فعادَ إلى حصار دمشق، ونزل بعَذْرا، وأحرقَ قُرى المَرْج وتَرَخَّل. فجاءت الفِرَنج واجتمعوا بأُثُر، فسار في عَسْكر دمشق إلى بانياس، وهي لزنكي، فأخذَهَا وسَلَّمها إلى الفِرَنجِ. فَغَضِب زَنْكي، وعادَ إلى دمشقَ، فعاثَ بحَوْران وأفسدَ، وجاءَ إلى دمشق فخَرَجُوا واقتتلوا، وقُتِل جماعة. ثم رحلَ عنها ومع أصحابه شيء كثير من النَّهْب. وسارَ إلى المَوْصل، فملك شَهْرِزُور وأعمالها . وفيها جَهَّزَ عبدالمؤمنِ جَيْشًا من المُوَحِّدين إلى تِلِمْسَان فخرج صاحبها محمد بن يحيى بن فانوا اللَّمْتُوني، فالتقاهم، فقُتل وانهزمَ جيشهُم، وانتهبهم المُوَحِّدون. وفيها استولى عبدالمؤمن على جبال غُمَارة، ووحَّدوا وأطاعوا، وما برح (١) الكامل ١١/ ٧٣ - ٧٤. ٥٣٣ عبدالمؤمن يسير في الجبال، وتاشفين بن عليّ يُحاذيه في الوطاء مُدَّة طويلة، نحو سنتین، حتى قُتِل تاشفين . وفيها وقع الخُلْف بين جيش مصر، وقُتل خَلْقٌ من الجُنْد. سنة خمس وثلاثين وخمس مئة فيها استوزر أبو نَصْر المُظَفَّر بن محمد بن جَهِير، نُقِلَ من الأُستاذدَارية إلى الوَزَارة، وعُزِلَ ابنُ طِراد. وفيها ظهرَ ببغداد رجلٌ قَدِمَ إليها وأظهرَ الزُّهد والتُّسْك، وقَصَدَهُ النَّاسُ من كُلِّ جانب، فماتَ وَلَدٌ لإنسان، فدفنه قريبًا من قبر السِّيبي، فذهب ذلك المُتَزَهِّد فنبشَهُ، ودفَنَهُ في موضع، ثم قال للناس: اعلموا أنني رأيتِ عُمر بن الخطاب في المنام، ومعه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، فَسَلَّما عليَّ، وقالا: في هذا المَوْضع صبي من أولاد عليّ بن أبي طالب. ودَلَّهُم(١) على المَكَان، فَحَفَرُوه، فإذا صبي أمرد، فمن الذي وصلَ إلى قِطْعة من أكفانه! وانقلبت بَغْداد، وخرج أرباب الدَّولة، وأُخِذَ الثُّراب للبركة، وازدحَمَ الخَلْق، وبقوا يُقَبِّلون يد المُتَزَهِّد وهو يبكي ويَتَخَشَّع. وبقي الناس على هذا أيامًا، والمَيِّت مكشوفٌ يراه النَّاس، ويَتَمَسَّحون به، ثم أنْتَن. وجاء الأَذْكياء وتَفَقَّدوا الكَفَن، فإذا هو جديد، فقالوا: كيفَ يمكن أن يكون هذا هكذا من أربع مئة سنة؟! ونقبوا عن ذلك حتى جاء أبوه فعرفه وقال: هو والله وَلَدي، دفنْتُه عند السِّيبي. فمضوا معه، فرأوا القَبْرَ قد نُبِش، فكشفوا فإذا ليس فيه مَيِّت. وسَمِعَ المُتَزَهِّد فهرب، ثم وقعوا به وقَرَّروه، فأقر، فأُركب حِمَارًا، وصُفع، في ربيع الأول . وفي سنة خمسٍ وثلاثين مَلَكت الإسماعيلية حصن مِصْياب، كان واليه مملوكًا لصاحب شَيْزَر، فاحتالوا عليه ومكروا به، حتى صَعدوا إليه وقتلوه، ومَلَكوا الحِصْن، وبقي بأيديهم إلى دولة الملك الظاهر. وفيها تُوفي الوزير سديد الدَّولة ابن الأنباري وزيرُ الخليفة وبعده وَزَرَ ابن جَهِير الذي كان أُستاذ الدَّار. (١) شطح قلم المصنف فكتب ((ودلهما))، ولا تصح. ٥٣٤ وفيها تَضَعْضَع أمرُ السُّلطان سَنْجَر، وكان قد قتل ابنًا لخُوارزم شاه آتْسِز ابن محمد في الوَقْعة المذكورة، فحنق خُوارزم شاه، وبعثَ إلى الخطا فَطَمَّعهم في خُراسان، وتَزَوَّج إليهم، وحَثَّهم على قَصْد مملكة سَنْجَر، فساروا في ثلاث مئة ألف فارس، فسارَ إليهم سَنْجَرٍ، فالتقوا بما وراء النَّهر، فانهزمَ سَنْجَر بعد أن قُتل من جَيْشه أحد عشر ألفًا، وأُسرت زوجة السُّلطان سَنْجَر، وانهزمَ هو إلى بَلْخ. فأسرعَ خُوارزمشاه إلى مَرْو، فدخلَها وقَتَلَ جماعةً، وقبضَ على أعيانها . ولم يزل السُّلطان سَنْجَر سعيدًا إلى هذا الوقت، فطلبَ ابن أخيه السُّلطان مسعودًا، وأمرَهُ أن يقرب منه وينزل الرّي. قال ابن الأثير(١): وقيل إنَّ بلاد تُرْكُسْتان، وهي كاشغر، وبلاشاغون(٢)، وختن، وطَرَاز، كانت بيد التُّرْك الخانية، وهم مُسْلمون من نَسْل افراسياب. وسبب إسلام جَدهم الأول أنه رأى في منامه كأنَّ رَجُلاً نزلَ من السَّماء، فقال له بالتُّركية: أسلِمْ تَسْلَم في الدُّنيا والآخرة. فأسلمَ في مَنَامه، وأصبحَ فأظهر إسلامه. ولما مات قام بعده ولدُه موسى بن سنق. ولم يزل المُلْك بتُركستان في أولاده إلى أرسلان خَان محمد بن سُليمان بن داود بغراجان بن إبراهيم طمغاج بن أيلك أرسلان بن عليّ بن موسى بن سنق. فخرجَ عليه قَدَر خان فانتزعَ المُلْك منه، فظفرَ السُّلطان سَنْجَر بِقَدَر خان، وقتلَهُ في سنة أربع وتسعين من إحدى وأربعين سنة. وأعاد المُلْك إلى أرسلان خان. وكان من جُنْده نوع من التُّرْك يقال لهم القارُغلية، ونوع يقال لهم الغُزّ الذين نهبوا خُراسان سنة ثمانٍ وأربعين كما يأتي. وفيها أُخذ المغربي الواعظ ببغداد مَكْشُوف الرأس إلى باب النُّوبي، وَجَدُوا في داره خابيةَ نبيذُ وعُودًا وآلات اللَّهو، فكانَ يُنْكر ويقول امرأته مُغَنِّيّة والعُود لها . وفيها وصل رَسُول الشُّلطان سَنْجَر ومعه البُرْدة والقَضِيب، فَسَلَّمه إلى المُقْتَفِي لأمر الله، وكانا مع الرَّاشد لما قُتل بظاهر أصبهان . (١) الكامل ١١/ ٨٢. (٢) هكذا بخط المصنف بالشين المعجمة، مجودة. ٥٣٥ وفيها أغارت الفِرَنج على عَمَل عَسْقلان، فخرج جُنْدُها وقتلوا جماعة، وهزموا الفِرَنج. سنة ست وثلاثين وخمس مئة فيها مات رئيسُ الباطنية إبراهيم البَهْلَوي، فأحرَقَهُ شِحنة الرّي في تابوته . وفيها دخل ملك خُوارزم آتْسِز بن محمد مدينة مَرْو، وفَتَكَ فيها مُراغَمةً للسُّلطان سَنْجَر حين تَمَّت عليه الهَزيمة، وقَبَضَ على رئيس الحنفية أبي الفَضْل الكَرْماني، وعلى جماعة من الفُقهاء. وفيها تم عَمَل بَثْ النهروان، وخَلَع المُقَدَّم بَهْروز على الصُّناعِ جميعهم جِباب ديباج رُومي، وعَمَائم مُذَهبة. وبَنَى لنفسه هناك تُربة. وقَدِمَ السُّلطان مَسْعود عَقِيب فَرَاغه، وعند جَرَيان الماء في النَّهر، فقعد بَهروز والسُّلطان في سفينة، وسارَ في النَّهر المَخْفور، وفرح السُّلطان به. وقيل: إنه عاتَبَهُ في تضييع المال، فقال: أنفقتُ عليه سبعين ألف دينار، أنا أعطيك إياها من ثمن التِّبْن في سنةٍ واحدةٍ. ثم إنه عزلَهُ عن شِحْنكية بغداد، ووَلَّى قُزُل. وظهرَ من العَيارين ما حَيَّرِ النَّاس؛ وذاك أنَّ كُلَّ قوم منهم اجتمعوا بأمير واحتموا به، وأخذوا الأموالَ، وظهروا مَكْشُوفين. وكانوا يَكْبِسون الدُّور بالشُّموع، ويَدْخلون الحَمَّامات، ويأخذون الثّاب، فلبس النَّاسُ السلاح لما زاد الثَّهْب، وأعانَهُم وزيرُ السُّلطان؛ والنَّهْب يَعْمل، والكَبْسات متوالية. ثم أطلقَ السُّلطان النَّاسَ في العيَّارين فتتبعوهم. وفيها عَفَى الخليفة عن الوزير عليّ بن طِرَاد بعد شَفَاعة السُّلطان مسعود فيه غير مرة إلى الخليفة وتمكَّن الخليفة المُقْتَفي، وزادت حُرْمتُه، وعَلَت كلمته . وفيها كانت وقعةٌ هائلة بين السُّلطان سَنْجَر وبين كافر تُرْك بما وراء النهر (١)، فانكسر سَنْجَر، وبلغت الهزيمة إلى تِرْمذ، وأفلتَ سَنْجَر، في نَفَرِ يسير، فوصل بَلْخ في ستة أنْفُس، وأُخِذَت زوجته وبنته زوجة محمود، وقُتِل من جيشه مئة ألف أو أكثر. وقيل إنَّهم أحصوا من القَتْلى أحد عشر ألفًا، كلهم (١) تقدم هذا الخبر في حوادث السنة الماضية، وإنما هذا بسبب اختلاف الموارد التي ينقل منها المصنف، فما هنا من المنتظم ١٠/ ٩٦ - ٩٧. ٥٣٦ صاحب عمامة، وأربعة آلاف امرأة. وكان سَنْجَر قد قتل أخا صاحب خُوارزم، فاستنجد عليه بكافر تُرْك، وكان مهادئًا له وقد صاهره، فسارَ المَلْعون في ثلاث مئة ألف فارس، فأحاطوا بسَنْجَر. ولم تُرَ وقعةٌ أعظم منها. وكانت في المحرَّم، وقيل: في صَفَر . سنة سبع وثلاثين وخمس مئة أرسل السُّلطان سَنْجَر إلى السُّلطان مَسْعود أن يَجْمع الجَيْش وينزل الرَّي، بحيث إن احتاجه طَلَبه لأجل النّكْبة الماضية من الثُّرْكَ. ووصلَ إلى مَسْعود عباس شِحْنة الرَّي بعسكرٍ كثير، وخدمه. ووصل إليه جماعة من الأمراء. وفيها أخذ زَنْكي الحَدِيثة واعتقلَ من فيها من آل مهارش. وفيها مات محمد بن الدَّانشمد صاحب مَلَطْية، فاستولى على بلاده المَلِك مسعود بن قِلِج أرسلان بن سُليمان بن قُتُلْمش السُّلْجُوقي صاحب قونية. وفيها كان بمصر وباء عظيم، وهلكَ النَّاسُ. وفيها جاء طاغية الرُّوم في جُمُوعه يعبر إلى الشام، وخافَ النَّاسُ. وتَلَقَّاهُ صاحبُ أنطاكية، ثم أهلكَ اللهُ طاغية الرُّوم في هذه السَّنة. وفيها مات قاضي دمشق المُنْجَب أبو المعالي محمد بن يحيى، وولي قضاء دمشق بعده ابنه أبو الحسن عليّ. بعثَ إليه بمَنْشور القَضَاء قاضي قُضاة بغداد . سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة جَمَعَ الشُّلْطان مسعود العَسَاكر لِقَصْد المَوْصل والشَّام، وتَرَذَّدت رُسُل زَنْكِي. ثم تَمَّ الصُّلْح على ثلاث مئة ألف دينار في نُوَب. فَعَجَّلَ ثلاثين ألفًا، ثم تقلَّبت الأحوال واحتاجَ إلى مُداراة زَنْكي، وسَقَط المال، وقَبَض الْبَعْض. وفيها سار السُّلطان سَنْجَر وحاصر خُوارزم، وكادَ أن يفتحها عَنْوةً، فأخرج خُوارزمشاه آتْسِزِ الرُّسُل بِبَذْل الطّاعة والمال، ويعود إلى الانقياد، ويَعْتَذِر عما تَقَدَّم. فصالحه سَنْجَر، وانعقدَ الصُّلح. وافتتح زَنْكي في هذا العَصْر فتوحاتٍ عظيمة، وهابته المُلوك، واتَّسعت ممالكه . ٥٣٧ وكان البلاء شديدًا ببغداد من الحَرَامية وأذيتهم، ثم صُلب جماعة منهم، فسكنَ النَّاسُ قليلاً. وقَدِمَ السُّلطان بغداد، وقَدِمَ معه الحسن بن أبي بكر النَّيْسابوريُّ الحَنَفيُّ أحد الكبار والمُنَاظرين؛ قال ابن الجوزي(١): جالستُه مدةً، وسمعتُ مجالسه كثيرًا، وجلسَ بجامع القَصْر. وكان يلعن الأشْعَرِي جَهْرًا على المِنْبر ويقول: كُن شافعيًّا ولا تكن أشعريًّا، وكُنْ حنفيًّا ولا تكن معتزليًّا، وكُن حنبليًّا ولا تكن مُشَبِّهَا. وما رأيتُ أعجبَ من الشافعية، يتركون الأصل ويتعلقون بالفرع. وكان يمدح الأئمة الأعلام، وزاد في الشِّطْرَنْج بَغْلاً. وقد جلس في رَجَب في دار السلطنة، وحَضَر السُّلطان مجلس وَعْظه. وكان قد كُتِب على باب النِّظامية اسم الأشعري، فَتَقدَّم السُّلطان بمحوه وكتب مكانه اسم الشَّافعي. وكان أبو الفُتُوحِ الإسْفَراييني يجلس ويعظ في رباطه، ويتكلَّم على محاسن مَذْهب الأشعري، فتقع الخُصومات، فذهب أبو الحسن الغَزْنَوي إلى السُّلطان وأخبره بالفِتَن، وقال: إنَّ أبا الفُتُوح صاحب فِتْنة، وقد رُجِمَ ببغداد مرارًا، والصَّواب إخراجه. فأُخرِجَ من بَغْداد، وعادَ الحسن بن أبي بكر النَّيسابوري إلى وَطَنه . ويُعرف الإسْفَراييني المَذْكور بابن المُعْتَمد، واسمه محمد بن الفَضْل بن محمد. وُلد سنة أربع وسبعين وأربع مئة بإسْفَرايين، ودخل بغداد فاستوطنها . وكان يبالغ في التَّعَصُّب لمذهب الأشعري وكانت الفتنُ قائمةً في أيامه واللَّعنات في الأسواق، وكان بينه وبين الواعظ أبي الحسن الغَزْنَوي حَسَدٌ وشَنَآن، وكان كُلُّ واحدٍ منهما يَنَالُ من الآخر على المِنْبر. فلما بُويع الرَّاشد بالله، وخرجَ عن بغداد، خرجَ معه أبو الفُتُوح إلى المَوْصل. فلما قُتِل الرَّاشد سُئل المُقْتَفي فيه، فأذن له في العَوْد إلى بغداد، فجاء وتَكَلَّم. واتَّفق مجيء الحسن بن أبي بكر النَّيْسابوري فوعظ. ووجد الغَزْنَوي فُرصةً، فكلَّم السُّلطان في أبي الفتوح، فأصغى إليه. وقال ابنُ الجوزي(٢): بَلَغَني أنَّ السُّلطان قال للحسن النَّيْسابوري: تَقَلَّد (١) المنتظم ١٠٥/١٠ - ١٠٦. (٢) المنتظم ١٠/ ١١١. ٥٣٨ دم أبي الفُتُوح حتى أقتله. فقال: لا أتَقَلَّد. فوَّل بأبي الفتوح حتى أُخرج من بَغْداد، ووقفَ عند السُّور خمسة عشر تركيًّا، فشيعه خَلْق كثيرٌ، فلمَّا وصلوا إلى السُّور ضَرَبتهم الأتراك، فرجعوا. وأُرسل إلى هَمَذَان، ثم سُلِّم إلى عباس، فبعثه إلى إسفرايين، واشترطَ عليه أنه متى خرجَ من بلده أُهلِك. وجاء حَمْوُه أبو القاسم شَيْخ الرِّباط، وأبو منصور ابن الرَّزَّاز، ويوسف الدِّمشقي، وأبو النَّجيب السُّهْرَوردي إلى السُّلطان يسألون فيه، فلم يلتفت إليهم. ونُودي في بغداد أن لا يذكر أحد مَذْهبًا، ولا يثير فِتْنةً. فلمَّا وصل أبو الفُتُوح إلى بسْطام تُوفي بها في ذي الحجة ودُفنَ هناك. قلت: ولما بَلَغَتْ ابن عساكر الحافظ وفاتُه أملى مَجْلسًا سمعناه بالاتصال. وعُمل له العزاء في رباطه ببغداد، فحَضَرَهُ الغَزْنَوي، فلامَهُ بعض النَّاس وقال: ما لكَ أظهرتَ الحُزْن عليه وبكيت؟ قال: أنا بكيتُ على نفسي. كان يقال فلان وفلان، فعُدِم النَّظِير، ودنا الرَّحيل. وفيها نازل عبدالمؤمن تِلِمْسان، وحاصرها مدةً طويلة، فكشفَ عنها تاشفين بن عليّ. سنة تسع وثلاثين وخمس مئة فيها نَهَضَ عَسْكر بَعْلَبَك، فأغاروا على الفِرَنْج، فقتلوا وسَبَوا، ثم التقوا الفِرَنْجِ، فَنَصَرَهُم اللهُ، ورجعوا إلى بَعْلَبَك، وكذا فعل عَسْكر حَلَب. وأخذوا فَفْلاً كبيرًا للفِرَنج، وجاؤوا بالغَنِيمة، فلله الحمد. وفيها نزل زَنْكي على الرُّها، وهي للفِرَنْجِ، فنصبَ عليها المَجَانيق، ونقب سُوَرَها، وطرحَ فيهِ الحَطَبِ والنَّار، فانهدم، ودَخَلها، فحاربهم ونُصر المُسلمون، وغَنِموا وسَبوا، وخَلَّص منها خمس مئة أسير. فلما قُتِل زنكي استردتها الفِرَنج، وقَتَلُوا من بها من المُسلمين، فلله الأمر. وفيها حَجِ بالنَّاس من العِراق نَظَر الخَادم، فنهب أصحاب هاشم بن فُلَيْتَة بن القاسم العَلوي الحُسيني صاحب مكة النَّاسَ في وسط الحَرَم، ولم يرقبوا منهم إلاَّ ولا ذِمَّة. وفيها تَوَلَّى تَدْبير مملكة غَرْناطة أبو الحسن عليّ بن عُمر الهَمْدَاني قاضي ٥٣٩ المَرِية، وذلك عند انقضاء دولة المُلَثَّمين، فلم تَطُل أيامُهُ، وتُوفي في عَشْر السَّبعين: وكان من كبار الفُقهاء، ومن فُصحاء الشعراء. وفيها وَجَّه عبدالمؤمن جَيْشًا مع أبي حفص الهِنْتاتي إلى وَهْران، فهجمها وأخذَها بَغْتَة، فأسرعَ إليه تاشفين، ففرَّ منها أبو حَفْص ونَزَلَ بجبلٍ بها. ثم هلكَ تاشفين كما ذكرنا في ترجمته. سنة أربعين وخمس مئة فِي رَجَب قَدِمَ السُّلطان مَسْعود بغداد وكان قد تَوَجَّه لحَرْبه سُليمان شاه، ومحمد شاه، وعباسِ شِحْنة الرَّي، ثم تَفرَّقوا وسارَ عليّ بن دُبَيْس، فجمعَ بني أسد وسارَ إلى الحِلَّة، وبها أخُوه محمد بنِ دُبَيْس فَتَحاربا، فانهزمَ محمد وتَمَلَّك عليّ الحِلَّة واستفحل أمرُه، فقَصَدَهُ مُهلْهل، وأميرُ الحاجِ نَظَر في عَسْكر بغداد فهزمَهُم أقبح هَزِيمة، وكان مع هذا صبيًّا أمرد، ثم إنَّ السُّلطان أمَّرَه على الحِلَّة . وفيها افتتح عبدالمؤمن بن عليّ مدينة تِلِمْسان، ثم مدينة فاس بعد حصار طويل وبلاءٍ شديد، وقتلَ وأسَرَ وعَمِلَ ما لا يُخيّل. ٥٤٠