Indexed OCR Text
Pages 401-420
كان إمامًا، ذكيًّا، واعظًا، صالحًا، عابدًا، حَج على التَّجْريد، وبقي مع رفاقه حافيًا عُرْيانًا، حتى توصلوا إلى مكة بعد الوقفة. وجاوَرَ حتى حج. ودخل اليمن، وركب في البَحْر إلى كَرْمان. سمع أباه، والمظفَّر بن إسماعيل الجُرْجاني. روى عنه ابنه حمزة . وتُوفي ببُخارى(١). ٩٩- صَفِيَّة بنت الحافظ إسماعيل بن إبراهيم بن عبدالله بن عِمران البَلْخيِّ. سَمِعَتْ بخُراسان من الإمام أبي بكر البَيْهقي. روى عنها عُمر النَّسَفي، وغيره . تُوفيت في حادي عشر جمادى الآخرة بما وراء النهر. ١٠٠- طِرَاد بن عليّ بن عبدالعزيز، أبو فِراس السُّلَميُّ الدِّمشقيُّ الكاتب، المعروف بالبديع . مات مُتَوليًا بمصر، وكان مولده بدمشق في سنة أربع وخمسين. قال السَّلَفي(٢): علَّقتُ عنه شِعْرًا، وكان آيةً في النَّظُمِ والنَّثْر، له مقامات ورسائل. قلت: ومن شِعره في تاج الدَّولة تُتُش بن ألْب رسلان: غَزَالٌ غَزَا قَلْبي بعينٍ مَرِيضةٍ لها ضُعف أجفانٍ تهد قِوى صَبْري له لِينُ أعْطافِ أرقُ من الهَوى وقلبٌ على العُشَّاق أقْسَى من الصَّخْرِ(٣) وهي طويلة. ومن شِعْره: قيده في مشتبهه ٥٧ كما قيدناه، وكذلك هو في ((البراني)) من أنساب السمعاني، كما أن = بزانية ليست من قرى بخارى كما هو معروف في كتب البلدان. (١) ينظر المنتظم ١٩/١٠. وذكره المصنف في ((البَرّاني)) من مشتبهه، وورخ وفاته في سنة أربع عشرة وخمس مئة (المشتبه ٥٧، وتوضيح المشتبه ٤٠٨/١)، وكذلك ذكر السبكي في طبقاته ٧/ ١٠٠ أن وفاته سنة (٥١٤)، وقال صاحب العقد الثمين ٦٢٢/٤ بعد أن نقل ماذكره السبكي: ((وذكر بعض العصريين أنه إنما توفي سنة أربع وعشرين)). (٢) معجم السفر (٢١٣). (٣) البيان في تاريخ دمشق ٢٤/ ٤٦١ - ٤٦٢. تاريخ الإسلام ٢٦٣/١١ ٤٠١ قيل لي: لِمَ جلستَ في طَرَف القَوْ م وأنتَ البَدِيعُ ربُ القوافي؟ قلت: آثرتُه لأنَّ المنادي ـلَ تُرَى طَرْزُها على الأَطْرافِ وكَفَاني من الفَخَارِ بأني نازلٌ في منازل الأشراف(١) ١٠١- عبدالله بن عليّ بن عبدالملك، أبو محمد الهلاليُّ الغرناطيُّ، یعرف بابن سَمَجُون. أحد جلَّة العُلماء والفُقهاء، ولي قضاء غَرْناطة، وأخذ عنه أبو جعفر بن الباذش، وعبدالحق ابن بُونُه. وعاش بضعًا وسبعين سنة، يروي عن أبي عليّ الغَسَّاني، وطبقته(٢). ١٠٢- عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن صَدَقة، أبو محمد المِصْريُّ المجاور بمگَّة، ويُعرف بابن الغَزَال. شيخٌ كبيرٌ صالحٌ، سمع أبا عبدالله القُضاعي بمِصْر، وأبا القاسم الحِنَّائي، والكَتَّاني بدمشق؛ وكَرِيمة المَرْوَزِية بمكة. وطال عُمره، وكُفَّ بصره. قال ابنُ عساكر(٣): سمعتُ من لفظه حديثاً واحدًا لصممٍ شديدٍ كانَ به. لقَّنَاه الحديثَ، وذكرَ لي أنَّ جده لُقب بالغَزَال لسرعة عَدْوه. تُوفي أبو محمد في صَفَر . وقال السِّلَفي: أجازَ لي، وقد أخبرني عنه بأصبهان إسماعيل بن محمد الحافظ سنة ثلاثٍ وتسعين وأربع مئة. وحججتُ سنة سبع وتسعين، ولم أعلم به. سمع عبدالعزيز ابن الضَّرَّاب، وأبا محمد المَحَامِلي، وَالمقرىء أبا الحُسين الشِّيرازي. وكان مقرئًا صالحًا. وسمعتُ من أخيه إبراهيم بمِصْر. ١٠٣- عبدالحق بن أحمد بن عبدالرحمن بن عبدالحق، أبو محمد الخَزْرَجيُّ القُرْطَبيُّ. روى عن الفقيه محمد بن فَرَج واختص به، وناظرَ عند أبي جعفر بن رِزْق، وأبي الحسن بن حَمْدين. وأجاز له أبو العباس العُذْري. (١) الأبيات في معجم السفر (٢١٣). (٢) من تكملة ابن الأبار ٢٥٣/٢. (٣) تاريخ دمشق ١٦٥/٣٢ - ١٦٦. ٤٠٢ وكان فقيهًا إمامًا شُرُوطيًّا مدرِّسًا، تُوفي في صَفَر، وله اثنان وسبعون عامًا (١). ١٠٤ - عبدالرحيم بن محمد بن عبدالله بن يحيى الوَكِيل، أبو القاسم البَغْدادِيُّ الصَّابونيُّ. يروي عن أبي الحُسين ابن النَّقُور. وعنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وابنُ عساكر. ١٠٥- عبدالعزيز بن محمد بن معاوية، أبو محمد الأنصاريُّ الدَّوْرقِيُّ الأُطْرُوِش. سكن قُرْطُبة، وحدَّث عن أبي بكر محمد بن مُفَوِّز، وأبي عليّ الصَّدَفي، وأبي عبدالله الخَوْلاني. وكان حافظًا، عارفًا بالعلل والصَّحيح والسَّقيم والرجال، مقدَّمًا في جميع ذلك على أهل وقته، قاله ابن بَشْكُوال(٢)؛ وجَمَعَ كُتُبًا مفيدةً؛ سمعنا منه، وكان حرجًا نَكد الخُلُق. تُوفي في ربيع الآخر. ١٠٦- عبدالملك بن عبدالعزيز بن فِيرُّه بن وَهْب، أبو مَرْوان المُرْسيُّ. سمع من أبي عليّ الغساني، وغيره، وحج، ودخلَ بغداد ودمشق وروى هناك. ولم یذكره ابنُ عساكر. وكان حافظًا للرأي، ذاكرًا للمسائل، صالحًا خيِّرًا، وعاش إحدى و سبعين سنة (٣) ١٠٧ - عبدالمنعم بن مروان بن عبدالملك بن سَمَجون، أبو محمد اللَّواتيُّ الطَّنْجيُّ. نشأ بغَرْناطَة وتَفَقه بها على أبي محمد عبدالواحد بن عيسى، وسمع من أبي عليّ الغَسَّاني. وكان فقيهًا، جَزْلاً، مَهيبًا، ولي قضاء إشبيلية بعد عَزْل أبي مروان الباجي، ثم نُقِل إلى قضاء غَرْناطَة، وتُوفي في شعبان (٤). (١) من الصلة البشكوالية (٨٢٧). (٢) الصلة (٧٩٧). (٣) من الصلة البشكوالية (٧٧٥). (٤) من تكملة ابن الأبار ٣/ ١٣٠ . ٤٠٣ ١٠٨- عبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد بن شِيذَة، أبو المظفَّر الأصبهانيُّ المقرىء. تُوفي في رمضان. ١٠٩- عثمان بن منصور بن عبدالكريم، أبو عَمْرو الطُّرازيُّ النّظامئُّ. سكنَ بَلْخ، وحدَّث عن أبي الحسن محمد بن محمد الحُسيني. روى عنه عبدالله بن عُمر الفقيه ببَلْخ، ومحمد بن الفَضْل المارشكي بطُوس. وكان رَجُلاً جليلَ القَدْر، واعظًا، مُخْتَشِمًا. ١١٠- عليّ بن أحمد بن نَصْر بن محمد بن حَمْدُوية الخطيب، أبو نصر السُّلَميُّ الحَمْدُوِيُّ الإشتیخنيُّ. تُوفي بإشتيخَن في غُرَّة ذي القَعْدة عن مئة وثلاث عشرة سنة؛ كذا قال عُمر النَّسَفي. ثم روى عنه عن عبدالملك بن عبدالرحمن بن فَضَالة(١). ١١١- عُمر بن محمد بن عُمر بن إبراهيم بن جعفر بن عُزَيْزَة، القاضي أبو الخَيْرِ المُعَذَّل، إمام جامع أصبهان. روى عن ابن مِهْرَيْزُد صاحب ابن المُقرىء، وعن شجاعِ المَصْقَلي. روی عنه أبو موسى الحافظ، وقال: تُوفي في ربيع الأول، وأبوه من شيوخ السِّلَفي. ١١٢ - غالب بن أبي غالب الأَدَميُّ الفارسيُّ، أبو نصر. سمع أبا جعفر ابن المُسْلِمة، وحدَّث، مات في جُمادى الأولى. ١١٣- فاطمةُ بنتُ عبدالله بن أحمد بن القاسم بن عَقِيل، أمُّ إِبراهيم، وأمُّ الغيث، وأم الخَيْرِ الجُوزْدَانية. قال أبو موسى المَدِيني: قَدِمت علينا من جُوْزدَان، وكان مولدها نحو الخمس والعشرين وأربع مئة، وسمعت من أبي بكر بن رِيْدَة سنة خمسٍ وثلاثين، وهي آخر أصحابه. قلت: هي أسند أهل العصر مُطْلقًا، وهي للأصبهانيين كابن الحُصَيْن للبغداديين. سَمِعَتْ من ابن رِيذة ((المُعْجَم الكبير)) و((المعجم الصَّغير)) (١) ينظر ((الحمدوبي)) من أنساب السمعاني. ٤٠٤ للطَّبَراني، وكتاب ((الفِتَن)) لنُعَيْم بن حماد(١). روى عنها أبو العلاء الهَمَذاني، وأبو موسى المَدِيني، ومَعْمَرُ بن الفاخر، وأبو جعفر الصَّيْدلاني، وأبو الفخر أسعد بن سعيد، وعائشة بنت مَعْمَر، وعفيفة بنت أحمد، وأبو سعيد أحمد بن محمد الأَرَّجَاني الخُلَلي، وعبدالرحيم بن أحمد ابن الإخوة، وداود بن سُليمان بن نِظام المُلْك، وشعيب بن الحسن السَّمَرْ قَنْدي، وفاطمة بنت سَعْد الخَيْرِ، لها عنها حضورٌ، وجماعة كثيرة. أخبرنا أبو عليّ القلانِسي، قال: أخبرتنا كريمة، عن أبي مسعود عبدالرحيم الحاجي أنها تُوفيت في غُرة شعبان(٢). وقال ابن نُقْطة(٣): في رابع عشر رجب. ١١٤-الفضل بن الحُسين بن محمد بن تُركان، أبو القاسم الواسطيُّ. عن الحَسَن بن أحمد الغَنْدَجاني. وعنه هبة الله بن نصر الله بن الجَلَخْت، وعليّ بن صالح العَلَوي، وغيرهما. ورَّخ وفَاته أبو بكر ابن الباقلاني فيها. ١١٥- فضل الله بن محمد بن وَهْب الله بن محمد، أبو القاسم الأنصاريُ المقرىء. أقرأ بجامع قُرْطُبة مدة، وأخذَ القراءات عن أبي محمد بن شعيب، وأبي عبدالله بن شَرَيْح، وسمعٍ من محمد بن فَرَج الطَّلاعي، وأبي محمد بن خَزْرج. روى عنه ابن بَشْكُوال، وقال(٤): تُوفي في رمضان، وله سبعون سنة. وقرأ عليه بالروايات عليّ بن محمد بن خَلَف؛ شابٌ قُرْطُبيٍّ. ١١٦- قَرَاتكين بن الأسعد بن مَذْكور، أبو الأعز التُّركيُّ ثم البَغْداديُّ الأَزَجئُّ. سمع أبا محمد الجَوْهريَّ. روى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، ويحيى بن بَوْش، وجماعة من شيوخ يوسف بن خليل. (١) ينظر التحبير ٤٢٨/٢ - ٤٢٩. (٢) الوفيات للحاجي، الترجمة ٨٨. (٣) إكمال الإكمال ١٧٧/٢، والتقييد ٤٩٨. (٤) الصلة (٩٩٩). ٤٠٥ وسُئِل عنه ابن عساكر، فقال: ما كان يعرف شيئًا، توفي في سادس رجب . وقال المبارك بن كامل: حدثنا عن الجَوْهري وأبي عليّ ابن البَنَّاء، وابن النَّقُّور. ١١٧- محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد، أبو عبدالله الجَنْزيُّ ثم الأصبهانيُّ التاجر. روى عن عبدالرحمن بن زُفر من أصحاب ابن مندة، وعنه أبو موسى المديني(١) . ١١٨- محمد بن الحسن بن أحمد بن عليّ بن نصر، أبو بكر السَّمَرْ قَنْدِيُّ الهَرَّاسِ الصَّكَّاك. روى عن القاضي منصور بن أحمد بن إسماعيل الغَزَقي(٢)، وتوفي في جمادى الآخرة، وقد جاوز التسعين. ١١٩- محمد بن سَعْدون بن مُرْجَّى بن سَعْدون، الإمام أبو عامر القُرَشِيُّ العَبْدَرِيُّ المَيُّورقيُّ المَغْربيُّ، نزيلُ بَغْداد. أحد الحُفَّاظ والعُلماء المَبَرزين، ومن كبار الفُقهاء الظَّاهرية. رحل إلى بغداد، وسمع أبا عبدالله البانياسي، وأبا الفضل بن خَيْرون، وطِرَاد بن محمد، ويحيى السِّيبي، والحُمَيْدي، وابن البَطِر، وخَلْقًا سواهم . قال القاضي أبو بكر محمد بن العربي في ((مُعْجَمه)): أبو عامر العَبْدري هو أنبل من لقيته (٣). وقال ابنُ ناصر: كان فَهِمًا، عالمًا، مُتَعفِّفًا مع فَقْره، وكان يذهب إلى أن المناولة كالسَّماع. وذكره السِّلَفي في ((مُعْجمه))، فقال: كان من أعيان علماء الإسلام بمدينة السَّلام، متصرِّفٌ في فنون من العلوم أدَبًا ونَحْوًا، ومعرفةً بالأنساب. وكان (١) ينظر التحبير ٥٤/٢ - ٥٥ . (٢) منسوب إلى ((غزق)) من أعمال فرفاغة. (٣) ينظر صلة ابن بشكوال (١٢٣٨). ٤٠٦ داوديَّ المَذْهب، قُرَشِيَّ النَّسَب. كتبَ عني وكتبتُ عنه. ومولده بقُرْطبة من مُدُن الأندلس . قال ابن نُقْطة(١): حدثنا أحمد بن أبي بكر البَنْدَنِيجي أنَّ الحافظ ابن ناصر، قال : لما دَفنوا أبا عامر العَبْدري خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصْفِري(٢) مات أبو عامر حافظ أحاديث رسول الله وَ لِّ، فمن شاء فلْيَقُل ما شاء. وقال ابنُ عَسَاكر(٣): كان فقيهًا على مَذْهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته. ذَكَرَ أنه دخل دمشق في حياة أبي القاسم بن أبي العلاء، وسمعتُ أبا عامر وقد جَرَى ذِكْر مالك، فقال: حِلْفٌ جافٍ، ضرب هِشَام بن عمار بالدِّرة. وقرأتُ عليه ((الأموال)) لأبي عُبَيْد، فقال، وقد مزَّ قول لأبي عُبَيْد: ما كان إلا حِمَارًا مغفلاً لا يعرف الفِقْه. وقيل لي عنه إنه قال في إبراهيم النَّخَعي: أعورُ سُوء. فاجتمعنا يومًا عند ابن السَّمَرْقَنْدي في قراءة ((الكامل))، فنقل فيه قولاً عن السَّعْدي، فقال: يكذب ابن عَدِي، إنما هو قول إبراهيم الجُوْزجاني. فقلت له: فهو السَّعْدي؛ فإلى كم نحتمل منك سوءَ الأَدَب، تقول في إبراهيم النَّخَعي كذا، وتقول في مالك كذا، وفي أبي عُبَيْد كذا؟ فَغَضِبَ وأخذته الرِّعْدَة، وقال: كان ابن الخاضِبة والبَرَداني وغيرهما يخافوني، فآل الأمر إلى أن تقول فيَّ هذا. فقال له ابن السَّمَرْقَنْدي: هذا بذاك. وقلتُ: إنما نحترمك ما احترمتَ الأئمة. فقال: والله قد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري مِمَّن تقدَّم، وإني لأعلمُ من ((صحيح البخاري)) و((مسلم)) ما لم يعلماه. فقلتُ مستهزئًا : فِعِلْمُك إذًا إلهامٌ، وهاجرتُه. قال (٤): وكان سىء الاعتقاد، ويعتقد من أحاديث الصِّفات ظاهرهَا . بلَغَني أنه قال في سُوق باب الأَزَج ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٢٤] فضرب (١) إكمال الإكمال ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥. (٢) هذا الرجز يضرب لمن تمكن من أمره غير منازع فيه، هو من قول طرفة. قاله الزمخشري في المستقصى ٧٥/٢ - ٧٦. وقيل هو لكليب بن ربيعة التغلبي، ورجحه ابن منظور (انظر مادة (قبر)) من لسان العرب، وفصل المقال شرح الأمثال ٣٦٤). (٣) تاريخ دمشق ٥٣ / ٥٩ - ٦٠. (٤) نفسه ٥٣ /٦٠ - ٦١. ٤٠٧ على ساقه، وقال: ساقٌ كساقي هذه. وبَلَغني أنه قال: أهل البِدَع يحتجون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي في الإلهية، فأما في الصُّورة فهو مثلي ومثلك، قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّ لَسْقُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي في الحُرْمة. وسألته يومًا عن أحاديث الصفات، فقال: اختلفَ النَّاسُ فيها، فمنهم مَن تأوَّلها، ومنهم من أمسك، ومنهم من اعتقدَ ظاهرها، ومذهبي آخر هذه الثلاثة مذاهب. وكان يُفْتي على مذهب داود بن عليّ، فبلغني أنه سُئِل عن وجُوب الغُسْل على من جامَعَ ولم يُنْزِل، قال: لا غُسْل عليه، الآن فعلتُ ذلك بأمِّ أبي بكر، وكان بَشِعِ الصُّورة، زَرِي اللِّباس. وقال ابن السَّمْعاني: حافظْ مُبَرز في صَنْعة الحديث، داوديُّ المَذْهب، سَمِعَ الكثيرَ، ونَسَخَ بخطه وإلى آخر عُمره، وكان يسمع وينسخ. وقال ابن ناصر: فيه تساهُلٌ في السَّماع، يتحدَّث ولا يُصغي ويقول: يكفيني حضور المجلس. ومذهبه في القُرآن مذهب سوء، مات في ربيع الآخر. قلتُ: روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، ويحيى بن بَوْش، وأبو الفتح المندائي، وجماعة. وخمل ذِكْره لبدعته. ١٢٠- محمد بن عبدالله بن تُوْمَرْت، أبو عبدالله المُلَقِّب نفسه بالمَهْدِيِّ المَصْمُودِيُّ الهَرْغيُّ المَغْربيُّ، صاحب دعوة السُّلطان عبدالمؤمن مَلِك المغرب. كان يَدَّعي أنه حَسَنيٌّ عَلَويٌّ، وهو من جَبَل السُّوس في أَقْصَى المغرب. نشأ هناك، ثم رحل إلى المَشْرق لطلب العِلْم، ولقيَ أبا حامد الغَزَّالي، وإلكيا أبا الحَسَن الهَرَّاسي، وأبا بكر الطُّرْطُوشي، وجاوَرَ بمكة، وحَصَّل طَرَفًا جيدًا من العِلم. وكان متورعًا، مُتَنَسِّكًا، مَهيبًا، متقشفًا، مُخْشَوْشِنَا، أمَّارًا بالمعروف، كثير الإطراق، مُتَعَبِّدًا، يَتَبَسَّم إلى من لقِيه، ولا يَصْحَبُه من الدُّنيا إلا عصا وركوة. وكان شجاعًا، جريئًا، عاقلاً، بعيد الغَوْر، فَصِيحًا في العَربي والمغربي، قد طُبع على النَّهي عن المنكر، مُتَلَذِّذًا به، مُتَحَمِّلاً المَشَقة والأذية فيه، أوذي بمكّة لذلك، فخرج إلى مِصْر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه ٤٠٨ وطَرْده. وكانَ إذا خافَ من البَطْش وإيقاع الفِعْل به خَلَّط في كلامه ليظنوه مَجْنونًا، فخرج إلى الإسكندرية، فأقامَ بها مُدة. وركب البَحْر إلى بلاده. وكان قد رأى في مَنَامه وهو بالمشرق كأنه قد شربَ ماءَ البَحْر جميعه كَرَّتين، فلما ركب السَّفينة شرعَ يُنكر، وألزمَهم بالصَّلاة والتِّلاوة، فلما انتهى إلى المَهْدية، وصاحبها يومئذٍ يحيى بِنِ تَمِيم الصَّنْهاجي، وذلك في سنة خمسٍ وخمس مئة، فَنَزَلَ بها في مَسْجِد مُعَلَّق على الطَّريق. وكان يجلس في طاقته، فلا يرى مُنْكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخُمُور إلا نَزَل وكَسَرها، فتسامَعَ به النَّاسُ، وجاءوا إليه، وقرأوا عليه كُتُبًا في أصول الدِّيانة وبلغ خبرُه الأميرَ يحيى، فاستدعاه مع جماعةٍ من الفُقهاء، فلما رأى سَمْتَه وسَمِعَ كلامَهُ أكرمَهُ، وسأله الدُّعاء، فقال له: أَصْلَحك الله لرعيتك. ثم نزحَ عن البَلَد إلى بِجَايَةٍ، فأقامَ بها يُنْكر كدأبه، فَأُخْرِجَ منها إلى قرية مَلَّلة، فوجدَ بها عبدالمؤمن بن عليّ القَيْسي، فيقال: إنَّ ابن تومرت كان قد وقعَ بكتاب فيه صِفَةُ عبدالمؤمن، وصفةُ رجلٍ يظهر بالمَغْرب الأقصى من ذُرِّيّة النبي ◌َّ، يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضع من المَغْرب، يُسَمى (ت ي ن م ل)) ويُجاوز وقته المئة الخامسة، فألقي في ذهنه أنه هو. وأخذ يتطَلَّب صفةً عبدالمؤمن، فرأى في الطريق شابًّا قد بلغ أشَدَّه على الصِّفة التي معه، فقال: يا شاب ما اسمك؟ قال: عبدالمؤمن. فقال: الله أكبر، أنت بُغْيَتي، فأين مَقْصدُك؟ قال: المشرق لطلب العلم. قال: قد وجدتَ عِلْمًا وشَرَفًا اصحبني تنلهُ. ثم نظر في حِلْيته فوافَقَتْ، وقال: ممن أنت؟ قال: من كُوْمية(١)، فربط الشابَ، وألقَى إليه سِرَّه. وكان ابن تُومَرْت قد صَحِبَه عبدُالله الوَتْشَريسي ممن تَهَذَّب وتفقه، وكان جميلاً، فَصِيحًا في العربية، فتحدَّثا يومًا في كيفية الوصول إلى الأمر المَطْلوب، فقال لعبد الله: أرَى أن تَسْترَ ما أنتَ عليه من العِلْم والفَصَاحة عن النَّاس، وتُظهر من العِي واللَّكَن والجَهْل ما تشتهر به، لتتخذ الخروج عن ذلك وإظهار العلم دفعةً واحدة، فيكون ذلك معجزة، ففعل ذلك. ثم استدنى محمد أشخاصًا أجلادًا في القوى الجسمانية، أغمارًا، فاجتمع له ستة، فتوجهوا إلى (١) قبيلة كانت تسكن قرب تلمسان. ٤٠٩ مراكش، وملِكُها عليّ بن يوسف بن تاشفين، وكان مَلِكًا حَلِيمًا، عادلاً، متواضعًا، وكان بحضرته مالك بن وُهَيْب الأندلسي الفقيه، فأخذَ ابن تُومَرْت في الإنكار، حتى أنكر على ابنة المَلِك، وذلك في قصة طويلة، فبلغ خبرُه الملكَ، وأنه يُحَدِّث في تَغْيير الدولة، فكَلَّم مالك بن وُهَيْب في أمره، وقال: نخاف من فَتْح بابٍ يَعْسُرُ علينا سَدُّه. وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجدٍ خَرَاب بظاهر البلد، فَأَحْضَروهم في مَحْفل من العلماء، فقال الملكُ عليّ: سَلُوا هذا ما يبغي. فكلموه، وقال: ما الذي يُذكر عنك من القول في حَقِّ الملك العادل الحليم المُنْقاد إلى الحق؟ فقال: أما ما نُقِل عَنِّي، فقد قلتُهُ، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يُؤْثِر طاعةَ الله على هواه، وينقادُ إلى الحق، فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عليه، ليعلم بتَعَرِّيه عن هذه الصِّفة أنه مغرورٌ بما تقولونَ له وتُطرونه به، مع عِلمكم أن الحُجَّة عليه مُتَوجِّهة، فهل بلغكَ يا قاضي أنَّ الخَمْرَ تُباعِ جَهَارًا، وتمشي الخنازير بين المُسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعَدَّد من ذلك أشياء، حتى ذَرَفت عينا المَلِك، وأطرقَ حياءً، ففهم الدُّهاة من كلامه طَمَعه في المُلْك. ولما رأوا سكوت المَلِك وانخداعه له لم يتكلَّموا، فقال مالك بن وُهَيْب: إن عندي نصيحة، إن قَبلها الملكُ حَمْدَ عاقبتها، وإن تَرَكها لم آمن عليه. قال: وما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أن تسجنه وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم دينارًا، وإلا أنفقْتَ عليه خزائنَك. فوافقه الملك، فقال الوزير: أيُّها الملك، يَقْبح أن تبكي من موعظة هذا، ثم تُسيء إليه في مَجْلس واحد، وأن يظهرَ منك الخَوْف مع عِظَم مُلْكك، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه. فأخذَت المَلِكَ العِزَّةُ، واسْتَهْونَ أمرَهُ وصَرَفه، وسأله الدُّعاء. وقيل: إنه لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه، إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأذَّبْتَ مع المَلِك. فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت . ولمَّا خرج قال لأصحابه: لا مُقام لنا بمراكُش مع وجود مالك بن وُهَيْب، فإنا نخاف مَكْره، وإن لنا بأَغْمات أخًا في الله فنقصده، فلن نُعدم منه رأيًا ودُعاء، وهو الفقيه عبدالحق بن إبراهيم المَصْمُودي. فسافروا إليه فأنزلهم، وبَثُّوا إليه سِرَّهم، وما جَرَى لهم، فقال: هذا المَوْضع لا يحميكم، وإنَّ أحصنَ ٤١٠ الأماكن المُجاورة لهذا البلد تِيْنْ مَلّ، وهي مسيرة يوم في هذا الجَبَل، فانقطِعوا فيه بُرْهةً ريثما يُنْسَى ذكركم. فلما سَمِعَ ابن تُومَرْت بهذا الاسم تجدَّد له ذِكْر اسم الموضع الذي رآه في الكتاب فقصده مع أصحابه. فلما أتَوْه رآهم أهل ذلك المكان على تلك الصُّورة فعلِموا أنهم طلاب علم، فتلَقَّوْهُم وأكرموهم وأنزلوهم. وبلغَ الملكَ سفرُهُم، فَسُرَّ بذلك. وتسامع أهل الجبل بوصول ابن تُومَرْت، فجاؤوه من النَّواحي يتبرَّكون به، وكان كل من أتاه استدناه، وعَرَض عليه ما في نَفْسه من الخروج، فإن أجابه أضافه إلى خَوَاصه، وإن خالَفَه أعرض عنه. وكان يستميلُ الشَّباب الأَغْمار، وكان ذَوُو الحِلْم والعَقْل من أهاليهم يَنْهَوْنهم ويُحَذِّرونهم من اتِّباعه خَوْفًا عليهم من المَلِك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المُدَّة، وكَثُرت أتباعُه من أهل جِبال دَرَن(١)، وهو جبل لا يفارقه الثّلج، وطريقه ضيِّق وَعِر . قال الْيَسَع بن خَزْم: لا أعلم مدينة أحصن من تِيْنمَلل(٢)، لأنها بين جبلين، ولا يسع الطَّريق إليها إلا الفارس، وقد ينزل عن فَرَسه في أماكن صَعْبة، وفيها مواضع لا يُعْبَر فيها إلا على خَشَب، فإذا أُزيلت خشبة لم يمر أحد. وهذه الطَّريق مسافة يوم. فأخذ أتباعه يغيرون على النَّواحِي سَبْيًا وقَتْلاً، وتَقَوَّوا وكثروا. ثم إنه غَدَر بأهل تِيْنملل الذين آوَوْهُ ونَصروه، وأمر أصحابه، فقتلوا فيهم مقتلةً عظيمة، قاتله الله. فقال له الفقيه الإفريقي، وهو أحد العشرة، عندما فعل بأهل تِيْنملل: قوم أكرمونا وأنزلونا دُورهم قَتَلْتَهم؟ فقال لأصحابه: هذا شَكَّ في عِصْمتي، خُذُوه، فقتلوه وعلقوه على جذع. قال: وكل ما أذكره من حال المَصَامِدة فمنه ما شاهدتُه، ومنه ما أخذته بنقل التواتر. وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمُرابطٍ أو أحدٍ من تلمسان أن يُحَرِّقوه. فلما كان في عام تسعة عشر خرج إليهم يومًا، فقال: تعلمون أن البشير، الذي هو الوَنْشَريسي، إنه أُمي لا يقرأ ولا يكتب وإنه لا يثبت على (١) ينظر الروض المعطار ٢٣٤ . (٢) هكذا بخط المصنف بلامينٍ، وهكذا هي في المصادر المغربية، أما البعض فيشدد اللام الواحدة، وقد ترسم ((تين مَلل)). ٤١١ دابة، وقد جعله الله مُبَشِّرًا لكم مُطَّلعًا على أسراركم، وهو آية لكم، فإنه حفظ القُرآن، وتَعَلَّم الركوب. ثم استعرضَهُ القُرآن، فقرأه لهم في أربعة أيام، وركب حصاناً وساقه، فتعجبوا وعدُّوا ذلك آية، وصح لابن تؤُمرَتْ بذلك ما أطراه على نفوس سليمة لا يعرفون بواطن الأمور، فتحقق تصديقهم إياه. فقام خطيبًا وقال: قال الله تعالى: ﴿لَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾ [الأنفال: ٣٧] وقال: مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذا البشير مُطَّلع على الأنفس مُحَدَّث، والنَّبِي وَلَّ يقول: ((إن في أُمتي مُحَدَّثين، وإن عُمر منهم))(١). وقد صَحِبَنا أقوامٌ أَطْلعه الله على سِرِّهم ونفاقهم، ولابُد من النَّظَر فيهم ويُمَّم العَدْل فيهم. ثم نُودِي في جبال المصامدة: مَن كان مُطيعًا للإمام فلْيُقْبِل، فكانوا يأتون قبائل قبائل، فيُعرضون عليه، فيخرجون قومًا على يمينه، ويعدهم من أهل الجَنَّة، وقومًا على يساره، ويقول: هؤلاء شاكُّون في الأمر. حتى كان يؤتى بالرجل فيقول: رُدُّوا هذا على اليمين، فإنه تائب، وقد كان قبل كافرًا، ثم أحدَث البارحة تَوْبة، فيعترف بما أخبر به، واتفقت له فيهم عجائب. وكان يطلق أهل اليَسَار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القَتْل، فلا يفرِ منهم أحد. وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتُهُم، يقتل الأب ابنه، والأخُ أخاه، وابن العم ابنَ العم. فالذي صح عندي أنه قتل منهم سبعون ألفًا على هذه الصفة، ويسمُّونها التَّمييز. ولما كمل التَّمييز وَجَّه جُمُوعه مع البَشِير نحو أَغْمات، فالتقوا المُرَابطين فهزموهم، وقُتِل خلْقٌ من المَصَامِدة لكونهم ثبتوا، وجُرِحَ عُمر الهِنْتاتي جراحات، فحملوه على أعناقهم وهو كالميت، لا يَنْبض له عِرق. فقال لهم البَشِير: إنه لا يموت حتى يفتح البلاد، ويغزو في الأندلس. وبعد مدة من استماتته فتحَ عينيه، فزادهم ذلك إيمانًا بأمْرهم. ولما أَتَوا عَزاهم ابن تُومَرْت وقال: يومٌ بيوم، وكذلك حربُ الرُّسُل. نَقْلَ عبدالواحد بن عليّ التَّمِيمِيُّ المَرَاكُشيُّ في كتاب ((المُعْجب))(٢) الذي (١) أخرجه البخاري ٢١١/٤ و١٥/٥ من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم ١١٥/٧، والترمذي (٣٦٩٣) من حديث عائشة. ولفظ البخاري في ١٥/٥: (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن یك في أمتي أحد فإنه عمر). (٢) المعجب في تلخيص أخبار المغرب ٢٤٦ فما بعد. ٤١٢ اختصرته، أنَّ ابنَ تُومَرْت رحلَ إلى بغداد، فأخذ الأُصول عن أبي بكر الأصولي الشاشي، وسَمِعَ من المُبارك بن عبدالجبار ابن الطُّيُوري. وقال: إنَّ أمير الإسكندرية نفاه منها؛ فبَلَغني أنه استمر يُنكر في المَرْكب إلى أن أَلْقَوه في البَحْر. فأقامَ نصف يوم يجري في ماءِ السَّفينة ولم يغرق، فأنزلوا إليه من أطلعه وعَظَّموه، إلى أن نزلَ بِجَاية، ووعظَ بها، ودَرَّس، وحَصَل له القَبُول، فأمرَهُ صاحبُها بالخروج منها خَوْفًا منه، فخرجَ، ووقعَ بعبدالمؤمن؛ وكان بارعًا في خَط الرَّمْل. ووقع بجفرٍ فيما قيل، وصَحِبَهما من مَلَّلة عبدُالواحد الشَّرقي، فتوجه الثلاثة إلى أقصى المغرب. وقيل: إنه لقي عبدالمؤمن ببلاد مَتِيجة، فرآه يُعَلِّم الصِّبيان، فأسرَّ إليه، وعَرَّفه بالعلامات. وكان عبدالمؤمن قد رأى رؤيا، وهي أنه يأكل مع أمير المُسلمين عليّ بن يوسف في صَحْفَةٍ؛ قال: ثم زاد أكْلي على أكله، ثم اختطفت الصَّحْفَة منه. فَقَصَّها على عابرٍ، فقال: هذه لا ينبغي أن تكونَ لك، إنما هي لرجلٍ ثائر يثور على أمير المسلمين، إلى أن يغلب على بلاده. وسار ابن تُومَرْت إلى أن نزل في مسجد بظاهر تلمسان، وكان قد وُضِعَ له هيبة في النُّفُوس. وكان طويلَ الصَّمْت، كثيرَ الانقباض، إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلّم. أخبرني شَيْخ عن رجلٍ من الصَّالحين كان مُعْتَكفًا في ذاك المسجد أنَّ ابن تُومَرْت خرج ليلةً فقال: أَيْنِ فُلان؟ قالوا: مَسْجون. فمضى من وقته ومعه رجلٌ، حتى أتى بابَ المدينة، فَدق على البواب دقًّا عَنِيفًا. ففتح له بسرعة، فدخل حتى أتى الحَبْس، فابتدر إليه السَّجَّانون یتمَسَّحُون به. ونادى: يا فُلان. فأجابه، فقال: اخرج، فخرج والسَّجَّانون باهتون لا يمنعونه، وخرج به حتى أتى المسجد. وكانت هذه عادته في كل ما يريد، لا يتعذر عليه. قد سُخّرت له الرِّجال. وعظُم شأنه بتِلْمسان إلى أن انفصل عنها، وقد استخوذَ على قلوب كُبَرائها. فأتى فاسَ، وأظهرَ الأمر بالمَعْروف، وكان جُل ما يدعو إليه عِلم الاعتقاد على طريقة الأَشْعرية. وكان أهل المَغْرب ينافرونَ هذه العُلُوم، ويعادون من ظَهَرت عليه. فجمعَ والي فاس الفُقهاء له، فناظرَهُم، فظهرَ عليهم لأنه وجد جوًّا خاليًا وناسًا لا عِلْمَ لهم بالكَلام، فأشاروا على المتولي بإخراجه. فسار إلى مَراكُش، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمعَ له الفُقهاء، ٤١٣ فلم يكن فيهم من يعرفُ المناظرة إلا مالك بن وُهَيْب، وكان مُتَفَتِّنًا قد نظرَ في الفلسفة. فلما سمع كلامه استشعر حِدَّته وذكاءَه فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقَتْله، وقال: هذا لا تُؤْمَن غائلتُه، وإن وقعَ في بلاد المَصَامدة قَوي شَرُّه، فتوقف عن قَتْله دِينًا، فأشارَ عليه بِحَبْسه، فقال: عَلَام أسجنُ مُسلمًا لم يتعيَّن لنا عليه حق، ولكن يخرج عنا. فذهب هو وأصحابه إلى السُّوس، ونزل تينملل. ومن هذا الموضع قام أمرُه، وبه قَبْره، فلما نزله اجتمعَ إليه وجوه المَصَامِدة، فشرع في بث العلم والدُّعاء إلى الخَيْرِ، وكَتَم أمره، وصَنَّف لهم عَقِيدةً بلسانهم، وعَظُم في أعينهم، وأحبته قلوبُهُم. فلما استوثقَ منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكر، ونهاهم عن سَفْك الدِّماء، فأقاموا على ذلك مُدَّةً، وأمر رجالاً منهم ممن استصلح عُقُولهم بنَصْب الدَّعوة واستمالة رؤساء القبائل، وأخذ يَذْكُر المَهْدي ويُشَوِّق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت في فَضْله، فَلمَّا قرر عندهم عَظَمة المهدي ونَسَبه ونَعْته، اذَّعَى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبدالله، وسرد له نَسَبًا إلى عليّ عليه السلام، وصَرَّح بدعوى العصمة لنفسه، وأنَّه المَهْدي المَعْصوم، وبسط يده للمبايعة فبايعوه، فقال: أُبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله بَّه رسولَ الله ◌َّل، ثم صَنَّف لهم تصانيف في العِلم، منها كتاب سماه ((أعز ما يطلب))، وعقائد على مذهب الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصِّفات، فإنه وافق المعتزلة في نَفْيها، وفي مسائل قليلة غيرها. وكان يُبْطن شيئًا من التَّشَيُّع، ورثَّبَ أصحابَهُ طبقات، فجعل منهم العَشرة، وهم الأولُون السابقون إلى إجابته، وهم الملقَّبون بالجماعة، وجعل منهم الخمسين، وهم الطَّبقة الثانية. وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة، بل هم من قبائل متفرقة. وكان يسميهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العِصَابة المَعْنِيُّون بقوله وَلجر: (( لا تزال طائفة بالغرب ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم من خَذَلهم حتى يأتي أمرُ الله))(١). وأنتم الذين يفتح الله بكم الرُّوم، ويقتل بكم الدَّجَّال، ومنكم الأمير الذي يُصلي بعيسى بن مريم. هذا مع جُزْئيات كان يخبرهم بها وقع (١) أخرجه مسلم ٦/ ٥٤ من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)) والمراد به أهل الشام، لا كما زعم ابن تومرت. وانظر شرح النووي ٦٨/١٣. ٤١٤ أكثرها. وكان يقول: لو شئتُ أن أعُدَّ خُلفاءكم خليفةً خليفةً لعَدَدْتُ. فعظُمَت فتنةُ القوم به. وبالغوا في طاعته، إلى أن بلغوا حدًّا لو أمر أحدهم بقَتْل أبيه أو أخيه أو ابنه لقتله. وسَهَّل ذلك عليهم ما في طباعهم من القَسْوة المعهودة في أهل الجبل، لا سيما المغاربة البربر، فإنهم جُبلوا على الإقدام على الدِّماء، واقتضاه إقليمهم. حتى قيل إن الإسكندر أُهديت له فَرَسٌ لا تُسبق، لكنها لا تصهل، فلما حل بجبال دَرَن، وهي بلاد المَصَامِدة هذه، وشربت تلك الفَرَس من مياهها صَهَلَت. فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره، فكتب إليه: هذه بلاد شرٍّ وقَسْوة، فعَجِّل الخروجَ منها. وأنا فقد شاهدتُ من إقدامهم على القتْل لما كنت بالسُّوس ما قضيت منه العَجَب . قال: وقَوِيَ أمرُ ابن تُومرت في سنة خمس عشرة وخمس مئة، فلما كان في سنة سَبْع عشرة جَهز جيشًا من المَصَامِدة، جُلُّهم من أهل تينملل والسُّوس، وقال لهم: اقصدوا هؤلاء المارقين المُبَدِّلين الذين تسمَّوا بالمُرابطين، فادْعُوهم إلى إماتة المُنْكر، وإزالة البِدَع، والإقرار بالإمام المَهْدِي المَعْصوم، فإن أجابوكم فهُم إخوانُكم، وإلا فقاتِلُوهم، فقد أباحت لكم السُّنَّة قتالَهم. وقَدَّم عليهم عبدالمؤمن، فسارَ بهم قاصدًا مَرَّاكُش، فخرج لقتالهم الزُّبَيْر ابن أمير المسلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين، فلمَّا تراءى الجَمْعان كَلَّموا المرابطين بما أمرهم به ابن تُومَرْت، فردوا عليهم أسوأ رد، ووقعَ القِتَال، فانهزم المَصَامِدة، وقُتِل منهم مَقْتلة كبيرة، ونجا عبدالمؤمن، فلمَّا بلغ الخبرُ ابن تُومرت قال: أَليسَ قد نَجَا عبدالمؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يُفْقَد أحد. ثم أخذَ يهون عليهم، ويُقَرِّر عندهم أن قَتْلاهم شُهداء، فزادهم حِرْصًا على الحَرْب. وقال الأمير عزيز في كتاب ((الجَمْع والبيان في أخبار القيروان)): إن ابن تُومرت أقام بتينملل، وسمى أصحابه وأتباعه بالمُوَحِّدين، والمخالفين أمره: مُجَسِّمين. وأقامَ على ذلك نحو العام، فاشتهر أمرُهُ سنة خمس عشرة، وبايعته هَرْغَة على أنه المهدي، فجهّزَ له عليّ بن يوسف جيشًا من المُلثَّمين، فقال ابن تُومرت لأصحابه الذين بايعوه: إن هؤلاء قد جاؤوا في طَلَبي، وأخاف عليكم ٤١٥ منهم، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لِتَسْلموا أنتم. فقام بين يديه ابن تُوفِيَّان(١)، من مشايخ هَرْغَة، وقال له: تخاف شيئًا من السَّماء؟ قال: لا، بل من السماء تُنْصرون. فقال ابن تُوفّان: فدع كل من في الأرض يأتينا. ووافقه جميع قبيلته على ذلك القَوْل. فقال: إنما أردتُ أن أختبرَ صبرَكم وثبَاتكم وأما الآن، فأبشِروا بالنَّصْر، وأنكم تَغْلِبُون هؤلاء الشِّرْذمة، وبعد قليل تستأصلون دولتَهُم، وتَرِثون أرضهم، فالتقوا جيش المُلَثمين فهزموهم، وأخذوا الغنيمة، ووثقت نفوسُهم بالمَهْدي، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النَّواحي، ووخَّدتْ قبيلة هنتاتة، وهي من أقوى القبائل؛ إلى أن قال: ثم نهج لهم طريقَ التَّدُّد والآداب، فلا يخاطبون الواحد منهم إلا بضمير الجَمْع في وَقَارٍ وبَشَاشة، ولا يلبسون إلا الشِّاب القَصِيرة الرَّخِيصة، ولا يخلون يومًا من طِرَادَ ومُثَاقفة ونضال. وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مُفْسدون، فنظر ابن تُومرت في ذلك، فطلب مشايخَ القبائل ووَعَظُهُم، وقال: لا يصح دينكم إلا بالنَّهي عن المُنْكر، فابحثوا عن كل مُفْسد وانهوه، فإن لم ينته فاكتبوا أسماءهم، وارفعوها إليَّ. ففعلوا ذلك ثم أمرَهُم بذلك ثانيًا وثالثًا. ثم جمع الأوراق، فأخذ ما تكرر من الأَسْماء، فأفردها عنده. ثم جَمَعَ القبائل كُلِّها وحَضَّهم على أن لا يغيب منهم أحد. ودفعَ الأسماء التي أفردها إلى عبد الله الوَنْشَريسي، الملقَّب بالبَشِير، ثم جعل يعرضهم رَجُلاً رجلاً، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشِّمال، ومن لم يجده جعله في جهة اليَمِين، إلى أن عرضَ القبائل جميعها. ثم أمر بتكتيف جهة الشِّمال، وقال لقبائلهم: هؤلاء أشقياء من أهل النَّار قد وَجَب قَتْلهم. ثم أمر كُلَّ قبيلة أن تقتل أشقياءَها، فَقُتِلوا كُلُّهم، وكانت واقعة عجيبة. وقال: بهذا الفعل يصح لكم دينكم ويقوى أمركم. وعلى ذلك استمرت الحالة في جميع بلادهم. ويسمونه: التمييز. وكان له أصحاب عشرة يُسمّون أهل عَشْرة. وأصحاب من رؤوس القبائل سَمَّاهم أهل خَمْسین، كانوا مُلازمین مجلسَه. فأما العشرة: فعبدالمؤمن، والشَّيْخ أبو إبراهيم الهَزْرَجي، والشَّيخ أبو حَفْص عُمر بن يحيى الهِنْتاتي المعروف بعمرآينتي، والشَّيخ أبو محمد عبدالله (١) جوده المصنف بخطه كما قيدناه. ٤١٦ البَشِير، والشيخ أبو محمد عبدالواحد الزَّواوي، وكان يُعرف بطير الجَنَّة، والشَّيخ أبو محمد عبدالله بنِ أبي بَكْر، والشيخ أبو حَفْص عُمر بن أَرْناق، والشيخ أبو محمد واسنار الأَغْماتي، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع، وآخر. فهؤلاء الذين سَبَقوا وتَعَرَّفوا به لأخذ العِلْم عنه. وكان اجتماعهم به أفذاذًا في حال تَطْوافه في البلاد، فآثرهم واختصَّهُم . وفي أول سنة أربع وعشرين جَهَّز جيشًا زُهاء عشرين ألف مقاتل، قَدَّم عليهم البشير، ثم دونه عبدالمؤمن، بعد أمورٍ وحروب، فساروا إلى مراكش، وحاصروها عشرين يومًا. فأرسل عليّ بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سِجِلْماسَة، فجمع جَيْشًا وجاء من جهة، وخرَج ابنُ تاشفين من البلد من جهة، ووقع الحرب، واستحرَّ يومئذٍ القتل بجيش المَصَامِدة، فقُتِلَ أميرهم عبدالله البَشير، فالتقُوا على عبدالمؤمن، ودام القتال إلى اللَّيل، وصَلَّى بهم عبدالمؤمن يومئذٍ صلاة الخَوْف والحرب قائمة. وتكاثر المُلَثَّمون، وتَحَيَّز المصامدة إلى بُستان هناك مُلْتَفِّ الشَّجَر يُعرف بالبحيرة، فلذا قيل وقعة البُخَيْرة. وبلغت قتلاهُم ثلاثة عشر ألفًا، وأُنهي الخبر إلى المَهْدي، فقال: عبدالمؤمن سالم؟ قيل: نعم. قال: ما ماتَ أحد، الأمرُ قائم. وكان مريضًا، فأوصى باتِّباع عبدالمؤمن، وعَقَد له من بعده، وسَمَّاه أمير المؤمنين، وقال لهم: هذا الذي يفتح الله البلاد على يديه، فلا تشُكُّوا فيه واعضدوه بأموالكم وأنفسكم. ثم مات في آخر سنة أربع وعشرين. قال اليَسَع بن حزم: سَمَّى ابن تُومرت أتباعَ المُرابطين مُجَسِّمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب له، وَصفته بما يجب له، وتَرْك الخَوْض فيما تقصر العُقول عن فَهْمه. وكان علماء المَغْرِب يُعَلِّمون العامَّة أنَّ اللَّزمَ لهم أنَّ الله ليس كمثله شيء وهو السَّميع البَصِير؛ إلى أن قال: فكَفَّرهم ابن تُومرت بوجهين، بجهل العَرْض والجَوْهر، وأنَّ من لا يعرف ذلك لا يعرف المَخْلوق، ولم يعرف الخالق. الوجه الثاني: إن من لم يهاجر إليه، ولم يُقاتل المرابطين معه، فهو كافر، خَلال الدَّم والحَريم. وذكر أنَّ غَضَبَهُ لله، وإنما قام حِسْبةً على قوم أغرموا النَّاس ما لا يجب عليهم. وهذا تناقض، لأنَّه كَفَّرهم، وإن كانوا مُسْلمين، فأخْذ المُرابطين منهم النّزْر اليسير أشبه من قتْلهم تاريخ الإسلام ١١/م٢٧ ٤١٧ ونهبهم. وحَصَل له في نفوس أتباعه من التَّصْديق والبَرَكة ما لا يَحُوزه الوَصْفُ. وقال القاضي شمس الدين(١): طالت المدة على ابن تُومرت، فشرع في حيلة، وذلك أنه رأى أولاد المَصَامِدة شُقْرًا زُرْقًا، ولون الآباء سُمْر، فسألهم عن ذلك، فلم يجيبوه، ثم ألَّ عليهم فقالوا: نحن من رعية أمير المسلمين عليّ، وله علينا خراج، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجونا عنها، ويخلُون بنسائنا، وما لنا قُدرة على دفع ذلك. فقال ابن تُومرت: والله، الموتُ خيرٌ من هذه الحياة. كيف رضيتم بهذا، وأنتم أضربُ خَلْق الله بالسَّيف وأطعنهم بالزُّمح؟ قالوا: بالرُّغم منا. قال: أرأيتم لو أنَّ ناصرًا نصركم على هؤلاء، ماكنتم تَصْنَعُون؟ قالوا: كنا نُقَدِّم أنفسَنَا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم. فقالوا: السَّمْعُ والطّاعة. فبايعهم، ثم قال: استعدوا لحضور هؤلاء بالسِّلاح. فإذا جاؤوكم فأجْرُوهم على عادتهم، ثم مِيلوا عليهم بالخُمور، فإذا سكروا فآذنوني بهم. فلما جاؤوهم فعلوا ذلك بهم وأعلموه، فأمر بقتلهم، فلم تمض ساعة من اللَّيل حتى أتوا على آخرهم، وأفلت منهم واحد، فلحِق بمَراكُش، فأخبر الملك، فندِم على فوات محمد من يده حيثُ لا ينفعه النَّدَم، وجهز جيشًا، وعرف ابن تُومرت أنه لابد من عسكر يفجؤهم. فأمر أهل الجَبَل بالقعود على أنقاب الوادي، فلمَّا وصلت إليهم الخَيْل نزلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي كالمَطَر، ودام القتال إلى اللَّيل، فرجع العَسْكر، وأخبروا المَلِك، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصُّنهم، فأعرضَ عنهم. ثم قال ابن تُومرت لعبدالله الوَْشريسي: هذا أوان إظهار فضائلك وفَصَاحتك دفعةً واحدة. ثم اتفقا على أن يُصلي الصُّبح، ويقول بلسانٍ فصيح : إني رأيتُ في النَّوم أنه نزل بي مَلَكان من السَّمَاء، وشقا فؤادي، وغَسَلاه، وحَشَياه عِلْمًا وحِكْمة. فلما أصبحَ فعل ذلك، فدُهِشُوا وعجبوا منه، وانقادوا له كل الانقياد. فقال ابن تُومرت له: فعجِّل لنا البُشْرى في أنفسنا، وعَرِّفنا أَسْعَداءُ نحن أم أشقياء. فقال له: أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله، من تَبِعِك سَعد، ومَن خالفك شَقِيَ. (١) وفيات الأعيان ٥١/٥ - ٥٣ . ٤١٨ ثم قال: اعرضْ أصحابك حتى أميز أهل الجَنَّة من أهل النَّار. وعمل في ذلك حيلةً، قتل بها من خالفَ أمرَ ابن تُومرت؛ ثم لم يزل إلى أن جَهَّز، بعد فصولٍ طويلة، عشرة آلاف مُقاتلٍ. وأقامَ هو في الجَبَل، فنزلوا لحصار مراكُش، فأقاموا عليها شَهرًا، ثم كُسِروا كسرة شنيعة، وهربَ من سَلِم من القتْل، وقُتِلِ الوَنْشَرِيسي المَذْكور. وقال عبدالواحد بن عليّ المَراكُشي(١): ثم جعلوا يشكُّون الغارات على قرى مَرَّاكُش، ويقطعون عنها الجَلَب، ويَقْتلونِ ويَسْبون الحَرِيمِ. وكَثُر الدَّاخلون في دعوتهم والمُنْحَاشون إليهم، وابن تُومرت في ذلك كله يُكثر الزُّهد والتَّقَلَّل والعبادة. أخبرني من رآه يضرب على الخَمْرِ بالأكمام والنِّعال وعُسب النَّخْل كفعل الصحابة. وأخبرني مَن شهده وقد أُتَيَ برجلٍ سَكْران فَحَدَّه، فقال يوسف بن سُليمان، أحد الأعيان: لو شَدَدْنا عليه حتى يخبرنا من أين شَرِبها، فأعرض عنه، فأعاد قوله، فقال: أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سلميان ما كنا نصنع؟ فاستحبى وسَكَت. ثم ظَهَر أنَّ عَبِيد يوسف بن سُليمان سَقَوْه، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تُومرت. قال اليَسَعِ بن حَزْم: ألفَ ابن تُومرت كتابَ ((القَوَاعد))، مما فيه: وأنَّ التَّمادي على ذَرةٍ من الباطل كالتَّمادي على الباطل كُلُّه. وألف لهم كتاب ((الإمامة))، يقول فيه: حتى جاءَ الله بالمَهْدي، يعني نفسَهُ، وطاعته صافية نَقِيَّة لا ضِدَّ له ولا مِثْل له، ولا ندَّ في الوَرَى، وأنَّ به قامت السَّمَاوات والأرض. قال اليَسَع: هذا نص قوله في الإمامة، وهذا نصٌ تَلَقَّيْتُه من قراءة عبدالمؤمن بن عليّ، دَوَّن لهم هذا بالعَرَبِي وبالبَرْبَري. فلما قرؤوا هذين الكتابين زادهم ذلك شِدَّةً في مَذْهبهم من تَكْفير النَّاس بالذُّنوب، وتكفيرهم بالتأخّر عن طاعةِ المَهْدي الذي قامت به السماوات والأرض. هذا نص ما قاله الیَسَع . قال: وأمرَهُم بجمع العَسَاكِر، فخرجوا إلى ناحية مَرَّاكُش، فَوَجدوا جَيْشًا للمُرَابطين، فالتقوا، فانهزم المُرَابطون هزيمةً مات فيها أكثر من شَهِدها، وصَبَر فيها المُوَحِّدون. فلما كان في سنة إحدى وعشرين تَأَلفوا في أربعين ألف راجل (١) المعجب ٢٦١. ٤١٩ وأربع مئة فارس، ونزلوا يريدون حَصْر مَرَّاكش؛ فحدَّثني جماعةٌ أنهم نزلوا على باب أَغْمات بعد أن خرجَ إليهم المُرَابطون في أكثر من مئة ألف، بين فارس وراجل، فخُذِلوا ودَخَلوا المدينة على أسوأ حالة. فجاءَ من الأندلس ابن هَمْشَكَ في مئة فارس، فَشَجَّع أميرَ المسلمين، وخرجَ فقاتل، فانتصر المُرَابطون، وقُتِل من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا، فما سَلِم منهم إلا نحو أربع مئة نفس. كذا قال اليَسَع . وقال ابنُ خَلِّكان (١): حَضَرَتْ ابن تُومَرْت الوفاةُ، فأوصى أصحابَهُ وشَجَّعَهُم، وقال: العاقبةُ لكم، ومات في سنة أربع وعشرين إثر الوقعة التي قُتِل فيها الوَتْشَرِيسي، ودُفِن بالجَبَل، وقبرُه مشهورٌ مُّعَظم، ومات كَهْلاً. وكان رَبْعةً، أسمرَ، عظيمَ الهامة، حديدَ النَّظَرِ، مَهِيبًا . وقيل فيه : آثارُه تُغنيك عن أخباره حتى كأنك بالعَيَان تراه. قَدَمٌ في الثََّى وهامة في الثُّريا، ونَفْس ترى إراقة ماءَ الحياة دون ماء المُحَيا. أغفل المرابطون حَلَّه ورَبْطه حتى دب دبيب الفَلَقَ في الغَسَق، وتركَ في الدُّنيا دَويًّا. وكان قُوتُه من غَزْل أخته رغيفًا في كُلِّ يومٍ، بقليل سمنٍ أو زيتٍ. ولم ينتقل عن ذلك حين كثُرت عليه الدُّنيا. ورأى أصحابه يومًا وقد مالت نُفُوسهم إلى كَثْرة ما غَنِموه، فأمرَ بإحراق جميعه، وقال: مَن كان يبتغي الدُّنيا فما له عندي إلا ما أرى، ومن كان يَبْغي الآخرة فجزاؤه عند الله. ومن شعره : أخذتَ بأعضادهم إذ نَأَوا وخَلَّفَكَ القَوْمُ إذ وَدَّعوا فكم أنتَ تَنْهَى ولا تَنْتَهي وتُسْمِعُ وَعْظًّا ولا تَسْمعُ فيا حجر الشَّحْذِ حتى متى تسن الحَدِيدَ ولا تقطع وکان یتمثل کثیرًا : تَجَرَّد من الدُّنيا فإنك إنما خرجتَ إلى الدُّنيا وأنتَ مُجَرَّدُ ولم يَتَمَلَّك شيئًا من البلاد، وإنما قَرَّرَ القواعدَ ومَهَّدها، وبَغَتَه الموت، وكانت الفتوحات على يد عبدالمؤمن . (١) وفيات الأعيان ٥٣/٥- ٥٤ . ٤٢٠