Indexed OCR Text
Pages 141-160
أبو المُعَمَّر الأنصاري، والمُبارك بن خُضَيْرِ، وأبو الكَرَم ابن الغَسَّال، وتفقّه عليه أئمة . وكان مولده في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة . ولأبي الخطاب قصيدة في العقيدة يقول فيها: قالوا: أَتَزْعُم أن على العَرْش استوى قلت: الصَّواب كذاك خَبَّرَ سيدي قالوا: فما معنى استواهُ أَبن لنا، فأجبتُهُم: هذا سؤال المعتدي قال السَّمْعاني: أَنْشَدنا دُلَف بن عبدالله ابن التَّبَّان بسَمَرْقند في فتوى جاءت إلى أبي الخطاب: قل للإمام أبي الخطاب: مسألةٌ جاءت إليك، وما إلا سواك لها: ماذا على رجلٍ رامَ الصَّلاة، فإذ لاحَت لناظِرِهِ ذاتُ الجمال لَهَا فكتب في الحال: قُل للأديب الذي وافَى بمسألةٍ: سَرَّتْ فؤادي لما أن أَصَخْتُ لها إِنَّ الذي فَتَنتهُ عن عِبادته خريدةٌ ذاتُ حُسْنِ فانْثَى وَلَهَا إن تابَ، ثم قَضَى عنه عبادَتهُ فرحمةُ الله تَغْشَى مَن عَصَى وَلَهَا تُوفي في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة(١). ٣٠٣ - محمد بن أحمد بن طاهر بن حَمْد، أبو منصور البَغْداديُّ الخازن. أخو أبي غالب المُتَوفَّى سنة أربع وتسعين. سمعا معًا من أبي طالب بن غَيْلان، وأبي القاسم بن المُحَسِّن التِّنُوخي، وجماعة. روى عنهما أبو منصور ابن الجواليقي، وابن ناصر. وروى عن هذا عبدالمنعم بن کُلَيْب . وكان من رؤوس الشيعة وفُقَهائهم، وفيه اعتزالٌ. وقد أَدَّب أولاد نقيب الطَّالبيين، وعاش نيفًا وتسعين سنة. أخذ النَّحْو عن ابن برهان، والثَّمانيني. تُوفي في شعبان. ٣٠٤ - محمد ابن الشَّيْخ أبي عليّ الحَسَن بن أحمد ابن البَنَّء، أبو نصر الحَنْليُّ. (١) ينظر المستفاد من تاريخ ابن النجار (١٧٢). ١٤١ بغداديٌّ من بيت العِلم والرِّواية. سمع أبا محمد الجَوْهري، وأبا بكر محمد بن عبدالملك بن بِشْران. روى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وغيره. تُوفي في ربيع الأول وله أربعٌ وسبعون سنة. ٣٠٥ - محمد بن الحُسين بن محمد بن إبراهيم الدِّمشقيُّ، أبو طاهر الچِنائيُّ. من أهل بيتِ حديثٍ، وعَدالةٍ، وسُنَّةٍ، وكان ثقةً، صدوقًا، سَمِعَ أباه أبا القاسم الحِنائي، وأبا الحُسين محمد، وأبا عليّ أحمد ابنَيْ عبدالرحمن بن أبي نَصْر، ومحمد بن عبدالواحد الدَّارِمي، وابن سُختام، والأَهْوازي، ورشأ بن نَظِيف، ومحمد بن عبدالسَّلام بن سَعْدان، ومحمد بن عليّ بن سُلْوان، والحسن بن عليّ بن شواش، وطائفة سواهم. روى عنه الحافظان السِّلَفي وابنُ عساكر، والصَّائن ابنُ عساكر، وأبو طاهر بن الحِصْني، والخَضِر بن شِبْل الحارثي، والخَضِر بن طاوس، والفضل ابن البانياسي، وأبو المعالي بن صَابر. وُلِد سنة ثلاثٍ وثلاثين، وأول سماعه في سنة تسع وثلاثين وأربع مئة، وتُوفي في ثالث جُمادى الآخرة عن سَبْع وسبعين سنة(١). ٣٠٦ - محمد بن عبدالمُنْعم بن حسن بن أنَس السَّمَرْ قنديُّ، الفَقِيه. تفقه على السيد أبي شُجاع بن حمزة العَلَوي، وسمع أبا عمارة بن أحمد. روى عنه عُمر النَّسَفِي، وتُوفي بسَمَرَفْند في رابع عَشَر رَجب . ٣٠٧ - محمد بن عليّ بن مَيْمون بن مُحمد، الحافظ أبو الغنائم النَّرْسيُّ الكُوفي المقرىءُ، ويُعرف بأُبي. ثقةٌ، مفيدٌ، سمع الكثير بالكُوفة، وببغداد. وكان ينوب عن خَطِيب الكوفة؛ سمع محمد بن عليّ بن عبدالرَّحمن العَلَوي، وأبا طاهر محمد ابن العَطَّار، ومحمد بن إسحاق بن فَدُّوية، ومحمد بن محمد بن خازم بن نَقِّط، وجماعةً بالكُوفة، وكريمة المَرْوزِية وعبدالعزيز بن بُنْدار الشيرازي بمكة، وأبا (١) جله من تاريخ دمشق ٣٥٧/٥٢ - ٣٥٨. ١٤٢ الحسن أحمد بن محمد الزَّعْفراني، وأحمد بن محمد بن قَفَرْجَل، وعبدالكريم ابن محمد المَحَامِلي، وأبا الفتح بن شِيطا، وأبا بكر بن بِشْران. وأبا عبد الله بن حبيب القادسي، وأبا القاسم التَُّوخِي، وأبا إسحاق البَرْمكي، وأبا الطَّيِّب الطَّبري، وأبا منصور ابن السواق ببغداد. وقدِم الشام زائرًا بيت المقدس. وسمع بالشام، وكان يقول: ما بالكوفة أحدٌ من أهل السُّنة والحديث إلا أنا. وكان مولده سنة أربع وعشرين وأربع مئة . روى عنه أبو الفتح نَصْر المَقْدسي الفقيه مع تقدمه، وابن كُلَيْب إجازةً وبينهما في الموت مئة وست سنين، ومحمد بن ناصر، ومَعَالي بن أبي بكر الكَيَّال، ومُسلم بن ثابت النَّخَّاس، ومحمد بن حَيْدرة بن عُمر الحُسيني، وخَلْقٌ كثير. وسمع منه الحُفاظ: أبو عبدالله الحُمَيْدي، وجعفر بن يحيى الحَكَّاك، وأبو بكر ابن الخَاضِبة، وأبو مُسلم عُمر بن عليّ اللَّيثي في سنة ستين وأربع مئة . وجمعَ لنفسه ((مُعْجمًا))، وخرج مجاميع حسانًا، ونسخ الكثير. وممن روى عنه من القدماء عبدالمُحسن بن محمد الشِّيحي التَّاجر. وقال: أوَّل سماعي للحديث سنة اثنتين وأربعين، وأول رحلتي سنة خَمْس، أدركتُ البرمكي، فسمعتُ منه ثلاثة أجزاء ومات . وقد وصفه عبدالوهاب الأَنْماطي بالحِفْظ والإتقان، وقال: كانت له معرفة ثاقبة. وقال محمد بن عليّ بن فُولاذ الطَّبري: سمعتُ أبا الغنائم الحافظ يقول: كنتُ أقرأ القُرآن على المَشَايخ وأنا صبيٌّ، فقال النَّاسُ: أنت أُبي، وذلك لجودة قراءتي . قلتُ: قرأ على محمد بن عليّ بن عبدالرحمن العَلَوي، عن قراءته على أبي عبدالله الجُعْفي. قرأ عليه أبو الكَرَم الشهرزُوري لعاصم. وروى عنه السِّلَفي أجزاء وقَعَتْ لنا. وقال ابنُ ناصر: كان حافظًا، ثقةً، مُتْقِنًا، ما رأينا مثلَهُ، كان يَتَهَجَّد، ويقومُ الليلَ. قرأ عليه أبو طاهر بن سِلفة حديثًا فأنكره، وقال: ليسَ هذا من ١٤٣ حديثي. فسألَهُ عن ذلك، فقال: أعرف حديثي كُلَّه، لأني نظرتُ فيه مِرارًا، فما يخفى عليّ منه شيء. وكان يَقْدَم كلَّ سنةٍ من سنة ثمانٍ وتسعين في رجب، فيبقَى ببغداد إلى بعد العيد ويرجع ويَنْسخ بالأجرة ليستعين على العِيال. وأول ما سمع سنة اثنتين وأربعين. وكان أبو عامر العَبْدري يُثني عليه ويقول: خُتِم هذا الشأن بأُبي رحمه الله. مرض أُبِّي ببغداد، وحُمِل إلى الكُوفة، فأدركه أجله بالحِلة السَّيفية. وحُمِل إلى الكُوفة ميتًا، فدُفن بها، وذلك في شعبان، ومات يوم سادس عشره(١) . ٣٠٨ - محمد بن عليّ بن محمد القَصَّار الأصبهانيُّ، يُعرف بمُكْرَم. من شيوخ بغداد، روى عن القَزْويني، وابن لؤلؤ، وأبي محمد الجَوْهري. روى عنه المبارك بن كامل، وقال: تُوفي في رَجَب. ٣٠٩ - محمدٍ بن عليّ بن محمد بن عليّ بن خُزَيْمة، أبو بكر الخُزَيْمِيُّ النَّسَويُّ العَطَّارُ الفقيه المُزَكِّي. سمع جده محمد بن عليّ وأبا عامر الحسن بن محمد النَّسوي. أجاز لأبي سعد ابن السَّمْعاني، وقال: تُوفي في رجب، وحدثنا عنه عبدالخالق بن (٢) زاهر(٢). ٣١٠ - محمد بن مَنْصور بن محمد بن عبدالجَبَّار، الإمام أبو بكر ابن العَلاَّمة أبي المُظْفَّرِ التَّمِيمِيُّ السَّمعاني المَرْوزيُّ الحافظ، والد الحافظ أبي سَعْد. قال وَلَدُه: نشأ في عبادة وتَحْصيل، وحَظِيَ من الأدب وثَمَرته نَظْمًا ونثْرًا بأعلَى المَرَاتب، وكان مُتَصَرِّفَا في الفُنون بما يشاءُ، وبَرَع في الفقه والخِلاف، وزادَ على أقرانه بعِلْم الحديث، ومعرفة الرِّجال، والأنساب، والتَّواريخ، وطُرِّزَ فَضْلُه بمجالس تَذْكِيره الذي تصدع صُمُّ الصُّخور عند تحذيره، ونَفَقَ سوق تقواه عندَ المُلوك والأكابر. وسمع والده، وأبا الخَيْرِ محمد بن أبي عِمْران الصَّفَّار، وأبا القاسم الزَّاهري، وعبدالله بن أحمد الطَّاهري، وأبا الفَتْح عُبيد الله (١) ينظر تاريخ دمشق ٣٩٥/٥٤ - ٣٩٨، والمستفاد من تاريخ ابن النجار (٢٣). (٢) ينظر التحبير للسمعاني ١٩٠/٢ - ١٩١. ١٤٤ الهاشمي. ورحل إلىٍ نَيْسابور فسَمِعَ أبا عليّ نَصْر الله بن أحمد الخُشْنامي، وعليّ ابن أحمد المؤذِّن، وعبدالواحد ابن القُشَيْري. ودخل بغدادَ سنة سَبْع وتسعين، فسَمِعَ بها ثابتَ بنَ بُنْدار، ومحمد بن عبدالسَّلام الأنصاري، وأباً سعد بن خُشَيْش، وأبا الحُسين ابن الطُّيُوري، وطبقتهم، وبالكُوفة أبا البَقَّاء المُعَمَّر الحَبال، وأبا الغنائم النَّرْسي، وبمكة، والمدينة. وأقام ببغداد مدة يعظ بالنِّظامية. وقرأ التاريخ على أبي محمد ابن الآبَنُوسي، عن الخَطِيب، ثم رحل إلى هَمَذان في سنة ثمانٍ وتسعين، فسمع بها وبأصبهان من أبي بكر أحمد بن محمد ابن مردوية، وأبي الفَتْح أحمد بن محمد الحَدَّاد، وأبي سَعْد المطرز، ورجع إلى مَرْو. قال: ثم رحلَ بي وبأَخي سنة تسع وخمس مئة إلى نَيْسابور، وأسمعنا من الشِّيرُوبي، وغيره. وتُوفي في صَفَر، وَله ثلاثٌ وأربعون سنة، وقد أملَى مئة وأربعين مجلسًا بجامع مَرْو، كل من رآها اعترفَ له أنه لم يُسبَق إليها. وكان يروي في الوَعْظ والحديث بأسانيده. وقد طَلَب مَرَّة للذين يقرؤون في مجلسه، فجاءه لهم ألف دينار من الحاضرين. وقيل له في مجلس الوعظ: ما يُدرينا أنه يضع الأسانيد في الحال ونحن لا ندري؟ وكتبوا له بذلك رُقعةً، فنظر فيها، وروى حديث: ((من كذب عليَّ مُتَعَمِّدًا))، من نيفٍ وتسعين طَرِيقًا، ثم قال: إن كان أحد يَعْرف فقولوا له يكتب عشرة أحاديث بأسانيدها، ويخلط الأسانيد، ويُسْقِط منها، فإن لم أميزها فهو كما يَدَّعِي. ففعلوا ذلك امتحانًا، فردَّ كُلَّ اسم إلى مَوْضعه. ففي هذا اليوم طلب لقَُّاء مجلسه، فأعطاهُم النَّاسُ ألف دينار. هذا معنى ما حدثنا شيخُنا محمد بن أبي بكر السِّنْجي. وسمعتُ إسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ يقول: لو صَرَفَ والدك هِمَّته إلى هَدْم هذا الجِدَار لسقط . وقال السّلَفي فيه، فیما سمعت أبا العز البُسْتي ينشده عنه : يا سائلي عن عَلم الزَّمان وعالمِ العَصْر لدى الأعْيان لستَ ترى في عالم العِيانِ كابن أبي المُظفَّر السَّمعاني وله : وفي عِلْم الحديث التِّرْمذيُّ هو المُزَني كان أبا الفَتَاوى وفي وَقْتِ التَّشَاعُرِ بُخْتُرِيُّ وجاحظُ عَصْره في النَّثْر صِدقًا وفي النَّحْو الخليلُ بلا خلافٍ وفي حِفْظ اللَّغات الأصْمعيُّ تاريخ الإسلام ١٠/١١ ١٤٥ قلت: روى عنه السِّلَفي، وأبو الفُتُوحِ الطَّائي، وخَلْقٌ من أهْلِ مَرْو (١). ٣١١ - محمد بن مَنْصور بن محمد بن الفَضْل، الشَّيخ أبو عبدالله الحَضْرميُّ الإسكندرانيُّ المُقرىءُ. قرأ لِوَرْش على أحمد بن نفيس. وسمع من جماعة. قرأ عليه أحمد ابن الخُطَيْئة، وروى عنه ((العُثمانيات)). وَرَّخ موته ابن المُفَضَّل(٢). ٣١٢ - محمود بن سَعَادة بن أحمد بن يوسف، أبو القاسم الهلاليُّ السَّلماسيُّ. سمع أحمد بن حَرِيزِ السَّلَماسيَّ الفقيه، وأبا يَعْلى الخَلِيلي وأبا عُثمان الصابوني؛ قَدِما عليهم. وهو من بيت رياسة وصَلاح؛ روى عنه السِّلَفي، وقال: تُوفي في سنة عَشْر، وسماعه من الخَلِيلي في سنة اثنتين وعشرين. مات وقد قارب المئة(٣). ٣١٣ - مسعود بن حمزة، أبو الوَفَاء الحَدَّاد. سمع أبا محمد الجَوْهري. روى عنه المبارك بن أحمد، وغيره. تُوفي سنة إحدى عشرة(٤). ٣١٤ - نصر بن أحمد بن إبراهيم، أبو الفتح الهَرَويُّ الحَنَفَيُّ الزَّاهدُ العابدُ. سمع جدَّه لأمِّه أبا المُظَفَّر منصور بن إسماعيل صاحب ابن خَمِيرُوية، وإسحاق القَرَّاب، وأبا الحسن الدَّبَّاس، وجماعة. وخرّج له شيخُ الإسلامِ ثلاث مُجَلَّدات. وكان أسند من بقي بهَراة وأعبدهم، رحمه الله . (آخر الطبقة والحمد لله) (١) ينظر ((السمعاني)) من الأنساب، وإنباه الرواة ٢١٦/٣ - ٢١٧. (٢) هو علي بن المُفَضَّل المقدسي المتوفى سنة ٦١١ هو صاحب كتاب ((وفيات النقلة))، ولم يصل إلينا. (٣) ينظر معجم السفر (٦٠٥). (٤) سيأتي في موضعه من وفيات السنة المذكورة من الطبقة الآتية (الترجمة ٣٤)، وكأنه وقف على وفاته بأخرة . ١٤٦ الطبقة الثانية والخمسون ٥١١ - ٥٢٠ هـ بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحَمـ (الحوادث) سنة إحدى عشرة وخمس مئة زُلْزِلَت بغداد يوم عَرَفة، ووقعت دُورٌ، وحوانيت بالجانب الغربي على أهلها . وفيها هَجَمتِ الفِرَنْج حماةَ في اللَّيل، وقتلوا بها مئةً وعشرين رَجُلاً . وفيها تَرَخَّلت العَسَاكر، وتَرَكت حِصَار الألموت عندما بَلَغها موت السُّلطان محمد، بعد أن كادوا يَفْتَحُونها . وفيها غَرقت سِنْجار، جاءها سيلٌ عَرِم، وهَدَم سُورها. وهلكَ خَلْقٌ كثيرٌ، حتَّى إنَّ السَّيْل أخذَ بابَ المدينة وذهبَ به عِدَّة فَرَاسخ، واختفَى تحت الثُّراب الذي جَرَّه السَّيل، ثم ظهرَ بعد سنوات. وسَلِمَ طفلٌ في سريرٍ له، حَمَله السَّيلُ، فتعلّق السرير بزيتونة، وعاش وكبر. وفيها فَتَكَ قومٌ من الأتراك بلؤلؤ الخادم صاحبَ حَلَب وهو متوجِّه إلى قلعة جَعْبَر . والسّلطان محمد بن ملِكشاه، فيها تُوفي أيضًا بأصبهان، وقامَ بالأمر بعده ابنه محمود، وفَرَّق خزائنَهُ في العَسكر. وقيل: كانت أحد عشر ألف ألف دينار عَيْنَا، وما يُناسب ذلك من العروض. وفيها هلك بَغْدُوين صاحب القُدُس. وفيها هلك ملك القُسْطنطينية، لعنهما الله . سنة اثنتي عشرة وخمس مئة فيها كان حريقٌ كبيرٌ ببغداد، احترقت الرَّيْحانيين ومَسْجد ابن عَبْدون. وفيها قُبض على صاحب المَخْزن أبي طاهر ابن الخَرَزي، وأُعدِم، وأخذ من داره أربع مئة ألف دينار مدفونة. ١٤٩ وتُوفي ولد المسترشد بالله الكبير، ثم الصّغير بالجُدري، فبكى عليه المُسْترشد بالله حتى أُغمي عليه. وقُبض على ابن گمُونة وصُودر، وأُخذ منه مالٌ کثیر. وفيها كان على إمرة المَوْصل مَسْعود ابن السُّلطان مَلِكشاه، وله أربع عشرة سنة، وأتابَكه جيوش بك، ووزيره فخر المُلْك أبو عليّ بن عَمَّار صاحب طرابُلُس . وفيها خُلِع على دُبَيْس بن مَزْيَد جُبَّة، وفَرْجِية، وطَوْقٌ، وعِمامة، وفَرَس، وسيف، ومِنْطقة، ولواء، وحمَلَ ذلك إليه نقيبُ النُّقباء ونجاح، وكان يومًا مشهودًا. وصُرِف عن الحِجَابة أبو جعفر ابن الدَّامَغاني، وولي أبو الفُتُوح بن طَلْحة. وفيها ولي شِخْنكية بغداد آقسُنْقُر البُرْسُقِي، وعُزِل مجاهد الدِّين بَهْرُوز الخادم، وتَحَوَّل بهروز إلى تَكْريت، وهي له. ثم وَلِيَ شِخْنكية بغداد مَنْكُبُرْس، فحاربه البُرْسُقي بإذن الخليفة، فنُصِرَ البُرسقي. ومات الخليفة المستظهر بعد أيام، وبُويع المسترشد ولدُه فنزل أبو الحسن عليّ ابن المستظهر في مَرْكب هو وثلاثة نَفَر، وانحدر إلى المدائن ثم سار إلى الحِلَّة إلى عند دُبَيْس، فأكرَمَهُ وخدَمَهُ، وأهمّ ذلك المُسْتَرشد، وطلبَهُ من دُبَيْس، فتلطّف في المُدافعة عنه. سنة ثلاث عشرة وخمس مئة وفيها انفصلَ عن الحِلَّة الأمير أبو الحَسَن ابنِ المُسْتَظْهر بالله، فمَضَى إلى واسط، ودَعَى إلى نَفْسه، واجتمعَ معه جَيْشٌ، وتَمَلَّك واسطَ وأعمالها، وجَبَى الخَرَاج، وشُق ذلك على الخليفة، فبعثَ ابن الأنباري كاتب الإنشاء إلى دُبَيْس، وعَرَّفَهُ، وقال: أميرُ المؤمنين مُعَوِّلٌ عليك. فأجاب، وجهَّز صاحب جيشه عنانًا في جَمْعٍ كبيرٍ، فلما سمع أبو الحسن ذلك تَرَخَّل من واسط في عَسْكره ليلاً، فأضلَّوا الطَّريق، وساروا ليلهم أجمع حتى وصلوا إلى عَسْكر دُبَيْس، فلمَّا لاحَ لهم العَسْكر انحرفَ أبو الحسن عن الطَّريق، فتاه مع عَدَدٍ من خَوَاصِّه، وذلك في تمُّوز، ولم يكن معهم ماء، فأشرفوا على التَّلَف، فأدركه ١٥٠ نَصْر بن سَعْد الكُرْدي، فسقَاهُ، وعادت نَفْسُه إليه، ونهب ما كان معه من مال، وحمَله إلى دُبَيْس إلى النُّعْمانية، فأقدمه إلى بغداد وخَيّم بالرَّقَّة، وبعثَ به إلى المُسْترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار قُرِّرت عنه وكانت أيامه أحَدَ عشر شهرًا وشُهِرَ وزيرُهُ ابن زَهْمُوية على جَمَلٍ، ثم قُتل في الحَبْس. فقيل: إنَّ الأمير أبا الحسن دخل على أخيه المُسترشد، فقبَّل قدمه، فبكيا جميعًا، ثم قال له: فضَحْت نَفْسَكَ، وباعوك بَيْعِ العبيد. وأسكنه في داره التي كان فيها وهو ولي عَهْد. ورد جواريه وأولاده، وأحسنَ إليه، ثم شَدَّدَ عليه بعد ذلك. وفيها خُطِب بولاية العهد للأمير أبي جعفر مَنْصور ابن المُسْتَرشد، وله اثنتا عشرة سنة . وفي جُمادى الأولى كانت الوقعة بين السُّلْطانين سَنْجَر ومحمود ابن أخيه وزوج بنته؛ وذلك أنّ سَنْجَر لمَّا بَلَغَهُ موت أخيه السُّلطان محمد دخلَ عليه حُزْنٌ مُفرِط، وجلسَ على الرَّماد وصاحَ، وأغلق البَلَد أيامًا، وعَزَمَ على قَصْد العراق ليملكه، ونَدِمَ على قَتْل وزيره أبي جعفر محمد ابن فَخْرِ المُلْك ابن نظام المُلْك لأمورٍ بَدَت منه، وأخذ أمواله، وكان له من الجَوَاهر والأموال ما لا يُوصف، فالذي وجدوا له من العَيْن ألفا ألف دينار. فلمّا قتلَهُ استوزَرَ بعده شهاب الإسلام عبدالرَّزَّاق ابن أخي نظام المُلْك. ولما سمع محمود بحركة عَمِّه سَنْجر نحوه راسله ولاطَفَه وقَدَّم له تَقَادُم، فأبى إلا القتال أو التُّزول له عن السَّلْطَنة. فتجهّز محمود، وتَقَدَّم على مقدمته أمير حاجب في عشرة آلاف. ووصل محمود إلى الرَّي فدخلها، ثم ضجر منها وتقدَّم منها، وجاء إلى خدمته منصور أخو دُبَيْس وجماعة أمراء، وتَصَمَّد معه ثلاثون ألفًا، وأقبل سَنْجر في نحو مئة ألف، وكانت الوَقْعة بصحراء ساوَة، وكان مع سَنْجَر خمسةُ مُلُوك على خمسة أسِرَّة وأربعون فِيلاً، عليها البُرْكُصْطُوانات والمراوات والزّينة الباهرة، وألُوفٍّ من الباطنية، وألُوف من كُفار التُّرْك، فلما التقوا هَبَّت ريح سوداء أظلمت الدُّنيا، وظهر في الجو حُمْرة مُنْكَرَة، وآثار مُزْعجة، وخافَ النَّاسُ، ثم انكشفت الظُّلمة واقتتلوا، فانكسرت ميمنة سَنْجر، ثم ميسرته، وثبت هو في القَلْب والفِيلة معه، وكذا بقي محمود في القَلْب وحده، وتَفَرَّق أكثر جيشه في النَّهب، فحمل سَنْجر بالفِيلة، فولَّت الخَيْل منها، فتأخر محمود ولم ينهزم، فلم يتبعه سَنْجر لأنه رأى مجنَّبَتيه قد ١٥١ انهزموا، وثِقِلَه يُنْهَب، وكثيرٌ من أُمرائه قد قُتلوا، ووزيره قد أُسِر، ورأى ثبات ابن أخيه، فأخذ في المُخادعة وأرسل إلى محمود ابن أخيه يقول: أنت ابن أخي ووَلَدي، وما أؤاخذك، لأنك محمولٌ على ما صنعتَ، ولا أؤاخذ أصحابك، لأنهم لم يَطّلعوا على حُسن نيتي لهم. فقال محمود: أنا مملوكه. ثم جاء بنفسه، وسَنْجر قد جلسَ على سَرير، فقَبَّل الأرض، فقام له سَنْجَر، واعتنقه وقَبَّلَه، وأجلسَهُ معه، وخَلَعَ عليه خلعَةً عظيمةً، كان على سَرْج فَرَس الخِلْعة جَوْهر بعشرين ألف دينار. وأكل معه، وخَلَعَ على أُمرائه. وأفرد له أصبهان يكون حاكمًا عليها، وعلى مملكة فارس وخُوزستان، وجعله وليَّ عهده وزوَّجه بابنته. ثم عاد إلى خُراسان. ثم جاءت رسُلُهُ بالتَّقَادم إلى الخليفة . وفيها اجتمعَ عَسْكر ◌ُغُتِكين وإيْغازي، وخرجَ صاحب أنطاكية في عشرين ألفًا، فالتقوا بأرض حَلَب، فانهزم المَلْعون، وقُتل من أصحابه خَلْقٌ، وأُسِرِ خَلْقٌ، ولم ينجُ إلا الأقل، وفَرِحَ المؤمنون بهذه الوقعة الهائلة. وقد ذكرها أبو يَعْلَى حمزة، فقال(١): ولم تمض ساعةٌ إلا والإفرنج على الأرض بسطحة واحدة، فارسهم وراجلهم، بحيث لم يَفْلت منهم شخصٌ يُخَبِّر خَبَرَهم، وقُتِل طاغيتُهم صاحب أنطاكية، ولم يتفق مثل هذا الفتح للمسلمين. وفيها وقعت الفِتنة والمُباينة بين الأفضل أمير الجيوش وبين الآمر، واحترز كلٌّ منهما، وحَرَّض الأفضل على اغتيال الآمر، ودس إليه السُّمَّ مِرارًا، فلم يقدر. وجَرَت لهما أمور طويلة. وفيها خُلِعٍ على أبي عليّ بن صَدَقة، ولُقِّب جلال الدين. ووردت كُتُب من السُّلطان سَنْجر، فيها أقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار وللوزير ببضعة آلاف دينار. ثم جاءَ من سَنْجر هدايا، ثلاثين تَخْتًا من الثياب، وتُحَف وعشرة مماليك. وفي آخر السنة زاد التَّضْييق على الأمير أبي الحَسَن، وسُد عليه الباب، وکان یُنَزَّل إليه ما يصلحه من طاقة . وفيها وَلِيَ مَنْكِرس شِحْنَكية بغداد، فظَلَمَ وعسَفَ، وعَثَّرِ الرَّعِية، وضَجَّ (١) ذيل تاريخ دمشق ٢٠١ . ١٥٢ النَّاسُ منه، وأُغلقت الأسواق إلى أن فَلَعَه الله، وطَلَبَه السُّلطان، وقَتَلَهُ صَبْرًا. ثم أُعيد الخادم بهروز إلى الشِّخْنكية. ومات فيها وزير السُّلطان ربيب الدَّولة، ووَزَرَ بعده الكمال السُّمَيْرَمي. وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبر إسحاق، ويعقوب صلى الله عليهم(١)، ورآهم كثيرٌ من الناس لم تُبْلَ أجسادُهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذَهَب وفِضة؛ قاله حمزة بن أسد التَّمِيمي في ((تاريخه)) على ما حكاه ابن الأثير(٢). سنة أربع عشرة وخمس مئة فيها خُطِبَ للسُّلطان سَنْجر ولابن أخيه السُّلطان محمود معًا في موضع واحد، وسُمِّي كلُّ واحدٍ شاهنشاه، ولُقِّب سَنْجر: ((عَضُد الدولة)) ولُقِّبَ محمود: ((جلال الدَّولة)). وفي صَفَر نُقل أبو الفتوح حمزة بن عليّ من الحِجَابة إلى وكالة الخليفة وإلى نظر المَخْزن . وتَمَرَّد العَيَّارون، وأخذوا زَوَاريق مُنْحدِرَة إلى بغداد، وفتكوا بأهل السَّواد وأسرفوا، وهَجَموا على محلة العتابيين، فحَفظوا أبوابَ المَحَلَّة ونهبوها عَنْوة، فأمرَ الخليفة بإخراج أتراك داريّة لقتالهم، فخَرَجُوا وحاصَرُوهم في الأجَمَة خمسة عشر يومًا. ثم إنَّ العَيَّارين نزلوا في السُّفُن، وانحدروا إلى شارع دار الرَّقيق ودخلوا المَحَلَّة، وأفلتوا منها إلى الصَّحارى. وقصد أعيانُهم دار الوزير أبي عليّ بن صدَقَة بباب العامة في ربيع الأول، وأظْهَرُوا الثَّوبة. وخرجَ فريقٌ منهم لقطع الطَّريق، فقتلهم أهلُ السَّواد بأَوانا، وبَعَثُوا برؤوسهم إلى بغداد . وفيها ورد قاضي الكُوفة أبو جعفر عبدالواحد بن أحمد الثَّقَفي من جهة سَيف الدَّولة دُبَيْس إلى الأمير إيْلغازي بن أُرْتُق خطب منه ابنته لدُبَيْس، فزوَّجه بها، ونفّذها في صُحْبَته(٣). (١) بالقرب من بيت المقدس. (٢) الكامل ١٠ / ٥٦٠. (٣) كتب المصنف بعد هذا فقرة مختصرة عن الخلف بين السلطان محمود وأخيه مسعود، ثم = ١٥٣ ولمَّا بلغ دُبَيْسًا اشتغالُ محمود أخذ في أذِية السواد، وانجفَلَ أهلُ نهر عيسى، ونَهْر المَلِك، وأتى عنان صاحب جَيْشه، فحاصر بَعْقُوبا، وأخذها، وسَبَى الحريم والأولاد. وكان دُبَيْس يعجبه اختلاف السَّلاطين، فلما خاف من مجيء محمود أمر بإحراق الغَلَّت والأتْبان، وبَعَث إليه الخليفة يُنذره، فلم ينفع، وبعث إليه السُّلْطان محمود يتألَّفه، فلم يهتز لذلك، وقَدِم بغدادَ ونازلها بإزاء دار الخليفة، فوجِل منه النَّاس، وأخرجَ نقيب الطَّالبيين، وتهدَّد دار الخلافة، وقال: إنكم استدعيتم السُّلطان، فإنْ أنتم صرفتموه، وإلا فعلت وفعلت. فأُنفذَ إليه أنه لا يمكن رَد السُّلطان، بل نسعى في الصُّلْح. فانصرف دُبَيْس، فسمع أصوات أهل باب الأزَج يَسُبُّونه، فعاد وتَقَدَّم بالقبض عليهم، وضرب جماعة منهم بباب النّوبي. وفيها، قال ابن الأثير(١): خَرَجَ الكُرْج، وهم الخَزَر، إلى بلاد الإسلام. وكانوا قديمًا يغيرون، فامتنعوا أيام مَلِكشاه. فلما كانَ في هذه السنة خرجوا ومعهم القَفْجاق وغيرهم. فسار لحربهم دُبَيْس وإيْلْغاري وجماعة في ثلاثين ألف فارسٍ، فالتقى الجَمْعان، فانكسرَ المُسلمون، واصطدمَ المنهزمون، وتبعهم الكُفار يقتلون ويأسرون، فقتلوا أكثرَهُم، وأسروا أربعة آلاف رَجُل، ونجا طُغرُل أخو السُّلطان ودُبَيْس. ونازلت الكُرْج ◌ِتِفْلِيس، وحَصَروها مُدَّةً إلى سنة خمس عشرة، وأخذوها بالسَّيف. وفيها في ربيع الأول كان المَصاف بين السُّلطان محمود وأخيه الملك مسعود، وكان بيد مسعود أذْرَبِيجان والمَوْصل، وعُمره إحدى عشرة سنة. وسبب الحرب أن دُبَيْس بن صَدَقة كان يكاتب أتابك الملك مسعود، ويحثه على طلب السَّلْطنة لمسعود، وكان مع مسعود قَسِيم الدّولة، آقسُقُر البُرْسُقي الذي كان شِخْنة بَغْداد قد أقطعه مَرَاغه والرَّحْبة، وكان مُعاديًا لدُبَيْس، فكاتب دُبَيْس الأتابك جيوش بك يُحَرِّضه على القبض على البُرْسُقي، فعرفَ البُرْسُقي، ففارقهم إلى محمود، فأكرمه ورفعَ محلَّه. واتَّصل أبو إسماعيل الحُسين بن عليّ الأصبهاني الطُّغْرائي مُصَنَّف ((لامية ضرب عليها لأنها ستأتي عنده مفصلة بعد قليل. (١) الكامل ١٠ / ٥٦٧. ١٥٤ العجم)) بمسعود، وكان وَلَد الطُّغْرائي يُكَثِّب مَسْعُودًا، فلمَّا وصل الطُّغِرائي استوزَرَهُ مسعود قبل أن يعزل أبا عليّ بن عَمَّار الذي كان صاحب طَرَابلُس، فحَسَّن أيضًا لمسعود الخُروج على أخيه محمود، وخطبَ لمسعود بالسَّلطنة، ودُقَت له النَّوْبة في الأوقات الخَمْس. فأقبل محمود، والتقوا عند عَقَبَة أسَدَاباذ، ودامَ القتالِ طُول النَّهار، وانهزمَ جيش مَسْعود، وأُسِر منهم خَلْق، منهم الطُّغرائي، ثم قُتل بحضرة السُّلطان محمود، وهربَ خَوَاص مَسْعود به إلى جبَلٍ، فاختفى به وبعث يطلب الأمان، فَرَقَ له السُّلطان محمود وآمنه. ثم قَوَّوا نَفْس مسعود، وساروا به إلى المَوْصل، فلَحِقْهُ البُرْسُقيُّ، ورد به ، واعتنَقَهُ أخوه وبكيا، وعُدَّ ذلك من مكارم محمود. ثم جاء جيوش بك وخاطر فعفًا أيضًا عنه السُّلطان. وفي هذا الوقت كان ظهور ابن تُؤْمَرْت بالمَغْرب، كما هو مَذْكورٌ في ترجمته وانتشرت دعوته في جبال البَرْبَر، إلى أن صار من أمره ما صارَ. وفي رجب قَدِمَ السّلطان محمود، فتَلَقَّاه الوزير، ونثَرَ عليه أهلُ باب الأزج الدَّنانير، فبعثَ دُبَيس زوجته بنت عَمِيد الدَّولة ابن جَهِير إلى السُّلطان، فقَدَّم عشرين ألف دينارٍ، وثلاثة عشر فَرَسًا، فما وَقَع الرِّضا عنه، وطُولِبَ بأكثر من هذا، فأصرَّ على اللَّجاجِ، ولم يَبْذل شيئًا آخرَ، فمضَى السّلطان إلى ناحيته، فبعثَ يطلب الأمانَ ، وغالَطَ لينهزم، فلمَّا بعث إليه خاتم الأمان دخل البَرِّيّة . وفيها أمرَ الخليفةُ بإراقة الخُمُور التي بسوق السُّلطان، ونَقْض بيوتهم. وفيها رَدَّ وزيرُ السُّلطان الوزير المعروف بالسُّمَيْرمي المُكُوسَ والضَّرائب. وكان السُّلطان محمد قد أسقطَها سنة إحدى وخمس مئة، ورجعَ السُّلطان، فتلقاه الوزير والمَوْكب، فطلبَ الإفراج عن الأمير أبي الحسن أخي المُسْترشد بالله، فبُذِل له ثلاث مئة ألف دينار ليسكت عن هذا. وفيها نازل ملك الفِرَنج ابن رُذمير مدينة قُتَنْدَة فحاصرَها، وهي قريبةٌ من مُرْسِية، فجاء عَسْكر المُسلمين، فعَمِلوا المَصاف، فانهزمَ المُسلمون، وقُتِل خَلْقٌ، منهم ابن الفَرَّاء، وابن سُكَّرَة، واستطال ابن رُزمير لعنه الله. ١٥٥ سنة خمس عشرة وخمس مئة فيها بلغ السُّلطان محمودًا وفاةُ جَدَّته، فردَّ من الصَّيد، وعَمِلَ عزاءَها ببغداد، وتَكَلَّم أبو سَعْد إسماعيل بن أحمد، وأبو الفُتوح أحمد الغَزَّالي الطُوسيان. وفيها استُدْعي عليّ بن طِراد النَّقيب بحاجب من الدِّيوان، وقرأ عليه الوزير توقيعًا بأن قد استُغْني عن خِدمتك، فمضى ولزم بيتَهُ. وكانت بنته متَّصلة بالأمير أبي عبدالله ابن المستظهر، وهو المُقْتِفِي. وفي ربيع الأول انحدر أبو طالب عليّ بن أحمد السُّمَيْرمي وزيرُ السُّلطان مُتَفَرِّجًا، فلما حاذَى باب الأزج عَبَرَ إليه عليّ بن طِراد وحدَّثه، فوعَده، ثم تكلّم في حَقِّه، فأُعيد إلى النقابة . وفيه انقضَ كوكب صارت من ضَوئه أعمدة عندَ انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هَذَّة كالزَّلزلة. وفيه خُلِع على القاضي أبي سَعْد الهَرَوي خِلْعةُ القضاء، قَلَّده السُّلطان محمود القَضَاء بجميع المَمَالك سوى العِراق مُرَاعاً لقاضي القُضاة أبي القاسم الزَّينبي، وركب إلى داره ومعه كافَّة الأمراء. وفي جُمَادَى الآخرة احترقت دار المَمْلكة التي استجدها بهروز الخادم، وكان بها السُّلطان نائمًا على سَطْحِ، فَتَزَلَ وهربَ في سفينة، وذَهَب من الفَرْش والآلات والجَوَاهر ما تزيد قيمته على ألف ألف دينار، وغسَلَ الغسالون التُّراب، وظفروا بالذهب والخُليِّ قد تَسَبَّك، ولم يَسْلَم من الدَّار ولا خَشَبَة، وأمر السُّلطان ببناء دارٍ له على المُسناة المُسْتَحْدَثة، وأعرض عن الدَّار التي احترقت، وقال: إن أبي لم يُمَثَع بها ولا امتد بقاؤه بعد انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها. واحترق بأصبهان جامعٌ كبير أُنفِقَت عليه أموال، يقال: إنَّه غرم على أخشابه ألف ألف دینار. وفي شعبان عُقِد مَجْلس، وحَلَفَ السُّلطان للخليفة على المُناصحة والطّاعة، ثم نفَّذ هديةً إلى الخليفة، وجَلَسَ الخليفة في الدَّار الشَّاطئية، وهي ١٥٦ من الدُّور البَدِيعة التي أنشأها المُقْتدي، وتمَّمها المُسْتَرشد، فجلسَ فِي قُبَّته وعليه ثَوْب مُصْمت وعِمامة رُصافية، وعلى كتفه البُرْدة، وبين يديه القَضِيب. ورتَّب وزيرُه ابنُ صَدَقة الأمور. وأتى وزير السُّلطان أبو طالب السُّمَيْرمي والمُسْتوفي وخواص دولتهم، ثم وقفَ ابنُ صَدَقَة عن يسار السُّدَّة، وأبو طالب السُّمَيْرمي عن يمينها. وأقبلَ السُّلطان محمود يده في يد أخيه مسعود، فلما قَرُب استقبله الوزيران والكبار، وحَجَبُوه إلى بين يدي الخَليفة، فلما قاربوا كُشفت السِّتارة لهما، ووقَف السُّلطان في الموضع الذي كان وزيره واقفًا فيه، وأخوه إلى جانبه، فخدما ثلاث مَرَّات ووقَفًا، والوزير ابن صَدَقة يذكر له عن الخليفة أُنْسَه به وبِقُرْبه وحُسن اعتقاده فيه. ثم أمرَ الخليفةُ بإفاضة الخِلَع عليه، فحُمِلَ إلى مجلس لذلك، ثم وقف الوزيران بين يدي الخَلِيفة يحضران الأمراء أميرًا أميرًا، فَيَخْدم وتُعَرَّف خدمته، فيُقَبِّل الأرضَ ويَنْصِف. ثم عاد السُّلطان وأخوه، فمَثُلًا بين يدي الخليفة، وعلى محمود الخِلَعِ السَّبع، والطَّوق، والسِّواران، والتَّاج، فخدما. وأمر الخليفة بكُرْسِي، فجلس عليه السُّلطان، ووعَظَهُ الخليفة وتَلى عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ﴾ [الزلزلة] وأمَرهُ بالإحسان إلى الرَّعية، ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليه، ففَسَّره، وأعادَ عنه أنه قال: وَفَّقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين، وارتسامها بالسَّعادات. وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يُقلِّدا بهما السُّلطان. فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكُفار والمُلْحِدين. وعَقَد له بيده لواءين حُمِلا مَعَهُ، وخرجَ، فقُدِّم له في صَحْن الذَّار فَرَسٌ من مراكب الخَليفة، بمركبٍ جديد صيني، وقِيْدَ بين يديه أربعةُ أفراس بمراكب الذَّهب. وفيها كان ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثم وقع ثَلْجٌ عظيم وكَثُرُ حتى كان عُلُوَّ ذِراع. قال ابن الجوزي(١): وقد ذكرنا في كتابنا هذا، يعني ((المنتظم))، أنَّ الثَّلْجِ وقع في سنين كثيرة في أيام الرّشيد وفي أيام المُقْتدر، وفي أيام المُطيع، والطّائع، والقَادر، والقائم، وما سُمِع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي (١) المنتظم ٩/ ٢٢٦. ١٥٧ خَمْسَة عشر يومًا ما ذابَ، وهلكَ شجر الأتْرُج، واللَّيمو، ولم يُعْهَد سُقُوط ثَلْج بالبَصْرة إلاّ في هذه السَّنة . ودخل دُبَيْس الحِلَّة، فأخرج أهلَها، فازدحموا على المَعَابر، فغرق منهم نحو الخمس مئة، ودخل أخوه النِّيل، فأخرج شِخنة السُّلطان منها، وأخذَ ما فيها من المِيرة، فحثَّ الخليفة السُّلطان على دُبَيْس، فندبَ السُّلطان الأمراء لقصد دُبَيْس، فلمَّا قَصَدوه أحرق دار أبيه، وذهب إلى النِّيل، فأتى العَسْكر الحِلَّة، فوجدوها فارغةً، فقصدوه وهو بنواحي النِيل، ثم صالحوه. وحَلَفَ للسُّلطان. وفي صَفَر أقطعَ السُّلطانِ لاَفْسُنْقُر البُرْسُقي المَوْصِل وأعمالها، وبعَثَهُ إليها، وأمره بجهاد الفِرَنج، فسارَ إليها في عَسْكر كبير، واستقرَّ بها . وكان الأمير إيْلغازي بن أُرْتُق في هذه المُدَّة حاكمًا على ماردين وحلب، وابنه سليمان بحلب، فعزل سُليمان منها لكونه أرادَ أن يَعْصِي على أبيه. وفيها أُعيدت المُكُوس، وأُلْزِمت الباعة أن يَدْفعوا إلى السُّلطانِ ثُلُثي ما يأخذونه من الدِّلالة، وفُرِض على كل ثَوْب من السَّقلاطوني ثمانيةُ قَرَاريط. ثم قيل للباعة: زِنوا خمسة آلاف شُكْرًا للسُّلطان، فقد أمر بإزالة المَكْس. ومرض وزيرُ السُّلطان، فعادَهُ السُّلطان وهنأه بالعافية، فاحتمل واحتفلَ وعَمِلَ، أعني الوزير، وليمةً عظيمةً إلى الغاية، فيها المَلاَهي والأغاني، نابه عليها خمسون ألفَ دینار . وفيها تُوفي عليّ بن يَلْدرك الثُّركي، وكان شاعرًا مُتَرَسِّلا ظَرِيفًا، تُوفي في صَفَرَ ببغداد؛ قال أبو الفرج ابن الجوزي(١): نقلتُ من خَطَّ ابنَ عَقِيل، قال: حذَّثني الرئيس أبو الثَّنَاء عليّ بن يَلْدرك، وهو ممن خَبِرْتُه بالصدق، أنه كان في سُوق نهر المُعَلَّى، وبين يديه رجل على رأسه قَفَص زجاج، وهو مُضطَرب المَشي، يظهر منه عدم المعرفة بالحَمل، فما زلت أترقَّب سُقُوطه. قال: فسقطَ، فَتَكَسَّر الزُّجاج، فبُهِتَ الرَّجُل، ثم أخذ عند الإفاقة من البُكاء يقول: هذا والله جميعُ بضاعتي، والله لقد أصابني بمكة مصيبة عظيمة تُوفي على هذه، ما دخل قلبي مثل هذه. واجتمع حولَهُ جماعة يَرْنُون له، ويَبْكُون عليه، وقالوا: (١) المنتظم ٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠. ١٥٨ ما الذي أصابك بمكة؟ فقالَ: دخلتُ قُبَّة زمزم، وتجرّدت للاغتسال، وكان في يدي دُمْلُج فيه ثمانون مِثْقَالاً فخَلَعته واغتسلتُ، وأُنْسِيتُهُ، وخرجتُ. فقال رجلٌ من الجماعة: هذا دُمْلجك خُذه، له معي سنين، فدُهِشَ النَّاس من إسراع جبْر مصيبته . وفيها نازل الملِك عليّ بن يوسف بن تاشفين البَرْبَري مدينة قُرْطُبة وضايقها، وآذى النَّاس، فتَذَلِّلوا له، وبَذَلُوا له أموالاً عَظِيمة، حتى تَرَخَّلَ عنهم. وكانوا قد خَرَجوا عليه لكونه بعثَ على نيابة قُرْطُبة قائدًا ظالمًا، فأرادَ عبدٌ من عَبِيده أن يُكره امرأة ويَضْطَهدها علانيةً، فضَرَبَهُ النَّاس، فآل الأمر إلى قِتَال، حتى تسوروا على القائد وأخرجوه، بعد أن كادوا يقتلوه. وجَرَت فتنةٌ عظيمةٌ. وكان البَرْبَر في هذه السنين غَالبين على الأندلس، وفيهم قِلَّة دين. وقبل سَفَر ابن تاشفين وقفَ له بجامع مَراكُش محمد بن تُومَرْت الفقيه، وكَلَّمه بكلامٍ فَجِّ، فقال: أيها الأمير، إنَّك حِلْت بين بَصَرك وبين الحق، بظلمة التَّقْليد، فَقَلَّدتَ قومًا أكلوا الدُّنيا بالآخرة، وأنا أُناظرهم بين يديك، وأصقل مرآتك، حتى تأمر بالاحتياط عليه. وأحضر له جماعة من أهل الأصول والفُروع. سنة ست عشرة وخمس مئة فيها كَلَّم الخليفةُ الوزير أبا طالب السُّمَيْرمي في أمر دُبَيْس، وأنَّ في قربه من بغداد خَطَرًا، فنُؤثر مقام آقْسُنْقر البُرْسُقي عندنا لنُصْحِه، فوافقَ السُّلطان محمود على ذلك وفَعَلَه. ثم خرجَ في ربيع الأول من بغداد، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهُرٍ ونِصْفًا. وخَلَعَ على البُرْسُقي، وكُلِّم في شأن دُبَيس، فتوجَّه إلى صَرْصَر، وتصافَّ العسكران، وانجلت الوقعة عن هزيمة البُرْسقي، وكان في خَمْسة آلاف فارس، ودُبَيْس في أربعة الآف، بأسلحة ناقصة، إلا أن رَجالته كانت كثيرة. ورأى البُرْسقي في المَيْسِرة خَللاً، فأمرَ بحط خَيْمته لتُنْصَب عندهم ليشجعهم بذلك، وكان ذلك ضِلَّة من الرأي، لأنهم لما رأوها حُطَّت أشفقَوا فانهزموا، وكان الحَرُّ شديدًا، فهلكت البَرَاذين والهماليج عَطشًا، وتَرَقَّب النَّاس من دُبَيْس الشرَّ، فلم يَفْعل، وأحسنَ السِّيرة، وراسل الخليفة وتَلَطَّف، وتقرَّرت قواعد الصُّلْح. ١٥٩ ثم جرت أمور، ووَلِيَ عليُّ بن طِراد الزَّيْنبي نيابةَ الوزارة، وعُزل ابن صَدَقَة، ولم يُؤْذَ. ثم قَدِمَ قاضي القضاة أبو سَعْد الهَرَوي من العَسْكر بتُحَفٍ من سَنْجر، وأنَّ السُّلطان محمودًا قد استوزر عُثمان بن نظام المُلْك، وعَوَّل عثمان على أبي سَعْد بأن يُخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد ابنَ نظام المُلْك، وأنه لا يستقيم له وزارة بدار الخِلافة. فتَخَيَّر ابنُ صَدَقَة حَديثَةُ الفُراتِ ليكون عند سُليمان بن مُهارش، فأُخرج وخُفِر، فوقع عليه يونس الحَرَامي، وجَرَت له معه قصص. واستُدْعي أبو نصر أحمد ابن النظام من داره بنقيب النُّقباء عليّ بن طِراد، وابن طَلْحة، ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مَسْرورًا، وخلع عليه للوزارة. وفي رمضان بعث دُبَيْس طائفة، فنهبوا أكثر من ألف رأس، فأرسلَ إليه الخليفة يُقَبِّح ما فَعَل، فبثَّ ما في نفسه، وما يعامل به من الأمور المُمِضة، منها أنهم ضمنوا له إهلاك عَدُوِّه ابن صَدَقة الوَزير، فأخرجوه من الضّيق إلى السَّعَة، ومنها أنه طلب إخراج البُرْسُقي من بغداد، فلم يفعلوا، ومنها أنهم وعَدُوه في حق أخيه منصور أن يُطْلِقوه. وكان قد عَصَى على السُّلطان بَرْكْيَارُوق وخطب لمحمد، فلما ولي محمد صار له بالخطبة جاهٌ عند محمد، وقَرَّر مع أخيه أن لا يتعرَّض لصَدَقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودمِمًّا، والفَلُّوجة، وأعطاه واسط، وأذن له في أخْذ البَصْرة، فصارَ يدِل على السُّلطان الإدلال الذي لا يحتمله، وإذا وَقَّع إليه رَدَّ التوقيع، أوطال مُقام الرسول على مواعيد لا يُنْجزها، وأوحشَ أصحابَ الُّلطان، وعادى البُرْسُقي. وكان أيضًا قد أظهرَ سَبَّ الصَّحَابة بالحِلة، فأخذَ العميد أبو جعفر ثقةُ المُلْك فتاوى فيما يجب على من يسبُّ، وكتب المَحَاضر فيما يتم في بلاد ابن مَزْيَد من تَرْك الصَّلَوات، وأنهم لا يَعْتَقدون الجُمُعة ولا الجماعات، ويتظاهرون بالمُحَرَّمات. فكتب الفُقهاء بأنه يتعيَّن قتالهم. ثم قَصَدَ العميد باب السُّلطان وقال: إنَّ حال ابن مَزْيد قد عَظُمَت، وقد قَلت فكرته في أصحابك، واستبدَّ بالأموال، وأراهُ الفَتْوى، وقال: هذا سُرْخاب قد لجأ إليه، وهو على غاية من بِدْعته التي هي مذهب الباطنية. وكانا قد اتفقا على قَلْب الدَّولة، وإظهار مذهب الباطنية. وكان السُّلطان قد تَغَيَّر على سُرْخاب، فهربَ منه إلى الحِلة، فتلقاه بالإكرام، فراسَلَهُ السُّلطان، وطالَبهُ بتسليم سُرْخاب، فقال: لا أسلُّم من لجأ إليَّ، وإن ١٦٠