Indexed OCR Text
Pages 681-700
وفيها قدم عَسْكر المصريين، فالتقاهم الفرنج، فانهزم الفريقان بعد ملحمةٍ كبيرة بقرب عسقلان . سنة خمس وتسعين وأربع مئة فيها تُوفي المستعلي بالله أحمد ابن المستنصر بالله مَعَد العُبيديُّ الشِّيعيُّ صاحب مصر. وقام بعده ولدُه الآمر بأحكام الله مَنْصور، وهو طفلٌ له خمسُ سِنين. والأمور كلّها إلى الأفضل أمير الجيوش، أقام هذا الصَّغير ليتمكن من جميع الأمور، وذلك في سابع عشر صَفَر . وفيها؛ في المحرم كان المصاف الثالث بين الأخَوَين محمد وبَرْكْياروق. كان محمد ببغداد من عام أول، ورحل منها هو وأخوه سَنْجر، فقصدَ سَنْجر بلاده بخُراسان، وقصد السُّلطانُ محمد هَمَذان. وسار بركياروق ومعه أربعة آلاف، وكان مع محمد مثلها، فالتقوا برُوذْراورَ، وتَصَافوا، فلم يجرِ بينهم قتالٌ لشدة البَرْد. وتصافُوا من الغد، فكان الرجل يبرز، فيبارزه آخر، فإذا تقابلا اعتنق كلُّ واحد منهما صاحبه، وسَلَّم عليه، ويعودُ عنه. ثم سَعَت الأمراء في. الصُّلْحِ لِمَا عم المسلمين من الضَّرَرِ والوَهْن، فتقررت القاعدة على أن يكون بَرْكْيَارُوق السلطان، ومحمد الملك، ويُضرب له ثلاث نُوب، ويكون له جَنْزة وأعمالها وأذْرَبِيجان، وديار بكر، والمَوْصل، والجزيرة. وحَلَف كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه. وانفصل الجَمْعان من غير حربٍ، ولله الحمد. وسار كل أميرٍ إلى أقطاعه. وكان ذلك في ربيع الأول، فلما كان في جمادى الأولى كان بينهما مصافٍّ رابع؛ وذلك أنَّ السُّلطان محمدًا سار إلى قَزْوين، ونسب الأمراء الذين سَعَوا في صورة الصُّلْح إلى المُخَامرة، فكخَّلَ الأمير أيدكين، وقتل الأمير شمل. وجاء إلى محمد الأمير إينال، وتَجَمَّع عسكره، وقصده بركياروق، وكانت الوقعة عند الرّي، فانهزم عسكر محمد، وقصدوا نحو طَبَرِسْتان، ولم يُقتل غير رجلٍ واحد، قُتِل صَبْرًا. ومضت فرقةٌ منهم نحو قَزْوين، ونُهبت خَزَائن محمد. وانهزم في نَفَرٍ يسير إلى أصبهان وحملَ(١) علمه بيده ليتبعه أصحابه، وسار في طلبه الأميران ألبكي وإياز فدخل (١) من هنا إلى قوله: ((فدخل أصبهان)) سقط من النسخة الأحمدية وهو في بقية النسخ، ومنها= ٦٨١ أصبهان في سبعين فارسًا، وحَصَّنها ونَصَب مجانيقها، وكان معه بها ألف فارس، وتَبِعَه بركياروق بجيوشٍ كثيرة تزيد على خمسة عشر ألفًا، فحاصره وضَيَّقَ عليه. وكان محمد يدور كُلَّ ليلةٍ على السُّور ثلاث مَرَّات. وعُدِمت الأقوات، فأخرج من البلد الضُّعفاء. واستقرض محمد من أعيان البلد أموالاً عظيمةً، وعَثَّرهم وصادَرَهُم، واشتدَّ عليهم القَخْط، وهانت قيم الأمتعة. وكانت الأسعار على بركياروق رخيصة. ودام البلاء إلى عيد الأضحى، فلمَّا رأى محمد أموره في إدبار، فارق البَلَد، وساقَ في مئة وخمسين فارسًا، ومعه الأمير إينال، فجهز بَرْكْيارُوق وراءه عَسْكرًا، فلم ينصحوا في طَلَبه، وزحف جيش بركياروق على أصبهان ليأخذوها، فقاتلهم أهلُ البَلَد قتال الحريم، فلم يقدروا عليهم. فأشار الأمراء على بَرْكياروق بالرحيل، فرحل إلى هَمَذان. وفيها نازل ابن صَنْجِيل الفرنجي طرابُلُسَ، فسار عسكر دمشق مع صاحب حِمْص جَنَاحِ الدَّولة إلى طرابُلُس إلى انَطْرطوس، فالتقوا، فانكسر المسلمون ورجعوا. قال أبو المظفر سبط ابن الجَوْزي(١): جَهَّز الأفضل عساكر مصر فوصلوا في رجب إلى عَسْقلان مع الأمير نَصِير الدولة يُمْن. وخرجَ بَرْدويل من القُدس في سبع مئة، فكبسَ المصريين، فثبتوا له، وقتلُوا معظم رجاله، وانهزم هو في ثلاثة أنفسٍٍ، واختبأ في أجَمَةِ قَصَب، فأحاط المسلمون به وأحرقوا القَصَب، فهرب إلى يافا. وأمَّا عسكر دمشق، فعادوا وكشفوا عن طرابُلُس الفرنج. ومات صاحب حِمْص جَنَاحِ الدَّولة حُسين بن مُلاعب، وكان بَطَلا شجاعًا مذكورًا. قفز عليه ثلاثةٌ من الباطنية يوم الجمعة في جامع حِمْص، فقتلوه، وقُتلوا. فنازَلَها صاحب أنطاكية الذي تَمَلَّكها بعد أسر بَيْمُنت بالفرنج، فصالحوه على مال. ثم جاء شمس الملوك دُقَاق فَتَسلَّمها. وفيها قُتل الوزير الأعز أبو المحاسن عبدالجليل الدِّهِسْتاني وزير بَرْكْيارُوق؛ جاءه شابٌ أشقر، وقد ركب إلى خَيْمة السُّلطان وهو نازل على نسخة أ، وهو الذي في الكامل لابن الأثير ٣٣٣/١٠. (١) مرآة الزمان جـ ٨ ق ١ ص ٢. ٦٨٢ أصبهان، فقيل: كان مملوكًا لأبي سعيد الحَدَّاد الذي قتله الوزير عام أول، وقيل: كان باطنيًّا، فأثخنَ الوزيرَ بالجراحات. ووَزَرَ بعده الخَطِير أبو منصور المَيْبُذِي الذي كان وزير السلطان محمد. وكان في حصار أصبهان مُتَسَلِّمًا بعضَ السُّور، وطالبه محمد بمالٍ للجُنْد، ففارقه في اللَّيْل وخرجَ إلى مدينة مَيْئُذ، وتحصَّن بها، فبعثَ بركياروق من حاصره، فنزل بالأمان. ثم رضي عنه برکیاروق واستوزره. وفيها كانت فتنة كبيرة بين شِخْنَة بغداد إيلغازي بن أُرْتُق وبين العامة . أتى جُنْديٌّ من أصحابه ملاحًا ليعبُرَ به وبجماعة، فتأخّر، فرماه بنُشابةٍ فقتله، فأخذت العامةُ القاتلَ، وجروه إلى باب النُّوْبي، فلقِيَهم ابن إيلغازي فَخَلَّصه، فَرَجمتهم العامَّة. فتألَّم إيلغازي، وعبر بأصحابه إلى محلة المَلَّحين، فنهبوها، وانتشر الشُّطار، فعاثوا هناك وبدَّعوا، وغرق جماعة، وقُتِل آخرون. واستفحلَ الشَّرُ وجمع إيلغازي الثُّركمانيُّ جمعًا، وأراد نَهْب الجانب الغربي من بغداد، ثم لَطَفَ اللهُ تعالى . وفيها مات صاحب الموصل قوامُ الدولة كربوقا التُّركي في ذي القَعْدة عند مدينة خُوَي. وكان السُّلطان بَرْكْيارُوق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان، فاستولى على أكثرها، ومَرِض ثلاثةَ عشر يومًا، ودُفن بخُوَي. وأوصى أمراءه بطاعة سُنْقُرجاه. فَسَار بهم ودخل المَوْصل، وأقام ثلاثة أيام. وكان كبراؤها قد كاتبوا الأمير موسى التُّركماني، وهو بحصن كَيْفا، ينوب عن كربوقا. فسار مُجدًا، فظن سُنْقُرجاه أنه قدم إلى خدمته، فخرجَ يتلقَّاه، ثم تَرَجَّل كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخرِ، واعتنقا، وبكيا على كربوقا، ثم ركبا، فقال سُنْقُرْجاه: أنا مقصودي المِخَدةُ والمَنْصب، وأما الولايات والأموال فلكم. فقال موسى: الأمر في هذا إلى السُّلطان. ثم تنافسا في الحديث، فجذب سُنْقُرجاه سيفه، وضرب موسى صَفْحًا على رأسه فجرحه، فألقى موسى نفسه، وجذب سُنْقُرْجاه إلى الأرض ألقاه، وجذب بعضُ خواص موسى سكِينًا قتل بها سُنْقُرْجاه. ودخل موسى البلد، وخلع على أصحاب سُنْقُرْجاه، وطَيِّب قلوبَهُم، وحكم على المَوْصل . ثم غدر به عسكره، وانضمُّوا إلى شمس الدَّولة جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر وسار جكرمش، فافتتح نَصِیبین، ثم نازل المَوْصل، وحاصر موسى ٦٨٣ مُدَّةً، فأرسل موسى إلى سُقْمان بن أُرْتُق يستنجد به، على أن أطلق له حصن كَيْفًا وعشرة آلاف دينار. فسار من ديار بكر ونَجَدَه، فرحل عنه جكرمش. فخرج موسى يَتَلقَّى سُقمان، فوثب عليه جماعةٌ فقتلوه، وهرب خواصُّه. وَمَلَكَ سُقمانُ حصنَ كَيْفا، فبقيت بيد ذُريته إلى سنة بِضْع وعشرين وست مئة. وكان بها في دولة الملك الأشرف ابن العادل محمود بن محمد بن قَرا رسلان ابن داود بن سُقمان بن أُرْتُق صاحبها . ثم سار جكرمش وحاصر المَوْصل، فتسلَّمها صُلْحًا، وأحسنَ السِّيرةَ، وقتل الذين وثبوا على موسى. واستولى بعد ذلك على الخابور وغيره، وقوي أمره. قال ابن الأثير(١): كان صَنْجيل الفرنجي، لَعَنَه الله، قد لقي قِلج أرسلان بن سُليمان بن قُتُلْمِش صاحب الرُّومِ، فهزمه ابن قُتُلْمِش، وأسرَ خَلْقًا من الفرنج، وقَتَلَ خَلْقًا، وغنم شيئًا كثيرًا. وكان قد بقي مع صَنْجِيل ثلاث مئة، فوصل بهم إلى الشام، فنازل طرابُلُسَ، فجاءت نجدةُ دمشق نحو ألفي فارس، وعسكر حِمْص، وغيرهم، فالتقوا على باب طرابُلُس، فَرَتَّب صَنْجِيل مئة في وجه أهل البلد، ومئة لملتَقَى عسكر دمشق، وخمسين فارسًا للحِمْصيين، وبقي هو في خمسين . فأما عسكر حمص، فلم يثبتوا للحملة، وولوا منهزمين، وتَبِعَهم عسكر دمشق. وأما أهل البلد، فإنهم قتلوا المئة الذين بارَزَتْهُم، فحمل صَنْجِيل بالمئتين، فكسر أهل طرابُلُس، وقتل منهم مقتلةً، وحاصرهم، وأعانه أَهل البَر، فإن أكثرهم نَصَارى. ثم هادنهم على مالٍ. ونازل أنْطَرَ سُوس، فافتتحها وقتل أهلها. وفيها أطلق ابن الدَّانْشمند بَيْمُند الفرنجي صاحب أنطاكية، وكان أسَرَه كما تقدَّم، فباعه نفسَه بمئة ألف دينار، وبإطلاق ابنة ياغي سِيان صاحب أنطاكية، وكان أسَرها لما أخذَ أنطاكية من أبيها. فقَدم أنطاكية، وقويت نفوسُ أهلها به. وأرسل إلى أهل قِنَّسْرين والعواصم يُطالبهم بالإتاوة، وانزعج المسلمون . (١) الكامل ٣٤٣/١٠ - ٣٤٤. ٦٨٤ وفيها سار صَنْجِيل إلى حِصْن الأكراد فحصره، فجمع جَنَاحِ الدَّولة عسكرًا ليسير إليهم ويكبسهم، فقتله، كما قُلْتُ، باطنيٌّ بالجامع. وقيل: إنَّ ربيبه الملك رضوان جهز عليه مَن قتله. وَصَبَّحَ صَنْجِيلُ حِمْص فنازلها. ونزل القُمص على عَكَّا، وجَدَّ في حصارها وكاد أن يأخذها، فكشف عنها المسلمون . وفيها سار القُمص صاحب الرُّها إلى أن نازل بيروتَ، فحاصرها مدةً، ثم عجز عنها وتَرَخَّل . وفيها عاد سنجر من بغداد إلى خُراسان فخطب لأخيه محمد بجميع خُراسان. ثم مرض سنجر فطمع صاحب سَمَرْقَنْد جبريل بن عُمر في خُراسان، وجمع عساكر تملأ الأرض، قيل: كانوا مئة ألف فيهم خَلْقٌ من الكُفار، وقصد خُراسان. وكان قد كاتَبَه كُنْدُغدي أحد أمراء سَنْجر، وأعلمه بمرض سَنْجر، وبأنَّ السُّلطانَيْن في شُغلٍ بأنفسهما. ثم عُوفي سَنْجر، فسار لقَصْده في ستة آلاف فارس، إلى أن وصل بَلْخ، فهرب كُنْدُغْدي إلى خدمة قَدرخان، وهو صاحب سَمَرْقَنْد واسمه جبريل بن عُمر، ففرح بمَقْدَمِه، وسار معه فملك تِرْمذ، وقَرُب قدرخان بجيوشه إلى بَلْخ، فجاءت العيون إلى سَنْجر وأخبروه أنَّ قدرخان ذهب يتصيَّد في ثلاث مئة فارس، فندب الأمير بزغش لقصده، فساق ولحِقَه وقاتله، فانهزم أصحاب قدرخان لِقِلَّتهم، وأُسِر قدرخان وكُنْدُغْدي، وأُحضرا بين يدي سَنْجَر، فقبَّل قدرخان الأرض واعتذر، فأمر به فقُتل، وانملس كُنْدُغْدي، فنزل في قناةٍ مشى فيها قَدْر فرسَخَيْن تحت الأرض، على ما به من النِّقْرس، وقتل فيها حَيَّتين، وطلع من القناة، فصادف أصحابه، فسار في ثلاث مئة فارس إلى غَزْنَة . قال ابن الأثير(١): وقيل: بل جمع سَنْجَر عساكر كثيرة، والتقى بصاحب سَمَرْقَنْد، وكثُر القَتْلُ في الناس، وانهزم قدرخان صاحب سَمَرْقَنْد، وأسِر، ثم قُتِل. وحاصر سَنْجر تِرْمِذ، وبها كُنْدُغْدي، فنزل بالأمان، وأمره بمفارقة بلاده، فسارَ إلى غَزْنَة، فأكرمه صاحبُها علاء الدَّولة وبالغَ، ثم خاف منه كُنْدُغْدي، فهرب، فمات بناحية هَرَاة. (١) الكامل ٣٤٨/١٠. ٦٨٥ وأحضر السُّلطان سَنْجَر محمد بن سُليمان بن بُغْراخان نائب مَرْو، ومَلَّكه سَمَرْقَنْد، وبعثه إليها. وهو من أولاد الخانية بما وراء النهر، وأُّه بنت السُّلطان ملكشاه، وسَنْجَر خاله، فَدُفع عن مملكة آبائه، فقصد مَرْو، وأقام بها إلى الآن، فعظُم شانُه، وكثُرَت جُمُوعُه، إلا أنه انتصب له صاغو(١) بك، وزاحمه في المُلْك، وجَرَت له معه حروب . وفيها نازل المسلمون بَلَنْسِيَة، واسترجعوها من النَّصارى بعد أن بقيت في أيديهم ثمانيةَ أعوام، فجُدِّد محرابُ جامعها. ودامت دارَ إسلام إلى أن أخَذَتْها النصارى المرةَ الثانية سنة ستٍّ وثلاثين وست مئة. سنة ست وتسعين وأربع مئة كان يَنال بن أنُوشْتِكِين الحُساميُّ من أمراء السُّلطان محمد، فسار هو وأخوه عليّ من جهة محمد إلى الرّي وأقام الخُطبة بها لمحمد وصادر أهلها، وعَسَفَ وعمل كل بخسٍ، فورد إليه الأمير بُرْسُق من جهة السُّلطان برکیاروق، فاقتتلا بظاهر الرَّي، فانهزم ينال وسلك الجبال، وقُتِلَ خَلْقٌ من أصحابه، فقدم بغدادَ في سبع مئة فارس، فأكرمه المستظهر بالله، واجتمع هو، وإيلغازي، وسُقمان ابنا أُرْتُق، وتحالفوا على مُنَاصحة محمد، وساروا إلى سيف الدولة صَدَقة، فَحَلَف لهم. ورجع يَنال فظلم ببغداد وعَسَف واستطال عسكرُه على العامَّة بالضَّرْب والأذية البالغة والمصادرة. وتَزَوَّج هو بأخت إيلغازي، فبعثَ الخليفة إليه يَنْهاه عن الظُّلْم، فلم ينته. وسار بعد أشهُر إلى أوانا، فنهب وقطعَ الطَّريق، وأقطعَ القُرى لأصحابه، ثم شعث باجِسْرا، وقصد شهرابان، فمنعه أهلُها، فقاتلهم، فقتل بينهم طائفةٌ، وسار، لا سلمه الله، إلى أذربيجان قاصدًا مخدومه السُّلطان محمدًا . وکان قد ورد قبله إلى بغداد گمُشْتِکِین شِخنةً من قِبَل برکیارُوق، وكان بها أيضًا شِخْنةً لمحمد، وهو إيلغازي بن أُرْتُق، فجرت فتنةٌ، وترك الخطباء الدَّعوةَ للسُّلطان، واقتصروا على الدعاء للخليفة لا غير. وجاء سُقمان نجدةً لأخيه، فعاثَ وأفسدَ ونهبَ، واجتمع بأخيه فنهبا دُجَيْلاً، ولم يُبْقِيا على أحد، (١) هكذا في النسخ، وفي المطبوع من الكامل: ((هاغوبك)). ٦٨٦ واقْتُضَّتِ الأبْكار، وعملا ما لا تعمله التَّار، وغَلَت الأسعار. وسار كَمُشْتكين القَيْصَري، إلى واسط، فتبعه سيف الدَّولة بالعرب وهزمهم. وفي جُمادى الآخرة كان المصاف الخامس بين بَرْكيارُوق ومحمد على باب خُوَي، فانهزم عسكر محمد، وانهزم هو إلى أرْجِيش من أعمال خِلاط، ثم سار إلى خِلاط، واتصل به الأمير عليّ صاحب أرْزَن الزُّوم. وفي رجب قبضَ الخليفةُ على وزيره سديد المُلْك أبي المعالي، وحُبِس. ووَلِيَ النَّظر في الوزارة أبو سعيد بن الموصلايا الملقَّب بأمين الدَّولة. وفيها سار الملك دُقَاق إلى الرَّحْبة وحاصرها، وتَسَلَّمها وحَصَّنَها، ورجع وتَسَلَّم أيضًا حِمْص بعد صاحبها جناح الدَّولة. وفيها قدمت عساكرُ مصر، فحاصرت يافا وبها الفرنج، ثم التقوا هم والفرنج، فهزموهم، وقتلوا من الفرنج أربع مئة. ودخلوا بثلاث مئة أسير. ثم جاء خَلْقٌ من الفرنج في البحر لزيارة بيت المَقْدس. وفيها كان الحصار مستمرًّا على طرابُلُس، والنَّاس من الفرنج بالشَّام في بلاءٍ شدید . وفيها نازَلَت الفرنج الرَّسْتَن، ثم تَرَخَّلوا، وجَرَت لهم وقعات، واستولوا على شيءٍ كثير من الشَّام، وهادَنَهم أمراءُ البلاد على مالٍ يؤذُّونه إليهم كل عام، فلا قُوة إلا بالله. سنة سبع وتسعين وأربع مئة في ربيع الآخر، وقع الصُّلْح بين السُّلطانَيْنِ بَرْكْيارُوق ومحمد؛ وكان سببه أن الحرب لمَّا تطاوَلَت بينهما وعَمَّ الفسادُ، وصارت الأموال مَنْهوبة، والدِّماء مسفوكة، والبلاد مُخَرَّبة، والسَّلْطَنَة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين. وكان بَرْكْيارُوق حاكمًا حينئذٍ على الرَّي، والجبال، وطَبَرِسْتان، وفارس، وديار بكر، والجزيرة، والحَرَمَيْن، وهو مُنَعَّمٌ بالرَّي. وكان محمد بأذربيجان وهو حاكم عليها وعلى أرمينية، وأرَّان، وأصبهان، والعراق جميعه سوى تَكْريت، وبعض البَطَائح. وأما خُراسان، فإنَّ السلطان سَنْجَر كان يُخطَب له فيها جميعها، ولأخيه محمد، ٦٨٧ وبقي بَرْكْيارُوق ومحمد كفرسي رهان، فدخل العُقلاء بينهم بالصُّلْح، وكُتبت بينهم أيْمانٌ وِعُهُود ومواثيق، فيها ترجيح جانب بَرْكْيارُوق، وأُقيمت له الخُطْبة ببغداد، وتَسَلَّم أصبهان بمُقْتَضى الصُّلْح. وأرسَلَ الخليفة خِلَع السَّلطنة إلى بر کیاروق. وفيها جاءت الفرنج في البَحْر، فأعانوا صَنْجِيل على حصار طرابُلُس، وبالَغُوا في الحصار أيامًا، فلم يُغْنِ شِيئًا، ففارقوه. ونازلوا مدينة جُبَيْل أيامًا، وجَدُّوا في القتال، فعجز أهلُها وَتَسَلَّموها بالأمان، فغدروا بأهلها، وأخذوا أموالهم وعَذَّبوهم. ثم ساروا إلى عكا نجدةً لبردوين صاحب القدس، فحاصروها بَرًّا وبحرًا، وأميرها زهر الدَّولة نبأ الجُيُوشي، فزحفوا عليها مرةً غير مرة، إلى أن عجز نبأ عن عكا، ففارقها ونزل في البَحْر، وأخذتها الفرنج بالسَّيف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقَدِمَ واليها إلى دمشق، ثم دخلَ إلى مصر، وعفا عنه أمير الجيوش الأفضل. وفيها نازلَت الفرنج حَرَّانَ، فسار لجهادهم سُقمان وجكرمش في عشرة آلاف فارس، فكانت الوقعة على نهر البَلِيْخ، فانهزم المسلمون أولاً، وتبِعَتْهم الفرنج فَرْسَخَيْن، ثمّ عاد المسلمون عليهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وغنموا أسلابهم، وكان فَتْحًا عظيمًا أذل نفوس الفرنج بمرةٍ. وكان بَيْمُنْد صاحب أنطاكية وتنكري صاحب السَّاحل قد كمنا وراء جبلٍ، فلما خرجا رأيا أصحابهم منهزمين، فَتَسحبا في الليل، وفطن بهم المسلمون فتَبِعُوهم، وقتلوا وأسروا، وأفْلَت المَلِكان في ستة فرسان. وأسروا قُمص الرُّها، وحاز الغنيمة عسكرُ سُقمان، ولم يَظْفَر عسكرُ جكرمِش صاحب المَوْصل بِطَائل. ورحل سُقمان وألبسَ أصحابه أسلابَ الفرنج، ورفع أعلامهم، وكان يأتي الحصنَ فتخرج الفرنج منه، ظنًّا أن هؤلاء أصحابهم، فيقتلونهم، ويملكُ سُقمان الحصن، فعل ذلك بعدة حصون. وأما جكرمِش فإنه سار إلى حَرَّان وتَسَلَّمها، وقرر بها نائبه، وسار فحاصر الرُّها خمسة عشر يومًا وبها الفرنج. ثم تَرَخَّل إلى المَوْصل وفي أسره القُمص، ففاداه بخمسةٍ وثلاثين ألف دينار، ومئة وستين أسيرًا من المسلمين؛ ٦٨٨ حكاها ابن الأثير، وقال(١): كان عِدَّة القَتْلَى تُقارب اثني عشر ألف قتيل. وفيها مات صاحب دمشق شمس الملوك دُقَاق بن تُتُش، وأُقيم ولده بتدبير الأتابك طُغْتِكِين. وقيل: بل لما مات دُفَاق أحضر طُغْتِكين أرتاش أخا دُقَاق من بَعْلَبك، وكان أخوه حَبَسه بقلعتها، فلما قدم سَلْطَنه طُغْتِكين، فبقي في المُلْك ثلاثة أشهر، ثم هرب سرًّا لأمرٍ توقَّمه من طُغْتِكين، فذهب إلى بَغْدوين(٢) الذي مَلَك القدسَ مُسْتنصرًا به، فلم يحصل منه على أملٍ، فتوجه إلى العراق على الرَّحْبة فهلك في طريقه . وأما صَنْجِيل، لعنه الله، فطال مُقامُه على طرابُلُس، حتى أنه بنى على ميلٍ منها حِصْنًا صغيرًا، وشحنه بالرِّجال والسِّلاح. فخرج صاحب طرابلس ابن عمار في ذي الحجة، فهجم هذا الحصن ومَلَكَه، وقتل كلَّ من فيه، وهدم بعضَهُ، ودخل البلد بالغنائم مَنْصورًا. وكان ابن عَمَّر بَطَلاً، شُجاعًا، مَهِيبًا، برز إلى الفرنج مرات، وانتصر عليهم، وبذل وُسْعَهُ في الجهاد. وفيها جمع برغش مقدَّم جيش سَنْجَر عسكرًا كثيرًا وخَلْقًا من المُطَّوِّعة، وسار إلى قتال الإسماعيلية، وقَصَد طَبَس، وهي لهم، فخربها وما جاورها من القلاع والقُرى، وأكثر فيهم النَّهْب والسَّبي والقَتْل، وفعل بهم الأفعال العظيمة. ثم إن أصحاب سَنْجر أشاروا بأنْ يؤمّنُوا، ويُشْتَرط عليهم أن لا يَبْنُوا حصنًا، ولا يشتروا سلاحًا، ولا يدعوا أحدًا إلى عقائدهم، فسخط كثيرٌ من النَّاس هذا الأمان، ونقموه على السُّلطان سَنْجَر. ومات بزغش، وخُتِمَ له بغزو هؤلاء الكِلَاب الزَّنادقة. سنة ثمان وتسعين وأربع مئة في ثاني ربيع الآخر، مات الشُّلطان بَرْكْيارُوق، ومَلَّكَت الأمراءُ بعده ولَدَه جلالَ الدَّولة ملكشاه، وخُطِب له ببغداد وهو صبي له دون الخمس سِنین . وأما السلطان محمد، فكان مُقيمًا بتِبْريز، فسارَ إلى مَرَاغَة يريد (١) الكامل ٣٧٥/١٠. (٢) هكذا في النسخ كافة، وفي الكامل، وهو بلدوين. تاريخ الإسلام ١٠/م٤٤ ٦٨٩ جكرمِش، فَحَصَّن جكرمش المَوْصل، وجفل أهلُ الضِّياع إلى البلد، فنازله محمد، وجَدَّ في قتاله، وقاتل مع جَكَرْمش أهلُ المَوْصل لمحبتهم فيه، ودامَ القتالُ مدةً، فلما بلغت جَكَرْمش وفاةُ بَرْكْيارُوق، أرسل إلى محمد يبذل الطَّاعة، فدخل إليه وزير السُّلطان محمد سعد المُلْك، وخرج معه جَكَرْمش، فقام له محمد واعتنقه، وقال: ارجع إلى رعيتك، فإنَّ قلوبهم إليك، فَقَبَّل الأرضَ وعاد، فَقَدَّم للسُّلطان وللوزير تُحَفًا سَنِية، ومد سماطًا عظيمًا بظاهر الموصل . ثم أسرع محمد إلى بغداد وفي خدمته صاحب الموصل. وكان ببغداد ملكشاه بن بركياروق الصَّبي الذي سَلْطَنَه الخليفة، وأتابك الصَّبي إياز. فبرزوا من بغداد، وتحالفوا على حَرْب محمد، ومَنْعه من السَّلْطنة. وجاء محمد فنزل بالجانب الغَرْبي، وخُطِب له به. ثم ضَعُف إياز والأمراء، فراسلوا محمدًا في الصُّلْحِ، وليُعطي إيازَ أمانًا على ما سَلَفَ منه. وتم الدَّسْتُ لمحمَّد، واجتمعت الكلمةُ عليه، واستحلف السُّلطانَ إلَكِيا الهَرَّاسيُّ على الأمان، وأقام السُّلطان محمد ببغداد ثلاثة أشهر، ثم توجه إلى أصبهان . وأما إياز أتابك ملكشاه، فإنه لما سَلَّم السَّلْطنة إلى السلطان محمد عَمِلَ دعوةٌ عظيمة، في داره ببغداد، ودعى إليها محمدًا، وقَدَّمَ له تُحَفّا، منها الحَبْلِ البُلخُش الذي أخذه من تركة مؤيّد المُلْك ابن النِّظام. وحضر مع السُّلطان الأمير سيف الدَّولة صَدَقَة بن مَزْيَد. فاعتمد إياز اعتمادًا رديئًا، وهو أنه ألبس مماليكه العُدَد والسِّلاحِ ليُعرضوا على محمد، فدخل عليهم رجلٌ مَسْخَرَة، فقالوا: لابُدَّ من أن نُلْبِسك دِرْعًا ونعرضك فألبسوه دِرْعًا وعبثوا به يصفعونه، حتى كَلَّ وهرب، والْتَجأ إلى غِلْمان السُّلطان، فرآه السُّلطان مذعورًا وعليه لباسٌ عظيم، فارتاب. ثم جَسه غلام، فإذا دِرْع تحت الثياب الفاخرة، فاستشعر، وقال محمد: إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا السِّلاح، فكيف الأجناد. وتَخَيَّل لكَوْنه في داره، فنهض وخرج. فلما كان بعد أربعة أيام استدعى إياز وجَكَرْمش صاحب الموصل وجماعة وقال: بَلَغَنَا أنَّ المَلِك قِلِج أرسلان بن سُليمان بن قُلْمِش قصد ديار بكر ليأخذها، فانظروا من يُنْتَدَب له. فقالوا: ما له إلا الأمير إياز. فطلب إيازًا إلى بين يديه لذلك، وأعدَّ جماعةً ليفتكوا به إذا دخل، فضربه واحدٌ أبانَ رأسه، فغَطَّى الأمير صدقة وجهه بكُمِّه، ٦٩٠ وأما الوزير فغُشي عليه. ولُفَّ إياز فِي مَسْح، وأُلْقي على الطَّريق، فركب أجناده وشَغَبوا، ثم تفرقوا. وهذا أمر جَرَّه المزّاح، نسأل الله السَّلامة. ثم أخذه قوم من المُطَّوِّعة، وكَفَّنوه ودفنوه، وعاش نحو الأربعين. وكان من مماليك السُّلطان ملكشاه، وكان شجاعًا غَزِير المروءة، ذا خبرةٍ بالحروب. ثم قتلوا وزيره بعد شهرین. وفيها هلك الطَّاغية صَنْجيل الذي حاصر طرابُلُس في هذه المُدَّة، وبنى بقُربها قلعةً وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم. ووصل إلى الشَّام ليحج القدس، فأُخِذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينُه. ودار في بلاد الشام بِزِي الثُّجَّار؛ فلما تُوفي السُّلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده، وجمع الفرنج للحج، وقدم أنطاكية، وحارب المُسلمين مرات، وتمكن. ثم شن الغارة من حِصْنه، فبرز له ابنُ عَمَّار من طرابُلُس، وكبسَ الحِصْن بغتةً، فقتل من فيه، وَرَمَى النِّيران في جوانبه، ورجع صَنْجِيلٍ، فدخل الحِصْنَ، فانخسف به سَقْفٌ، ثم مرض وغُلب، فصالح صاحبَ طرابُلُس. ثم مات في سنة ثمانٍ . فقام بعده ابنُ أخيه، وجَدَّ في حصار طرابُلُس، والأمر بيد الله تعالى. وفيها تُوفي الأمير سُقمان بن أُرْتُق وقد كان فخر الملك ابن عَمَّار صاحب طرابُلُس كاتَبه واستنجد به، فتهيأ لذلك، فأتاه وهو على العَزْم كتاب طُغْتِكين صاحب دمشق: بأني مريض أخاف إنْ مت أن تملك الفرنج دمشقَ، فاقْدِم عليّ. فبادر إلى دمشق، ووصل إلى القريتين، وأُسْقِط في يد طُغْتِكين وندم، فلم ينشب أن أتاه الخبر بموت سُقمان بالقريتين بالخوانيق، وكانت تعتريه كثيرًا، فمات في صَفَر، ورجع به عسكره، ودُفن بحصن كَيْفا. وكان دينًا حازمًا مجاهدًا، فيه خيرٌ في الجُمْلة. وفيها ثار الباطنية بخُراسان، ولم يقفوا مع الهدنة المذكورة فعاثوا بأعمال بَيْهِقِ، وبَيَّتوا الحُجاج الخُراسانيين بنواحي الرَّي ووضعوا فيهم السَّيف، ونجا بعضُهم بأسوأ حال. وقتلوا الإمام أبا جعفر ابن المَشَّاط أحد شيوخ الشافعيّة، كان يعظ بالرّي، فلما نزل عن الكرسي وثب عليه باطني فقتله. وفيها كانت وقعة بين الفرنج ورضوان بن تُتُش صاحب حَلَب، فانكسر رضوان؛ وذلك أن تنكري صاحب أنطاكية نازل حصنًا، فجمع رضوان عسكرًا ٦٩١ ورَجَّالة كثيرة من المُطَّوِّعة، فوصلوا إلى تِبْرِيز. فلما رأى تنكري كَثْرَةَ سَوادهم راسل بطلب الصَّلْح، فامتنع رضوان، فعملوا المصاف، فانهزمت الفرنج من غير قتال، ثم قالوا: نعود ونحمل حملةً صادقةً، ففعلوا فانحطمت المُسلمون، وقُتل منهم بَشَرٌ كثير. ولم يَنْجُ من الأسر إلا الخَيَّالة، وافتتح الفرنج الحِصْنَ، ويقال له حصن أرتاح، وذلك في شعبان. وفيها قَدِمَ المصريون في خمسة آلاف، وكاتَبُوا طُغْتكين صاحب دمشق، فأرسل ألفًا وثلاث مئة فارس، عليهم الأمير إصْبَهْبَذ صباوا فاجتمعوا، وقصدهم بَغْدوين صاحب القدس وَعكا في ألفٍ وثلاث مئة فارس، وثمانية آلاف راجل، فكان المصاف بين يافا وعَسْقلان، وثبت الفريقان، حتى قُتِل من المسلمين ألفٌ ومئتان، ومن الفرنج مثلُهم، فقُتل نائب عَسْقلان جمال المُلْك. ثمّ قطعوا القتال وتحاجزوا. وقل أن یقع مثل هذا. ثم رد عسکر دمشق، ودخل المصريون إلى عَسْقلان. وفيها عُزِل عن شِخْنكية بغداد إيلغازي بن أُرْتُق، وجعل السُّلطان محمد على بغداد قسيمَ الدولة سُنْقُر البُرْسُقي، وكان ديَّنًا عاقلاً من خواص محمد. ودخل محمد أصبهان سلطانًا متمكنًا، مَهيبًا، كثير الجيوش، بعد أن كان خرج منها خائفًا يترقَّب، فَبَسطَ العَدْلَ، وأحسن إلى العامة . وفيها كان ببغداد جُدَري مُفْرِط، مات فيه خَلْقٌ من الصِّبيان لا يُحْصَوْن، وتَبِعه وباءٌ عظيمٌ. وكان الحصار متواترًا على طرابُلُس. وكُتُبُ أهلها متواصلةٌ إلى طُغْتِكين يستصرخونه لإنجادهم وعَوْنهم، فأهلك الله تعالى صَنْجيل مُقَدَّم الفرنج وقام غيره كما سبق. سنة تسع وتسعين وأربع مئة فيها ظهر رجلٌ بنواحي نَهَاوَنْد فاذَّعى النُّبُوة، وكان يُمَخْرِق بالسِّحْر والنُّجوم، وتَبِعه الخَلْقُ، وحملوا إليه أموالهم، فكان لا يدّخر شيئًا، وسَمَّى أصحابه بأسماء الصحابة كأبي بكر، وعُمر. وخرج أيضًا بنهاوند رجلٌ من ولد ألب أرسلان يطلبُ المُلْك، فَأُخذا وقُتلا في وقتٍ واحد. ٦٩٢ وفيها شرع الفرنج وعمدوا إلى حصنٍ بين طَبَرية والبثنيَّة يقالُ له: عال، فبلغ طُغْتِكين صاحب دمشق، فسار وكَبَسهم فقتل وأسرَ وأخذ الحِصْنَ، وعادَ بالأَسارى والغنائم، وزُيَّنَت دمشق أسبوعًا. ثم سار إلى حِصْن رَفَنِية، وصاحبه ابن أخت صَنْجِيل، فحصرهُ طُغْتِكِين ومَلَكَهُ، وقتل به خمس مئة من الفرنج . وفيها ملكت الإسماعيلية حصنَ فامِيَة، وقتلوا صاحبه خَلَف بن مُلاعب الكلابي. وكان خَلَف قد تَغَلَّب على حِمْص، وقطع الطَّريق، وعمل أنْحَس مما تعمله الفرنج، فطرده تُتُش عن حِمْص، فذهب إلى مصر، فما التفتوا إليه. فاتَّفق أنَّ نقيب فَامِيَة من جهة رضوان بن تُتُش أرسل إلى المصريين، وكان على مذهبهم، يستدعي منهم من يُسَلُّم إليه الحصن، فطلب ابنُ مُلاعب منهم أن يكون واليًا عليه لهم. فلما ملكه خلع طاعتهم. فأرسلوا من مصر يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم رهينة، فقال: لا أنزل من قلعتي، وابعثوا إليَّ ببعض أعضاء ابني حتى آكُله. وبقي بفامِيَة يقطع الطَّريق، ويخيف السَّبِيل، وانضم إليه كثير من المُفْسدين. ثم أخذت الفرنج سَرْمِين، وأهلُها رافضة، فتوجه قاضيها إلى ابن مُلاعب فأكرمه وأحبّه، ووثق به، فأعمل القاضي الحيلة، وكتب إلى أبي طاهر الصَّائغ، أحد رؤوس الباطنية ومن الواصلين عند رضوان صاحب حلب، واتَّفق معه على الفَتْك بابن مُلاعب. وأحسَّّ ابنُ مُلاعب فأحضر القاضي، فجاء وفي كُمه مُصْحَفٌ، وتنصَّل وخدع ابن مُلاعب، فسكت عنه؛ وكتبَ إلى الصَّائغ يشير عليه بأن يُحَسِّن لرضوان إنفاذَ ثلاث مئة رجلٍ من أهل سَرْمين الذين نزحوا إلى حلب، ويُنفذ معهم خيلاً من خيول الفرنج، وسلاحًا من سلاحهم، ورؤوسًا، من رؤوس الفرنج، فيأتون ابن مُلاعب في صورة أنهم غُزاة، ويَشْكُون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم، وأنهم فارقُوه، فلقِيَتْهُم طائفةٌ من الفرنج، فنُصروا على الفرنج، وهذه رؤوسهم. ويحملون جميع ما معهم إليه، فإذا أذن لهم في المُقام عنده يتفق معهم على إعمال الحيلة عليه. ففعل الصَّائغ جميع ذلك، وجاؤوا بتلك الصورة، وقَدَّموا لابن مُلاعب ما معهم من خَيْلٍ وغيرها، فأنزلهم ابن مُلاعب في رَبَض فامية. فقام القاضي ليلةً هو ومن معه بالحِصْن، فدلَّوا حبالاً، وأصعدوا أولئك من الرَّبَض، ووثبوا على أولاد ابن مُلاعب وبني عَمِّه فقتلوهم، وأتوا ابن مُلاعب وهو مع امرأته ٦٩٣ فقال: من أنت؟ قال: مَلَك الموت جئت لقبض روحك. ثم قتلَهُ. ثم وصل الخبر إلى أبي طاهر الصائغ، فسار إلى فامِيّة، وهو لا يشك أنها له. فقال القاضي: إنْ وافقتَني وأقمتَ معي، وإلا فارجع. فآيس ورجع. وكان عند طُغْتكين الأتابك ولدٌ لابن ملاعب، فولاه حِصْنَا، فقطع الطريق، وأخذَ القوافل كأبيه. فهَمَّ طُغْتكين بالقبض عليه، فهرب إلى الفرنج واستدعاهم إلى فامية، وقال: ما فيها إلا قُوت شهر. فنازَلُوه وحاصروه، وجاع أهلُه، ومَلَكَتْه الفرنج، فقتلوا القاضي المذكور، وظفروا بالصَّائغ فقتلوه، وهو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام، فقيل: لم يقتلوه وإنَّما بقي إلى سنة سَبْعِ وخمس مئة، فقتله ابن بريع(١) رئيس حلب بعد موت رضوان صاحبها. وفيها مَلَك سيف الدَّولة صَدَقَة بن مَزْيَدِ الأسَدِي البَصْرة، وحكم عليها وأقام بها نائبًا، وجعل معه مئة وعشرين فارسًا. فاجتمعت ربيعةٌ، والعرب، في جَمْع كبير، وقصدوا البَصْرة، فقاتلهم النَّائب ألتونتاش، فأسروه، ودخلوا البلد بالسَّيِّف، فنهبوا وأحرقوا، وما أبقوا ممكنًا، وانتشر أهلُها في السواد. وأقامت العرب تُفْسد شهرًا، فأرسل صَدَقَةُ عَسْكرًا، وقد فات الأمر. وأما ابن عَمَّار فكان يخرج من طرابُلُس وينال من الفرنج، وخَرَّب الحصن الذي أقامه صَنْجِيل، وحَرَّق فيه، فرجع صَنْجِيل ومعه جماعةٌ من القَمَامِصة والفُرسان، فوقفَ على بعض السُّقُوف المحترقة، فانخسفَ، فمرض صَنْجِيل عشرة أيام ومات، لعنه الله؛ وحُملت جِيفةُ المَلْعون إلى القدس، فدُفِنت به. ولم يزّل الحرب بين أهل طرابُلُس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدموا الأقوات، وافتقر الأغنياء، وجلا الفُقراء، وظهر من ابن عمار صَبْرٌ وثَباتٌ، وشجاعة عظيمة، ورأيٌّ، وحَزْم. وكانت طرابُلُس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجمُّلاً وثروة، فباعَ أهلُها من الحُلي والآلات الفاخرة ما لا يوصف بأقل ثمن، ولا أحد يُغيثهم، ولا من يكشف عنهم. وامتلأ الشَّام من الفرنج . (١) هكذا في النسخ كافة، وفي كامل ابن الأثير ٤١٠/١٠: ((بديع)). ٦٩٤ سنة خمس مئة فيها تُوفي أمير المغرب والأندلس يوسف بن تاشَفِين، وولي المُلْك بعده ابنُه عليٍّ بن يوسف. وكان قد بعث فيما تقدَّم تقدمةً جليلةً، ورسولاً إلى المستظهر بالله، يلتمس أن يُؤَلَّى السَّلْطَنَةِ، وأن يُقَلَّدَ ما بيده من البلاد، فكتب له تقليدًا، ولُقِّبَ أمير المسلمين، وبُعِثَت له خِلَعِ السَّلْطنة، ففرح بذلك، وسُرَّ فُقهاء المغرب بذلك. وهو الذي أنشأ مدينة مَرَّاكُش. وفي يوم عاشوراء قُتل فَخْرُ المُلْك عليّ ابن نظام المُلْك. وثب عليه واحدٌ من الإسماعيلية في زي مُتَظَلَّم، فناوله قَصَّةً، ثم ضَرَبَه بسكِّينِ فقتلَهُ. وعاش ستًا وستين سنة. ونقل ابن الأثير(١) أنه كان أكبر أولاد النِّظام، وأنه وَزَرَ للسُّلطان بركياروق، ثم انفصل عنه، وقَصَدَ نَيْسابور، فأقام عند السلطان سَنْجَر، ووَزَر له. فأصبح يوم عاشوراء صائمًا، فقال لأصحابه: رأيتُ اللَّيْلة الحُسين بن عليّ رضي الله عنهما وهو يقول: عَجِّل إلينا، ولْيكُنْ إفطارُك عندنا. وقد اشتغل فكري، ولا مَحِيدَ عن قضاء الله وقَدَرِه. فقالوا: يكفيك الله، والصَّوَاب أنْ لا تخرج اليومَ واللَّيلة فأقام يومه كُلَّه يُصَلَي ويقرأ، وتَصَدَّق بشيءٍ كثير، ثم خرجَ وقت العصر يريد دار النِّساء، فسمع صوتَ صياحٍ مُتَظَلَّمٍ، شديد الحُرْقةِ، وهو يقول: ذهب المُسلمون، فلم يبق من يكشف كُرْبةً، وَلا يأخذ بيد مَلْهوف. فطلبَهُ رحمةً له، وإذا بيده قَصة، وذكرَ الحكاية. وفيها قبضَ الشُّلطان محمد على وزيره سَعْد المُلْك أبي المحاسن، وصَلَبَهُ على باب أصبهان، وصَلَب معه أربعةً من أصحابه نُسبوا إلى أنَّهم باطنية. وأما الوزير فاتُّهم بالخيانة، وكانت وزارته سنتين وتسعة أشهر. وكان على ديوان الاستيفاء في أيام وزارة مؤيد المُلْك ابن نظام المُلْك، ثم خدم السُّلطان محمدًا وقام معه، فاستوزره ثم نَكَبَه وصَلَبَه. ثم استوزر قِوَام المُلْك أبا ناصر أحمد ابن نظام المُلْك. وفيها انتزع السُّلطان محمد قلعة أصبهان من الباطنيَّة، وقتل صاحبها (١) الكامل ٤١٨/١٠ - ٤١٩. ٦٩٥ أحمد بن عبدالملك بن غَطَّاس وكانت الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجًا، وجمعوا له الأموال، وَقدَّموه لأنَّ أباه عبدالملك كان من علمائهم له أدب وبلاغة، وحُسْن خَط، وسُرعة جواب، مع عِفةٍ ونزاهة، وطلع ابنه أحمد هذا جاهلاً. قيل لابن الصباح صاحب الألموت: لماذا تعظم ابن غَطَّاس على جَهْله؟ قال: لمكان أبيه، فإنه كان أستاذي. وكان ابن غَطَّاس قد استفحل أمرُه، واشتد بأسُه، وقَطَعَت أصحابُه الطُرُق، وقتلوا الناس . قال ابن الأثير(١): قتلوا خَلْقًا كثيرًا لا يمكن إحصاؤهم، وجعلوا لهم على القُرى والأملاك ضرائب يأخذونها، ليكقُوا أَذَاهم عنها. فتعذَّر بذلك انتفاعُ النَّاسِ بأملاكهم، والدّولة بالضِّياع. وتَمَشَى لهم الأمرُ بالخُلْف الواقع. فلمَّا صفا الوَقتُ لمحمد لم يكن له هِمَّة سواهم. فبدأ بقلعة أصبهان، لتسلُّطها على سرير مُلْكه، فحاصرهم بنفسه، وصعد الجبل الذي يقابل القلعة، ونُصِبَ له الثَّخْت. واجتمع من أصبهان وأعمالها لقتالهم الأُممُ العظيمة، فأحاطوا بجبل القَلْعة، ودَوْرُهُ أربعةُ فَرَاسخ، إلى أن تعذر عليهم القُوت، وذَلوا، فكتبوا فُتْيا: ((ما يقول السَّادة الفُقهاء في قوم يؤمنون بالله وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر، وإنما يخالفون في الإمام، هل يجوزّ للسُّلطان مهادنتهم ومُوادعتهم، وأن يقبل طاعتهم؟ فأجاب الفُقهاء بالجواز، وتوقَّفَ بعضُ الفقهاء. فجمعوا للمناظرة، فقال أبو الحسن عليّ بن عبدالرحمن السنجاري الشافعي: يجب قتالُهم، ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم يقال لهم: أخْبِرُونا عن إمامكم إذا أباح لكم ما حَظَرَ الشرع أيقبلون منهم؟ فإنهم يقولون: نعم، وحينئذٍ تُباح دماؤهم بالإجماع. وطالت المناظرة في ذلك. ثم بعثوا السُّلطان يطلبون من يناظرهم، وعَيَّنوا أشخاصًا، منهم شيخ الحَنَفية القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى قاضي أصبهان، فصعدوا إليهم، وناظَرُوهم، وعادوا كما صعدوا. وإنما كان قَصْدُهم التَّعَلَّل، فلجَّ السلطان حينئذٍ في حَصْرهم. فأذعنوا بتسليم القَلْعة على أن يُعطوا قلعة خالنجان، وهي على مرحلةٍ من أصبهان، وقالوا: إنَّا نخاف على أرواحنا من العامة، ولابُد من (١) الكامل ٤٣١/١٠. ٦٩٦ مكانٍ نأوي إليه. فأُشير على السُّلطان بإجابتهم، فسألوا أن يُؤَخِّرهم إلى قرب النَّيروز، ثم يتحولون، فأجابهم، وطلبوا منه مؤونةً يومًا بيوم فأجابهم إلى ذلك. هذا، وقَصْدُهُم المطاولة وانتظار فتنٍ تتفق أو حادث يتَجَدَّد. ورتب لهم الوزير سَعْد المُلْك راتبًا كلَّ يوم. ثم بعثوا من وثب على أميرٍ كان يجدُّ في قتالهم، فجُرح وسَلِم، فحينئذٍ خَرَّب السُّلطان قلعة خالنجان، وجَدَّد الحِصار عليهم. فطلبوا أن ينزل بعضُهم، ويرسل السُّلطان معهم من يحميهم إلى قلعة الناظر بأرَّجَان، وهي لهم، وإلى قلعة طَبَس، وأن يقيم باقيهم في ضَرْس القلعة، إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم. فأجابهم إلى ذلك، وذهبوا، ورجع من أخبر الباقين بوصول أولئك إلى القلعتين. فلم يسلم ابن غَطَّاس السِّن الذي احتموا فيه، ورأى السُّلطان منه الغَدْرِ والرُّجوع عمَّا تَقَرَّر، فزحف النَّاسُ عليه عامةً، في ثامن ذي القَعْدة. وكان قد قَل عنده من يمنع أو يقاتل، وظهر منه بأسٌ شديد، وشجاعة عظيمة، وكان قد استأمن إلى السُّلطان إنسانٌ من أعيانهم، فقال: أنا أدلكم على عَورةٍ لهم، فأتى بهم إلى جانب للسِنِّ لا يُرام، فقال: اصعدوا من ههُنا. فقيل: إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال. فقال: إنَّ الذي ترون أسلحة وكُزَاغُنْدات قد جعلوها كهيئة الرِّجال، وذلك لقلَّتهم. وكان جميع من بقي ثمانين رجلاً، فصعد الناس من هناك، وملكوا الموضع، وقتلوا أكثر الباطنية، واختلطَ جماعة منهمٍ مع من دخل فسلموا، وأُسر ابن غَطَّاس، فشُهِّر بأصبهان، وسُلخ، فَتَجَلَّد حتى مات، وحُشي جلْدُه تِبْنًا، وقُتِلَ ولدُه، وبُعث برأسيهما إلى بَغْداد. وألْقَتْ زوجتُه نَفْسَها من رأس القَلْعة فهلكت، وخَرَّبَ محمد القلعة. وكان والده السُّلطان جلال الدَّولة ملك شاه هو الذي بناها على رأس جَبَل، يقال: إنه غرم على بنائها ألفي ألف دينار ومئتي ألف دينار، فاحتال عليها ابن غَطَّاس حتى ملكها، وأقام بها اثنتي عشرة سنة. وفي صَفَر عُزل الوزير أبو القاسم عليّ بن جَهِير، وكان قد وَزَرَ للخليفة ثلاثة أعوام وخمسة أشهر. فهرب إلى دار سيف الدَّولة صَدَقَة بن مَزْيَد ببغداد ملتجئًا إليها، وكانت ملجأً لكل مَلْهوف. فأرسل إليه صَدَقَة من أحضره إلى الحِلة، وأمر الخليفة بأن تُخَرَّب دارُه. ثم تقررت الوزارة في أوَّل سنة إحدى وخمس مئة لأبي المعالي هبة الله بن المطلب. ٦٩٧ وفيها غرق قِلِج أرسلان بن سُليمان بن قُتُلْمش صاحب قُونية، سقط في الخابور فغرق، ووُجد بعد أيام منتفخًا، والحمد لله على العافية. وتتابعت كُتُب أتابك طُغْتكين وفخر المُلْك ابن عَمَّار ملكا الشَّام إلى السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، بعظيم ما حَلَّ بالشام وأهله من الفرنج لعنهم الله، ويستصرخون به، ويستنجدون به لِيُدركهم، فندبَ جيشًا عليهم جاولي سَقَاوةٍ، وكاتَبَ صَدَقَةَ بن مَزْيَد، وصاحبَ المَوْصل وغيرهما لينهضوا إلى حرب الكُفَّار. فثقُل ذلك على المكاتَبِين وَنَكَلُوا عن الجهاد، وأقبلوا على حظوظ الأنفُس، فلا قوة إلا بالله. وكان ابن قُتُلْمِش نَفَّذَ بعضَ جيشه لإنجاد صاحب القسطنطينية على بَيْمُنْد وإفرنج الشام، فلما التقى الجَمْعان استظهرَ الرُّوم وكسروا الفرنج شر کَسْرَة، أتت على أكثرهم بالقَتْل والأسر، وفَصَل الأتراك جُنْد ابن قُتُلْمِش بعد أن خلع عليهم طاغية الرُّوم وأكرمهم. ٦٩٨ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّ (الوفيات) سنة إحدى وتسعين وأربع مئة ١- أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو العباس ابن الخَطّاب الرَّازيُّ، ثم المصريُّ الفقيه الشافعيُّ. سمع أبا الحسن ابن السِّمْسار بدمشق، وشُعيب بن المِنْهال، وإسماعيل ابن عَمرو الحَدَّاد، وعليّ بن مُنير الخَلَّل بمصر، وجماعة كثيرة. روى عنه ابنه أبو عبدالله الرَّازي صاحب ((المَشْيخة)) و((السُّداسيات))، وغَيْث بن عليّ. وكتب عنه من القدماء أبو زكريا عبدالرحيم البُخاري، ومکي الرُّميلي. قال ابنه: كان أبي في سَكْرَة الموت يقول: ما لي في الدُّنيا حَسْرة إلا أني مشيتُ في رِكاب الشيوخ، وسافرتُ إليهم باليَمَن والشام، ومصر، وها أنا أموت، ولم يؤخذ عني ما سمعته على الوجه الذي أردتُه. قال أبي: وحججتُ سنة أربع عشرة وأربع مئة، وقرأتُ بمكةَ بروايات على أبي عبدالله الكارَزيني. ٢- أحمد بن الحُسين بن أحمد بن جعفر، أبو حامد الفقيه الهَمَذَانيُّ. روى عن أبيه، ومحمد بن عيسى، وأبي نصر أحمد بن الحُسين الكَسَّار، وجعفر بن محمد الحُسيني. قال شيرُوية: سمعته، وكان أحد مشايخ البَلَد ومُفْتيه. مات في صَفَر في سادس وعشرين، وكان من جِلة الشافعية . ٣- أحمد بن سهل، أبو بكر النَّيْسابوريُّ السَّرَّاج. روى عن محمد بن موسى الصَّيْرفي، وأبي بكر الحيري، وعليّ بن محمد الطِّرَازي . وكان فقيهًا ورعًا، عابدًا صالحًا، وُلد سنة ثمانٍ وأربع مئة، وكان يتكلم على الحديث وشَرْحه؛ حدَّث عنه أبو سَعْد محمد بن أحمد الخليليُّ الُّوقانيُّ ٦٩٩ الحافظ، وعُمر بن أحمد الصَّفَّار، وعبدالله ابن الفُرَاوي، وعبدالخالق بن زاهر، وأبوه زاهر ووجيه ابنا الشَّخَامي، وجماعةٌ. تُوفي في ليلة السابع والعشرين من رمضان(١). ٤- أحمد بن عبدالغفار بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن أشْتَة، أبو العباس الأصبهانيُّ الكاتب. شيخٌ مكثرٌ مُسْندٌ، سمع أبا سعيد النَّقَّاش، وعليّ بن ميْلَة الفقيه، وابن عَقِيل الباوَرْدِي، والفَضْلِ بن شَهرَيار، وغَيْرَهُم. وتُوفي في ذي الحجة عن اثنتين وثمانين سنة . روى عنه السِّلَفي، وأبو سعد البغدادي(٢). ٥- أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحيم التَّيْميُّ الأصبهانيُّ، المعروف بابن اللََّّان المتكلِّم. يروي عن أبي نُعيم، وغيره. روى عنه السِّلَفي، وَوَرَّخه. ٦ - أحمد بن عبدالعزيز، الإمام أبو سعيد البَرْدَعيُّ الحَنَّفَيُّ الفقیه . كان عليه مَدار الفتوى بنَيْسابور، وكان يعقد مجالس الوعظ من غير تكلُّف على طريقة أهل الوَرَع، ويذكر مسائل الفقه مما ينفع العوام، وكان يميل إلى الاعتزال. ثم صار يحضر مجالس الشافعية، ويستطيب طريقة أهل السُّنَّة ويُظْهر أنه تاركٌ لما كان عليه، ومال إلى التصوف. وتُوفي في ثامن عشر ذي القَعْدة، وما أظنه حدَّث(٣). ٧- أحمد بن المبارك، أبو سَعْد البغداديُّ ابن الأكفانيّ المقرىء. شيخٌ مُعَمَّر، قرأ على أبي الحسن الحَمَّامي إلى سورة سبأ. قرأ عليه أبو الكرم الشَّهْرزُوي. وروى عن بُشْرَى الفاتني روى عنه ابن السَّمَرْقَنْدي، وابن ناصر. وكان سِمْسارًا . ٢- أحمد بن محمد الخليليُّ. (١) ينظر منتخب السياق (٢٤٧). (٢) ينظر التقييد ١٤٨، وفيه عن يحيى بن مندة أنه توفي سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة. (٣) من السياق لعبدالغافر، كما في منتخبه (٢٦١). ٧٠٠