Indexed OCR Text

Pages 81-100

ولو أنني من جانب الشَّرْق طالعٌ لجدًّ على ما ضاع من ذكْرِي النَّهْبُ
ولي نَحْو أكنافِ العراقِ صَبَابةٌ ولا غَرْو أن يستوحشَ الكَلِفُ الصَّبُ
فحينئذٍ يبدو التأشُّفُ والكَرْبُ
فإنْ يُنْزِل الرحمن رَحْلي بينهم
وأنَّ كَسَادَ العِلْم آفتُه القُرْبُ
هنالك يُدْرَى أنَّ للبُعدِ قِصَّةً
فواعَجَبًا مَن غابَ عنهم تَشَوَّقوا له، ودُنُؤُ المَرءِ من دارهم ذَنْبُ
وله:
مُنايَ من الدُّنيا علومٌ أبثُّها وأنشُرها في كل بادٍ وحاضرٍ
دعاءٌ إلى القُرآن والسُّنَن التي تناسَى رجالٌ ذِكْرَها في المحاضرِ
وله وهو يماشي ابنَ عبدالبر، وقد أقبل شابٌ مَلِيحٌ، فأعجبَ ابن حَزْم،
فقال أبو عُمر، لعلَّ ما تحتَ الثّاب ليس هناك! فقال:
وذي عَذَلٍ فيمن سَبَاني حُسْنُه يطيلُ مَلامي في الهَوَى ويقولُ
أَمِن حُسْنِ وجْهٍ لاح لم تَرَ غيرَهُ ولم تَدْرِ كيفَ الجِسْمُ أنتَ قَتِيلُ
فقلتُ له:َ أسْرَفْتَ في اللَّوم فاتئد فعندي رَدٌّ لو أشاءُ طويلٌ
ألم تَرَ أني ظاهريٌّ وأنَّنَّي على ما بدا حتى يقومَ دليل
ومن شعره:
لا تَشْمَتن حاسِدي إن نكبةٌ عرضت فالدَّهْرُ ليس على حالٍ بمُتَّرِكِ
ذو الفَضْلِ كالتِّبْرِ طورًا تحت مَيْفَعةٍ وتارةً في ذُرى تاج على ملكِ
ومن شعره يصف ما أحرقَ المعتضد بن عباد له من الكُتُبّ:
فإنْ تحرِقوا القِرْطاسَ لا تحرقوا الذي تضمَّنهُ القِرْطاسُ بل هو في صَدْري
وينزلُ إنْ أنْزلْ ويُدِفنُ في قَبْري
یسیرُ معي حیث استقلَّتْ رَائبي
وقولوا بعلمٍ کی یری النّاسُ من يدري
دَعُوني من إحراق رَقِّ وكَاغَدٍ
وإلا فعُودوا في المكاتب بدأةً فَكَم دونَ ما تبغون لله من سِترٍ
كذاك النَّصارى يحرقون إذا عَلَتْ أَكُفُهُم القُرآن في مُدُن الثَّغْرِ
وقد ذُكِرَ لابن حَزْم قولُ من قال: أجل المصنَّفات ((الموطأ)). فأنكرَ
ذلك، وقال: أَوْلَى الكُتُب بالتَّعظيم ((الصَّحيحان))، وكتاب سعيد بن السَّكَن،
و((المُنْتَقى)) لابن الجارود، و((المنتقى)) لقاسم بن أصبَغ، ثم بعد هذه الكُتُب
((كتاب أبي داود))، و((كتاب النَّسائي))، و((مصنَّف قاسم بن أصْبغ))، و((مصنَّف
تاريخ الإسلام ١٠/م٦
٨١

الطَّحاوي))، و((مُسْنَدَ البَزَّار))، و((مُسْنَد ابن أبي شَيْبة))، و((مُسْنَد أحمد))،
و((مُسْند ابن راهُوية))، و((مُسْند الطَّيَالسِي))، و((مُسْند أبي العباس النَّسوي))،
و((مُسْند ابن سَنْجر))، و((مُسَنْد عبدالله بن محمد المُسْنَدي))، و((مُسْند يعقوب بن
شَيْبةٍ))، و((مُسْنَد ابن المَدِيني))، و((مُسْنَد ابن أبي غَرَزَة))، وما جرى مجرى هذه
الكُتُب التي أُفردت لكلام رسول الله بََّ صِرْفًا، وللفظه نَصًّا. ثم بعد ذلك
الكُتُب التي فيها كلامه عليه السلام، وكلام غيره، مثل ((مصنَّف عبدالرَّزاق))،
و((مصنَّف ابن أبي شَيْبة))، و((مصنَّفَ بَقِي بن مَخْلَد))، وكتاب محمد بن نصر
المَرْوَزِي، وكتابي ابن المُنْذر الأكبر والأصغر. ثم «مصنَّفَ حَمَّاد بن سَلَمة))،
و((مصنَّف سعيد بن منصور))، و((مُصنَّ وَكِيع))، و((مصنَّف الفِرْيابي))، و((مُوَطأ
مالك))، و((موطأ ابن أبي ذِئْب))، و((موطأ ابن وَهْب))، و((مسائل أحمد بن
حنبل))، وفقه أبي عُبَيْد، وفِقْه أبي ثور(١).
ولأبي بكر أحمد بن سُلَيْمان المَرْواني يمدح ابن حَزْم رحمه الله :
لَمَّا تَحَلَّى بِخُلقِ كالمِسْكِ أو نَشْر عُوْدِ
نجلُ الكرامِ ابن حَزْم وفاقَ في العِلم عُودي
فتواه جدد ديني جدواه أَوْرَق عُودي
أقولُ إذ غبت عنه: يا ساعة السَّعْدِ عُودي(٢)
١٦٧ - عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي الفَضْلِ الكَفَرْطابيُّ ثم
الدِّمشقيُّ.
حدَّث عن عبدالله بن محمد الحِثَّائي. روى عنه أبو الفَضَائل الحَسَن بن
الحَسَن(٣).
١٦٨ - عليّ بن محمد بن عُبَيْدالله بن أحمد بن عَبَادل، أبو الحَسَن
الأنصاريُّ الإشبيليُّ.
قرأ القرآن بقُرْطُبة على أبي المُطَرِّف القَنَازِعِي، وحج، وسمع بمصر من
(١) لم يذكر جامع الترمذي ولا سنن ابن ماجة، لأنهما لم يُعرفا يومذاك بالأندلس.
(٢) تنظر جذوة المقتبس (٧٠٨).، والصلة لابن بشكوال (٨٩١).
(٣) من تاريخ دمشق ٣٢٩/٤١ - ٣٣٠.
٨٢

أبي محمد ابن النَّخَاس، وغيره، وكانت له معرفة بالحديث ورجاله. ووُلِد سنة
خمسٍ وثمانين وثلاث مئة (١).
١٦٩ - عُمر بن أحمد بن سبسُوية التَّاجر، أبو الفَتح الأصبهانيُّ.
مات في رمضان.
· - عميد المُلْك، أبو نصر الكُنْدريُّ الوزير، اسمه محمد بن
منصور، سيأتي (٢).
١٧٠ - قُتُلْمِش بن إسرائيل بن سُلْجُوق، شهاب الدَّولة والد
سُليمان، جد ملوك الرُّوم إلى دولة الملك الظَّاهر.
كانت له قلاعٌ وحصونٌ بعراق العَجَم، وعَصَى على ابن ابن عمِّه الملك
ألب أرسلان، فتواقعا بنواحي الرَّي في هذا العام، وانجلت المعركة، فوُجد
قُتُلْمِش مَيْتًا قيل: إنَّه مات خوفًا وهَلَعًا، فالله أعلم، فبَكَى السُّلطان عليه وتألَّم
له، وجلس للعزاء، فسلاه وزيره نظام المُلْك. وكان قُتُلْمِش يتعانى النُّجوم
وأحكامها .
١٧١ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنون، أبو الحُسين
ابن النَّرْسيِّ البَغْداديُّ.
سمع أبا بكر محمد بن إسماعيل الوَرَّاق، وأبا الحَسَن الحَرْبي، وابن
أخي ميمي، وطبقتهم ببغداد، وعبدالوهاب بن الحَسَن الكِلابي، وغيره
بدمشق .
روى عنه الخطيب، وقال(٣): كان ثقةً من أهل القُرآن، وُلِد سنة سَبْعِ
وستين وثلاث مئة، وتُوفي في صَفَر .
وقال ابنُّ عساكر (٤): حدثنا عنه أبو بكر قاضي المارستان، وأبو غالب
ابن البَنَّاء، وأبو العِز بن كادش.
قلتُ: سمعنا ((مشيخته)) بإجازة الكِنْدي، بسماعه من القاضي، عنه.
(١) من الصلة لابن بشكوال (٨٩٠).
يعني: يأتي باسمه (الترجمة ١٧٦).
(٢)
(٣) تاريخه ٢١٩/٢.
(٤) تاريخ دمشق ٥١/ ١٤٣.
٨٣

١٧٢ - محمد بن عليّ بن عبدالملك بن شَبَابة، أبو بكر الدِّينَوَريُّ ثم
البَغْداديُّ القارىء.
سمع أبا القاسم إسماعيل بن الحَسَن الصَّرْصَري، وجماعة. وعنه أبو
العز بن کادش، وجماعة.
١٧٣ - محمد بن عليّ بن محمد بن صالح، أبو عبدالله السُّلميُّ
الدِّمشقيُّ المُطَرِّز النَّحْويُّ، مصنّفٌ ((المقدِّمة)) المشهورة.
سمع من تَمَّام الرَّازي، وعبدالرحمن بن أبي نَصْر، وجماعة. روى عنه
أبو بكر الخطيب، وأبو القاسم النَّسيب.
قال الكَثَّاني(١): توفي في ربيع الأول، وكان أشعري المَذْهب مقرئًا
نَحْوِيًّا(٢) .
١٧٤ - محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد بن حبيب، أبو سعيد
الخَشَّابِ النَّيَّسابوريُّ الصَّفَّار.
تُوفي في ذي القَعْدة.
قال عبد الغافر الفارسيُّ(٣): وكان محدِّثًا مفيدًا، من خواص خُدَّام أبي
عبدالرحمن السُّلَمي، وكان صاحب كُتُب، صار بُنْدار كُتُب الحديث بنَيْسابور،
وأكثر أقرانه سماعًا وأُصولاً؛ قد رَزَقه الله الإسناد العالي، وجَمَعَ الأبوابَ،
وأسْمَعَ الصِبيان. وهو من بيت حديث وصلاح. وُلِد سنة إحدى وثمانين وثلاث
مئة، وسمع من أبي محمد المَخْلَدي، وأبي الحُسين الخَفَّاف، والشُّلَمي.
وحدَّثني من أثق به أنَّ أبا سعيد أظهر سَمَاعه من أبي طاهر بن خُزَيْمة بعد وفاة
أبي عُثمان الصَّابوني، فَتَكَلَّم أصحابُ الحديث فيه، وما رضوا ذلك منه، والله
أعلم بحاله. وأما سماعه من غيره فصحيح. وقد أجاز لي مَرْوياته، وأخبرنا عنه
جماعةٌ منهم: الوالد، وأبو صالح المؤذِّن، وأبو سَعْد بن رامش، وغيرهُم.
قلت: وآخر من روى عنه زاهر الشَّخَاميُّ. تُوفي في ذي القَعْدة.
(١) وفياته، الورقة ٥٠.
(٢) من تاريخ دمشق ٣٨٦/٥٤ - ٣٨٧.
(٣) في السياق، كما في منتخبه (١٠٣).
٨٤

١٧٥ - محمد بن عليّ بن يوسف بن جميل، أبو عبدالله الطّرَسُوسيُّ
المعروف بابن السَّناط، إمام جامع دمشق.
روى عن عبدالرحمن بن أبي نَصْر يسيرًا(١).
١٧٦ - محمد بن منصور بن محمد، الوزير عَمِيدُ المُلْك، أبو نَصر
الكُنْذُرِيُّ، وزيرُ السُّلطانِ طُغْرُلْبك ..
كان أحد رجال الذَّهْرِ شهامةً وكتابةً وكَرَمًا، قُتِل بمَرْوالرُّوذ في ذي
الحجة. وكان قد قطع مذاكيره ودَفنها بخُوارَزْم لأمرٍ وقع له، فلمَّا قتلوه حَمَلوا
رأسه إلى نَّيْسابور، نسأل الله العافية.
وقد سماه أبو الحسن محمد ابن الصابىء في ((تاريخه))، وعليّ بن الحسن
الباخَرْزِي في ((دُمية القصر)): منصور بن محمد (٢).
وقال أبو الحسن الهَمَذاني في كتاب («الوزراء»: أبو نصر محمد بن محمد
ابن منصور.
وكُنْدُر قريةٌ من نواحي نَيْسابور بها وُلِد سنة خمس عشرة، وتفقه لأبي
حنيفة، وتأذَّب، ثم صحِب رئيسًا بنَيْسابور، فاستخدمه في ضياعه، ثم استنابه
عنه في خدمة السُّلطان طُغْرُلْبك، فطلبه منه، فدخل في خدمته، وصار صاحب
خَبَرِهِ، ثم ولاَه خُوارَزْم، وعَظُم جاهه، وعصى بخُوارَزْم، ثم ظفر به السُّلطان،
ونَقم عليه أنه تزوَّج امرأة ملك خُوارَزْم فخَصَاهُ. ثم رَق له فداواهُ وعُوفي،
واستوزَرَهُ وله إحدى وثلاثون سنة. وقدِم بَغْداد، وأقامَ بها مدة، ولَقَّبه الخليفة
((سيِّد الوزراء)). ونال من الجاه والحُرْمة ما لم يَلْه أحدٌ.
وكان كريمًا جوادًا، مُتَعَصِّبًا لمذهبه، مُعْتزليًّا، متكلِّمًا له النَّظْم والنَّغْرُ.
فلما مات طُغْرُلْبك وتسلطن ابن أخيه ألْب أرسلان أقرَّهُ على وزارته قليلاً، ثم
عزله، واستوزرَ نظامَ المُلْك.
ومن شِعْره في غلام له :
أنا في غَمْرَة حُبِّه وهو مشغولٌ بِلَعبه
صانَهُ الله فما أكثر إعجابي بعُجْبه
(١) من تاريخ دمشق ٥٤ /٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) دمية القصر ٧٩٦/٢.
٨٥

لو أراد الله نَفْعًا وصلاحًا لمُحِبه
نُقِلَت رقةُ خَدَّيهِ إِلى قَسْوة قَلْبه
وقال أبو الحسن الهَمَذاني في ((تاريخه)): إن ابنةَ الأعرابي المغنية
المشهورة وجَوْقتها غَّت عميدَ المُلْك، فأطربته، فأمرَ لها بألف دينار، وأمر
لأولئك بألف دينار، وفَرَّق في تلك اللَّيلة أشياء، فلما أصبح قال: كَفَّارة ما
جرى أن أتقرَّب بمثل ذلك، فتصدَّق بألفي دينار.
وقال أبو رجاء: أنشدَ عميد المُلْك عند قَتْله:
إنْ كانَ بالنَّاس ضيقٌ عن منافستي فالموتُ قد وَسَّعَ الدُّنيا على النَّاسِ
مَضَيْتُ والشامتُ المغبونُ يَتْبَعُني كلٌّ بكأس المنايا شاربٌ حاسِي
وقيل: إنه قال للُّركي الذي جاء لكي يقتله: قُل للسُّلطان ألْب أرسلان:
ما أسعدني بدولة آل سُلْجوق، أعطاني طُغْرُلْبك الدنيا، وأعطاني ألب أرسلان
الآخرة.
وكانت وزارته ثمان سنين وثمانية أشهر؛ وَزَرَ لأَلْب أرسلان شهرين
وعزله. فتوجَّه إلى مَرْوالرُّوذ في صَفَر سنة سَبْع وخمسين، ومعه زوجته وبنته،
أولَدَها قبل أن يُخْصَى. وأخذَ ألْب أرسلان ضَياعَهُ جميعَها وآلاته وغِلْمانه،
وكانوا ثلاث مئة مملوك. ثمَّ كتب له بمئتي دينار في الشهر، وتركه قليلاً، ثُمَّ
أرسلَ إليه مَن قتله صَبْرًا، وحَمَلَ إليه رأسَهُ، وله نيٌّ وأربعون سنة .
قلت: ويُقال إن غُلامين دخلا عليه ليقتلاه، فأذنا له، فوذَّع أهلَهُ، وصلَّى
رَكْعتين، فأرادا خَنْقه فقال: لستُ بلصٍّ، وشرطَ خِرْقةً من كُمْهِ وعَصَب عينيه،
فضربوا عُنُقَه .
وكان متعصِّبًا يقع في الشَّافعي.
١٧٧ - محمد بن هبة الله بن محمد بن الحُسين، الإمام أبو سَهْل ابن
جمال الإسلام أبي محمد المُوَفق ابن القاضي العلامة أبي عُمر، البِسْطاميُّ
ثُمَّ النَُّسابوريُّ.
ذكره عبدالغافر، فقال(١): سُلالة الإمامة، وقُرة عَيْن أصحاب الحديث،
انتهت إليه زعامةُ الشَّافعية بعد أبيه، فأجراها أحسنَ مَجْرى، ووقعت في أيامه
(١) في السياق، كما نُقِلَ بعضها في منتخبه (١٥٤).
٨٦

وقائعُ ومِحَنٌ للأصحاب. وكان يقيم رَسْم التدريس، لكنَّه كان رئيسًا، ديِّنَا،
ذكيًّا صَيِّنَا، قليلَ الكلام. وُلِد سنة ثلاثٍ وعشرين وأربع مئة. وسمع من مشايخ
وقته بخُراسان، والعراق، مثل النَّصْرُوبي، وأبي حَسَّان المُزَكي، وأبي حفص
ابن مَسْرور. وكان بيتهم مجمعَ العُلماء وملتقى الأئمة، فتُوفي أبوه سنة
أربعين، فاحتفَّ به الأصحابُ، وراعوا فيه حقَّ والدِهِ، وقَدَّموه للرياسة. وقامَ
أبو القاسم القُشَيْري في تهيئة أسبابه، واستدعَى الكلَّ إلى متابعته، وطلَبَ من
السُّلطان ذلك فأُجيب، وأرسل إليه الخِلَع ولُقِّب بأبيه جمال الإسلام، وصارَ ذا
رأي وشَجَاعة ودهاء، وظهر له القَبول عند الخَاص والعام، حتى حَسَدَهُ الأكابر
وخاصموه، فكان يَخْصمهم ويَتَسَلَّط عليهم، فبدا له خُصوم، واستظهروا
بالُّلطان عليه وعلى أصحابه، وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والطَّرْد
والنَّفي، والمَنْعِ عن الوعظ والتَّدْريس، وعُزِلوا عن خطابة الجامع. ونبغَ من
الحنفية طائفة أُشربوا في قُلُوبهم الاعتزال والتَّشُّع، فخَيَّلوا إلى وَلِيِّ الأمرِ
الإزراءَ بمذهب الشَّافعي عُمومًا، وتخصيص الأشعرية، حتى أدى الأمر إلى
توظيف اللَّعْنة عليهم في الجُمَع، وامتد الأمر إلى تَعْمِيم الطَّوائف باللَّعْنِ في
الخُطَب. واستعلى أولئك في المَجَامع، فقامَ أبو سَهْل أبلغَ قيامٍ، وتردَّدً إلى
العَسْكر في دفع ذلكَ، إلى أن وردَ الأمرُ بالقَبْض على الرئيس الفُراتي،
والقُشَيْري، وأبي المعالي ابن الجُويني، وأبي سهل بن الموفَّق، ونَفْيهم ومَنْعهم
عن المحافل. وكان أبو سَهْل غائبًا إلى بعض النَّواحي، ولما قُرىء الكتاب
بنفْيهم أُغْرِيَ بهم الغوغاء والأوباش، فأخذوا بأبي القاسم القُشَيْرِي والفُراتي
يَجُرُّونهما ويسْتَخِفون بهما، وحُبسا بالقُهُنْدُز. وكان ابن الجُوَيني أحسنَّ بالأمر،
فاختفى وخرج على طريق كِرْمان إلى الحجاز، وبقيا في السِّجن مفترقين أكثر
من شَهْر، فتهيأ أبو سَهْل من ناحية باخَرْز، وجمعَ من شاكرِيَّتِهِ وأعوانه رجالاً
عارفين بالحَرْب، وأتى باب البلد، وطلب تسريحَ الفُراتي والقُشَيْري، فما
أُجيب بل هُدِّد بالقَبْض عليه، فما التفت، وعزم على دخول البلد ليلاً،
والاشتغال بإخراجهما مجاهرةً ومحاربةً، وكان متولي البلد قد تهيأ للحرب،
فزحفَ أبو سَهل ليلاً إلى قريةٍ له على باب البَلَد، وهيأ الأبطال، ودخلَ البَلَد
مغافصة إلى دارِه، وصاح من معه بالنعرات العالية، ورفعوا عقائرهم، فلمًّا
أصبحوا تردّدتَ الرُّسُل والنُّصَحاء في الصُّلْح، وأشاروا على الأمير بإطلاق
٨٧

الرئيس والقُشَيْري، فأبى، وبرزَ برجاله، وقصد محلة أبي سَهْل، فقامَ واحد من
أعوان أبي سَهْل واستدعى منه كفاية تلك النَّائرة إياه وأصحابه، فأذن لهم،
فالتقوا في السُّوق، وثبت هؤلاء حتى فرغ نُشَّابُ أولئك، ثم حملَ هؤلاء عليهم
فهزموهم إلى رأس المُرَبَّعة، وهَمُّوا بأسرِ الأمير، وسَبُّوه وردوهُ مجروحًا أكثر
رجاله، مقتولاً منهم طائفة، مسَلوبًا سلاحُ أكثرهم. ثم توسَّط السَّادةُ العلوية،
ودخلوا على أبي سَهْل في تسكين الفِتْنة، وأخرجوا الاثنين من الحَبْس إلى
داره، وباتوا على ظَفَر، وأحبَّ الشافعيةُ أبا سهل.
ثُمَّ تشاور الأصحابُ بينهم، وعَلِمُوا أنَّ مخالفة السُّلطان قد يكون لها
تَبِعَة، وأنَّ الخُصوم لا ينامون، فاتَّفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية أُسْتُوا، ثُمَّ
يذهبون إلى المَلِك. وبقي بعضُ الأصحاب بالنَّواحِي مُتَفَرِّقين وذهب أبو سَهْل
إلى العَسْكر بالري، وخرج خَصْمه من الجانب الآخر، وتوافيا بالري وأنْهِيَ إلى
السلطان ما جرى، وسُعِيَ بأصحاب الشافعي والإمام أبي سهل وجرت
مناظرات، وحُبِسٍ أبو سَهْل في قلعة طورك أشهرًا، ثم صودر وأُبيعت ضِياعه،
ثُمَّ عُفِيَ عنه، وأُحيل ببعضِ ما أُخذ منه، ووُجِّه إليها، فخرجَ إلى فارس،
وحَصَّل شيئًا من ذلك، وقصد بيتَ الله فحج ورجعَ، وحَسُن حاله عند
السُّلطان، وأذِن له في الرُّجوع إلى خُراسان، وأتى على ذلك سُنُون إلى أن تَبَدَّل
الأمرُ، ومات الشُّلطان طُغْرُلْبك، وتَسَلْطَن أبو شجاعِ ألْب أرسلان، فحظي
عنده. ووقع منه مَوْقعًا أرفع ممَّا وقع أبوه من طُغْرُلْبك، ولاحَ عليه أنه
يستوزره، فَقُصِدَ سرًّا، واحتيل في إهلاكه، ومَضَى إلى رحمة الله في هذا
العام، وحُمِل تابوته إلى نَيْسابور، وأظهر أهلُها عليه من الجَزَع ما لم يُعهد
مثله، وبقيت النَّوائح عليه مدة بعده. وكانت مراثيه تنشد في الأسواقِ والأزقة،
وبقيت مُصيبته جُرْحًا لا يندمل وأفضت نَوْبَة القبول بين العوام إلى نَجله ولم
يبق سواه أحدٌ من نَسْله. وكان إذا حضر السُّلطان البلدَ يُقَدِّم له أبو سهل
وللأمراء من الحَلْواء والأطعمة المفتخرة أشياءَ كثيرة بحيث يتعجَّب السُّلطان
والأعوان. ولقد دخل إليه يوم تلك الفتنة زوج أخته الشريف أبو محمد الحسن
ابن زيد شفيعًا في تسكين النَّائرة، فنثر على أقدامه ألف دينار، واعتذر بأنه
فاجأه بالدُّخول .
٨٨
:

اختصرتُ هذا من ((السِّياق)) لعبد الغافر(١).
وذكر غيره أن ألْب أرسلان بعثهُ رسولاً إلى بَغْداد، فماتَ في الطريق.
١٧٨ - المُحَسِّن بن عيسى بن شَهفِيْروز، أبو طالب البَغْدادِيُّ الفقيه
الشافعيُّ.
تُوفي ببغداد في رمضان. وقد حدَّث عن المُعَافى بن زكريا الجَرِيري،
وأبي طاهر المُخَلِّص(٢).
:
(١) ترك صاحب المنتخب أكثرها.
(٢) من تاريخ الخطيب ٢٠٢/١٥ - ٢٠٣.
٨٩

سنة سبع وخمسين وأربع مئة
١٧٩ - أحمد بن عبدالرحمن بن الحسن، أبو الحُسين الطَّرائفيُّ
الدِّمشقيُّ.
سمع تَمَّام بن محمد الرَّازي، وعبدالرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو
بكر الخطيب، وهبة الله ابن الأكفاني(١).
١٨٠ - أحمد بن عبدالعزيز بن أحمد، أبو بكر بن الأُطْرُوش
القُدُوريُّ البَغْداديُّ المقرىء.
قرأ القراءات على أبي الفَرَج النَّهْرواني، وأبي الحسن الحَمَّامي. وسمع
من أبي الحسن بن الصَّلْت، والسُّوسَنْجزْدي، وطائفة .
قرأ عليه هبة الله بن الطَّبَر، وحدَّث عنه رفيقه أبو عليّ ابن البَنَّاء،
والمختار بن سعيد، وأبو محمد عبدالله ابن الآبُنُوسي .
قال أحمد بن خَيْرون: وُلد سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وتُوفي في
جُمَادى الآخرة.
١٨١ - أحمد بن القاسم بن مَيْمون بن حمزة، الشريف أبو إبراهيم
الحُسَينِيُّ المِصْريُّ.
تُوفي في هذه السَّنة أو بعدها. وكان يجتهد بمصرَ في نَشْرِ السُّنَّة. روى
عن جده، وعن أبي الحسن الحَلَبي، وجماعة. روى عنه أبو عبدالله الحُمَيْدي،
ومحمد بن أحمد الرَّازي، وعليّ بن المؤمَّل بن غَسَّان الكاتب، وعليّ بن
الحُسين الفَرَّاء، وأبو الحسن بن المُشَرف الأنماطي.
١٨٢ - إسماعيل بن عليّ بن محمد بن الحسين بن قيلة، أبو القاسم
المدینيُّ.
مات في ربيع الآخر بأصبهان.
١٨٣ - سعيد بن أبي سعيد أحمد بن محمد بن نُعَيْم بن إشكاب،
الشَّيْخِ أبو عثمان النَّيْسابوريُّ الصُّوفيُّ، المعروف بالعَيَار.
(١) تنظر وفيات الكتاني، الورقة ٥١، والترجمة من تاريخ دمشق، كما في مختصره لابن
منظور ١٥١/٣.
٩٠

حدَّث عن أبي الفضل عُبَيْدالله بن محمد الفَامي، والحسن بن أحمد
المَخْلَدي، وأبي طاهر بن خُزَيْمَة، والخَفَّاف. وحدَّث ((بصحيح البخاري) عن
محمد بن عُمر بن شبُّوية. وقد سمعه في سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مئة. وقد
انتقى له البَيْهقي، وخرّج له موافقات.
روى عنه أبو عبدالله الفُرَاوي، وأبو القاسم الشَّخَّامي، وأبو المعالي
محمد بن إسماعيل الفارسي، وحدَّث بأصبهان فروى عنه غانم بن أحمد
الجُلُودي، وفاطمة بنت محمد البَغْدادي، والحُسين بن طَلْحة الصَّالحاني،
وعَتِيق بن حُسين الرُّوَيْدشتي، وغيرهم.
قال عبدالغافر(١): سمع بمَرْو ((صحيح البخاري)) من أبي عليّ الشُّوبي.
قلت: وسمع بهَرَاة من عبدالرحمن بن أبي شُرَيْح، وتُوفي بغَزْنَة في ربيع
الأول .
وقال السِّلَفي: سمعتُ أبا بكر محمد بن مَنْصور السَّمعاني يقول: سمعتُ
صالح بن أبي صالح المؤذِّن يقول: كان أبي سَيِّىء الرَّأي في سعيد العَيَّار
ويتكلم فيه، ويطعن فيما روى عن بِشْر الإسفراييني خاصة.
قلتُ: ولهذا لم يُخَرِّج له البَيْهقي عن بِشْر شيئًا، وسماعُه منه ممكن،
فقد ذكر الحافظ ابن نُقْطة (٢) أن مولده في سنة خمسٍ وأربعين وثلاث مئة.
وعلى هذا يكون قد عُمِّر مئة وثلاث عشرة سنة. وفي الجُملة فهو ممن عُمِّر،
فإنه رحلَ بنفسه إلى مَرْو سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مئة كما ذكرنا، والله أعلم.
قال فضل الله بن محمد الطَّبَسِي: كان الشَّيخ سعيد العَيَّار شيخًا بَهِيًّا
ظريفًا، من أبناء مئة واثنتي عشرة سنة، وذُكِر أنه كان لا يروي شيئًا، فرأى
بدمشق رُؤيا حملته على رواية مسموعاته، وهي أنَّه رأى النبيَّ بِّهِ، قال:
فأردتُ أن أسلُّم، فتَلَقَّاني أبو بكر برسالة رسول الله وَّر: كيف لا تروي أخباري
وتنشرها؟ قال: فأنا منذ ذلك أطوف في البُلْدان وأروي مَسْموعاتي.
قال غيث الأَرْمَنَازي: سألتُ جماعةً لِمَ سُمَِّ العَيَّار؟ قالوا: لأنه كان في
ابتدائه يسلك مَسَالك العَيَّارين.
(١) في السياق، كما في منتخبه (٧٤٢).
(٢) في التقييد ٢٨٩.
٩١

وقال ابن طاهر في ((الضُّعفاء)) له: يتكلَّمون فيهِ لروايته كتاب ((اللُّمع)) عن
أبي نَصْر السَّرَّاج، وكان يزعم أنه سَمِعَ ((الأربعين)) لابن أَسْلَم، من زاهر
السَّرْخَسي.
وقال محمد بن عبدالواحد الدَّفَّاق: روى العَيَّار، عن بِشْر بن أحمد،
وبِئس ما فعل؛ أفسَدَ سماعاته الصَّحيحة بروايته عنه(١) .
١٨٤ - عبدالصمد بن أبي عبدالله الحُسين بن إبراهيم الأصبهانيُّ
الجَمَّال، أبو نَصْر.
تُوفي في ربيع الأول.
روى عن أبي مُسلم بن أبي جعفر بن المَرْزُبان الأَبْهَري، عن أبيه عن
الحَزَوَّري. روى عنه أبو عليّ الحَدَّاد، وغيرُه. وسماعه نازل بمرة، وما أدري
کیف لم يسمع عاليًا .
١٨٥ - عبدالعزيز بن محمد، أبو عاصم النَّحْشَبِيُّ الحافظ.
تُوفي في هذا العام في قول يحيى بن مَنْدة، وفي سنة ستٍّ في قول غيره؛
وقد تَقَدَّم(٢) .
١٨٦ - عبدالملك بن زيادة الله بن عليّ بن حُسين التَّمِيمِيُّ ثُمَّ
الحِمَّانيُّ، أبو مروان الطَّنيُّ.
من بيت علمٍ ودين، أصلهم من طُبْنة من عمل إفريقية. سمع بقُرْطُبة من
محمد بن سعيد بن نَبَات، ويونس بن عبدالله بن مُغيث، وأبي المُطَرِّف
القَنَازِعي، ومكِّ بن أبي طالب، وطائفة. وله رحلتان إلى المَشْرق؛ سمع من
أبي الحسن بن صَخْر، وطبقته.
وكان ذا عناية تامة بالحديث. وكان أديبًا، لُغَويًّا، شاعرًا، عاش ستين
سنة، وقُتل في داره في ربيع الآخر(٣).
١٨٧ - عبدالواحد بن محمد، أبو القاسم النَّصْريُّ الأصبهانيُّ البَقَّال.
(١) من تاريخ دمشق ٣/٢١ - ٦.
(٢) الترجمة ١٦٢ .
(٣) من الصلة لابن بشكوال (٧٧٢).
٩٢

روى عن محمد بن أحمد بن جَشْنِس، تُوفي في رجب؛ قاله أبو القاسم
ابن مَنْدة.
١٨٨ - عُبيد الله بن عليّ بن عُبيدالله، الشيخ أبو المعالي الجيرُفْتِيُّ
المعروف بالعالم.
١٨٩ - عليّ بن إبراهيم بن جعفر بن الصَّبَّاح، أبو طالب الأَسَدُّ
الهَمَذَانِيُّ المُزَكِّي.
روى عن أبيه، وأبي بكر بن لال، وابن خَيْران، وشُعيب بن عليّ، وأبي
بكر أحمد بن عبدالرحمن الشِّيرازي، وجماعة .
قال شِيرُوية: كان ثقةً، صَدُوقًا، وحذَّثني عنه أبو الفضل القُومِساني.
تُوفي في سادس المحرَّم، ووُلد في سنة إحدى وستين وثلاث مئة.
١٩٠ - الفضل بن محمد بن إبراهيم، أبو نَصْر الصَّيْر فيُّ الأصبهانيُّ.
روى عن أبي العبّاس الأَسَدي، مات في ربيع الأول؛ قاله عبدالرحمن
ابن مَنْدة .
١٩١ - محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحُسين ابن
الأَبنُوسي، البَغْداديُّ.
سمع أبا القاسم بن حَبَابة، وأبا حفص عُمر بن إبراهيم الكَتَّاني.
قال الخطيب(١): کتبتُ عنه، وکان سماعه صحيحًا.
١٩٢ - محمد بن عليّ، أبو بكر الحَدَّاد.
بغداديٌّ زاهدٌ صالحٌ، كبيرُ القَدْر، فقيهٌ، حفظَ ((مختصر الخِرَقي)). وكان
قوالاً بالحق، نَهَّاءً عن المُنْكَر .
تُوفي في شَوَّال من السنة، وشَيَّعه خلائق، حكى عنه الخطيب في تَرْجمة
دَعْلَج(٢) .
١٩٣- مُوَحِّد بن عليّ بن عبدالواحد بن المُوَحِّد، أبو الفَرَج ابن
البَرِّي الدِّمشقيُّ.
(١) تاريخه ٢٢٠/٢.
(٢) تاريخه ٣٦٨/٩.
٩٣

سمع عبدالرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب.
وله إخوة ذكرهم الأمير ابن ماكولا بالفتح(١).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر(٢): كذا ذكرهم الأمير في باب (بَري))
بفتح الباء. يعني: أنَّه بالضَّمِّ.
(١) يعني في ((البَري))، كما في الإكمال ٤٠١/١.
(٢) تاريخ دمشق ٦٠/ ٣٨٧.
٩٤

سنة ثمان وخمسين وأربع مئة
١٩٤ - أحمد بن الحُسَين بن عليّ بن موسى، الإمام أبو بكر البَيْهقيُّ
الخُسْروچِرديُّ.
مصنّف ((السُّنَن الكبير))، و((السُّنَن الصَّغير))، و((السُّنَن والآثار))، و((دَلائل
النُّبُوة)) و((شُعَب الإيمان))، و((الأسماء والصِّفات))، وغير ذلك.
كان واحدَ زمانه، وفردَ أقرانه، وحافظَ أوانه، ومن كبار أصحاب أبي
عبد الله الحاكم. أخذ مذهبَ الشَّافعي عن أبي الفَتْح ناصر بن محمد العُمَري
المَرْوَزِي، وغيره، وبرعَ في المَذْهب.
وكان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وسمع الكثير من
أبي الحسن محمد بن الحُسين العلوي، وهو أكبرُ شيخ له، ومن أبي طاهر
محمد بن محمد بن مَحْمِش الزّيادي، وأبي عبدالله الحافظ الحاكم، وأبي
عبدالرحمن السُّلَمي، وأبي بكر بن فُورك، وأبي عليّ الرُّوذباري، وأبي بكر
الحِيري، وإسحاق بن محمد بن يوسف السُّوسي، وعليّ بن محمد بن عليّ
السَّقَّاء، وأبي زكريا المُزَكِّي، وخَلْقِ من أصحاب الأصم. وحج فسمع ببغداد
من هلال الحَفَّار، وأبي الحُسين بن بِشْران، وعبدالله بن يحيى السُّكري، وأبي
الحُسين القَطَّان، وجماعة. وبمكة من أبي عبدالله بن نَظِيف والحسن بن أحمد
ابن فِراس، وبالكوفة من جَنَاح بن نَذِير المُحاربي، وغيرِه. وشيوخه أكثر من
مئة شیخ.
لم يقع له ((جامع التِّرْمذي)) ولا ((سُنَن النِّسائي))، ولا ((سُنَن ابن ماجة)).
ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بُورك له في مرويَّاته وحُسْن تصرُّفه فيها،
لِحْذقه وخِبْرته بالأبواب والرِّجال.
روى عنه جماعة كثيرةٌ منهم: حفيدُه أبو الحسن عُبَيْد الله بن محمد بن أبي
بكر، وابنه إسماعيل بن أبي بكر، وأبو عبدالله الفُراوي، وزاهر بن طاهر
الشَّخَامي، وعبدالجَبَّار بن محمد الخُواري، وأخوه عبدالحميد بن محمد، وأبو
المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، وعبدالجبار بن عبدالوهّاب الدَّهَّان،
وآخرون. وبَعُدَ صِيتُه، وقيل: إنَّ تصانيفه ألف جزء، سَمِعها الحافظان ابن
عساكر، وابن السَّمعاني من أَصْحابه .
٩٥

وأقام مدةً ببَيْهق يصنّف كُتُبه، ثم إنَّه طُلِب إلى نَيْسابور لنَشْر العلم بها
فأَجابَ، وذلك في سنة إحدى وأربعين وأربع مئة فاجتمع الأئمة وحضروا
مجلسه لقراءة تصانيفه. وهو أول من جَمَعَ نصوصَ الشَّافعي، واحتج لها
بالكِتَاب والسُّنة .
وقد صَنَّف ((مناقب الشَّافعي)) في مجلَّد، و((مناقب أحمد)» في مجلَّد،
وكتاب ((المدخل إلى السُّنَن الكبير))، وكتاب ((البَعْث والنُّشُور)) فِي مجلَّد،
وكتاب ((الزُّهْد الكبير)) في مجلد وسط، وكتاب ((الاعتقاد)) في مجلَّد، وكتاب
((الدَّعوات الكبير))، وكتاب ((الدَّعوات الصَّغير))، وكتاب ((التَّرْغيب والتَّرْهيب))،
وكتاب ((الآداب))، وكتاب ((الإسراء))؛ وله ((خلافيات)) لم يُصنَّف مثلها، وهي
مجلَّدان، وكتاب ((الأربعين)) سمعته بعُلو.
قال عبدالغافر(١): كان على سيرة العُلماء، قانعًا من الدُّنيا باليسير،
مُتَجمِّلاً في زُهدِهِ وورعه. عادَ إلى النَّاحية في آخر عُمُره، وكانت وفاته بها.
وقد فاتني السَّماع منه لغَيبة الوالد، ولانتقال الشَّيْخ آخر عُمره إلى النَّاحية. وقد
أجاز لي.
وقال غير عبدالغافر: قال إمام الحَرَميْن: ما من شافعيٍّ إلا وللشَّافعي
عليه مِنَّة إلا البَيْهقي، فإن له على الشافعي مِنَّةً لتصانيفه في نُصْرة مذهبه.
قلت: كانت وفاته في عاشر جُمَادى الأُولى بنَيْسابور، ونُقِل تابوته فدُفن
بِبِيهَق، وهي ناحية كَحَوْران، على يومين من نَيْسابور، وخُسْر وجِرد أُمِّ تلك
الناحية .
١٩٥ - أحمد بن محمد، أبو العباس الشِّقَّانِيُّ الحَسْنُوبِيُّ الصُّوفيُّ
المُتَكَلِّم.
ذكره عبدالغافر، فقال(٢): واحدُ عصره في جلالته وورعه وزُهْده،
وتبُّره في علم الأصول. تخرّج به جماعة. وكان قانعًا باليسير .
١٩٦ - إبراهيم بن محمد بن موسى، الإمام أبو إسحاق السَّرَوِيُّ
الفقيه الشَّافعيُّ، من أهل سارية.
(١) في السياق، كما في منتخبه (٢٣١).
(٢) في السياق، كما في منتخبه (٢٣٧).
٩٦

قدِمِ بغدادَ في صِياه، وسمع بها من أبي حفص الكَثَّاني، وأبي طاهر
المُخَلِّص. وتفقَّه على الشيخ أبي حامد، وأخذ الفرائض عن ابن اللَّبَّان،
وصنَّف في المذهب وأُصوله، وصار شيخ تلك الناحية. ووَلِيَ قضاءَ سارية
مدةً، ويقال له: المُطَهَّري نسبةً إلى قرية مُطَهَّر، بفتح الهاء، وطاء مهمَلَة .
روى عنه مالك بن سنان، وغيرُه. تُوفي في صفر عن مئة سنة. من
(الأنساب)) للسَّمْعاني(١) ومن ((الذَّيْل)) له.
١٩٧ - الحسن بن غالب بن المبارك المقرىء، أبو عليّ البَغْداديُّ.
شيخٌ مُسِنٌّ، تُوفي في رمضان، وقد روى عن عليّ بن عُمر، وجماعة.
قال أبو الفضل بن خَيْرون: حدَّث عن جماعة لم يوجد له عنهم ما يُعوَّل
عليه، كأبي الفضل الزُّهْري، ومحمد بن أحمد المفيد. وحدَّث ((بمختصر
الخِرَقي)) في الفقه، عن ابن سَمْعون ولم يكن سماعه، وواقَفْتُه، وجَرَت لي معه
نُوَبٌّ. وأقرأ بقراءات عن إدريس بن عليّ، ووقِّف عليها وتابَ منها، وكُتبَ
عليه مَخْضَر .
وقال الخطيب(٢): كتبنا عنه، وكان له سَمْت وظاهر صَلاحِ، وأقرأ بما
خَرَقَ به الإجماع فاستُتيب .
قلتُ: روى عنه أبو غالب ابن البَنَّاء، وأبو بكر محمد بن عبدالباقي،
وغيرهما. وقرأ عليه بالروايات أحمد بن بَدْران الحُلْواني.
١٩٨ - حمزة بن فَضَالة، أبو أحمد الهَرَويُّ.
سمع عبدالرحمن بن أبي شُرَيْح، وأبا مُعَاذ شاه بن عبدالرحمن .
١٩٩ - الخَضِر بن الفتح، أبو القاسم الدِّمشقيُّ الصُّوفيُّ.
سَمِعَ من تَمَّامِ الرَّازي، وأبي نصر ابن الجَبَّان. روى عنه أبو بكر
الخطيب، ونَجَا بن أحمد(٣).
٢٠٠ - عبدالله بن موسى، أبو محمد الأنصاريُّ الطَّلَيْطُليُّ الزَّاهِدُ
المعروف بالشَّارقيِّ.
(١) في («المُطَهَّري)) منه.
(٢) تاريخه ٤٠٩/٨.
(٣) من تاريخ دمشق ٤٤٥/١٦ - ٤٤٦.
تاريخ الإسلام ١٠/ ٧٢
٩٧

روى عن يونس بن عبدالله، وأبي عُمر الطَّلَمَنْكي، وطبقتهما، وحج.
وكان من العُلماء العاملين، ذا ورع وتعبُّد وتألُّه وتواضُع ونَفْع للخَلْقِ (١).
٢٠١ - عبدالله ابن الإمام أبي عُمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر، أبو
محمد النَّمَرِيُّ الأندَلُسيُّ.
روى عن أبيه، وأبي العباس المَهْدويِّ، وكان من أهل الأدب البارع
والبلاغة الرائعة، وله شِعْر حَسَن(٢) .
٢٠٢ - عبدالرَّزَّاق بن عُمر بن موسى بن شَمَة، أبو الطَّيِّب الأصبهانيُّ
التَّاجر .
حدَّث عن أبي بكر ابن المقرىء بكتاب ((السُّنن)) لأبي قُرَّة الزَّبِيديِّ. روى
عنه غانم بن خالد، وفاطمة بنت ناصر، وأحمد بن الفَضْل سَقُّوية، وسعيد بن
أبي الرَّجاء، والحُسين بن عبدالملك، وغيرهم.
ومات في جمادى الآخرة.
وشَمَة: بالفتح والتَّخفيف؛ قيَّده الحُسين الخَلَّل، وابنُ عساكر، وقيل:
شِمَة بكسر أوله؛ كذا بخط أبي العَلاء العَطَّار(٣).
٢٠٣ - عبدالعزيز بن محمد بن الحُسين بن الفَضْل، أبو القاسم
القَطَّانِ.
سمع أبا طاهر المُخَلِّص، وعُبَيْد الله بن أحمد الصَّيْدلاني.
قال الخطيب (٤): كتبتُ عنه، وكانَ صدوقًا، تُوفي في ربيع الأول.
٢٠٤ - عُبَيْد الله بن عبدالله بن هشام، أبو القاسم العَنْسيُّ الدَّارانيُّ .
سمع عبدالرحمن بن أبي نَصْر، والحُسين بن أبي كامل الأطْرابُلَسي.
روى عنه أبو بكر الخطيب، وعبدالكريم بن حمزة.
توفي في ربيع الأول(٥).
(١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٤٥٦ (الترجمة ١٥٩) نقلاً من الصلة لابن بشكوال.
(٢)
من الصلة لابن بشكوال (٦١٠).
(٣)
وانظر إكمال الإكمال لابن نقطة ٤٤١/٣ .
(٤) تاريخه ٢٤٥/١٢.
(٥) من تاريخ دمشق ٧/٣٨ - ٨.
٠٩٨

٢٠٥ - عليّ بن إسماعيل، أبو الحسن المُرْسيُّ اللَّغَويُّ، المعروف
بابن ◌ِیْدَه.
مصنِّ ((المُحْكَم)) في اللغة، وله كتاب ((المُخَصَّص))، وكتاب ((الأنيق
في شَرْح الحماسة)) عشرة أسفار. وكذا ((المُحْكَم)) في مقداره. وله كتاب
((العالم في اللُّغة على الأجناس)) يكون نحو من مئة مجلَّد، بدأ بالفَلَك، وختم
بالذَرَّة. وله كتاب ((شاذ اللغة)) في خَمْس مجلَّدات.
أخذ عن أبيه، وعن صاعد بن الحسن البَغْدادي.
قال أبو عمر الطَّلَمِنْكيُّ: دخلتُ مُرْسِية، فتشبَّث بي أهلُها ليسمعوا عليَّ
((غريب المُصَنَّف))، فقلتُ: انظروا لي مَن يقرأ لكم، وأُمسِك أنا كتابي. فأتوني
برجلٍ أعمى يُعرف بابن سِيْده، فقرأه عليَّ كُلّه، فعجبتُ من حِفْظه، وكان أعمى
ابن أعمى
وقال الحُمَيْدي(١): إمامٌ في اللغة والعربيَّة، حافظٌ لهما، على أنه كان
ضَريرًا. قد جمع في ذلك جموعًا، وله مع ذلك في الشِّعر حظّ وتصرُّف. مات
بعد خروجي من الأندلس .
وورَّخَهُ القاضي صاعد بن أحمد، وقال: بلغ ستين سنة أو نحوها.
وذكره اليَسَع بن حَزْم، فذكر أنه كان يُفَضِّل العَجَم على العَرَبِ، وهو
رأيُ الشُّعُوبية .
وحطّ عليه السُّهَيْلي في ((الرَّوْض الأُنُف))، فقال(٢): إنه يَعْثر في
((المُحْكَم)) وغيره عَثَرَاتٍ يَدْمَى منها الأظَلُّ(٣) ويَدْحض دَحَضاتٍ تُخْرجه إلى
سبيل من ضَلَّ، بحيث إنه قال في الجِمار: هي التي تُرْمى بعَرَفة، وكذا يَهمُ إذا
تكلّم في النَّسَب.
وقال أبو عُمْرو ابن الصَّلاحِ الشافعي: أضرَّت به ضرارته.
قلت: ولكنه حجة في اللَّغة، موثَّق في نَقْلها، لم يكن في عصره أحد
يُدانيه فيها. وله شِعْرٌ رائق. وكان منقطعًا إلى الأمير أبي الجَيْش مُجاهد
(١) جذوة المقتبس (٧٠٩)، وهو في الصلة (٨٩٢).
(٢) الروض الأنف ١٢٨/٢.
(٣) الأظل: بطن الإصبع.
٩٩

العامري، فلما تُوفي حَدَثت لأبي الحَسَن نَبْوَة في أيام إقبال الدَّولة، فهرب
منه، ثم عمل فيه أبياتًا يستعطفه فيها يقول :
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليُمْنَى سبيلٌ فإنَّ الأمن في ذاك واليُمْنا
وإنْ تتأكَّد في دَمي لك نِيَّةٌ تصدق فإني لا أحبُّ له حَقْنا
على الوِرْد لا عَنْه أُذَادُ ولا أُدْنَى
فيا مَلِك الأملاك إني مُحوٌِّ
ونِضْو هُموم طَلَّحَتْه طياته فلا غاربًا أبقينَ منه ولا مَتْنا
إذا مِيتَةٌ، أَرْضَتْكَ منا فَهَاتِها حبيبٌ إلينا ما رضيتَ به عنا
وهي طويلة ووقعَ بها الرِّضی عنه.
٢٠٦ - عليّ بن أبي طالب محمد بن عليّ بن عطية المكِّيُّ، أبو
الحسن، ولد مصنّفٌ ((قوت القُلوب)).
سمع أباه، وأبا طاهر المُخَلِّص(١).
٢٠٧ - عَمْرو بن عبدالرحمن بن أحمد، أبو الحكم الكِرْمانيُّ
الأندلسيُّ القُرْطُبيُّ، صاحب الهَنْدِسَة.
كان إمامًا لا يُشقُّ غُباره في علم أوقليدس ودقائقه. رحل إلى المشرق،
وأخذ بحرّان عن فُضَلائها. ثم رجع وسكن مدينة سَرَقُسْطةٍ، وجلب معه
((رسائل إخوان الصفا)). وله يد طُولَى في الطِّب، والجَرْح، والبَطُّ.
وعُمِّر؛ عاش تسعين سنة، ومات سنة ثمانٍ هذه. وهو من تلامذة مَسْلَمة
ابن أحمد المَرْجيطي(٢) .
٢٠٨ - غانم بن أبي سَهل عَمْرو بن أحمد بن عُمر الأصبهانيُّ الصَّفَّار
الفقيه .
٢٠٩ - فَرَج الزَّنْجانيُّ، الزَّاهد المعروف بفَرَج أخي.
من كبار الصَّالحين بتلك الدِّيار، وهو الذي لَبِسنا خِرْقة السُّهرَ وردي من
طريقه .
قال السِّلَفي: سمعتُ أبا حفص عُمر بن محمد بن عَمُّوية السُّهْروردي
ببغداد يقول: قُدِّمتُ إليه وأنا ابن أربع سِنين. قال: ومات سنة ثمانٍ وخمسين.
(١) من تاريخ الخطيب ٥٨٧/١٣.
(٢) من عيون الأنباء ٤٨٤ - ٤٨٥.
١٠٠