Indexed OCR Text
Pages 341-360
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ أَ ( الحوادث ) سنة إحدى وعشرين وأربع مئة في عاشوراء أغلقَ أهلُ الكَرْخِ أسواقَهم، وعَلَّقوا عليها المُسُوح وناحوا؛ وذلك لأنَّ السلطان انحدرَ عنهم فوقعَ القتالُ بينهم وبين السُّنة. ثم أُنزلت المُسُوح وقُتل جماعة من الفريقين، وخُرِّبت عدة دَكاكين، وكَثُرت العَمْلات من البُرْجُمي مُقَدَّم العيارين وأخذ أموالاً عظيمة. وفيها دخل جلال الدَّولة وعسكرُه إلى الأهواز ونهبتها الأتراك وبَدَّعوا بها، وزادَ قيمة الذي أُخِذَ منها على خمسة آلاف ألف دينار، وأحرقت عدة أماكن، بل ما يمكن ضبطه. وفي جُمَادَى الأولى جلسَ القادر بالله، وأذِن للخاصة والعامَّة، وذلك عَقِيب شَكاةٍ عُرضَت له، وأظهر في هذا اليوم تقليد ولده أبي جعفر بولاية العهد وهنأ الناسُ أبا جعفر ودَعوا له، وذُكر في السِّكَّة والخُطْبة . وجاء الخبر أن مطلوبًا الكُردي غزا الخَزَر فقَتل وسَبَى وَغَنِمَ وعاد، فاتَّبعوه وكَسَرُوه واستنقذوا الغنائم والسَّبْي، وقتلوا من الأكراد والمُطَّوِّعة أكثر من عشرة آلاف، واستباحوا أموالهم. وكان ملك الروم، لعنه الله، قد قصَد حلب في ثلاث مئة ألف، ومعه أموال على سبعين جَمَّازة، فأشرف على عَسْكره مئة فارس من العرب، وألف راجل، فظن أنها كَبْسة، فلبس ملكهم خُقًّا أسود حتى يخفى أمره، فهربَ، وأخذوا من خَاصِّه أربع مئة بَغْل بأحمالها، وقتلوا من جيشه مقتلةً عظيمةً. وفي شوَّال اجتمع الهاشميون إلى جامع المنصور، ورفعوا المصاحف ٣٤١ واستنفروا النَّاسَ، فاجتمع له الفُقَهاء، وخَلْقٌ من الكَرْخِ وغيرها، وضجّوا بالاستعْفاء من الأتراك، فلمَّا رَأَوْهم قد رفعوا أوراق القرآن على القَصَب رفعوا لهم قناةً عليها صَلِيب، وترامى الفريقان بالآجُر والشَّاب وقُتِلَ طائفةٌ، ثم أُصْلِحَ الحالُ. وكَثُرَتَ العَمْلات والكَبْسات من البُرْجُمي ورجاله، وأخذ المخازن الكبار وفتح الدكاكين، وتَجَدَّدَ دخول الأكراد المتلصِّصة إلى بغداد، وأخذوا خيل الأتراك من الإصطبلات. ولم يخرج رَكْبٌ من العراق في هذه السنة. وتوفي ابن حاجب، التُّعمان الكاتب. وفيها اشترى ملك الروم النَّصْراني نصف مدينة الرُّها بعشرين ألف دينار من ابن عُطَيِّرِ النُّمَيْرِي، فهدمَ الملعون المساجد وأجلى المُسلمين منها، ثم أخذها السُّلطان مَلكْشاه سنة تسع وسبعين، وسَلَّمها إلى الأمير تُوران. ثم أخذتها الفرنج في أوّل ظهورهم على البلاد سنة اثنتين وتسعين، وبقيت بأيديهم إلى أن افتتحها زَنْكي والد الملك نور الدين محمود سنة تسع وثلاثين وخمس مئة . سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة في المحرَّم نقب اللُّصوص دار المملكة وأخذوا قماشًا وهربوا، وأقام الثُّجَّار على المبيت في الأَسْواق، وأمْر العيّرين يتفاقم لأنَّ أمورَ الدولة مُنْحَلَّة، فلا قوة إلا بالله . وفيها عُزِل أبو الفضل محمد بن عليّ بن عبدالعزيز بن حاجب الثُّعْمان عن كتابة الإنشاء للقادر بالله، وكانت مباشرتُه سبعة أشهر، لأنه لمَّا تُوفي أبوه أبو الحسن وأُقِيمَ مقامه لم تكن له دُرْبَةٌ بالعمل. وفيها عزم الحرمي الصُّوفي الملقَّب بالمذكور على الغزو، واستأذن السُّلطان، فأذِن له وكتب له مَنْشورًا، وأُعطي منْجُوقًا (١). واجتمع إليه طائفة، فقصد الجامع للصلاة ولقراءة المنشور، ومر بطاق الحَرَّاني وعلى رأسه المَنْجُوق وقُدَّامه الرِّجال بالسِّلاح، وصاحوا بِذْكر أبي بكر وعمر، وقالوا: هذا (١) أي: رايةً. ٣٤٢ يومٍ مُعَاويٌّ. فرماهم أهل الكَرْخ، وثارت الفتنة، ومُنعت الصلاة، ونُهبت دار الشَّريف المُرْتضى، فخرج مُرَوَّعًا، فجاءهُ جيرانه الأتراك فدافعوا عنه وعن حُرَمه. وأُحرقت إحدى سُرِّيَّاته، ونُهبت دُور اليهود وطُلِبوا لأنهم أعانوا أهل الكَرْخ فيما قيل. ومن الغد اجتمع عامة السُّنَّة، وانضاف إليهم كثير من الأتراك، وقصدوا الكَرْخ، فأحرقوا الأسواق، وأشرف أهل الكَرْخ على خطة عظيمة . وركب الخليفة إلى الملك والإسْفَهسلارية يُنْكر ذلك، وأمر بإقامة الحَدِّ في الجُنَاة، فركب وزير المَلِك، فوقعت في صدره آجُرَّة وسقطت عمامته، وقُتِل من أهل الكَرْخ جماعة، وانتهب الغلمان ما قدروا عليه، وأُحرق وخُرِّب في هذه الفتنة سوق العروس، وسوق الصَفَّارين، وسوق الأنماط، وسوق الزَّيَّاتين، وغير ذلك، وزاد الاختلاف والفُرْقة. وعبرَ سَكْرانٌ بالكَرْخِ فَضُرِب بالسيف فقُتِل، ولم يجر في هذه الأشياء إنكار من السُّلطان لسقوط هيبته . ثم قتلت العامة الكلالكي، وكان ينظر في المَعُونة، وتبسّط العوام وأثاروا الفِتَن، ووقعَ القتالُ في البلد من الجانبين، واجتمعَ الغِلْمان، وأظهروا الكراهة للملك جلال الدَّولة، وشكوا اطّراحَهم واطِّراح تدبيرهم، وأشاعوا أنهم يقطعون خطبته. وعَلِمَ المَلِك فقلق، وفرَّق مالاً في بعضهم، ووعدهم وحلفَ لهم. ثم عادوا للخوض في قطع خُطْبته وقالوا: قد وقفت أمورُنا وانقطعت مَوادُّنا ويئسنا من خير ذا. ودافع عنه الخليفة، هذا، والعامَّة في هَرَج وبلاء، وكَبْسات ووَيْل. وأقبلت النصارى الرُّوم، فأخذوا من الشام قلعة فامية. ومات في آخر السنة القادر بالله، واستُخْلِفَ القائم بأمر الله، وله إحدى وثلاثون سنة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدرُ الدُّجَى، أدركت خلافته. فأول من بايعه الشريف المرتضى، وقال: إذا ما مضى جَبَلٌ وانْقَضَى فمنك لنا جبلٌ قد رَسَى وإنا فُجِعْنا لبدْرِ التَّمام وعنه لنا نابَ بدْرُ الدُّجَى لنا حَزَنٌّ في محل الشُّرورَ وكم ضَحِكٌ في خِلالِ البُكا فيا صارمًا أغْمَدَتْه يدٌ لنا بعدك الصَّارُ المُنْتَضَى ٣٤٣ ولما حضرناك عند البياع عرفنا بِهَدْيك طُرُقَ الهُدَى فقابَلْتَنا بوَقَار المَشِيب كمالاً وسِتُك سِنُّ الفتى وصَلَّى بالناس في دار الخلافة المغرب، ثم بايعه من الغد الأمير حسن ابن عيسى ابن المقتدر. ولم يركب السلطان للبيعة غَضَبًا للأتراك وذلك لأنهم هَقُّوا بالشَّغب، لأجل رَسْمهم على البيعة، فتكلم تركيٌّ بما لا يصلُح في حق الخليفة، فقتله هاشمي، فثار الأتراك وقالوا: إن كان هذا بأمر الخليفة خرجنا عن البلد، وإن لم يكن فيسلِّم إلينا القاتل. فخرج توقيع الخليفة: لم يجرِ ذلك بإيثارنا، ونحنُ نقيمُ في القاتل حدَّ الله. ثم ألحوا في طَلْب رسْم البَيْعة، فقيل لهم: إن القادر لم يخلّف مالاً. ثم صولحوا على ثلاثة آلاف دينار. فَعَرَض الخليفة خانًا بالقطيعة وبستانًا وشيئًا من أنقاض الدُّور على البيع. ووزَرَ له أبو طالب محمد بن أيوب، ثم جماعة منهم: أبو الفتح بن دارسْت، وأبو القاسم ابن المُسْلِمةُ، وأبو نصر بن جَهِير. وكان قاضيه أبو عبدالله ابن ماكولا، ثم أبو عبدالله الدَّامغاني. وكان للقائم عناية بالأدب. وفي ثامن عشر ذي الحجة عملت الشِّيعة، ((يوم الغدير))، وعمل بعدهم أهلُ السُّنَّة الذي يسمُّونه ((يوم الغار)) وهذا هَذَيان وفُشَار. ثم إن العَيارين ألْهبوا الناسَ بالسَّرِقَة والكبسات، ونزلوا بواسط على قاضيها أبي الطَّيِّب وقتلوه، وأخذوا ما وجدوا. ولم يحج أحد من العراق لاضطراب الوَقْت. وخرجت السَّنَة ومملكة جلال الدولة ما بين بغداد وواسط والبَطَائح، وليس له من ذلك إلا الخطبة. فأمَّا الأموال والأعمال فمُنْقَسِمة بين الأعراب والأكراد، والأطرافُ منها في أيدي المُقْطَعِين من الأتراك، والوزارة خالية من ناظرٍ فيها، والخِلافة مستَضْعفَة، والناس بلا رأس. فَلله الأمرُ. سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة في المحرَّم خرجوا ببغداد للاستسقاء. وفي عاشوراء عُلَّقت المُسُوح، وناحوا؛ أقام ذلك العيَّارون. ٣٤٤ وفيها ثار أهلُ الكرخ بالعيَّارين فهربوا، وكبسوا دُورهم ونهبوا سلاحَهم، وطلبوا من السُّلطان المُعاونة؛ لأنَّ العيَّارين نهبوا تاجرًا فغضب له أهلُ سوقهِ، فردَّ العيَّرون بعضَ ما أخذوا، ثم كَبَسوا دار ابن الفَلْو الواعظ وأخذوا ماله. وأخذوا في الكَبْسات، وانضاف إليهم مُوَلَّدوا الأتراك وحاشيتهم. ثم إنَّ الغِلْمان صَمَّموا على عزل جلال الدَّولة وإظهار أمر أبي كاليجار، وتحالفوا وقالوا: لابُد أن يروح عنا إلى واسط. ثم قطعوا خطبته، فانزعج وأنفَذَ سراريه إلى دار الخلافة، وخَيَّر الباقيات في أن يُعْتِقَهُن، وطلب من الغلمان أن يخْفُرُوه، وقال: لا أخرج على غير قاعدة. وامتلأ جانبا دجلة بالناس، وتردَّدَت الرُّسل إلى الملك بالتُّزُوح، وقال: ابعثوا معي مئة غلام يحرسوني. فقالوا: بل عشرون. فقال: أريد سفينةً تحملني، ونفقة تُوصِلُني. فقرروا بينهم إطلاق ستين دينارًا نَفَقة، فالتزم بعضُ القوَّاد منها بثلاثة دنانير. فلمَّا كان اللَّيل خرج نَفَرٌ من غِلْمانه إلى عُكْبرا على وجه المُخاطرة، فبادر الغلمان إلى دار المملكة فنهبوها. وكتب الملأ إلى أبي كاليجار بما فعلوه من اجتماع الكلمة عليه، وطلبوا منه من ينوب عنه، فلمّا بلغه قال: هؤلاء الأتراك يكتبون ما لا يعتقدون الوفاء به ولا يَصْدُقون. فإنْ كانوا مُحقين في طاعتهم فليُظهروا شعارنا وليُخرجوا من عندهم، ولا أقل من أن يُسيِّروا إليَّ منهم خمس مئة غلام لأتوجه معهم. وكان وزيره ابن قبة (١) الذي وقفَ الكُتُب على العلماء، وهي تسعة عشر ألف مجلّد، فيها أربعة آلاف بخط ابن مُقْلة. ثم اختلَّتِ المَمْلكة، وقُطع عن جلال الدَّولة المادة حتى باعَ من ثيابه الملبوسة في الأسواق، وخَلَت دارُه من حاجب وفَرَّاش. وقُطع ضَرْب الطَّبل الانقطاع الطََّّالين. وتخبط أمر بغداد، ومدَّ الأتراك أيديهم إلى النَّهْب. وتشاور القُواد أن يخطبوا للملك أبي كاليجار، وتوقفوا. وخرج جلال الدولة إلى عُكْبَرا وقصد كمال الدَّولة أبا سِنان، فاستقبله أبو سِنان وقَبَّل الأرضَ، وقال: خزائني وأولادي لك، وأنا أتوسط بينك وبين جُنْدك. وزوَّجه ابنته. ثم جاءه جماعة من الجُنْد معتذرين، وأُعيدت خُطْبته. (١) هكذا في النسخ كافة، وفي المنتظم ٦٤/٨: ((فنة))، وفي الكامل ٩/ ٤٢٣: ((ما فنة)). ٣٤٥ وجاءته رُسُل الخليفة وهو يستوحش له. ثم بعث الخليفة القاضي أبا الحسن الماوَرْدي والطُّوَاشي مبشِّرًا إلى الأهواز إلى أبي كاليجار؛ قال الماوَرْدي: فقدِمْنا عليه فأْزَلَنا، وحُمِلت إلينا أموال كثيرة. وأحضرنا وقد فُرِشت دار الإمارة، ووقف الخَوَاص على مراتبهم من جانِبَيْ سريره. وفي آخر الصَّفَّيْن ست مئة غلام داريّة بالِزَّة الحَسَنة الملوَّة، فَخدمنا وسلَّمنا عليه وأوصلنا الكتاب. وتردّد القول بين إخبار واستخبار، وانصرفنا. ثم جرى القول فيما طَلَب من اللَّقَب، واقترح أن يكون اللَّقَب: (( السُّلطان الأعظم، مالك الأمم)). قلنا: هذا لا يمكن لأنَّ السُّلطان المعظم الخليفة، وكذلك مالك الأمم. فَعَدَلوا إلى: ((ملك الدَّولة)). فقلت: هذا ربما جاز. وأشرت بأن يخدم الخليفة بأَلْطافٍ. وقالوا: يكون ذلك بعد التَّلْقيب. قلت: الأَوْلَى أن يُقَدَّم. ففعلوا. وحَمَّلوا معي ألفيْ دينار، وثلاثين ألف درهم نُقْرَةٍ (١)، ومئتي ثوب ديباج، وعشرين منَّا عُود، وعشرة أَمْناء كافور، وألف مثقال عَنْبر، وألف مثقال مِسْك، وثلاث مئة صحن صيني. ووَقَّع بإقطاع وكيل الخدمة خمسة آلاف دينار من معاملة البَصْرة، وأن يُسلِّم إليه ثلاثة آلاف قَوْصَرة تمرٍ كل سنة. وأُفرِد عميد الرؤساء أبو طالب بن أيوب بخمس مئة دينار وعشرة آلاف درهم، وعشرة أثواب. وعُدنا إلى بغداد، فَرُسِم لي الخروج إلى جلال الدَّولة، فأجريت معه حديث اللَّقَب، وما سأله المَلِك، فتقُل عليه ذلك، واقتضى وقوف الأمر. واستمر تأخّر الأمطار، واستسقوا مرّتين وما سُقوا، وكان الذين خرجوا إلى الاستسقاء عدد قليل. وأجدَبت الأرضُ، وهلكت المواشي، وتَلِف أكثر الثِّمار. وكبسَ رئيسُ العيارين البُرجُميُّ خانًا فأخذَ ما فيه، فقُوتِلَ، فَقُتِلَ جماعةٌ. وكان يأخذ كل مُصْعد ومُنْحَدِر، وكَبَسَ دارًا وأخذ ما فيها وأحرقها. هذا والعسكر ببغداد. واجتمع الخدم ومنعوا من الخطبة للخليفة لأجل تأخّر رَسْم البيعة، فلم تُصَلِ الجُمُعة، ثم تُلَطَّف في الأمر في الجمعة الآتية. (١) النُّقْرة: هي الدراهم المذابة. ٣٤٦ وفيها حُلِّفَ المَلِكُ للخليفة يمينًا حضرها المُرْتَضَى وقاضي القُضاة، وركب الوزير أبو القاسم ابن المُسْلِمة من الغد، فحضر عند الخليفة هو والمُرْتَضَى والقاضي، فحَلف للملك وهي : ((أقسمَ عبدُالله أبو جعفر القائم بأمر الله بالله الذي لا إله إلا هو الطَّالب الغالب المُدْرِك المُهْلِك، عالمُ السِّر والعلانية، وحق رسول الله اَّهَ، وحق القرآن العظيم، لأُقيمنَّ لركن الدين جلالَ الدولة أبي طاهر ابن بهاء الدولة أبي نصرٍ على إخلاص النِّية والصَّفاء بما يُصْلح حاله، ويحفظ عليه مكانه، ولأكونَنَّ له على أفضل ما يؤثر من حراسته، ولوزير الوزراء أبي القاسم وسائر حاشيته، وإقراره على رُثْبته. له بذلك عليَّ عهدُ الله وميثاقُه، وما أخذ على ملائكته المقرَّبين، وأنبيائه المرسَلين، والله يشهد عليَّ. وهذه اليمين مني والنية فيها بنية جلال الدولة)). وفي جُمَادَى الأولى عند تَصْويب الشَّمْس للغروب انقضَّ كوكبٌ كبيرٌ كثيرُ الضَّوء. وزاد شرُّ العَيَّارين حتَّى وَلِيَ ابن النَّسوي فردعهم وانكفوا. وهاجت ريح عظيمة ثلاثة أيام احتجبت منها السَّماء والشَّمْس، ورمت تُرابًا أحمر، ورَمْلاً. وغلت الأسعار، وتَلِفَت غلات المَوْصل، ولم تَرد الِذار، وكذلك الأهواز وواسط . ووصلت الأخبار عن الإحساء وتلك النواحي بأن الأقوات عُدِمت، واضطرت الأعراب إلى أكل مواشيهم، ثم أولادهم، حتى كان الواحد يعاوض بولده ولد غیرہ لئلا تدرکه رِقة إذا ذبحه. وفي شَوَال انقضَّ ليلة الاثنين كوكب أضاءت منه الأرض، وارتاع له العالم، وكان في شكل التُّرس، ولم يزل يقل حتى اضمحل. وفي شوال سكر جلال الدولة ونزل من داره في سُمَيْرية متنكرًا إلى دار الخلافة، ومعه ثلاثة، وصعد إلى بُستان، ورمى بعض مُغَنِّياته القَصَب، ودخل منه، وجلس تحت شَجَرة، واستدعى نَبِيذًا يشربه، وزَمَّر الزَّامرُ. فعرف الخليفة ذلك، فشُق عليه وأزعجه. ثم خرج إليه القاضي ابن أبي موسى، والحاجب أبو ٣٤٧ منصور بن بكران، فحدَّثاه ووقفا بين يديه، وقالا: قد سُر الخليفة بقُرب مولانا وانبساطه، وأما النبيذ والزَّمْر فلا ينبغي. فلم يقبل ولا امتنع وقال: قُلْ لأمير المؤمنين: أنا عبدك، وقد حصل وزيري أبو سَعْد في دارك، ووقف أمري بذلك فأُريد أَتَسَلَّمه. وأخذوا يدارونه حتى نزل في زيّزَبه، وأُصعد إلى دار المملكة. واجتمع خَلْق من النَّاس على دجلة. فلمَّا كان من غدٍ استدعى الخليفة المختصَّ أبا غانم، وأبا الوفاء القائد وقال: إنا قد عرفنا ما جرى أمس، وإنه أمرٌ زاد عن الحد وتناهى في القُبْح واحتملناه، وكان الأَوْلَى لجلال الدولة أن يتنزه عن فِعْله وينزهنا عن مثله - في كلام طويل - فإنْ سلك معنا الطَّريقة المُثْلَى، وإلا فارقْنا هذا البلد ودبَّرْنا أمرنا. فقبلا الأرض ومَضَيا إلى الملك، فركب بعد ذلك في زبّزَبه، وأُشعِر الخليفة بحضوره للاعتذار، فنزل إليه عميد الرُّوساء وخدم، وقال: تذكر حضوري للخدمة واعتذاري. فرجع الجواب بقبول العُذْر. ثم مضى إلى الميدان ولعب بالصولجان . ولم يحج رَكْب العراق لفساد الطريق، وورد من مصر كِسْوة الكعبة، وأموال للصَّدقة وصِلات لأمير مكَّة. وورد الخبر بوباءٍ عظيم بالهند، وغَزْنَة، وأصبهان، وجُرْجان، والرَّي، وأن ذلك قد زاد على مَجَاري العادة. وخرج من أصبهان فيه أربعون ألف جنازة، ومات بالمَوصل بالجُدَري أربعةُ آلاف صبي . وخرجت السَّنة ومملكة جلال الدولة مشتملة على ما بين الحَضْرة وواسط والبَطِيحة، وليس له من جميع ذلك إلا إقامة الاسم، وأما الوزارة فخالية عن آمرٍ فيها . وجاء إلى أصبهان مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكِين فنهبَ البلد وقتل عالمًا لا يُخْصَی. سنة أربع وعشرين وأربع مئة فيها هُنِّىءَ الخليفة بالعافية من جُدْري أصابه، وكُتِمَ ذلك إلى أن عُوفي. وكبس البُرْجُمي دَرْبًا وأخذ أموالاً. وتفاوض الناس أن جماعةً من الجُنْد خرجوا إليه وواكلوه، فخافَ النَّاسُ ونقلوا الأموال إلى دار الخِلافة. وواصلوا ٣٤٨ المَبِيت في الأسواق والدُّروب، فقُتل صاحب الشُّرطة بباب الأزج، واتَّصلت العَمَّلات. وأُخِذ من دار تاجر ماقيمته عشرة آلاف دينار، وبقي الناس لا يتجاسرون على تسميته إلا أن يقولوا القائد أبو عليّ. وشاع عنه أنه لا يتعرَّض لامرأة، ولا يُمَكَّن أحدًا من أخذ شيء عليها أو معها. فخرج جماعة من القُوَّاد والجُنْد، وطلبوه لما تعاظم خطره وزاد بلاؤه. فنزلوا الأَجَمَة التي يأوي إليها، وهي أَجَمَةٌ ذات قَصَب كثير تمتد خمسة فراسخ، وفي وسطها تل اتخذه مَعْقلاً، ووقفوا على طُرُقها، فخرج البُرجُمي وعلى رأسه عمامة، فقال: من العَجَب خروجكم إليَّ وأنا كل ليلة عندكم، فإنْ شئتم أن ترجعوا وأدخل إليكم، وإن شئتم أن تدخلوا فافعلوا. ثم زادت العَمْلات والكَبْسات، ووقع القتال في القَلَّئين وفي القَنْطَرتين، وأُحرقت أماكن وأسواق ومساجد، ونُهب دَرْب عَوْن وقُلعت أبوابه، ودَرْب القراطيس، وغير ذلك. ثم ثارت الجُنْد ووقعوا في السُّلطان، وأنهم ضائعون، واجتمعوا وراسلوه أن ينتقل إلى واسط أو البصرة، واعتقلوه وأنزلوه سُمَيْرية وابتلَّت ثيابه وأُهين. ثم رجموه وأخرجوه ومشوا به ثم أعطاه بعض الأتراك فَرَسَه فرَكبها، وواجههوه بالشَّتْم، ثم أنزلوه فوقف على العَتَبة طويلاً، ثم أدخِل المسجد. ثم تآمروا على نقله إلى دار المُهَلَّبية. وخرَج القائد أبو الوفاء ومعه عشرون غلامًا وحاشية الدَّار والعوام ومن تاب من العيّارين وهجموا على الأتراك فتفرقوا، وأخذوه من أيديهم وأعادوه إلى داره، وكان ذلك في رمضان. ثم عبرَ في آخر الليل إلى الكَرْخ فتلقاه أهلُها بالدُّعاء، فنزل في الدَّار التي الشريف المرتضى. ثم اجتمع الأتراك وعزموا على عَقْد الجَسْر والعبور إلى الكَرْخ ليأخذوا المَلِك. ثم وقع بينهم الخُلْف وقالوا: ما بقي من بني بُويه إلا هذا، وابن أخيه أبو كاليجار قدِ سلَّم الأمر إليه ومضى إلى فارس. ثم كتبوا إليه رُقْعة: ((نحن عَبيدُك وقد ملَّكْناك أمورنا من الآن، وقد تعذَّينا عليك، ولكن نُكَلِّمك في مصالحنا، فتعتذر إلينا ولا نجد لذلك أثرًا، ولكَ ممالك كثيرة فيجوز أن تطرح ذلك مدة، وتوفر علينا هذه الصبابة من المادة، والصواب أن لا تخالفنا)). وأنفذوا الرُّفْعَة إلى المُرْتَضى ليعرضها عليه، فأجابَ: بأنا معترفون لكم بما ٣٤٩ ذكرتم، وما يحصل لنا نصرفه إليكم. فلما وصل القول نَفروا وقالوا: هذا غرضه المُدافعة. ثم حَلَّفوه على صلاح النية، وبعد ذلك دخلوا وقَبَّلوا الأرض بين يديه، وهو في دار المُرْتَضَى، وسألوه الصَّفْح، وركبَ معهم إلى دار المملكة . ثم زاد أمر العَمْلات والكَبْسات، وتعدوا إلى الجانب الشرقي فأفسدوا. ووقعَ القتال، وحَمَّل العيارون السلاح، وكثُرُ الهَرَج. ثم ثار العوام إلى جامع الرُّصافة ببغداد فمَنعوا من الخطبة ورجموا القاضي أبا الحُسين ابن الغَرِيق، وقالوا: إن خطبت للبُرجُمي، وإلا فلا تخطب لخليفة ولا لملك. ثم أقيم على المَعُونة أبو الغنائم بن عليّ، فركب وطاف وقَتَلَ، فوقعت الرَّهْبة . ثم إنَّ بعض القُوَّاد أخذ أربعةً من أصحاب البُرجُمي فاعتقلهم، فاحتد البُرجُمي وأخذ أربعة من أصحاب ذلك القائد، وجاء بهم إلى دار القائد فطرق عليه الباب فخرج، ووقف خلف الباب فقال له: قد أخذت أربعة من أصحابك فأطلق أصحابي لأطلق أصحابك وإلا ضربتُ أعناقهم وأحرقتُ دارك. فأطلقهم له . ومما يشاكل هذا الوَهْن أن بعض أعيان الأتراك أراد أن يُطَهِّر ولدَهُ، فأهدى إلى البُرجُمي حُمْلانًا وفاكهةً وشرابًا، وقال: هذا نصيبك من طهور ولدي؛ يُداريه بذلك . ولم يحج العراقيون ولا المصريون أيضًا خوفًا من البادية . وحج أهل البَصْرة مع مَن يخفرهم، فغدروا بهم ونهبوهم، فالأمر لله . سنة خمس وعشرين وأربع مئة كان العَيَّرون مواصلين للعَمْلات باللَّيل والنَّهار، ومضى البُرْجُمي إلى العامل الذي على المأصر الأعلى، فقرَّر معه أن يعطيه كل شهر دنانير من الارتفاع، ثم أخذ عدة عَمْلات كِبار. هذا والناس يبيتون في الأسواق. ثم جدًّ السلطان والخليفة في طلب العيارين. ٣٥٠ وورد كتابٌ من نَصِيبين أنَّ ريحًا سوداء هَبَّت فقلعت من بساتينها أكثر من مئتي ألف شجرة، وأنَّ البَحْر جَزَرَ في تلك الناحية نحو ثلاثة فراسخ، وخرج النَّاسُ يتبعون السَّمك والصَّدَف، فرد البحر فغرق بعضهم. وكان بالرَّمْلة زلازل خرج الناس منها إلى البَرِّ، فأقاموا ثمانية أشهر. وهدِمت الزلازلُ ثُلُث البلد، وتعدّت إلى نابلس، فسقط بعض بُنيانها، وهلك ثلاث مئة نفس، وخُسِفَ بقريةٍ، وسقط بعض حائط بيت المقدس، وسقطت منارة عَسْقلان، ومنارة غزة. وكثُر الموت بالخوانيق ببغداد والمَوْصل، وكان أكثره في النِّساء. واتصل الخبر بما كان بفارس من الوباء، حتى كانت الدُّور تُسَد على أصحابها . وفيها أُسقط ما كان على المِلْح من الضَّريبة، وكان ارتفاعه في السنة نحو ألفَيْ دينار، خاطب الملكَ في ذلك الدِّينَوَرَيُّ الزَّاهد. ثم عاد العيارون وانتشروا واتصلت الفتن بأهل الكَرْخ مع أهل باب البَصْرة، ووقع القتال بينهما، وانشرت العربُ ببادَرَيَا وقُطْرَبُّل، ونهبوا النواحي، وقطعوا السُّبُل، ووصلوا إلى أطراف بغداد، وسَلَبُوا الحريم في المَقَابر. وعاد الجُنْد إلى الشَّغَب، وقَوِيَت أيديهم على خاصِّ السُّلطان، واستوفوا الجوالي وحاصل دار الضَّرْب. وفي رمضان غُرِّق البُرْجمي بفم الدُّجَيل، أخذَهُ معتمد الدَّولة فغرَّقَه، فبذل له مالاً كثيرًا على أن يتركه، فلم يقبل. ودخلَ أخو البُرْجُمي إلى بغداد، فأخذ أخّا له من سوق يحيى، وخرج فَتُبِّعَ وقُتل . وفي شوال رُوسل المُرْتَضَى بإحضار العيارين إلى داره، وأن يقول لهم: من أراد منكم التوبة قُبلت توبته، ومن أراد خدمة السُّلطان استُخْدِم مع صاحب المعونة، ومن أراد الانصراف عن البلد كان آمنًا على نفسه ثلاثة أيام. فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخرج. وتجدَّد الفساد والاستيفاء. وفي ذي القَعْدة انقض شهابٌ كبير مهول، ثم بعد جُمُعة انقض شهابٌ ملأ ضوؤه الأرضَ، وغلب على ضَوْء المشاعل، ورُوِّعَ من رآه؛ وتطاوَل مَكْثُهُ على ما جرت به عادة أمثاله، حتى قيل انفرجت السَّماء لِعِظَم ما شُوهد منه. وفي ذي الحجة وقع الفَنَاء ببغداد، فذُكِر أنه مات فيها سبعون ألفًا . ٠٣٥١ سنة ستٍّ وعشرين وأربع مئة تجدَّد في المُحَرَّم وصول العَرَب إلى أطراف الجانب الغربي، فعاثوا ونهبوا. ثم ظهر قومٌ من العيارين ففتكوا وقتلوا. فنهض أبو الغنائم بن عليّ المُتَوَلِّي فقتل اثنين، فعاودوا الخروج وقتلوا رجلين، وقاتلوا أبا الغنائم. وتتابعت العَمْلات، فنهض أبو الغنائم ومَسَكِ وَقَتَلَ، ثم عاد الفساد والعيارون يكمنون في دُور الأتراك، ويخرجون ليلاً. وكتب العيارون رقاعًا يقولون فيها: إنْ صُرِف أبو الغنائم عنا حفظْنا البلد، وإن لم يُصرف ما نترك الفَسَاد. وكَبَسَ غُلامٌ فَرَاحًا للخليفة ونهبَ من ثَمَره، فامتعضَ الخليفةُ وكتب إلى الملك والوزير بالقبض عليه وتأديبه، فتوانوا لضَعْف الهيبة. فزاد حنق الخليفة، فأمر القُضاة بالامتناع من الحُكْم، والفُقَهاء من الفتوى، والخُطباء من العقود. وعَمِلَ على غَلْق الجوامع، فَحُمِل الغلام ورُسم عليه ثم أُطْلِقِ. وزادت الفِتَن، وكَثُرُ القَتْل، ومُنع أهل سوق يحيى من حَمْل الماء من دجلة إلى أهل باب الطَّاق والرُّصافة، وخُذِل الأتراك والسلطان في هذه الأمور حتى لو حاولوا دفعَ فسادٍ لزادَ، وتملَّك العيَّارون البَلَد. وفيها وصل كتاب السُّلطان مسعود بن محمود بفتح فتحه بالهند، ذكر فيه أنه قتل من القوم خمسين ألفًا، وسَبَى سبعين ألفًا، وغَنِمّ منهم ما يقارب ثلاثين ألف ألف دِرْهم. فرجع وقد مَلَك الغُرُّ بلادَهُ، فأوقعَ بهم، وفتح جُرْجان وطَبَرِسْتان. واشتد البلاء بالعيارين، وتجهرموا(١) بالإفطار في رمضان، وَشُرْب الخمر، والزِّنا. وعاد القتال بين أهل المَحَال، وكثُرت العِمْلات، وانَّسع الخَرْق على الرَّاقع، وقال المَلِك: أنا أركب بنفسي في هذا الأمر. فما التفتوا له، وتَحَيَّر الناس، وعظُم الخَطْب. وهاجت العرب، وقطعوا الطُرُق. وعلمت الرومُ بوَهْن المسلمين، فوصلوا إلى أعمال حَلَب فاستباحوها، فالتقاهم شِبْل الدولة ابن مِزْداس فهزمهم. ونَهَبت عربُ خَفَاجة الكوفة، فلا قوة إلا بالله . (١) أي: جاهروا. ٣٥٢ سنة سبع وعشرين وأربع مئة في المحرَّم كَبَسٍ العيارون دارًا فأخذوا ما فيها. ورَد أبو محمد ابن النَّسَوي لكشف العَمْلَة، فأخذ هاشميًّا فقتله، فثار أهلُ النَّاحية ورفعوا المَصَاحف على القَصَب، ومَضَوا إلى دار الخلافة، وجرى خَطْبٌ طويل . وفي ربيع الآخر دخل العيارون بغداد في مئة نفس من الأكراد والأعراب، فأحرقوا دار ابن النَّسوي، وفتحوا خانًا وأخذوا ما فيه، وخَرَجُوا بالكارات على رؤوسهم، والنَّاسُ ينظرون . وشغب الجُنْد على جلال الدَّولة وقالوا: هذا البلد لا يحملنا وإِيَّاك، فاخرج فإنه أَوْلَى بك. قال: كيف يمكنني الخروج على هذه الصُّورة؟ أمهِلُوني ثلاثة أيام حتى آخُذ حُرَمي وولدي وأمضي. فقالوا: لا تفعل. ورَمَوْه بآجُرَّةٍ، فتلقاها بيده، وأُخرى في كتفه، فاستجاش بالحاشية، والعامة. وكان عنده المرتضى، والزَّيْنبي، والماوردي، فاستشارهم في العبور إلى الكَرْخ كما فعل تلك المرة، فقالوا: ليس الأمر كما كان، وأحداث الموضع قد ذهبوا. وحَوَّل الغِلْمان خيامهم إلى حول الدَّار وأحاطوا بها. وباتَ النَّاسُ على أصعب خطة، فخرجَ المَلِك في نصف اللَّيل إلى زُقاق غامض، فنزل إلى دجلة، وركب سُمَيْرية فيها بعض حاشيته، ومضى إلى دار المُرْتَضَى، وبعث حُرَمه إلى دار الخلافة، ونهَب الأجناد دار المَلِك حتى أبوابها وساجَها، وراسلوا الخليفة أن تُقطع خطبة جلال الدولة، فقيل لهم: سننظر. وخرج الملك إلى أَوَانا، ثم إلى كَرْخِ سَامَرَّاء. ثم خرجوا إليه واعتذروا، ومشي الحال . وفي جُمَادَى الآخرة وردت ظُلْمة طَبَّقت البلد، حتى كان الرجل لا يرى صاحبه، وأخذت بالأنفاس حتى لو تأخّر انكشافها لهلكوا. وفي رجب ضَحْوَة نهارِ انقضَ كوكبٌ غَلَب ضوؤه ضوء الشَّمْس، وشوهد في آخره شيء مثل التِّنين بلون الدُّخان، وبقي نحو ساعةٍ. فسبحان الله العظيم ما أكثر البلاء بالمَشْرق . تاريخ الإسلام ٩ / م ٢٣ ٣٥٣ سنة ثمان وعشرين وأربع مئة فيها قُلد أبو تَمَّام محمد بن محمد بن عليّ الزَّيْنبِي نَقَابَة العَبَّاسيين، وعُزِلَ أبوه . ثم عاد شَغَب الجُنْد على جلال الدولة المُعَثَّر، وآل الأمرُ إلى أن قطعوا خُطْبته وخطبوا للملك أبي كاليجار، ثم عادوا فخطبوا لهما. ثم صلُحَت حال جلال الدولة، وحَلَف الخليفة القائم له. وقبض على الوزير ابن ماكولا، ووزر أبو المعالي بن عبدالرحيم . وفيها ورد كتاب من فم الصِّلْح فيه: إن قومًا من أهل الجَبَل ورَدوا فحكوا أنهم مُطِروا مطرًا كثيرًا في أثنائه سَمَك، وزنوا بعضه فكانت رِطْلاً ورِطْلَين، يعني بالعراقي. وفيها ثار العَيَّارون وكبَسَوا الحَبْس، وقتلوا جماعة من رجَّالة الشُّرطة، وانبسطوا انبساطًا زائدًا. سنة تسع وعشرين وأربع مئة في ليلة الميلاد أوقدوا النِّيران والفتائل في الأسطحة، فأوقدت فتيلةٌ في سَطْحٍ كبير بِعُكْبَرَا، فوقع بهم، فهلك تحت الرَّدْم ثلاثةٌ وأربعون نفسًا. وفي رجب اجتمع القضاة والدَّولة. واستُدعي جاثليق النَّصارى ورأس جالوت اليَهُود، وخرجَ توقيع الخليفة في أمر الغِيَار وإلزام أهل الذِّمَّة به، فامتثلوا . وفي رمضان استقر أن يُزاد في ألقاب جلال الدولة: (( شاهنشاه الأعظم مَلِك الملوك)). وخُطِبَ له بذلك بأمر الخليفة، فنفَر العامة ورموا الخُطَباء بالآجُر، ووقعت فتنة، وكُتِبَ إلى الفُقهاء في ذلك؛ فكتب الصَّيْمُري: إن هذه الأسماء يُعتبر فيها القَصْد والنِّيّة. وكتب الطَّبريُّ أبو الطيب: إن إطلاق ((ملك الملوك)) جائز، ويكون معناه: ((ملك ملوك الأرض)»، وإذا جاز أن يقال: قاضي القُضاة، وكافي الكُفاة، جاز أن يقال: ملك الملوك. وكتب التميمي نحو ذلك. وذكر محمد بن عبدالملك الهَمَذاني: أن الماوردي منع من جواز ذلك، ٣٥٤ وكان مختصًّا بجلال الدَّولة. فلما امتنع من الكتابة انقطع، فطلبه جلال الدَّولة، فَمَضَى على وجلٍ شديد، فلما دخل قال الملك: أنا أتحقق أنك لو حابيت أحدًا لَحَابَيْتَنِي لِما بيني وبينك، وما حملكَ إلا الدِّين فزاد بذلك محلك في قَلْبي. قال ابن الجوزي(١): والذي ذكره الأكثرون هو القياس، إذا قُصِدَ به ملوك الدُّنيا، إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي، لأنه قد صَحَّ في الحديث ما يدل على المَنْعِ، ولكنهم عن النَّقْل بمعزل. ثم ساق الحديث من ((المُسْنَد))(٢) عن ابن عُيَيْنة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي بَّه قال: ((أخنع اسمٍ عند الله يوم القيامة رجلٌ تَسَمَّى ملك الأملاك)). قال الإمام أحمد: سألت أباً عَمْرو الشَّيْباني عن أخنع، فقال: أَوْضع. رواه البخاري(٣). ثم ساق من ((المُسْند)) من حديث عَوْف، عن خلاس، عن أبي هريرة رفعه، قال: ((اشتدَّ غَضَبُ الله على مَن قتلَ نفسَه، واشتد غضبُ الله على رجلٍ تسمى بملك الملوك، لا ملك إلا الله تعالى)) (٤). قلتُ: وهي بالعَجمي شاهنشاه. سنة ثلاثين وأربع مئة فيها، في جُمَادَى الآخرة، تملك بنو سُلْجُوق خُراسان والجَبَل، وهرب مَسْعود بن محمد بن سُبُكْتِكِين، وأخذوا المُلْك منه، وتَمَلَّك طُغرلبك أبو طالب محمد، وأخوه داود. واستولى أولاد ميكائيل بن سُلْجُوق على البلاد. وفي هذه السنة خُوطِبَ أبو منصور ابن السلطان جلال الدولة أبي طاهر بالملك العزيز . قلتُ: وهذا أول من لُقِّب بألقاب ملوك زماننا، كالملك العادل والملك المُظَفَّر. (١) المنتظم ٩٨/٨. (٢) أحمد ٢٤٤/٢. (٣) البخاري ٥٦/٨ (٦٢٠٦)، ومسلم ١٧٤/٦ . (٤) أحمد ٤٩٢/٢، وهذا إسناد منقطع فإن خلاسًا لم يسمع من أبي هريرة، لكن متن الحديث صحیح، فقد توبع خلاس علی روایته هذه، تابعه محمد بن سیرین. ٣٥٥ قال(١): وكان مقيمًا بواسط، وبه انقرض ملك بني بُويه. ولم يحج في هذه السنة من العراق، ومصر، والشام كبيرٌ أحد. وفيها وقع ثَلْج عظيمٌ ببغداد وبقي سبعة أيام في الدُّروب. وقد جاء الثلج ببغداد مرةً في خِلافة الرشيد، ومرة في خلافة المُعتمد، ومرات أُخَر قليلة. (١) كأنه يريد ابن الجوزي صاحب المنتظم ٩٩/٨ فهذا قوله. ٣٥٦ ◌ِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ (الوفيات) سنة إحدى وعشرين وأربع مئة ومَن تُوفي فيها ١ - أحمد بن الحَسَن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حَفْص بن مُسلم بن يزيد، القاضي أبو بكر بن أبي عليّ ابن الشَّيخ المحدِّث أبي عَمْرو الچيريُّ. وأبو عَمْرو هو سِبْط أحمد بن عَمْرو الحَرَشي شيخ نَيْسابور في العدالة والثروة، روى أبو عَمْرو عن محمد بن رافع، وإسحاق الكَوْسَج، وهذه الطّبقة. وروى ابنه الحسن عنه، وعن أبي نُعَيم بن عَدِي. وعاش إلى سنة ثمانٍ وثمانين وثلاث مئة. وأما القاضي أبو بكر هذا فكان شيخ خُراسان عِلْمًا ورياسة وعُلُوَّ إسناد. سمع أبا عليّ محمد بن أحمد المَيْداني وحاجب بن أحمد ومحمد بن يعقوب الأصم وجماعة بنّيْسابور، وبمكة أبا بكر الفاكهي وبكير بن أحمد الحَذَّاد، وببغداد أبا سهل بن زياد، وبالكوفة أبا بكر بن أبي دارِم، وبجُرْجان أبا أحمد ابن عَدِي. وقرأ بالرِّوايات على أحمد بن العباس الإمام صاحب الأُشْناني، ودَرَسَ الفِقْه على أبي الوليد حسان بن محمد، ودَرَسَ الكلام والأُصُول على أصحاب أبي الحسن الأَشْعري. وانتقى له الحاكم أبو عبدالله فوائد، وأملى من سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة، وقُلِّد قضاء نَيْسابور، وكان إمامًا عارفًا بمذهب الشَّافعي. وكان مولده في سنة خمسٍ وعشرين وثلاث مئة؛ كذا وَرَّخه الحافظ أبو بكر محمد بن منصور السَّمْعاني، وقال: هو ثقةٌ في الحديث. قلتُ: روى عنه أبو عبدالله الحاكم، وهو أكبر منه، وأبَوَا بكر: البَيْهقي والخطيب، وأبو صالح المؤذِّن، وأبو عليّ الحسن بن محمد الصَّفَّار، ومحمد ٣٥٧ ابن إسماعيل المقرىء، ومحمد بن مأمون المُتَولي، ومحمد بن عبدالملك المُظَفَّري، وأحمد بن عبدالرحمن الكَثَّاني، وقاضي القُضاة أبو بكر محمد بن عبدالله النَّاصحي مُفتي الحنفيّة، ومحمد بن إسماعيل بن حَسْنُوية ولعلَّه المقرىء، ومحمد بن علي العُمَيْري الهَرَوي، والقاسم بن الفضل الثَّقفي، ومكي بن منصور الكَرَجي، وأسعد بن مسعود العُثْبي، ومحمد بن أحمد الكامخي، ونصر الله بن أحمد الخُشْنامي، وخلق كثير آخرهم موتًا عبد الغفَّار ابن محمد الشِّیرُوبي. توفي في شهر رمضان من السنة . قال عبدالغافر(١): أصابه وَقْرٌ في أُذُنه في آخر عُمره، وكان ويقرأ عليه مع ذلك ويحتاط، إلى أن اشتد ذلك قريبًا من سنتين أو ثلاث، فما كان يُحسن أن يسمع. وكان من أصح أقرانه سماعًا، وأوفرهم إتقانًا، وأتمِّهم ديانةً واعتقادًا، صَنَّفَ في الأصول والحديث. ٢ - أحمد بن عبدالله بن أحمد، أبو الحسن الدِّمشقيُّ الواعظ. أصله من الجزيرة، ويُعرف بابن الرَّان. كان رجلاً صالحًا عارفًا، له مصنَّفات في الوعظ، وكان يَعِظ بالجامع . قال عبدالعزيز الكَثَّاني: لم أرَ أحسن وَعْظًا منه رحمه الله . ٣ - أحمد بن عليّ بن عثمان بن الجُنَيِّد، أبو الحُسين البَغْداديُّ، المعروف بابن السّواديِّ، مؤلف الخُطَب. سمع أبا بكر القَطِيعي، وابن ماسي. قال الخطيب(٢): كتبتُ عنه، وكان ثقةً. ٤ - أحمد بن عيسى بن زيد، أبو عقيل السُّلَميُّ البَغْداديُ القَزَّاز. سمع أبا بكر النَّجَّاد، والشَّافعي. قال الخطيب(٣): كتبتُ عنه، وكان ثقةً. مات في شَوَّال. (١) في السياق كما في منتخبه (١٧٤). (٢) تاريخه ٥٢٧/٥ . (٣) تاريخه ٤٦٥/٥ - ٤٦٦. ٣٥٨ ٥ - أحمد بن محمد بن الحُسين بن سُليمان، أبو الحسن السَّلِيطيُّ النَّيَّسابوريُّ العَدْلِ النَّحويُّ. روى عن أبي العَبَّاس الأصم، وغيره. روى عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، ومحمد بن يحيى المُزَكِّي، وأبو صالح المؤذن. وثَّقه عبد الغافر(١)، تُوفي في جُمادَی الأولى. ٦ - أحمد بن محمد بن الحسن، أبو علي الأصبهانيُّ المَرْزُوقيُّ النَّحْويُّ. من كبار أئمّة العربية، أخذَ النَّاسُ عنه، وخَبُّوا إليه آباط المَطِي. له ((شرح الحَمَاسة)) وهو في غاية الحُسْن، وكتاب ((شرح الفصيح))، وتوفي في ذي الحجة . تخرَّج به خَلْقٌ، وطال عمره. حدَّث عن عبدالله بن جعفر بن فارس. وعنه سعيد بن محمد البَقَّال، وأبو الفتح محمد بن عبدالواحد الزَّجَّاج. قال السِّلَفي: ما روى لنا عن المَرْزُوقي سوى الزَّجَّاجِ(٢). ٧ - أحمد بن محمد بن محمد، أبو العبّاس الطَّبريُّ ثم البَصْريُّ. ورد جُرْجان، وسمع أبا أحمد بن عَدِي، وجماعة. روى عنه أبو مَسْعود البَجَلي . وتُوفي بآمُّل في شَوَّال. ٨ - أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سُليمان بن عيسى بن دَرَّاج، أبو عُمر القَسْطَلِّيُّ الأديب الشّاعر البَلِيغ. قال ابن حَزْم: كان عالمًا بنقد الشِّعْر، لو قلتُ إنه لم يكن بالأندلس أشعرَ من ابن دَرَّاج لم أُبْعِد. وقال ابن حَزْم أيضًا: لو لم يكن لنا من فُحُول الشعراء إلا أحمد بن دَرَّاج لما تأخر عن شأوٍ حبيب والمُتنبي. قلت: وهو من مدينة قَسْطَلَّة دَرَّاج، وقيل: هو اسم ناحية. وكان من كُتّاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر. (١) في السياق، كما في منتخبه (١٧٥). (٢) انظر معجم الأدباء ٢/ ٥٠٦، وإنباه الرواة ١٠٦/١. ٣٥٩ وقال الثَّعالبي(١): كان بِصُفْع الأندلس كالمتنبي بِصُقْع الشَّام. ومن شعره(٢): أضاء لها فجر التُّهَى فنهاها عن الذَّنِفِ المُضْنَى بحرِّ هواها وضَلَّلها صُبْحٌ جلا ليلة الدُّجَى وقد كاد يهديها إليَّ دُجاها وفي أول شأنه عمل هذه القصيدة، ومدح بها المنصور. وتكلموا فيه واتهموه بسرقة الشعر، فقال في المجلس لوقته(٣): حَسْبي رِضاكَ من الذَّهر الذي عَتَبًا وعطْفُ نُعْماك للحظِّ الذي انقلبا منها : ولستُ أوَّل من أَعْيَت بدائعه فاستدعت القولَ ممَّن ظنَّ أو حسبا إن امرأَ القَيْس في بعضٍ لَمُتَّهَمٌ وفي يديه لواء الشِّعْرِ إِنْ رَكبا والشعرُ قد أسر الأعشى وقَيَّدَهُ دهرًا، وقد قيل: والأعشى إذا شربا وكيفَ أظمأُ وبحري زاخرٌ فِطَنًا إلى خيالٍ من الضَّحْضَاح قد نَضَبا عبدٌ لِنُعْماك في فكَّيْه نجمُ هُدى سارٍ بمدحك يجْلُو الشَّكَّ والرِّيَبا إن شئتَ أملَى بديعَ الشِّعْرِ أو كَتَبا أو شئتَ خاطبَ بالمنثور أو خَطَبا كروضة الحَرْن أهَدى الوَشْيَّ منظرُها والماءَ والزَّهرَ والأنوار والعُشبا أو سابق الخَيْلِ أعطى الحُضْرَ مُتَِّدًا والشدَّ والكرَّ والتَّقريبَ والخَببا وله في ذي الرياستين منذر بن يحيى صاحب سَرَفُسْطَة (٤): قُلْ للربيع اسحبْ مُلَاء سَحائبي واجْرُر ذيولك في مجرّ ذَوَائبي لا تكذِبن ومن ورائك أَدْمُعي مدَدًا إليكَ بِفَيْض دمع ساكب فاجعله سقي أحبتي وحبائبي وامزُجْ بطيبٍ تَحِيَّتِي غَدْق الحَيَا واجْنَحْ لقُرْطُبَةٍ فعانِقْ تُرْبَها عنِّي بمثل جوانحي وتَرَائبي وانشُرْ على تلك الأباطِح والرُّبا زهْرًا يُخَبِّرُ عنك أنك كاتبي وهي طويلة. (١) يتيمة الدهر ١٠٤/٢، ونقله ابن خلكان فى وفيات الأعيان ١٣٥/١. (٢) انظر جذوة المقتبس (١٨٦). (٣) نفسه. (٤) نفسه . ٣٦٠