Indexed OCR Text

Pages 181-200

في السجن حتى هلك، ولله الحمد.
وفيها وزر ببغداد أبو طاهر بن بقية، ولُقِّب بالنّاصح، وكان سَمْحًا
كريمًا، له راتب كل يوم من الثَّلْج ألف رطل، وراتبه من الشمع في الشهر
ألف مَن .
وكان عِزُّ الدولة قد استوزرَ ذاك المُدْبِر أبا الفَضْل الشيرازي، واسمه
العَبَّاس بن الحسن صهر الوزير المُهَلَّبي، ثم عزلَهُ بعد عامين من وزارته بأبي
الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، ثم عزل أبا الفرج بعد سنة، وأعادَ
الشيرازي إلى الوزارة، فصادرَ الناس وأحرقَ الكَرْخَ كما ذكرنا، وكان أبو
طاهر من صغار الكُتاب، يكتب على المَطْبخ لعز الدولة، فآل أمرُه إِلى
الوزارة، فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة. وكان كَرِيمًا جوادًا، فغَطَّى
كرمُّهُ عيوبَهُ، فوزر لعزِّ الدولة أربعة أعوام، ثم قتله عَضُدُ اَلَدولة وصَلَبَه .
سنة ثلاث وستين وثلاث مئة
فيها تَقَلَّد قضاء القُضاة أبو الحسن محمد ابن أم شيبان الهاشمي،
وعُزِل ابن معروف بحكومة ابتغَى فيها وجه الله، وسأل مع ذلك الإعفاء من
القَضَاء، فخُوطِب أبو الحسن، فامتنعَ، فَأُلْزِم، فأجابَ وشرط لنفسه شُرُوطًا
منها أنه لا يَرْتَزق على القضاء ولا يُخْلَع عَليه ولا يُسام ما لا يوجبه حُكم،
ولا يُشْفَع إليه في إيقاف حق أو فِعْل ما لا يقتضيه شَرْعٌ. وقُرِّرَ لكاتبه في كل
شهر ثلاث مئة درهم، ولحاجبه مئة وخمسون دِرْهمًا، وللعارض على بابه
مئة درهم، ولخازن ديوان الحُكْم والأعوان ست مئة درهم. وركبَ إلى
المطيع الله حتى سَلَّم إليه عهده، فركب من الغد إلى الجامع، فقُرىء عهدُه
تَوَلَّى إنشاءَهُ أبو منصور أحمد بن عبيدالله الشيرازي صاحب ديوان الرسائل
وهو: (( هذا ما عَهِد عبدالله الفَضْل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد بن
صالح الهاشمي حينَ دعاهُ إلى ما يتَولاَه من القضاء بين أهل مدينةِ السَّلام
مدينة المنصور، والمدينة الشَّرقية من الجانب الشَّرقي، والجانب الغربي،
والكوفة، وسَقْي الفُرات، وواسط، وكُوخَى، وطريق الفُرات، ودجلة،
وطريق خُراسان، وحُلْوان، وقِرْمِيسين، وديار مُضَر، وديار ربيعة، وديار
١٨١

بكر، والمَوْصل، والحَرَمين، واليمن، ودمشق، وحِمْص، وجُنْد ◌ِنَّسرين،
والعواصم، ومصرَ، والإسكندرية، وجُنْدي فِلَسطين، والأردن، وأعمال
ذلك كُلها، ومايجري من ذلك من الإشراف على مَن يختاره لنقائه(١) من
العباسيين بالكوفة، وسَقْي الفُرات، وأعمال ذلك، وما قلده إياه من قضاء
القضاة، وتَصَقُّح أحوال الحُكَّام، والإستشراف على ما يجري عليه أمر
الأحكام في سائر النواحي والأمصار التي تشتمل عليها المملكة، وتنتهي
إليها الدعوة، وإقرار من يُحْمَد هَذْيُهِ وطَريقته، والاستبدال بمن يُذَمُّ سَمْتُه
وسجيتُه نظرًا لنجبة مكانه، واحتياطًا للخاصة والعامة، وحُنُوَّاً علىِ المِلَّة
والذُّمَّة عن علم بأنه المُقَدَّمُ في بيته وشَرَفه، المُبَزَّزُ في عَفَافه، المُزكَّى في
دينه وأمانته، الموصوفُ في وَرَعه ونَزَاهته، المشارُ إليه بالِعلم والحِجَى،
المُجْتَمَعُ عليه في الحِلْم والنُّهَى، البعيدُ من الأدناس، اللََّّس من التُّقَى
أجملَ لباس، النقيُّ الجيب، المَخْبُور بصفاء الغَيْب، العالِمُ بمصالح الدُّنيا،
العارفُ بما يفيد سلامة العُقْبِى، آمُرُهُ بتقوى الله فإنها الجُنَّةُ الواقية، وليجعل
كتابَ الله في كُلِّ ما يعمل فيه رَوِيَّتَهُ، ويُرَتِّب عليه حُكْمِه وقضيته، إمَامَه
الذي يفزَعُ إليه، وعماده الذي يعتمدُ عليه، وأن يَتَّخِذَ سُنَّة رسول الله وَهل
منارًا يقصده، ومثالاً يتبعه، وأن يُراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة
الرَّاشدين، وأن يُعْمِل اجتهادَه فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع،
وأن يُخْضِر مَجْلِسَه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يُسَوِّي بين الخصمين إذا
تقدما إليه في لَحْظِهِ ولَفْظِه، ويُوَفِّي كُلّ منهما من إنصافه وعَدْله، حتى يأمن
الضَّعيف من حَيْفه، وييأس القوي من ميله، وآمره أن يُشْرِفَ على أعوانه
وأصحابه، ومَن يعتمد عليه من أُمنائه وأسبابه، إشرافًا يمنع من التَّخَطِّي إلى
السِّيْرة المحظورة، ويدفع عن الإشفاق(٢) إلى المكاسب المَحْجورة)).
(١) هكذا في النسخ مجودة، وفي المنتظم ٦٥/٧: ((لنقابة))، وهو غَلَط بَيِّن، إذ لا علاقة
لقاضي القضاة بنقابة العباسيين. وأيضًا فإن نقابة العباسيين لم تكن بالكوفة وسقي
الفرات. ويلاحظ أن السيوطي قد حذف هذه الكلمة حينما نقل النص فصارت عنده:
((الإشراف على من يختاره من العباسيين)) (تاريخ الخلفاء ٤٠٣).
(٢) هكذا في النسخ كافة، وهو الصواب، وتحرفت في المنتظم وتاريخ الخلفاء إلى:
((الإسفاف)).
١٨٢

وذكر من هذا الجنس كلامًا طويلاً.
وفيها قُلِّد أبو محمد عبدالواحد بن الفضل بن عبدالملك الهاشمي
نقابة العباسيين، وعُزِلَ أبو تمام الزَّينبي.
وفيها ظهر ما كان المطيع لله يَسْتُره من مرضه وتعذُّر الحركة عليه
وثِقَل لسانه بالفالج، فدعاه حاجب عز الدولة، الحاجب سبكتكين، إلى
خَلْعِ نَفْسه وتسليم الأمر إلى ولده الطايع لله، ففعل ذلك، وعُقِدَ له الأمرُ في
يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعًا وعشرين
سنة وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يومًا. وأُثْبِتَ خَلْعُه على القاضي أبي
الحسن ابن أم شيبان بشهادة أحمد بن حامد بن محمد، وعُمَر بن محمد،
وطلحة بن محمد بن جعفر الشاهد .
وقال أبو منصور بن عبدالعزيز العُكْبَري: كان المطيع الله بعد أن خُلع
يُسَمَّى الشيخ الفاضل.
قلت: وكان هو وابنه مستَضْعَفين مع بني بُوَيْه، ولم يزل أمر الخلفاء
في ضَعْفٍ إلى أن استخلف المُقْتفي لله فانصلحَ أمرُ الخِلافة قليلاً. وكان
دَسْت الخلافة لبني عُبَيد الرافضة بمصر أَمْيَز، وكلمتهم أنفذ، ومملكتهم
تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، فالحمد لله على انقطاع دعوتهم.
وفيها بلغ ركب العراق سَمِيراء فرأوا هلال ذي الحجة، وعرفوا أن لا
ماء في الطريق بين فَيْد إلى مكة إلا ما لا يكفيهم، فعدلوا مساكين إلى بطن
نخل يطلبون مدينة النَّبِي وَّرَ، فدخلوها يوم الجمعة سادس ذي الحجة
مجهودين، فَعَرَّفوا(١) في مسجد رسول الله وَّ، وكان أميرهم أبو منصور
محمد بن عمر بن يحيى العلوي، وقَدِمَ الركب الكوفة في أول المحرَّم من
سنة أربع، فأقاموا بالكوفة أيامًا لفساد الطريق، ثم جَمَعُوا لمن خفرهم.
وأما مكة والمدينة فأقيمت الخطبة والدعوة بالبلدين لأبي تميم المُعِز
العُبَيْدي، وقُطِعت خطبة الطائع الله في هذا العام من الحجاز ومصر والشام
والمغرب، وكان الرفض ظاهرًا قائماً في هذه الأقاليم، وفي العراق، والسُّنَّة
خاملة مغمورة لكنها ظاهرة بخراسان وأصبهان، فالأمر لله.
(١) عَرَّفوا: أي وقفوا وقوف عرفة.
١٨٣

وفيها كان الحرب شديدًا بينهم وبين الأعراب القَرَامطة الذين ملكوا
الشام، وحاصروا المعز بمصر مدة، ثم تَرَخَّلوا شبه منهزمين ودخلوا إلى
بلاد الحَسَا والقطيف.
وقدم إلى الشام نائب المعز.
سنة أربع وستين وثلاث مئة
في المُحرَّم أوقع العيَّارون حريقًا بالخشَّابين مبدؤه من باب الشَّعير،
فاحترق أكثرُ هذا السُّوق، وهلكَ شيءٌ كثير، واستفحلَ أمرُ العيَّارين ببغداد
حتى ركبوا الخَيْل وتلقَّبوا بالقُوَّاد، وغلبوا على الأمور وأخذوا الخِفارة من
الأسواق والدُّروب، وكان فيهم أسود الزَّبَد كان يأوي قَنْطَرة الزَّبَد ويَشْحَذ
وهو عُرْيان، فلما كَثُر الفساد رأى هذا الأسودُ مَنْ هو أضعفُ منه قد أخذ
السَّيْف، فطلب الأسودُ سيفًا ونهبَ وأغارَ، وحفَّ به طائفةٌ وتَقَوَّى، وأخذَ
الأموالَ، واشترى جاريةٍ بألف دينار، ثم راودها فتمنَّعت، فقال: ما تكرهين
مني؟ قالت: أكرهُكَ كُلَّكَ، قال: ما تحبِّين، قالت: تبيعني. قال: أو خيرًا
من ذلك، فحملها إلى القاضي وأعتقها، ووهبها ألف دينار، فعجِبَ الناسُ
من سماحته، ثم خرج إلى الشام فهلك هناك.
وقُطعتْ خُطبة الطائع الله ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى
الأولى، إلى أن أُعيدتْ في عاشر رَجَب، فلم يُخطب في هذه الجُمَع لإمام
وذلك لأجل شَغب وقع بينه وبين عَضُد الدولة .
وكان عضد الدولة قد قَدِمَ العراقَ فأعجبه مُلْكُها، فعمل عليها،
واستمالَ الجندَ، فشَغبوا على عزّ الدولة، فأغلَقَ بابَه، وكتب عَضُد الدولة
عن الطائع في الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، وخَلَعَ عضدُ الدولة على
محمد بن بقية وزير عزِّ الدولة، ثم اضطربت الأمور على عَضُد الدولة، ولم
يبقَ بيده غيرُ بغداد، فنفذ إلى والده ركن الدولة يُعْلِمُه أنَّه قد خاطر بنفسه
وجُنْده، وقد هذَّب مملكة العراق واستعادَ الطائعَ إلى داره، وأنَّ عزَّ الدولة
عاصٍ لا يُقيم دولةً، فلمّا بلغه ذلكِ غَضِب، وقال للرسول: قل له: خرجتَ
في نُصْرة أحمد بن أخي أو في الطَّمَع في مملكته؟ فأفرج عضُدُ الدولة عن
١٨٤

عزِّ الدولة بُخْتیار، ثم خرج إلی فارس.
وفيها تزَّوجَ الطائع شاهناز بنتَ عزِّ الدولة على صَدَاقٍ مئة ألف دينار.
وفي رَجَب عُدمت الأقوات حتى أُبِيعَ كُرُّ الدَّقيق بمئة وسبعين دينارًا،
والتَّمر ثلاثة أرطالٍ بدِرْهَم.
ولم يخرج وفدٌ من بغداد بل خرجت طائفة من الخراسانيين مُخاطَرةً،
فلحِقَتْهم شدَّةٌ.
وفي سَلْخ ذي القَعْدة عُزِل قاضي القُضاة أبو الحسن محمد ابن أمِّ
شَيْبان، ووُلِّي أبو محمد بن معروف.
وفي هذه السنين وبعدها كان الرَّفْض يغلي ويفور بمِصْرَ والشَّام،
والمَغْرِب والمَشْرق، لا سيَّما بالعُبَيْدية الباطنية، قاتلهم الله .
قال مُشَرِّف بن مُرَجَّى المقدسيُّ: أخبرنا الشَّيْخ أبو بكر محمد بن
الحسن، قال: حدثني الشَّيْخ الصَّالح أبو القاسم الواسطي، قال: كنتُ
مجاورًا ببيت المَقْدس، فأمروا في أول رَمَضان بقَطْع التَّراويح، فصِحْتُ أنا
وعبدالله الخادم: واإسلاماه وامُحَمَّداه، فأخذني الأعوان وحُبِسْت، ثم جاء
الكِتَاب من مِصْر بقطع لساني فقُطع، فبعد أسبوع رأيتُ النبيَّ ◌َّل في النوم
تفلَ في فميٍ، فانتبهتُ بِيَرْد ريقِ رسولِ اللهِ وَّه وقد زال عنِّي الألم،
فتوضأتُ وصلَّيتُ وعَمَدتَّ إلى المأذنة فأذَّنت: ((الصلاة خَيْرِ من النَّوْمِ»،
فأخذوني وحُبِستُ وقُيِّدْتُ، وكتبوا فيَّ إلى مِصْر، فورد الكِتَاب بقَطْع
لساني، وبضَرْبي خمس مئة سَوْط، وبصَلْبي، ففُعِل بي ذلك، فرأيتُ لساني
على البلاط مثل الرِّيَّة، وكان في البرد والجليد، وصُلِبْتُ واشتدَّ عَليَّ
الجليد، فبعد ثلاثة أيام عهدي بالحدائين يقولون: نُعرِّف الوالي أن هذا قد
مات، فأتَوْه، وكان الوالي جَيْش بن الصمصامة فقال: أَنْزِلوه، فألقَوْني على
باب داود، فقوم يترجَّمون عَليَّ وآخرون يَلْعَنوني، فلَمَا كان بعد العِشاء
جاءني أربعة فحملوني على نَعْشٍ ومضَوْا بي ليُغَسِّلوني في دار، فوجدوني
حيًّا، فكانوا يُصْلِحون لي خَزِيرة بلَوْز وسُكَّر أسبوعًا. ثم رأيتُ النَّبِيَّ ◌َّ فِي
المَنام ومعه أصحابُه العَشَرَة، فقال: يا أبا بكر ترى ما قد جرى على
صاحبك؟ قال: يا رسول الله فما أصنع به؟ قال: اتِفْل في فيه، فتفل في فِيِّ،
١٨٥

ومسح النَّبِيُّ وَّهِ صَدْري، فزال عنِّي الألَمُ، وانتبهتُ بِبَرْد ريق أبي بكر،
فناديتُ، فقام إليَّ رجلٌ، فأخبرتُه، فأسخن لي ماءً، فتوضَّأْتُ به، وجاءني
بثياب ونفقةٍ وقال: هذا فتوح، فقمتُ، فقال: أيْنَ تَمُرُّ الله الله، فجئتُ
المأذنة وأذَّنْتُ الصُّبْحَ: ((الصلاة خير من النوم))، ثم قلتُ قصيدةً في
الصَّحابة، فَأُخِذْتُ إلى الوالي فقال: يا هذا اذهبْ ولا تُقِمْ ببلدي، فإني
أخاف من أصحاب الأخبار وأدخُلُ فيك جهِنَّمُ، فخرجتُ وأتيتُ عَمَّان،
فاكتريتُ مع عَرَب إلى الكوفة، فأتيتُ واسطَ، فوجدتُ بنتي تبكي عليَّ،
وأنا كلَّ سنة أحج وأسأل عن القُدْس لعل تزول دولتُهم، فرأيتُه طَلْقَ اللسان
أَلْتَغَ.
وفي المحرّم وَلي إمرة دمشق بَدْر الشمولي الكافوري، وَلِيَ نحوًا من
شهرين من قِبَل أبي محمود الكُتَامي نائب الشام للمُعِزِّ، ثم عُزل بأبي الثُّرَيًّا
الكُرْدي، ثم ولي دمشق ريَّان الخادم المُعِزِّي، ثم عُزل أيضًا بعد أيام
بسبكتكين التُّركي.
سنة خمس وستين وثلاث مئة
فيها كتب رُكن الدولة أبو علي بن بُوَيْه إلى وَلَدِهِ عَضُد الدولة أبي
شُجاع أنَّه قد كَبُرتْ ستُّه وأنه يُؤثر مُشَاهدتَه، فاجتمعا، فقَسَم ركنُ الدولة
الممالكَ، بين أولاده فجعل لعضد الدولة فارسَ وكَرمان، ولمُؤَيَّد الدولة
الرَّيَّ وأصبهان، ولفخر الدولة هَمَذانَ والدِّينَوَر، وجعلَ ولدَه أبا العباس في
كَنَف عضُد الدولة.
وفي رَجَبِ عُمل مجلس الحُكم في دار السُّلطان عزِّ الدولة، وجلس
ابن معروف وحَكَمَ، لأنَّ عزَّ الدولة التمسَ ذلك ليشاهدَ مَجْلسَ حُكمِه كيف
هو .
وفيها وفي التي تليها كانت الحَرْبُ تَسْتَعِر بين هفتكين وبين جَوْهر
المُعِزِّي بأعمال دمشق، وعِدَّة الوقائع بينهما اثنتا عَشْرةَ وقعةً، منها وقعة
الشاغور التي كادَ يَتْلَف فيها جَوْهر، ثم كان بينهما عِدَّة وقعات بعد ذلك.
١٨٦

سنة ست وستين وثلاث مئة
في جمادى الأولى زُقَّت بنتُ عزِّ الدولة إلى الطائع لله(١).
وفيها جاء أبو بكر محمد بن علي بن شَاهُويةٍ صاحب القَرامطة، ومعه
ألف رجل منهم إلى الكوفة، وأقامَ الدعوةَ بها لِعَضُد الدولة، وأسقط خُطبة
عزِّ الدولة، وكان قدومُه معونةً من القَرامطة لعَضُد الدولة .
وفيها كانت وقعة بين عزّ الدولة وعَضُد الدولة، أُسِر فيها غلامٌ تركيٌّ
لعزِّ الدولة، فجُنَّ عليه واشتدَّ حُزْنُه، وتَسَلَّى عن كل شيءٍ إلا عنه، وامتنع
من الأكل، وأخذ في البُكاء، واحتجبَ عن الناس، وحرَّم على نفسه
الجُلُوِس في الدَّسْت، وكتب إلى عَضُد الدولة يسأله ردَّ الغلام إليه،
ويتذلَّلُ، فصار ضُحْكةً بين الناس، وعُوتب فما ارْعَوَى، وبذلَ في فداء
الغلام جاريتين عوديّتين، كان قد بُذِل له في الواحدة مئة ألف، فأبى أن
يبيعها، وقال للرسول: إن توقَّفَ عليك في ردِّه فِزِدْ ما رأيتَ، ولا تفكرْ فقد
رضيتُ أن آخذه واذهب إلى أقصى الأرض، فرَدَّهَ عَضُدُ الدولة عليه .
وحجَّ بالناس من العراق أبو عبدالله أحمد بن أبي الحُسين العَلَوي،
وحجَّتْ جَمِيلة بنت ناصر الدولة ابن حَمْدان ومعها أخواها إبراهيم وهبةالله،
فضُرِب بحجَّتِها المَثَلُ، فإنَّها استصحبتْ أربع مئة جمل، وكان معها عِدَّة
محامل لم يُعْلَم في أيُّها كانتْ، وكَسَت المُجاورين، ونَثَرت على الكعبة لمَّا
رأتْها عَشرةَ آلاف دينار، وسَقَتْ جميع أهل المَوْسم السَّويق بالشُّكَّر والثَّلْج -
كذا قال أبو منصور الثَّعالبي، فمن أين لها ثَلْج؟ - وقُتِل أخوها هبة الله في
الطريق، وأَعتقتْ ثلاث مئة عبد ومئتي جارية، وأغنت المُجَاوِرين
بالأموال .
قال أبو منصور الثَّعالبي: خَلَعتْ على طبقات الناس خمسين ألف
ثَوْب، وكان معها أربع مئة عَمَّارِيَّة لا يُدْرَى في أيُّها كانت، ثم ضرب الذَّهر
ضَرَبانَهُ، واستولى عَضُدُ الدولة على أموالها وحُصونها وممالكِ أهلِ بَيْتها
(١) تقدم هذا الخبر في سنة ٣٦٤ أيضًا.
١٨٧

حتى أَفْضَت بها الحالُ إلى كل قِلَّةٍ وذِلَّة، وتكشَّفت عن فَقْرِ مُدْقِع. وقد كان
عَضُد الدولة خَطَبها، فامتنعت ترفُّعًا عليه، فحَقَد عليها، وما زالَ يُعَنِّف بها
حتى عرَّاها وهَتّكها، ثم ألزمها أن تختلفَ إلى دار القِحَاب فتتكسَّب ما
تؤديه في المُصادرة، فلما ضاق بها الأمرُ غَرَّقَتْ نفسها في دِجْلة، فلا قوة إلا
بالله .
سنة سبع وستين وثلاث مئة
فيها جاء الخبر بهلاك أبي يعقوب يوسف بن الحسن الجَنَّابي القِرْمِطي
صاحب هَجَر، فأُغلِقَتْ أسواق الكُوفة له ثلاثة أيام، وكان موازرًا لعَضْد
الدولة .
وفيها عَبَر عزّ الدولة إلى الجانب الغربي على جَسْرِ عَمِله ورحلَ إلى
قُطْرَبُّل، وتَفَرَّق عنه الديلم، ودخل أوائل أصحاب عَضُد الدولة بغداد،
وخرج الطائع يتلقَّاه، وضُرِبت له القِبَاب المزيَّنة، ودخل البلد. ثم إنَّه خرج
لقتال عز الدولة، فالتقوا فَأَخَذَ عزَّ الدولة أسيرًا، وقتله بعد ذلك.
وخلع الطائع عِلى عَضُد الدولة خِلَعَ السلطنة وتَوَّجَه بتاجٍ مجوْهَر،
وطَوَّقه، وسَوَّرَه، وقَلَّده سيفًا، وعقدَ له لواءين بيده، أحدهما مُفَضَّض على
رسم الأمراء، والآخر مُذَهَّب على رِسِم وُلاة العهود، ولم يُعْقَد هذا اللواء
الثاني لغيره قبله، ولَقَّبه تاج المِلَّة، وكُتِب له عهدٌ بحضرته وقرىء
بحضرته، ولم تجر العادة بذلك، إنما كان يُدْفَع العهد إلى الوُلاة بحضرة
أمير المؤمنين، فإذا أخذه قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعْمَل به،
وبعث إليه الطائع هدايا كثيرة، فبعث هو إلى الطائع تقادُمَ من جملتها
خمسون ألف دينار وألف ألف درهم، وخَيْل، وبغال، ومِسْك، وعَنْبَر.
وفيها زادت دجلة ببغداد حتى بلغت إحدى وعشرين ذراعًا، وكادت
بغداد تغرق، وغرقت أماکن.
وفي ذي القَعْدة زُلْزِلَت سِيراف، وسَقَطت البيوت، وهلك أكثر من
مئتي إنسان تحتها .
وفيها تَمَّت عدة مَصَافات بين هفتكين وبين العُبَيْديين، قُتل فيها خلقٌ
كثير، وطار صيت هفتكين بالشجاعة والإقدام، ولم يكن عنده عسكر كثير.
١٨٨

ثم سار إليه الحسن بن أحمد القِرْمِطي وعاضَدَه، وتحالفا، وأعانهما أَحْدَاثُ
دمشق، وقصدوا جَوْهرًا، فتقهقر إلى الرَّمْلة وتَحَصَّن بها، ثم تحول إلى
عَسْقلان، وحاصروه حتى أكل عسكرُهُ الجِيَفَ، ثم خرجَ بهم جَوْهَر بذمام
أعطاه هفتكين، ومضوا إلى مصر، فتأهبَ العزيز وسار بجيوشه، فالتقاهً
هفتكين بالرّمْلة، فقال العزيز لجَوْهر: أرنِي هفتكين، فأراه إياه وهو يجول
بين الصَّفَّينٍ على فَرَسِ أدهم وعليه قَزَاغَنْد (١) أصفر، يطعن بالرُّمح تارة
ويضرب باللَّتِّ تارةً، فبعث العزيز إليه رسولاً يقول: يا هفتكين أنا العزيز
وقد أزعجتني من سرير ملكي وأحوجتني لمباشرة الحرب بنفسي، وأنا
طالب الصُّلحَ معك، ولك عهد الله عليَّ أن أصطفيك، وأُقَدِّمك على
عَسْكري، وأهب لك الشام بأسره، فنزل وقَبَّل الأرض. ثم اعتذر، وقال:
أما الآن فما يمكنني إلا الحرب، ولو تَقَدَّم هذا لأمكن، ثم حَمَل على
المَيْسَرة فهزمها، فحمل العزيز بنفسه، وحملت معه ميمنته، فانهزم
هفتكين، والحسن القِرمِطي، وقُتل من عسكرهما نحو عشرين ألفًا، ثم بذل
العزيز لمن أتاه بهفتكين مئة ألف دينار.
وكان هفتكين يُحب مُفَرِّج بن دغفل بن جَرَّاح، وكان مليحًا في
العرب، فانهزمَ نحو الساحل ومعه ثلاثة، وبه جِرَاحٌ، وقد عطش، فِصادفه
مُفَرِّج في الخيل فأكرمه، وسقاهُ، وحَمَله إلى أهله، ثم غَدَرَ به وسَلَّمه إلى
العزيز لأجل المال، فبالغ العزيز في إكرامه، وإجلاله، وأعاده إلى رتبة
الإمرة مثل ما كان. فحكى القِفْطي في تاريخه أنَّ العزيز أمر له بضرب
سُرادق، وفرس، وآلات، وبإحضار كل من حصل في أسره من جُنْد
هفتكين وحاشيته، فكساهم وأعطاهم، ورتَّب كل واحد منهم في منزلته،
وركب الجيش لتلقي هفتكين، وسار لإحضاره جوهر القائد، فلم يشك
هفتكين أنه مقتول، فلما وصل رأى من الكَرَامة ما بهره، ثم نزل في بيت
المُخَيَّم، فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه، فرمَى بنفسه إلى
الأرض، وعَفَّر وجهه وبكى بكاءً كثيرًا، ثم اجتمع به العزيز ووانسَهُ،
(١) هكذا كتبها المصنف، وهو القزاكند، أو الكزاكند، وهو الدرع ولباس الحرب. وانظر
معجم دوزي ٢٦٤/٨ .
١٨٩

وجعله من أكبر قُوَّاده، ثم سَمَّه بَعْدُ ابن كِلِّس الوزير، فَحَزن عليه العزيز،
فداری ابن کلِّس عن نفسه بخمس مئة ألف دينار .
سنة ثمان وستين وثلاث مئة
فيها أمرَ الطائعُ الله بأن يُضرب على باب عَضُد الدولة الذَّبادِب في
وقت الصُّبْحِ والمَغْرب والعشاء، وأن يُخْطَبَ له على منابر الحَضْرة.
قال ابن الجَوْزي(١): وهذان أمران لم يكونا لمن قبله، ولا أُطلقا
لِؤُلاة العُهود، وقد كان مُعِز الدولة، أَحبَّ أن تُضْرَب له الدَّبادب بمدينة
السلام وسأل المطیعَ لله ذلك، فلم یأذن له.
قلت: وما ذاك إلا لِضعْف أمر الخلافة .
وفيها توثَّب على دمشق قَسام كما هو مذكور في ترجمته في سنة ست
وسبعین .
سنة تسع وستين وثلاث مئة
في صفر قبض عَضُد الدولة على قاضي القضاة أبي محمد بن
معروف، فأنفذَهُ إلى القَلْعة بفارس، وقلَّد أبا سعد بِشْر بن الحُسين القضاء.
وفي شعبان ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى عَضُد الدولة بكتاب،
وما زال يبعث إليه رسالةً بعد رسالة، فأجابه بما مضمونه صِدْق الطَّوِيَّة
وحُسْنِ النِّيّة .
وسأل عَضُدُ الدولة الطائعَ أن يزيد في لقبه ((تاج الملة)) ويجدِّد الخِلَعَ
عليه ويُلْبِسه التاج، فأجابه، وجلس الطائع على السرير وحوله مئة بالسيوف
والزِّينة، وبين يديه مُصْحَف عثمان، وعلى كتفه البُرْدة، وبيده القَضِيب،
وهو متقلّدٌ سيفَ النبيِ بَ لَّ، وضُرِبت ستارة بعثها عَضُد الدولة، وسأل أن
تكون حجابًا للطائع، حتى لا تقع عليه عين أحدٍ من الجُنْد قبله، ودخل
الأتراك والدَّيْلَم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقفَ الأشراف وأصحاب
المراتب من الجانبين، ثم أُذِنَ لعَضُد الدولة فدخلَ، ثم رُفعت الستارة،
وقَبَّلَ عَضُد الدولة الأرض، فارتاعَ زياد القائد لذلك، وقال بالفارسية: ما
(١) المنتظم ٧/ ٩٢.
١٩٠

هذا أيها الملك، أهذا هو الله عز وجل؟ فالتفت إلى عبدالعزيز بن يوسف
وقال له: فَهِّمْه وقل له: هذا خليفة الله في الأرض، ثم استمر يمشي ويُقَبِّل
الأرض سبع مرات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم، وقال: استَذْنِهِ،
فصعد عَضُدُ الدولة، فقبَّل الأرض دفعتين، فقال له: أُدْن إلي أُدْن إلي، فدنا
فَقَبَّل رِجْلَه، وثنى الطائع يمينَهُ عليه، وأمره، فجلس على كُرْسي، بعد أن
كرر عليه: اِجْلِس، وهو يستعفي، فقال له: أقسمتُ لَتَجْلِسن، فقبَّل
الكَرَسي وجلَس، وقال له: ما كان أَشْوَقُنا إليك وأتْوَقُنا إلى رؤيتك
ومفاوضتك، فقال: عُذْري معلوم، وقال: نِيَتُك موثوق بها، وعقيدتك
مسكونٌ إليها، فأومى برأسه، ثم قال له الطائع: قد رأيتُ أن أفوض إليك ما
وَكَّل الله إليَّ من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع
جهاتها، سوى خاصَّتي وأسبابي، فَتَوَلَّ ذلك مستخيرًا بالله. قال: يعينني الله
على طاعة مولانا وخِدْمته، وأريد وُجُوهَ القواد أن يسمعوا لفظ أمير
المؤمنين. فقال الطائع: هاتوا الحُسين بن موسى، ومحمد بن عَمْرو بن
معروف، وابن أم شيبان، والزَّيْنبي، فقَدِموا، فأعادَ الطائعِ له القول
بالتفويض، ثم التفت إلى طريف الخادم، فقال: يا طريف تُفاض عليه
الخِلَعُ ويُتَوَّج، فنهض إلى الرِّواق وأَلْبِ الخِلَع، وخرجَ قادمًا ليقبّل
الأرضَ، فلم يُطِقْ لكثرة ما عليه، فقال له الطائع: حَسْبُك، حسبك! وأمره
بالجُلُوس، ثم استدعى الطائع تقديم ألويته، فَقَدَّم لواءين، واستخارَ الله
تعالى، وصلَّى على رسول الله وَّهِ، وعَقَدَهما، ثم قال: يُقرأ كتابُه، فقرىء،
فقال له الطائع: خارَ الله لك ولنا وللمسلمين، آمُرُكَ بما أَمَرَك الله به،
وأنهاك عمَّا نهاك الله عنه، وأبرأ إلى الله مما سوى ذلك، انْهَض على اسم
الله، ثمٍ أخذَ الطائع سيفًا كان بين المخدَّتَيْن فقلدَه به مضافًا إلى السَّيْف
الذي قُلُّده مع الخِلعة، وخرج من باب الخاصَّة، وسار في البلد، ثم بعث
إليه الطائع هدية فيها غلالة قصب، وصينية ذهب، وخردادين بلّور فيه
شراب، وعلى فم الخردادين خرقة حرير مختومة وكأس بلور، وأشياء من
هذا الفن، فجاء من الغد أبو نصر الخازن ومعه من الأموال نحو ما ذكرنا في
دخوله الأول في السنة الماضية. وجلس للهناء، فقال أبو إسحاق الصابي
قصيدة منها :
١٩١
-

يداه من فخره بأعرقه
يا عَضُد الدَّوْلة الذي علقت
فكيف بالتَّاج فوق مَفْرِقهْ
يفتخر النَّعل تحت أَخْمَصِهِ
وفيها تزوج الطائع لله ببنت عَضُد الدولة على مئة ألف دينار، وكان
الوكيل عن عَضُد الدولة أبو علي الفارسي النَّحوي، والذي خطب القاضي
أبو علي المُحَسِّن بن علي التنوخي.
وفي هذا الوقت كان قَسَّام متغلبا على دمشق كما هو مذكور في
ترجمته .
سنة سبعين وثلاث مئة
فيها خرج من هَمَذان عَضُد الدولة وقدم بغداد، فتَلَقاه الطائع، وزُيَّنت
بغداد .
قال عبدالعزيز ابن حاجب الثُّعمان: لم تجر عادةٌ بخروج الخُلفاء
لتلقِّي أحدٍ من الأمراء، فلما توفِّيت فاطمة بنت مُعِزِ الدَّولة ركب المطيع الله
فَعَزَّاه، فَقَبَّل الأرض.
قال حاجب التُّعمان: وجاء رسوله يطلب من الطائع أن يتلقَّاه، فما
وسِعَه التَّأْخُّر وتلقَّاه في دجلة، ثم أمر عَضُد الدَّولة بأن يُنادَى قبل دخوله
بمنع العَوَام من الدعاء له والصَّيْحة، وتَوَعَّد على ذلك بالقتل، قال: فما
نطق أحد، فأعجبه ذلك من طاعة العوام له .
١٩٢
:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
(الوفيات)
سنة إحدى وستين وثلاث مئة ومن توفي فيها
١ - أحمد ابن المُحَدِّث محمد بن العباس بن نَحِيح البَغْداديُّ، أبو
الحسن، رئیس المعتزلة ببغداد.
ورَّخه طلحة في ربيع الآخر، وقال: كان رئيس المعتزلة.
٢ - أحمد بن محمد بن سعيد بن سَهْل بنِ شَبَّرة(١)، بالمُعْجَمَة
والتثقيل، أبو حامد النَّيْسابوري الصَّيْرفي الزَّاهد الثَّت، نزيلُ سمر قند.
روى عن عمر البُجَيْرِيِّ، وابن خُزَيْمة، والسَّرَّاج.
قال الإدريسي: ثقةٌ، كتبنا عنه، ومات بسمرقند في شعبان(٢).
٣ - أحمد بن مسور الأمیر.
وَلِيَ دمشق للحسن بن أحمد القِرْمِطي المعروف بالسيد عند تغلُّبه ثانيًا
على الشَّام، وذلك في رمضان. ومات بعد عشرة أشهر، أعني أحمد(٣).
٤ - إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم البَغْداديُّ البُزُوريُّ، أبو إسحاق
المقرىء.
قرأ على إسحاق الخُزَاعي، والحسن بن الحُسين الصَّوَّاف، وأحمد بن
فَرَح، وجماعة .
وكان من أئمة هذا الشأن، وحدث عن البغوي وغيره؛ قرأ عليه محمد
ابن عُمر بن بُكَيْر، وعليّ بن محمد الحَذَّاء، وعبدالباقي بن الحسن.
مات في ذي الحجة (٤).
(١) قيّده المصنف في المشتبه ٣٥١، وعنه ابن ناصر الدين في التوضيح ٤٣/٤.
(٢) انظر إكمال الإكمال لابن نقطة ١٣٢/٣ - ١٣٣، وهو من ((تاريخ سمرقند)) للإدريسي.
(٣) من تاريخ دمشق ٩/٦ - ١٠.
(٤) انظر تاريخ الخطيب ٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
تاريخ الإسلام ٨/ م١٣
١٩٣

٥ - بكار بن محمد بن أحمد بن إسحاق، أبو الحسن المَعَافريُّ
المِصْريُ الزَّاهد.
وقد حدث وسمع منه أبو القاسم يحيى ابن الطَّحان.
٦ - حامد بن محمد بن عبدالله النَّسابوريُّ الحَنَط(١).
سمع الحسن بن سفيان، وجماعة.
٧ - الحسن بن الخَضِر بن عبدالله الأسيوطي.
حدث عن أبي عبدالرحمن النَّسَائِي، وأبي يعقوب المَنْجَنِيقي،
وجماعة. وكان صاحب حديث. وعنه محمد بن الفَضْل بن نَظِيف، ويحيى
ابن علي ابن الطحان، وأبو القاسم بن بشران، وغيرُهم.
وتوفي في ربيع الأول.
٨ - خَلَف بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر البُخاريُّ،
أبو صالح الخَيام، وهو الذي يخيط الخِيَم.
كان بندار الحديث ببخارى. روى عن صالح بن محمد جَزَرَة، ونَصْر
ابن أحمد الكِنْدي، وموسى بن أفلح، ومحمد بن علي بن عثمان، وعُمر بن
هنَّاد، وفَرَح بن أيوب، وحامد بن سهل، وطائفة ببُخارى، ولم يَرْحَل.
وعنه أبو عبدالله الحاكم، وأبو سعد عبدالرحمن بن محمد بن محمد
الإدريسي، وأبو عبدالله محمد بن أحمد الغُنْجار، وآخرون.
وتوفي في جمادى الأولى وله ستٍّ وثمانون سنة.
وقد تكلم فيه أبو سعد الإدريسي وَلَيَّنَه .
٩ - عبدالرحمن بن أحمد بن عِمْران، أبو القاسم الدِّينَوَرِيُّ
الواعظ، نزیلُ دمشق .
سكن قرية قِينية، وحدث عن عبدالله بن محمد بن وَهْب الدِّينَوَرِي،
وأحمد بن عبدالوارث العَسَّال، وأبي جعفر الطَّحاوي، وأبي عَرُوبة
الحراني، وجماعة. وعنه تَمَّام، وعبدالوهاب المَيْداني، وسعيد بن أحمد
ابن فَطَيْس، وجماعة.
(١) جَوّده المصنف بخطه.
١٩٤

توفي في آخرها.
١٠ - عُبَيْدالله بن أحمد بن الحُسين، القاضي أبو عُمر ابن
السّمْسار الفقيه الداووديُّ الظاهريُّ، تلميذ أبي بكر محمد بن داود
الظاهري.
روى عن محمد، وعن أبيه داود بن علي، وإسماعيل القاضي،
وغيرهم. كذا قال ابن النجار في ((تاريخه)) وقد غلط إما في ذكر شيوخه أنهم
هؤلاء، وإما في نقل وفاته، والأول أشبه.
قال: روى عنه المُحَسِّن بن علي التَّنُوخي في ((النَّشْوار)»: وعلي بن
نصر الكاتب نزيلُ مصر، وذكر عليّ أنه قرأ عليه كل مُصَنفات أبي بكر بن
داود، وأنه كان إمامًا كبيرًا يتردد إلى الرُّؤساء.
وقال هلال بن المُحَسِّن: توفي فجاءةً في رَجَب.
ثم جَزَمْت بأنه لم يلق داود ولا إسماعيل.
١١ - عثمان بن عُمر بن خفيف، أبو عَمرو المقرىء المعروف
بالذَّرَّاج.
حدث عن هارون بن عليّ المُزَوِّق، وعِلِيّ بن حَمَّاد العَسْكري، وابن
المُجَدَّر. وعنه أبو بكر البَرْقاني، ومحمد بن طَلْحة النِّعالي، وجماعة.
وكان ثقةً.
قال البَرْقاني: كان بَدَلاً من الأبدال.
وقال غيرُه: مات فجاءةً في رمضان، رحمة الله عليه(١).
١٢ - عثمان بن محمد بن إبراهيم المادَرَائِيُّ، أبو عَمْرو، نزيلُ
مصر .
سمع أبا مُسلم الكَجِّي. وعنه أبو محمد ابن النَّحاس(٢) .
١٣ - علي بن أحمد بن فَرُّوخ البغداديُّ الواعظ، ويُعرف بغلام
المصري .
(١) من تاريخ الخطيب ١٣/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) مشيخته، الورقة ٤٠.
١٩٥

حدث عن محمد بن جرير، ومحمد بن محمد الباغَنْدي، وجماعة .
قال الخطيب(١): حدثنا عنه ابن بُكَيْر، قال: قال ابن أبي الفوارس:
فیه تَسَاهُل .
١٤ - فِرْدوس بن أحمد بن محمد بن سعيد بن فِرْدوس البَزَّاز، أبو
بكر .
١٥ - محمد بن أحمد بن علي بن شاهُوية، القاضي أبو بكر
الفارسيُّ الحَنَفَيُّ، أحد الأعلام.
سمع أبا خليفة، وزكريا السَّاجي، ودَرَّس بنَيْسابور، ثم دَرَّس ببُخَاری
بمدرسة أبي حفص صاحب محمد بن الحسن مدة.
ومات بنّيْسابور في ذي القعدة سنة إحدى وستين وثلاث مئة(٢).
١٦ - محمد بن أحمد بن موسى بن يَزْداد، القاضي أبو عبدالله
القُمِّي.
تُوفي بفَرْغانة في صَفَر، وحُمل تابوته إلى سَمَرْقند. سمع محمد بن
أيوب الرَّازي، وإبراهيم بن يوسف الهِسِنْجاني. وولي قضاء سَمَرْقند. وكان
من كبار الحنفية، ثقةً في الحديث. روى عنه أبو سعد الإدريسي وغيره.
١٧ - محمد بن حارث بن أسد، أبو عبدالله الخُشَنِيُّ القَيْروانيُ
الحافظ .
أخذ عن أحمد بن نصر، وأحمد بن زياد. ودخل الأندلس فسمع
قاسم بن أصبغ، وأحمد بن عُبادة، وسكنَ قُرطبة وتمكَّن من صاحبها الحكم
ابن الناصر لدين الله، وصَنَّف له كُتُبًا منها كتاب ((الاتفاق والاختلاف
(١) تاريخه ١٣/ ٢٢٤.
(٢) لا أدري من أين نقل هذه الترجمة، فإنَّ الحاكم ترجم ابن شاهوية هذا في ((تاريخ
نيسابور)) ونسبه شافعيًا، وذكر أنه توفي في سنة ٣٦٢، وسيعيده المصنف في وفيات
السنة المذكورة نقلاً عن الحاكم (الترجمة ٤٣)، وأنا لا أشك أنهما واحد، فالمترجم
هو هو. ولم يذكر ابن خلكان في الوفيات ٢١١/٤، والصفدي في الوافي ٢/ ٤٤ غير
الذي سيأتي في وفيات السنة الآتية. أما هذا فذكره صاحب الجواهر المضية ١٨/٢ ،
وسبب هذا تنوع النقل من الموارد من غير مراجعة وتدقيق. ويلاحظ أن المصنف كتب
هذه الترجمة ملحقة بحاشية نسخته .
١٩٦

في مذهب مالك))، وكتاب ((الفُتْيا))، وكتاب ((تاريخ الأندلس))، و((تاريخ
الإفريقيين))، وكتاب ((النَّسَب)).
قال ابنِ الفَرَضي(١): بلغني أنه صنَّف للحَكَم مئة ديوان، وكان شاعرًا
بليغًا لكنه يَلْحَن، وكان يتعِانَى الكيمياء، واحتاج بعد موت الحَكَم إلى أن
جلس في حانوتٍ يبيع الأَذْهان. روى عنه أبو بكر بن حوئيل، وغيرُه.
وتوُفي في صفر(٢).
١٨ - محمد بن الحسن بن سعيد، أبو العباس ابن الخشاب
المُخَرِّميُّ الصُّوفي الزاهد.
صاحب حكايات عن الشبلي وغيره. وعنه الشُّلَمي، والحاكم(٣).
١٩ - محمد بن الحُسين بن محمد بن الحُسين، الوزير ظهير الدِّين
أبو شجاع، حفيد الوزير أبي شجاع الزُّوذراوري البغدادي.
وَزَرَ للمسترشد ثم عُزِلَ ولَزِمَ بيته دَهْرًا في نعمة وعافية.
مات في ذي القعدة، وقد شاخ.
٢٠ - محمد بن حُمَيْد بن سَهْل المُخَرِّميُّ، أبو بكر.
سمع أبا خليفة، وجعفرًا الفِرْيابي، والهَيْثم بن خَلَف الدُّوري،
وغيرهم. وعنه الدارقطني، وأبو نُعَيْم، وجماعة.
قال البَرْقاني: ضعيفٌ.
وقال ابن أبي الفوارس: فيه تساهل شديد (٤).
٢١ - محمد بن عمر بن محمد بن الفضل، أبو عبدالله الجُعْفيُّ
البغداديُ.
سمع أبا شُعَيْبِ الحَرَّاني، وموسى بن هارون، وأبا العباس بن
مَسْروق. وعنه ابن رزقُوية، وأبو نُعَيْم.
(١) تاريخه (١٤٠٠).
(٢) انظر ترتيب المدارك ٥٣١/٤ - ٥٣٢ .
(٣) من تاريخ الخطيب ٦١٢/٢ - ٦١٣.
(٤) من تاريخ الخطيب ٦٧/٣ - ٦٨.
١٩٧

وقال ابن أبي الفوارس: كان كَذَّابًا(١).
٢٢ - محمد بن فارس بن حَمْدان، أبو بكر العَطَشيُّ، يُعرف
بالمَعْبَدي، يقال: إنه من ولد أم مَعْبَد الخُزَاعية .
حدث عن جعفر بن محمد القَلانسي، والحسن بن علي المَعْمَري.
روى عنه الدَّارقطني، وعليّ بن أحمد الرَّزَّاز، وأبو بكر البَرْقاني، وأبو
ء.
نُعَيْم .
قال أبو نُعَيم: كان غاليًا في الرفض غير ثقة (٢)، مات في ذي الحجة.
٢٣ - محمد بن يحيى بن عَوَانة بن عبدالرحيم التَّغْلبي القُرْطَبي،
أبو عبدالله.
سمع من أحمد بن خالد الجَبَّاب، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن
أصبغ، وجماعة.
وكان ثقةً صالحًا، أمّ بجامع قُرْطُبة وأكثر الناسُ عنه(٣).
٢٤ - نَذير بن جناح بن إسحاق المُحاربيُّ الكوفيُّ، أبو القاسم.
(١) من تاريخ الخطيب أيضًا ٤٩/٤ - ٥٠.
(٢) من تاريخ الخطيب أيضًا ٢٧١/٤ - ٢٧٢.
(٣) من تاريخ ابن الفرضي (١٣٠٠).
١٩٨

سنة ثنتين وستين وثلاث مئة
٢٥ - أحمد بن إبراهيم بن بكر القِفْطيُّ.
روى عن النَّسائي بمصر .
٢٦ - أحمد بن بِشْر بن عامر، أبو حامد المَرْوَرُوذيُّ الفقيه
الشافعيُّ، نزيلُ البَصْرة.
تفقه على أبي إسحاق المَرْوَزي، وصَنَّف ((الجامع)) في المذهب،
وشرحَ ((مختصر المُزَني)) وصَنَّف في الأصول. وكان إمامًا لا يُشق غُبَارُهُ.
وعنه أخذ فُقهاء البصرة.
٢٧ - أحمد بن عثمان، أبو سعيد البَغْداديُّ الفقيه، ويُعرف بابن
البَقَّال.
حدث بدمشق عن أبي القاسم البَغَوي، وأبي بكر بن أبي داود. وعنه
ابن جُمَيْع(١)، وأبو نصر بن الجَبَّان.
حدث في هذه السنة وانقطع خبرُه(٢).
٢٨ - أحمد بن محمد بن زكريا الأمويُّ، مولاهم، الأندلسيُّ
الرُّصافيُّ المالکيُّ، مفتي ناحیته ومحدثها .
روى عن أحمد بن خالد وغيره، وتوفي في صَفر(٣).
٢٩ - أحمد بن محمد بن هَمَّام، أبو عَمْرو النَّيْسابوريُّ، العبد
الصالح.
رحل وسمع ببغداد من يوسف القاضي وطبقته. وعنه الحاكم. وعاش
بضعًا وثمانين سنة .
٣٠ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عُقبة بن مُضَرِّس، أبو الحسن
قاضي أَرّجان.
(١) معجم شيوخه (١٥٧).
(٢) من تاريخ دمشق ١٤/٥ - ١٦. وانظر تاريخ الخطيب ٤٩٠/٥ - ٤٩١.
(٣) من تاريخ ابن الفرضي (١٦٢).
١٩٩

روى عن البَغَوي، وابن صاعد. وعنه أبو نُعَيْم الحافظ، وورَّخه هكذا
في ((تاريخ أصبهان))(١). وقال في مُعْجَمه: قَدِمَ علينا أصبهان سنة خمس
وستین، فيحُرر هذا.
٣١ - أحمد بن محمد بن عُمارة بن أحمد، أبو الحارث الليثيُّ
الكِنانيُّ، مولاهم، الدِّمشقيُّ.
سمع أحمد بن محمد بن يحيى بن حَمْزة، وزكريا السِّجْزي، ومحمد
ابن يزيد بن عبدالصمد، وأحمد بن إبراهيم البُسْري، وإبراهيم بن دُحَيْم،
وجماعة. وعنه ابن جُمَيْع(٢)، وتَمَّام، وعبدالرحمن بن أبي نصر، وأحمد
ابن محمد بن الحاج الإشبيلي، وعبدالوهاب المَيْداني .
وتوفي في ربيع الآخر في عَشْر التِّسعين(٣).
٣٢ - إبراهيم بن عُبَيْدالله المَعَافريُّ الإشبيليُّ.
سمع من أحمد بن خالد، ومحمد بن فُطَيْس. وكان محدثًا لُغَويًّا
بصيرًا بالشعر؛ قاله ابن الفرضي (٤).
٣٣ - إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سَخْتوية النَّيْسابوريُّ، الشيخ
أبو إسحاق المُزَكِّي.
قال الحاكم: هو شيخ نَيْسابور في عصره، وكان من العُبَّاد المجتهدين
الحَجَّاجين المُنْفِقِين على العُلماء والفقراء. سمع ابن خُزَيْمة، وأبا العباس
السَّرَّاج، وأحمد بن محمد الماسَرْجسي، وأبا العباس الأزهريَّ،
وعبدالرحمن بن أبي حاتم الرَّازي، ومحمد بن هارون الحَضْرَمي، وأبا
العباس الدَّغُولي، وخَلْقًا سواهم. وأملى عدة سنين، وكنا نَعُدُّ في مجلسه
أربعة عشر محدّثًا، منهم أبو العبَّاس الأَصَم، ومحمد بن يعقوب بن
الأخرم.
(١) أخبار أصبهان ١٥٤/١ - ١٥٥ .
(٢) معجم شيوخه (١٢٠).
(٣) من تاريخ دمشق ٤٢١/٥ - ٤٢٢.
(٤) تاريخه (٤١).
٢٠٠