Indexed OCR Text

Pages 421-440

وأقام ابن بُوَيْه أيامًا برامَهُرْمُز إلى أن وقع الصُّلح بينه وبين الخليفة، وجرت
فصول. وضعُف أمرُ ياقوت، وجاع عسكره، وتفرَّقت رجالُهُ، وتمَّت له
حروب مع كاتبه أبي عبدالله البَرِيدي، ثم انهزم وأوى إلى قريةٍ، فظفروا به
وقتلوه، وكان قد شاخَ. ثم طَغَى البريديُّ وأظهر العصيان.
وفيها استوزر الرَّاضي أبا القاسمِ سُليمان بن الحسن. وسببه أنَّ ابنَ
رائق تَغَلَّب على ناحيته، وابن بُوَيْه تغلَّب على فارس، وضاقتِ الدُّنيا على
الوزير الكَرْخي، وكان غير ناهضٍ بالأمور، فعُزل في شَوَّال، وقُلِّد
سُلَيْمان، فكان في العجز بحال الكَرْخِي وزيادة. فدعَتِ الضَّرورة إلى أن
كاتب الراضيِ محمدٍ بن رائق يلاطفُهُ مع كاجو، فأصغَى وأسرعَ، فأرسلَ إليه
الرَّاضي بالخِلَع واللَّواء. فانحدر إليه أعيان السَّاجية، فقَيَّدهم وحَبَسَهُم،
فاستوحش الحُجَرية ببغداد، وأحدقوا بدار الخليفة. فوصل ابن رائق في
جيشه إلى بغداد في ذي الحجة، ودخل على الرَّاضي في قُوَّادهِ. ثم إنّه أمرَ
الحُجَرية بقَلْع خيامهم وذهابهم إلى منازلهم، فلم يفعلوا، وبطُل حينئذٍ أمر
الوزارة والدَّواوين وبقي الاسم لا غير، وتولَّى الجميعَ محمدُ بن رائق
وكُتَابُهُ، وصارت الأموال تُحمل إليه، وبطُلت بيوت المال. وحكم ابن رائق
على البلاد وبقيَ الراضي معه صورة.
وفيها وقعَ الوباءُ العظيم بأصبهان وبغداد، وغَلَت الأسعار.
وفيها سار الدّمسْتُقْ في جيوش الرُّوم إلى أرض آمد وسُمَيْساط فسارَ
عليّ بن عبدالله بن حَمْدان، وهو شاب، وهذه مِن أوَّل مَغَازيه، إلى آمد،
وبعث الأقوات إلى سُمَيْساط، فاختلف عليه بعضُ أمرائه، ثم حاربه فظفر
به، ثم عفا عنه .
وكان الحسن بن عبدالله بن حَمْدان أخوه قد غلب على المَوْصل،
فسارَ إليه خَلْقٌ من السَّاجية والحُجَرية، وهم خاصّكية الخليفة، هربوا من
محمد بن رائق، فأحسنَ الحِسنُ إليهم. وسارَ من عنده نظيف السَّاجي
متقلِّدًا أذَرْبَيجان، فحاربه اللَّشْكري(١)، فانهزم نظيفٌ واستُبِيح عسكرُهُ،
(١) هكذا مجود في النسخ، وفي صلة التاريخ الهمذاني ٢٦٥، ٢٦٦: ((يشكري))، وفى
كامل ابن الأثير: ((لشكري)).
٤٢١

وغلب اللشْكري على أذربيجان، فسارَ لحربه دَيْسَم وابن الدَّيْلَمي وطائفة،
فهزموه ونهبوا وسَبَوا، وفعلوا القَبَائحَ.
وفيها استولت الرُّوم على سُمَيْساط ودكُّوها، وآمن الدُّمُسْتُق أهلَها
ووَصَّلَهُم إلى مأمنهم .
وفيها عائَت العربُ من بني نُمَيْرِ وِقُشَيْرِ ومَلَكوا ربيعة ومُضَر، وشَتُّوا
الغارات، وسَبَوا وقطعوا السُّبُّل، وخَلَت المدائن من الأقوات، فسارَ
لحربهم عليّ بن عبدالله بن حَمْدان، فأوقعَ بهم وهزمهم بسَرُوج وطردَهُم
إلى ناحية سِنْجار وهِيت.
ونَفَّذَ الرَّاضي بالله خِلَع المُلْك إلى صاحب الموصل الحسن بن
عبدالله، فبعث على أذْرَبِيْجان ابن عمه حُسين بن سعيد بن حَمْدان. وكان
على ديار بكر أخوه عليّ.
سنة خمس وعشرين وثلاث مئة .
فيها أشار محمد بن رائق على الرَّاضي بأن ينحدرَ معه إلى واسط،
فخرجَ أوَّل السّنة مُنْحدرًا، فوصل واسط في عاشر المُحَرَّم. واستخلف
بالحضرة أبا محمد الصِّلْحِي، فاضطربت الحُجَرية، وقالوا: هذه حيلة علينا
ليعمل بنا مثل ما عمل بالسَّاجية. فأقام بعضُهم ثم انحدروا. واستخدم ابنُ
رائق ستين حاجبًا، وأسقط الباقين، وكانوا أربع مئة وثمانين، ونَقَّصَ أرزاقَ
الحَشَم، فثاروا وحاربوا ابن رائق، وجَرَى بينهم قتالٌ شديد، وانهزمَ مَن بقي
مِن السَّاجيّة إلى بغداد، ولم يَبْق من الحُجَرية إلا قليل، مثل صافي الخازن،
والحسن بن هارون، فأُطلِقاً.
ولما فرغ ابن رائق من الحُجَرية والسَّاجية أشارَ على الرَّاضي بالله
بالتقدُّم إلى الأهواز، فأُخرِجت المَضارب. وبعث ابن رائق أبا جعفر محمد
ابن يحيى بن شيرزاد، والحسن بن إسماعيل الإسكافي إلى أبي عبدالله
البَرِيدي برسالة من الراضي، مضمونها أنه قد أخَّرَ الأموال وأفسد الجيوش.
وأنَّه ليس طالبيًا فينازع الأمر، ولا جُنْديًّا فينازع الإمارة، ولا مِمَّن يحمل
السِّلاح، فيؤهَّل لفتح البلاد. وأنّه كان كاتبًا صغيرًا، فرُفع فطَغَى وكَفَر
٤٢٢

النِّعْمَة فإن راجع سُومِحَ عن الماضي. فأجاب إلى أنه يحمل مالاً عيّنه، وأنَّ
الجيش الذي عنده لا يقوم بهم مال الحَضْرة، فسيجهزهم إلى فارس لحرب
مَن بها. فبعث إليه الرَّاضي بالعهد، فما حمل المال ولا جَهَّز الجيش. وكان
أبو الحُسين البريدي ببغداد، فجَهَّزَهُ ابن رائق إلى أخيه أبي عبدالله، ثمَّ ضمن
البريدي البلاد.
ورجع الرّاضي إلى بغداد، وتقلَّد الشرطة بجكم. وخرجَ من بقي مِن
الحُجَرية من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريدي، وأجرى أرزاقهم، ورَثَى
لهم .
وصارت البلدان بين خارجي قد تغلَّب عليها، أو عامل لا يحمل
مالاً، وصاروا مثل ملوك الطَّوائف، ولم يبقَ بيد الرَّاضي غير بغداد
والسَّواد، مع كون يد ابن رائق عليه.
وفيها ظهرت الوَحْشة بين محمد بن رائق وبين أبي عبدالله البريدي.
ووافى أبو طاهر القِرْمِطي إلى الكوفة فدخلها في ربيع الآخر، فخرج
ابن رائق في جُمَادَى الأولى، وعَسْكر بظاهر بغداد، وسيَّر رسالة إلى
القِرْمطي فلم تُغْنِ شيئًا، ثم إنْ القِرْمِطي رَدَّ إلى بلده.
وفيها استوزر الرَّاضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات بمَشورة
ابن رائق، وكان ابن الفُرات بالشَّام فأحضروه .
ومضى ابنُ رائق إلى واسط وراسلَ البَرِيديَّ، فلم يلتفت، وأخذَ
يماطلُهُ. وبعثَ جيشًا إلى البَصْرة يحفظها من ابن رائق، وطيّب قلوبَ
أهلها، فقلق ابن رائق، وبعث إلى البَصْرة جَيْشًا، فالتقوا فانهزم جيش ابن
رائق غير مرة .
ثم قدِمَ بدر الخَرْشَني من مصرَ، فأكرمه ابنُ رائق، ثم نَفَّذَهُ وبحكمًا
إلى الأهواز، فجهّز إليهما البَرِيديُّ أبا جعفر الجَمَّال في عشرة آلاف نفس،
فالتقوا على السُّوس، فهزمهم الخَرْشَني، وساقَ وراءهم، فخرج البَرِيديُّ
وأخوه في طيار، وحملوا معهم ثلاث مئة ألف دينار، فغرق بهم الطَّيَّار،
فأخرجهم الغَوَّاصون، واستخرجوا بعض الذَّهب لبجكم، ووافوا البَصْرة،
ودخل بجكم الأهواز، وكتب إلى ابن رائق بالفَتْح.
٤٢٣

ودخل البَرِيديُّون البصرة واطمأنوا، فساق ابنُ رائق بنفسه إلى البصرة
في نصف شوَّال. فهرب البَرِيدي إلى جزيرة أُوال، ووافاه بحكم. وسار ابنُ
رائق وجيشهُ ليدخلوا البصرة، فقاتلهم أهلُها ومنعوهم لظُلمهم.
وذهبَ البَرِيديُّ إلى فارس، واستجار بعلي بن بُوَيْه فأجارَهُ، وأنفذَ
معه أخاه أبا الحُسين أحمد بن بُوَيْه لفتح الأهواز، وبلغ ابن رائق ذلك،
فجهّز بحكم إلى الأهواز، فقال: لستُ أحارب هؤلاء إلا بعد أن تحصل لي
إمارتُها وخَرَاجها. فقال ابن رائق: نعم. وأمضى له ذلك على مئة وثلاثين
ألف دينار في السَّنة .
ودام أهلُ البصرة على عصيان ابن رائق لسوء سيرته، فحلف إنْ تمكن
من البَصْرة ليجعلها رمادًا، فازداد غَيْظُهم منه.
وفيها ولي إمرة دمشق بُدَيْر مولى محمد بن طُغْج، فأقام بها إلى سنة
سَبْعٍ وعشرين. وقدِم محمد بن رائق دمشق، فأقامَ بها، وزعمَ أنَّ المُتَّقي
ولَّهَ إيَّاها، وأخرج بُدَيْرًا. ثم ولي بُدَير دمشق بعد ذلك من قِبل كافور
الإخشيدي .
وأما البريديون فهم ثلاثة من الكُتاب: أبو عبدالله، وأبو الحُسين،
وأبو يوسف. كان أبوهم كاتبًا على البريد بالبَصْرة، فغلبوا على الأهواز
وجرت لهم قصص، ثم اختلفوا وتمزَّقوا.
وفيها سار علي بن عبدالله بن حَمْدان إلى مِصْرَ، فتغلّب عليها لمَّا
خرج عنها بدر الخَرْشَني إلى العراق.
ولم يَجْسر أحدٌ أن يحجَّ هذا العام.
وفيها أسَّس أميرُ الأندلس النَّاصر لدين الله الأمويُّ مدينة الزَّهراء.
وكان منتهى الإنفاق في بنائها كل يوم ما لايُحد، يدخل فيها كل يوم من
الصَّخْرِ المنحوت ستة آلاف صَخْرة، سوى التَّبْليط. وجُلِب إليها الرُّخام من
أقطار المغرب، ودخل فيها أربعة آلاف وثلاث مئة سارية، منها ثلاث
وعشرون سارية ملوَّنة. وأهدى له ملك الفرنج أربعين سارية رُخام. وأما
الوردي والأخضر فمن إفريقية، والحوض المُذَهَّب جُلبَ من القسطنطينية
والحوضُ الصَّغير عليه صورة أسد، وصورة غزَال، وصورة عُقاب، وصورة
٤٢٤

ثُعبان، وغير ذلك؛ كلُّ ذلك ذَهَبٌ مرصَّعٌ بالجَوْهر، وبَقُوْا في بنائها ست
عشرة سنة. وكان يُنفق عليها ثُلُث دَخْل الأندلس. وكان دخل الأندلس
يومئذٍ خمسة آلاف ألف وأربع مئة ألف وثمانون ألف درهم. وعمل في
الزهراء قصر المملكة، غرِم عليه من الأموال ما لا يعلمه إلاّ الله.
وبين الزَّهراء وبين قُرْطبة أربعة أميال، وطولها ألف وست مئة ذراع،
وعرضها ألف وسبعون ذراعًا. ولم يُيْن في الإسلام أحسن منها، لكنها
صغيرة بالنسبة إلى المدائن كما ترى؛ لا بل هي متوسِّطة المقدار، وكانت
من عجائب الدَّنيا. وسورِها ثلاث مئة بُرج، وكُلُّ شُرَّافةٍ حجرٌ واحد. وعَمِل
ثُلُثَها قصور الخلافة، وثُلُثها للخدم، وكانوا اثني عشر ألف مملوك، وثُلُثها
الثّالث بساتين. وقيل: إنّه عَمِل فيها بُحَيْرة ملأها بالزِّئبق. وقيل: كان يعمل
فيها ألف صانع، مع كُلِّ صانع اثنا عشر أجيرًا. وقد أُحْرِقت وهُدِمَتْ في
حدود سنة أربع مئة، وبقيت رسومُها وسورُها، فسبحان الباقي بلا زوال.
سنة ست وعشرين وثلاث مئة
فيها سار أبو عبدالله البَرِيدي لمحاربة بَجْكَم، وأقبل في مَدَدٍ مِنِ ابن
بُوَيْه، فخرجَ بَجْكم لحربه، وعادَ منهزمًا بعد ثلاثٍ، لأنَّ الأمطار عطَّلت
نُشَّاب أصحابه وقِسِيَّهم، فقبضَ على وجوه أهل الأهواز، وحَملهم معه،
وسار إلى واسط.
وأقام البَريديُّ وأحمد بن بُوَيْه بالأهواز أيامًا، ثم هربَ البَريديُّ في
الماء، ثم أخذ يراوغ أحمد بن بُويْهِ، وجَرَت له فصول. وقوي ابن بُوَيْه،
وبَجْكَم مقيمٌ بواسط ينازع إلى المُلْك ببغداد. وقد جمعَ ابنُ رائق أطرافهُ
وأقامَ ببغداد، والبريدي هارب في أسفل الأهواز.
ولمَّا رأى الوزير أبو الفتح الفَضْل اختلال الحَضْرة، واستيلاء
المُخالفين على البلاد، أطمعَ ابنَ رائق في أن يحمل إليه الأموال من الشَّام
ومِصْر، وأن ذلك لا يتم مع بُعْده، وصاهرَهُ فزوَّج ابنَهُ بابنة محمد بن رائق،
وزوَّج مزاحم بن محمد بن رائق ببنت محمد بن طَغْج.
٤٢٥

ثم دخل الوزير أبو الفتح إلى الشَّام على البَرِّيَّة، وقد استخلفَ على
الحضرة عبدالله بن عليّ النِّقَّري(١).
وسار ابن شيرزاد بين البَرِيدي وابن رائق في الصُّلْح، فكتبوا للبريدي
بالعَهْد على البَصْرة، وأن يجتهدَ في أخذِ الأهواز من أحمد بن بُوَيْه، وأن
يحارب بجكم. فواقعَ عسكرُ البريديِّ عسكر بحكم فهزمه، فسُرَّ بذلك ابن
رائق. ثم أرسل بجكم إلى البريدي: أنت قد اتَّفقت مع ابن رائق عليّ وقد
عفوتُ عنك، وأنا أعاهدك إن ملكتُ الحضرة أن أُقْلَّدَكَ واسطًا. فسجد
البريديُّ شكرًا لله وحَلَف له واتَّفقا .
وفيها قُطِعت يد ابن مُقْلَة؛ وسببه أنَّ محمدَ بنَ رائق لمَّا صارَ إليه
تدبير المملكة قَبَضَ على ضياع ابن مُقْلة وابنه، فسأله ابن مُقْلة إطلاقَها،
فوَعده ومَطَلهُ. فأخذَ ابن مُقلة في السَّعْي عليه من كُلِّ وجهٍ، وكتبَ إلى
بجكم يُطْمِعه في الحَضْرة، وكتبَ إلى الرَّاضي يشيرُ عليه بالقَبْض على ابن
رائق، ويضمن له إذا فعل ذلك وأعادَهُ إلى الوزارة أنّه یستخلصُ له منه ثلاث
آلاف ألف دينار. وأشارَ باستدعاء بجكم ونَصْبه في بغداد. فأصغى إليه،
فكتبَ ابنُ مُقْلة إلى بحكم يخبره ويحثُّه على القدوم. واتَّفق معهم أنَّ ابن
مُقْلة ينحدر سرًّا إِلِى الرَّاضي ويقيم عنده، فركب من دارهِ، وعليه طَيْلَسان،
في رمضان في اللّيل. فلما وصل إلى دار الخليفة لم يُمَكَّن، وعُدِلَ به إلى
حُجرة فحُبِسَ بها. وبعثَ الرَّاضي إلى ابن رائق فأخبره. فتردَّدَ الرُّسُل بينهما
أسبوعين. ثم أظهر الخليفة أمرَه، واستفتى القُضاة في أمرِه، وأفشى ما أشار
به ابن مُقْلَة من مجيء بجكم وقَبْض ابن رائق. فيقال: إنَّ القُضاةَ، أفتوا
بقطع يده، ولم يصح. ثم أخرجه الرَّاضي إلى الدِّهْليز، فقطعت يدُه بحضرة
الأمراء .
قال ثابت بن سِنان: فاستدعاني الرَّاضي وأمرني بالدُّخول عليه
وعلاجه، فدخلتُ، فإذا به جالسٌ يبكي، ولونه مثل الرَّصاص، فشكا
ضَرَبَان ساعدِه، فطلبتُ كافورًا، وطليتُ به ساعدَه فسَكَن. وكنتُ أتردد
إليه، فعرضَتْ له عِلّة النُّقْرُس في رِجْلِه. ثم لما قَرُب بَجْكُم من بغداد قطعَ
(١) الضبط من نسخة أ فهو فيها مجود.
٤٢٦

ابنُ رائق لسانَ ابن مُقْلَة، وبَقِي في الحَبْس مدة، ثم لحِقَه ذرب وشُفِيَ إلى
أن ماتَ بدار الخلافة. وقد وَزَرَ ثلاث مَرَّات لثلاثة من الخُلفاء. ومات سنة
ثمانٍ وعشرين، وهو صاحب الخَطِّ المَنْسوب.
ثم أقبل بجكم في جيوشه وضَعُفَ عنه محمد بن رائق، فاستترَ
ببغداد، ودخلها بُجْكم في ذي القعدة، فأكرَمَهُ الرَّاضي ورفع منزلتَهُ، ولَقَّبه
((أمير الأمراء))، وانقضت أيام محمد بن رائق.
وفيها ورد كتابٌ من الروم، والكتابة بالذَّهب، وترجمتها بالعربية
بالفِضَّة؛ وهو : ((من رومانس وقسطنطين وأسطانوس عظماء ملوك الروم،
إلى الشَّريف البهي ضابط سُلْطان المسلمين. بسم الأب والابن ورُوح
القدُس الإله الواحد، الحمدُ لله ذي الفضل العَميم، الرَّؤوف بعباده، الذي
جعل الصُّلْحَ أفضل الفَضَائل، إذ هو محمود العاقبة في السَّماء والأرض.
ولمَّا بَلَغنا ما رُزقته أيُّها الأخ الشريف الجليل من وفورِ العَقْل وتَمَام الأدب،
واجتماع الفضائل أكثر ممَّن تقدَّمَكَ من الخُلفاء، حَمدْنا الله ... )) وذكرَ
كلامًا يتضمَّن طلب الهُدْنَة والفِداء. وقَدَّموا تقدمةً سنيَّةً. فكتب إليهم
الرَّاضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ثوابة، بعد البَسْملة: ((مِن عبدالله أبي
العبَّاس الإمام الرَّاضي بالله أمير المؤمنين إلى رُومانس وقسطنطين
وأسطانوس رؤساء الزُّوم. سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدِى وتمسّك بالعُروة الوثقى
وسلك سبيل النَّجاة والؤُّلْفى)). وأجابهم إلى ما طَلَبوا.
وفيها قَلَّدَ الرَّاضي بجكم إمارة بغداد وخُراسان. وابن رائق مستترٌ.
ولم یحجّ أحد.
وفيها كانت مَلْحَمة عظيمة بين الحسن بن عبد الله بن حَمْدان وبين
الدُّمُسْتُق، ونصر الله الإسلامَ، وهربَ الدُّمُسْتُقِ، وقُتِل من النَّصارَى خلائق،
وأُخِذَ سريرُ الدُّمُسْتق وصليبُهُ.
سنة سبع وعشرين وثلاث مئة
فيها سافَرَ الرَّاضي وبجْكَم لمُحاربة الحسن بن عبدالله بن حَمْدان،
٤٢٧

وكان قد أخَّرِ الحَمْلِ عن ما ضَمنه من المَوْصل والجزيرة. فأقامَ الرَّاضي
بتكْرِيت، ثم التقى بجكم وابن حَمْدان، فانهزم أصحاب بجكم وأُسِرّ
بعضُهم فحقق بحكم الحملةَ بنفسه، فانهزم أصحاب ابن حَمْدان. واتبعه
بجكم إلى أن بلغ نَصِيبين فأقامَ بها، وهربَ ابنُ حَمْدان إلى آَمِد، وسار
الرَّاضي إلى المَوْصل.
وكان في جُنْد بَجْكَم طائفةٌ من القَرَامطة، وبقوا مع الراضي، فلحقتهم
ضائقةٌ بتكْريت، فذهبوا مُغَاضبين إلى بغداد. وظهر محمد بن رائق من
استتاره فانضموا إليه، وكانوا ألف رجل، وقيل: إنَّ الرَّاضي إنَّما سارعَ إلى
المَوْصل خوفًا منهم، فدخلها في صَفَر، فاستناب بجكم قواده على نَصِيبين
وديار ربيعة، وعاد إلى المَوْصل وهو قلِقٍ من أمر ابن رائق.
وبعد أيام وقعت فتنةٌ بين المَوَاصلة وجُنْد الأمير بَجْكم، فركب بجكم
ووضعَ السَّيف في أهلِ المَوْصل، وأحرقَ فيها أماكن .
وسارَ ابنُ حَمْدَان إلى نَصِيبين فهرب عُمَّال بجكم عنها، وأخذ
أصحابه يتسلَّلون إلى ابن رائق. ثمَّ طلب ابنُ حَمْدان من بجكم الصُّلح، فما
صدَّق به، وبعثَ إليه بعَهْدِهِ.
وأمَّا ابن رائق فهَرَّبَ أصحابَ السُّلطان ببغداد وهَزَّمهم، وراسلَ والدَة
الرَّاضي وحُرَمه رسالةً جميلة، وراسل الرَّاضِي وبَجْكَم يلتمس الصُّلح وأن
يُقَلَّد الفُرات وجُنْد ◌ِنَّسرين ويخرج إليها. فأُجِيبَ إلى ذلك، فسارَ ابن رائق
إلى الشَّام .
وفيها أُهْلِكَ عبدالصَّمد ابن المكتفي لكونه راسَلَ ابن رائق في ظهوره
أن يُقَلَّد الخلافة .
وفيها صاهَرَ بحكم الحَسَن بن عبدالله بن حَمْدان.
وفيها مات الوزير أبو الفتح الفضل بن الفُرات بالرّمْلة.
وفيها وقع الصُّلح على أن يضمن البَرِيدي من بجكم واسطًا في السّنة
بست مئة ألف دينار.
وفيها استوزر الرَّاضي أبا عبدالله أحمد بن محمد البَرِيدي. أشارَ عليه
بذلك ابن شيرزاد، وقال: نكتفي شَرَّة. فبعثَ الرَّاضي قَاضي القُضاة أبا
٤٢٨

الحسن عُمر بن محمد بن يوسف القاضي إليه بالخِلَع والتقليد.
وفيها كتب أبو عليّ عُمر بن يحيى العَلَوي إلى القِرْمطي، وكان يحبه،
أن يطلِق طريقَ الحاج، ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير. فأذِن، وحجّ
النَّاس؛ وهي أول سَنةٍ أُخِذَ فيها المَكْسُ من الحُجَّاجِ.
سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة
في أوَّلها وَرَدَ الخبرُ بأنَّ عليّ بن عبد الله بن حَمْدان لقي الدُّمُسْتَقُ،
فهزمَهُ عليّ .
وفيها تَزَوَّج بجكم بسارة بنت الوزير أبي عبد الله البَرِيدي.
وفي شعبان تُوفي قاضي القضاة أبو الحُسين عُمر بن محمد بن
يوسف، وقُلَّدَ مكانه ابنه القاضي أبو نصْر يوسف.
وفيها سارَ بحكم إلى الجَبَل وعادَ، وفَسد الحالُ بينه وبين الوزير
البَرِيدي لأمورٍ، فَعَزل بجْكَمُ الوزيرُ، واستوزرَ أبا القاسم سُليمان بن مَخْلَد.
وخرج بَجْكم إلى واسط .
وفي رمضان ملكَ محمد بن رائق حِمْص، ودمشق، والرَّملة، وإلى
العَرِيش، ولقيه محمد بن طُغْجِ الإخشيد فانهزم الإخشيد، ووقع جُند ابن
رائق في النَّهب، فخرج عليهم كَمِين ابن طُغْج فهزمهم، ونجا ابنُ رائق إلى
دمشق في سبعين رجلاً.
وفي شِوَّال مات أبو علي ابن مُقْلَة، وأبو العباس أحمد بن عُبَيْد الله
الخَصِيئُّ اللذين وزرا.
وفيها واقع محمد بن رائق أبا نصر بن طُغْج في أرض اللَّجُون، فانهزم
أصحاب ابن طَغْج، واستؤسر وجوه قُوَّاده، وقُتِل في المعركة. فعزَّ ذلك
على ابن رائق وكفَّنه، وأنفذَ معه ابنه مُزاحمًا إلى الإخشيد محمد بن طُغْج
يُعَزِّيه في أخيه، ويحلفُ أنه ما أرادَ قتله، وأنه أنفذَ إليه ولده مُزَاحمًا لِيَقيدَهُ
به. فشكره وخلعَ على مُزاحم ورَدَّه، واصطلحا على أن يُفرج ابن رائق عن
الرَّملة للإخشيد، ويحمل إليه الإخشيد في السنة مئة وأربعين ألف دينار.
٤٢٩

وفي شعبان غَرِقَت بغدادُ غَرَقًا عظيمًا، حتَّى بلغت زيادة الماء تسعة
عشر ذِراعًا. وغَرِقَ النَّاسُ والبهائم، وانْهَدَمت الدُّور، فللَّهِ الأمرُ.
وفيها غزا سيف الدِّين عليّ بن حَمْدان بلاد الروم، وجَرَت له مع
الدُّمُسْتُق وقعات نَصَر الله فيها المؤمنين، وله الحمد.
سنة تسع وعشرين وثلاث مئة
فيها عزل بَحكمُ ابن شيرزاد عن كتابته، وصادَرهُ على مئةٍ وخمسين
ألف دينار .
وفي ربيع الأول اشتدَّت عِلَّة الرَّاضي بالله، وقَاء في يومين أرطالاً من
دَمِ، وماتَ. وبويع المتقي لله أخوه.
وكان الرَّاضي سَمْحًا كريمًا أديبًا شاعرًا فَصِيحًا، محبًّا للعُلماء. سمع
من البَغَوي، وله شِعْرٌ مدوَّن.
قال الصُّولي(١): سُئِلِ الرَّاضي أن يخطب يوم جمعة، فصعِدَ المِنْبر
بسُر مَن رأى، فحضرتُ أنا وإسحاقِ بن المُعْتَمد. فلما خطب شَنَّفَ
الأسماع وبالغَ في الموعظة، ثم نزلَ فَصَلَّى بِالنَّاس.
وقيل: إنَّ الرَّاضي استسقى وأصابَه ذَرَبٌ عظيمٌ. وكان من أعظم آفاتِه
كَثْرَة الجِمَاعِ. تُوفي في منتصف ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة
ونصف، ودُفِنَ بالرُّصافة. وهو آخر خليفة جالسَ النُّدماء.
خِلافة المُتَّقِي
قال الصُّوليُّ: لمَّا مات الرَّاضي، كانَ بَجْكَم بواسِط، وبلغه الخبر،
فكتب إلى كاتبه أبي عبدالله أحمد بن عليّ الكوفي يأمره أن يجمع القُضاة
والأعيان بحضرة وزير الرَّاضي أبي القاسم سُليمان بن الحسن ويشاورهم
فيمن يصلُح. وبعثَ الحُسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف
(١) أخبار الراضي والمتقي ٧٧ - ٧٨ .
٤٣٠

دينار له، وبأربعين ألف دينار، ليفرِّقها في الجُنْد إن ولاَه الخِلافة، فلم
ينفع.
ثم إنهم اتَّفقوا على أبي إسحاق إبراهيمٍ ابن المُقْتَدر، فأحدروه من
داره إلى دار الخلافة لعَشْرِ بقين مِنِ الشَّهر، فَبَايعوه وهو ابن أربع وثلاثين
سنة. وأُقُّهُ أمَةٌ اسمها خَلُوَّب، أدْرَكَتْ خلافته. وكان حسنَ الوجهً، معتدل
الخَلْقِ بِحُمْرة، أَشْهل العين، كَثَّ اللحية. فصَلَّى ركعتين وصَعِدَ على
السَّرير، وبايعوه، ولم يُغَيِّرِ شيئًا قط، ولم يَتَسَرَّ على جاريته التي له. وكان
كثير الصَّوم والتَّعبُّد، لم يشرب نبيذًا قط. وكان يقول: لا أريد نَدِيمًا غير
المُصْحَف .
وأقرَّ في الوزارة، فيما قال ثابت، الوزيرَ سُليمانَ بنَ الحسن، وإنَّما
كان له الاسم، والتَّدبير للكوفي، كاتب بَجْكَم. واستحْجَبَ المثَّقي سلامة
الطُولوني. وولى عليّ بن عيسى المظالم.
وفي سابع جُمادَى الآخرة سَقَطت القُبّة الخضراء بمدينة المنصور.
وكانت تاج بغداد ومَأثرة بني العبّاس، فذكرَ الخطيب في تاريخه (١) أنَّ
المنصور بناها ارتفاع ثمانين ذراعًا، وأنَّ تحتها إيوانًا طوله عشرون ذراعًا في
مِثْلها. وقيل كان عليها تمثال فارس في يده رُمُح، فإذا استقبل جهةً عُلِمَ أنّ
خارجيًّا يظهر من تلك الجهة. فسقط رأسُ هذه القُّبة في ليلةٍ ذات مَطَر
ورَعْدٍ .
وكان فيها غلاءٌ مُفْرِطْ ووباءٌ عظيمٌ ببغدادَ، وخرجَ النَّاسُ يستسقون
وما في السَّماء غيمٌ، فرجعوا يَخُوضون الوَحْلَ. واستسقى بهم أحمد بن
الفَضْل الهاشمي.
وفيها عزل المُتقي لله الوزير سُليمانَ واستوزَرَ أبا الحُسين أحمد بن
محمد بن ميمون الكاتب .
وقَدِمَ أبو عبد الله البَرِيدي من البَصْرة، فطلب الوزارة، فأجابه المُتَّقي
وصارَ إليه ابن مَيْمون فأكرمه، وكانت وزارة ابن ميمون شَهْرًا. فَشَغَب الجُنْد
على أبي عبدالله يطلبون أرزاقهم، فهرب من بغداد بعد أربعةٍ وعشرين يومًا .
(١) تاريخ مدينة السلام ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
٤٣١

فاستوزَرَ المتَّقي أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي المعروف
بالقَرَاريطي، وعُزِل بعد ثلاثة وأربعين يومًا. وقُلِّد ابن القاسم الكَرْخِي،
وعُزِل بعد ثلاثة وخمسين يومًا.
وفيها قَلَّد المُثَّقي إمرة الأمراء كورتكين الذَّيْلمي، وقَلَّد بَدْرًا الخَرْشَيَّ
الحجابة .
وفيها قُتِل بَجْكم التُركي وكُنيته أبو الخَيْرِ. وكان قد استوطنَ واسطًّا،
وقرَّر مع الرَّاضي أنه يحمل إليه في العام ثمان مئة ألف دينار. وأظهر العدلَ
وبنى دار الضِّيافة للضُّعفاء بواسط. وكان ذا أموالٍ عظيمة، وكان يُخْرجها
في الصَّناديق، ويُخْرج الرِّجال في صناديق أُخَر على الجِمال إلى البَرِّيّة، ثم
يفتح عليهم فيحفرون ويدفن المال، ثم يعيدهم إلى الصَّناديق، فلا يدرون
أين دَفَنوا، ويقول: إنَّما أفعلُ هذا لأني أخافُ أن يُحال بيني وبين داري.
فضَاعَت بموته الدَّفائن.
قال ثابت بن سِنان: لمَّا ماتَ الرَّاضي استدَعى بَجْكَم والدي إلى
واسط، فقال: إني أريدُ أن أعتمدَ عليكِ في تَّدْبيرِ بَدَني، وفي أمرٍ آخر أهم
من بَدَني، هو تهذيبُ أخلاقي. فقد غَلَبَ عليَّ الغَضَب وسوء الخُلَق، حتى
أخرج إلى ما أندم عليه من قَتْلٍ وضَرب. فقال: سمعًا وطاعةً. فحدَّثه بكلام
جَيِّد في مُداراةِ نَفْسه بالتَّني إذَا غَضِب، وحَضَّه على العفو.
وكان جيش البريدي قد وصل إلى المَذَار، فأنفذَ بَجْكَم كورتكين
وتوزون للقائهم، فالتقوا على المذار في رَجَب، فانكسرَ أصحاب بَجْكَم
وراسلوه يستمدُّونه، فخرجَ من واسط. فأتاه كتابٌ بنصر أصحابه، فتصيد
عند نهر جُور وهناك قوم أكراد مياسير، فشَرِه إلى أخذِ أموالهم، وقَصَدهم في
عَدَدٍ يسير من غِلْمانه وهو مُتَخَفِّ. فهربَ الأكرادُ منه، وبقي منهم غلام
أسود، فطعنه برُمح، وهو لا يعلم أنه بَجْكم، فقتله لتسع بقين من رجب.
وخامَر معظم جُنْده إلى البَريدي، وأخذَ المُتَّقَي من داره ببغداد
حواصلَهُ، فحصَل له من ماله ما يزيد على ألفي ألف دينار. وصار توزون
وكورتكين وغيرهما من كبار أصحابه إلى المَوْصل، ثم إلى الشَّام، إلى
محمد بن رائق. واستدعاه المتَّقي إلى الحَضْرة. فسار ابنُ رائق من دمشق
٤٣٢

في رمضان، واستخلفَ على الشَّام أحمد بن عليّ بن مُقاتل. فلمَّا قَرُب من
المَوْصل كتب كورتكين إلى القائد أصبهان ابن أخيه بأن يصعد من واسط،
فصعِد ودخلَ بغدادَ؛ فخلع عليه المُتَّقي وطَوَّقه وسَوَّرَهُ. وحَمَلَ الحسن بن
عبدالله بن حَمْدان إلى ابن رائق مئة ألف دينار من غير أن يجتمع به. فانْحدر
ابنُّ رائق إلى بغداد. وخطب البَرِيدي بواسط والبَصْرة لابن رائق وكتب اسمه
على أعلامه وتراسِه. ثم وقع الحرب بين ابن رائق وكورتكين على بغداد
أيّامًا، في جميعها الدَّبَرة على ابن رائق، وجَرَت أمور.
ثم قوي ابن رائق، ثم دخل بغدادَ، وأقامَ كورتكين بعُكْبَرا، وذلك في
ذي الحِجة، ودخل على المُتَّقي لله، فلمَّا تَنَصَّفَ النَّهار وثب كورتكين على
بغداد بجيشه وهم في غايةِ التَّهاون بابن رائقٍ، يُسَمُّون جيشَهُ المَغَافلة، وكان
نازلاً بغربي بغداد، فعزم على العَوْدِ إلى الشَّام. ثم تثَبت فعبر في سَفِينةٍ إلى
الجانب الشرقي ومعه بعضُ الأتراك، فاقتتلوا، فبينا هم كذلك أخذتهم
زعقات العامة من ورائهم، ورَموهم بالآجُر، فانهزم كورتكين واختفى،
وقُتِل أصحابُه في الطُّرُقات. وظهر الكوفي، فاستكتبه ابن رائق. واستأسرَ
ابنُ رائق من قُوَّادِ الذَّيْلم بضعةً عشر، فضرَب أعناقَهُم وهرِبَ الباقون، ولم
يبقَ ببغداد من الدَّيْلم أحد. وكانوا قد أكثروا الأذية. وقُلَّد ابنُ رائق إمرة
الأمراء، وعَظُم شأنُه.
سنة ثلاثین وثلاث مئة .
في المحرَّم وُجِدَ كورتكين الدَّيْلمي في دَرْبٍ، فأُحضِر إلى دار ابن
رائق وحبس .
و
وفيها كان الغَلاءُ العظيمُ ببغدادَ، وأُبيع كُرِّ القَمْح بمئتي(١) دينار
وعشرة دنانير، وأكلوا الميتة، وكَثُر الأموات على الطُرُّق، وعمَّ البلاء.
وفي ربيع الآخر خرَجَ الحُرَم من قصر الرُّصافة يستغيثون في
الطُّرُقات: الجُوعِ الجُوع.
وخرجَ الأتراك وتوزون، فساقوا إلى عند البَرِيدي إلى واسط .
(١) في م: ((مئة))، خطأ .
تاریخ الإسلام ٢٨٣/٧
٤٣٣

وفيه وصلت الرُّوم إلى بَلَد حَلَب إلى حموص (١)، وهي على ست
فرَاسخ من حَلَب، فأخربوا وأحرقوا، وسَبَوا عشرة آلاف نسمة.
وفيها استوزر المُتَّقي أبا عبدالله البَرِيدي، برأي ابن رائق لمَّا رأى
انضمام الأتراك إليه، فاحتاجَ إلى مُدَاراته .
وفيها تقلَّد قضاء الجانبين ومدينة أبي جعفر أبو الحسن أحمد بن
عبد الله بن إسحاق الخِرَقي التَّاجِر، وتَعجَّب النَّاسُ من تقليد مِثْلُه.
وفيها عُزِل البريدي، وقُلِّدَ القَرَاريطي الوزارة.
وفي حادي عشر جُمَادى الأولى ركبَ المُتَّقي ومعه ابنه أبو منصور،
ومحمد بن رائق، والوزير القَرَاريطي، والجيش، وساروا وبين أيديهم القُرّاء
في المصاحف لقتال البَرِيدي، ثمَّ انحدر من الشَّمَّاسية في دجلة إلى داره،
واجتمع الخَلْق على كرسي الجَسْر، فثقل بهم وانخسفَ، فغرق خَلْقٌ. وأمَرَ
ابنُ رائق بلعن البَرِيدي على المنابر.
وأقبل أبو الحُسين عليّ بن محمد أخو البريدي إلى بغدادَ وقاربَ
المُتَّقي وابن رائق، فهزمهما، وكان معه التُّرْك والدَّيْلم والقَرَامطة، وكثر
النَّهْب ببغداد. وتحصَّنَ ابنُ رائق. فزحفَ أبو الحُسين البَرِيدي على الدَّار،
واستفحل الشَّر. ودخل طائفةٌ من الدَّيْلَم دار الخلافة،َ فقتلوا جماعةً،
وخرجَ المثَّقي وابنهُ هاربين إلى المَوْصل ومعهما ابنُ رائق. واستتر
القرَاريطي، ونُهِبَت دار الخِلافة، ودُخِل على الحُرَم، ووجدوا في السِّجْن
كورتكين الدَّيلمَي، وأبا الحسن بن سنجلا، وعليّ بن يعقوب. فجيء بهم
إلى أبي الحُسين، فقَيَّد كورتكين، وبعث به إلى أخيه إلى البَصْرة، فكان آخر
العهد به، وأطلق الآخران.
ثم نزل أبو الحُسين بدار ابن رائق، وقلَّد توزون الشرطة، وأبا منصور
تورتكين الشرطة بالجانب الغربي. ونُهبت بغداد، وهُجِّجَ أهلها من دُورهم،
واشتدَ القَحط حتى أُبيع ببغداد كُرّ الخُنطة بثلاث مئة وستة عشر دينارًا،
وهلكَ الخَلْق. وكان قحطًا لم يُعْهَد ببغداد مثله أبدًا. هذا والبريديُّ يُصادر
النَّاس .
(١) لم تذكرها معجمات البلدان، وهي مجودة كذلك في النجوم الزاهرة ٢٧٤/٣ .
٤٣٤

ثم وقعت وقعةٌ بين الأتراك والقَرَامطة، فانهزم القَرامطة .
وزادت دجلة حتى بلغت في نَّيْسان عشرين ذراعًا، وغَرَّقت النَّاسَ.
ثم تناخى أهلُ بغداد لِمَا تم عليهم من جَوْرِ الدَّيْلم، ووَقع بينهم
وبينهم الحرب.
ثم اتَّفْقَ توزون وتورتكين والأتراكُ على کَبْس البريدي. ثم غدر
تورتكين فبلغ البريديَّ الخبرُ فاحترزَ. وقصد توزون الدَّار في رمضان، ووقعَ
الحربُ، وخَذَله تورتكين فانصرفَ توزون في خَلْقِ من الأتراك إلى
المَوْصل. فبعثَ البريدي خَلْفه جيشًا ففاتهم. فلمَّا وصل توزون إلى
المَوْصل قوي قَلْب ناصر الدَّولة الحسن بن عبدالله بن حَمْدان، وعزم على
أن ينحدر إلى بغداد بالمُثَّقي، فتهيَّأ أبو الحُسين البَرِيدي.
ولمَّا وصل المُتَّقي وابنُ رائق تَكْريت وجدا هناك سيفَ الدولة أبا
الحسن عليّ بن عبدالله بن حَمْدان، وكان ابن رائق قد كتب إلى الحسن بن
عبدالله بن حَمْدان أن يبعث إليه نجدةً لقتال البريدي، فنفَّذ أخاهُ سيف الدّولة
هذا، فإذا معه الإقامات والمِيرة، وسارَ الكُل إلى المَوْصل، فلم يحضر
الحسن، وترددت الرُّسُل بينه وبين ابن رائق إلى أن توثَّق كُلٌّ منهم بالعُهود
والأيْمان. فجاء الحَسن واجتمعَ بابن رائق وبأبي منصور ابن الخليفة في
رَجَب، وذلك بمخيَّم الحسنِ. فلمَّا أراد الانصراف ركبَ ابنُ المتَّقي وقُدِّم
فرس ابن رائق ليركب، فتعلَّقٍ به الحسن، وقال: تقيم اليوم عندي نتحدَّث.
فقال: ما يُحسن بي أن أتخلّف عن ابن أمير المؤمنين. فألحَّ عليه حتى
استرابَ محمد بن رائق وجذَب كمَّه من يده فتَخرَّق. هذا ورِجله في الرِّكاب
ليركب، فشَبَّ به الفرسُ فوقعَ، فصاح الحسن بغِلْمانه: لا يفوتنّكم،
اقتلوه. فنزلوا عليه بالسيوف، فاضطرَب أصحابُه خارج المُخَيَّم، وجاء مطرٌ
فتفرَّقوا، فدُفِنَ وعُفِي قبرُه ونُهبت دارُه التي بالمَوْصل؛ فنقل ابن المُحَسِّن
التَّنُوخي، عن عبدالواحد بن محمد المَوْصليِّ، قال: حدَّثني رجلٌ أنَّ النَّاسَ
نهبوا دار ابنَ رائق، فدخلتُ فأجدُ كيسًا فيه ألف دينار أو أكثر، فقلتُ: إن
خرجتُ به أخذَه مني الجُنْد. فطفتُ في الدَّار فمررتُ بالمَطْبخ، فأخذتُ قِدْر
٤٣٥

سكباج مَلأى فرميتُ فيها الكيس وحملتها على رأسي، فكلُّ مَن رآني يظن
أني جائع، فذهبتُ بها إلى منزلي.
وبعثَ الحسن إلى المُتَّقي: إنَّ ابنَ رائق أرادَ أن يغتالني. فأمَرَهُ
بالمَصِير إليه. فجاء إليه فقلَّده مكان ابن رائق ولقّبه ((ناصر الدولة))؛ وخلعَ
على أخيه ولقَّبه ((سيف الدولة)). وعادَ إلى بغداد، وهُم معه. فهرب البَرِيدي
إلى واسط. فكانت مدّة إقامته ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يومًا. ودخل
المُتَّقي بغدادَ في شؤَّال، وعُمِلت القِباب.
وقلَّد المثَّقي بدرًا الخَرْشني طريقَ الفُرات، فسارَ إليها، ثم سار إلى
مِصْرَ، فأكرمه الإخشيد، واستعمله على دمشق، فمات بها .
وفي ذي القَعْدة جاء الخبرُ بأنَّ البريديَّ يريدُ بغدادَ، فاضطرب النَّاس
وخرج المُتَّقي ليكون مع ناصر الدَّولة، وهرب وجوه أهل بغداد. ثم سار
سيف الدولة أبو الحسن للقاء البَرِيدي فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب
المدائن. فكان البريدي أبو الحُسين في الدَّيْلم وابن حَمْدان في الأتراك
واقتتلوا يوم الخميس ويوم الجُمُعة، فكانت أولاً على ابن حَمْدان وانهزم
أصحابهم، وكان ناصر الدَّولة على المدائن فردَّهم، ثم كانت الهزيمة على
البَرِيدي، وقُتِل جماعة من قُوَّاده، وأُسِرَ طائفةٌ، فعادَ بالويل إلى واسط.
وساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم البريدي بين يديه إلى البَصْرة، فأقام
سيف الدَّولة بواسط ومعه جميع الأتراك والدَّيْلم.
وفيها تُوفي العارف أبو يعقوب النَّهْرَ جُوريُّ شيخ الصُّوفية إسحاق بن
محمد بمكة، وقد صحِبَ سهل بن عبدالله، والجُنَيْد .
وفيها تُوفي المَحَامِلي صاحب ((الدُّعاء)) وغيره. والزّاهد أبو صالح
الدِّمشقي مُفْلح بن عبدالله، وإليه يُنْسَب مسجد أبي صالح خارج باب
شرقي .
٤٣٦

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الـ
(الوفيات)
سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، ومن توفي فيها
١- أحمد بن إسماعيل بن عامر، أبو بكر السَّمَرْ قنديُّ.
رئيسٌ كبيرٌ، حدَّثَ ((بجامع)) أبي عيسى التِّرمذي، عن مُصَنِّفه وتُوفي
ببخاری؛ قاله جعفر المستغفري .
٢- أحمد بن الحُسين بن محمد بن عبدالله بن بكر، أبو حامد
الدَّقاق.
وَرَّخِه ابن مَنْدة.
٣- أحمد بن حَمْدون بن أحمد بن رُسْتُم، أبو حامد النَّيْسابوريُّ،
ولقبه أبو تُراب، الأعمشيُّ الحافظ.
كان قد جمع حديث الأعمشِ كُلَّه وحَفِظهُ. سمع محمد بن رافعٍ،
وإسحاق الكَوْسَج، وعليّ بن خَشْرَم، وعَمَّار بن رجاء الجُرْجاني، وأبا
زُرْعة، والحسن بن محمد الزَّعْفراني، وأبا سعيد الأشج، ويحيى بن حكيم
المُقَوِّم، وطبقتهم. روى عنه أبوٍ الوليد الفقيه، وأبو علي الحافظ، وأبو
إسحاق المُزَكِّي، وأبو سَهْلِ الصُّعْلُوكي، وأبو أحمد الحاكم.
قال أبو عبدالله الحاكم: سمعتُ أبا علي يقول: حدثنا أحمد بن
حَمْدون، إنْ حَلَّت الرواية عنه. فقلتُ: هذا الذي تذكرُهُ في أبي تُراب من
جهة المُجُون، والسُّخْف الذي كان، أو لشيءٍ أنكرته منه في الحديث؟ قال:
بل من جهة الحديث. قلتُ: فما أنكرتَ عليه؟ قال: حديث عُبَيْد الله بن
عُمر، عن عبدالله بن الفضل. قلتُ: قد حَدَّث به غيرُه. فأخذ يذكر أحاديث
حدَّث بها غيرُه. فقلتُ: أبو تُراب مظلوم في كلِّ ما ذكرته. ثم حدَّثتُ أبا
الحُسين الحَجّاجي بهذا القول، فرَضِي كلامي فيه، وقال القولُ ما
٤٣٧

قلته. ثم تأملتُ أجزاء كثيرة بخَطُّه، فلم أجد فيها حديثًا يكون الحَمْل فيه
عليه، وأحاديثه كلُّها مستقيمة.
وسمعت(١) أبا أحمد الحافظ يقول: حضرتُ ابنَ خُزَيْمَة يسأل أبا
حامد الأعمشي: كم رَوَى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد؟ فأخذ
أبو حامد يسرد الترجمة حتى فرغ منها، وابن خُزَيْمَة يتعجَّب من مُذاكرته .
سمعتُ محمد بن حامد البَزَّاز يقول: دخلنا على أبي حامد الأعمشي
وهوٍ عليلٌ فقلنا: كيف تجدكَ؟ قال: بخير، لولا هذا الجار، يعني أبا حامد
الجُلُودي، يدَّعي أنّه محدِّث عالِم، ولا يحفظ إلا ثلاثة كُتُب: كتاب عَمَى
القلب، وكتاب النسيان، وكتاب الجهل. دخل عليَّ أمس، فقال: يا أبا
حامد أعَلِمتَ أنَّ زَنْجُوية قد مات؟ قلتُ: رَحِمَهُ الله. فقال: دخلتُ اليوم
على المُؤمَّل بن الحسن وهو في النّزْع. ثم قال: يا أبا حامد ابن كم أنت؟
قلت: أنا في السّادس والثَّمانين. قال: فأنتَ إذًا أكبر من أبيك يوم مات.
فقلتُ: أنا بحمد الله في عافية، وجامعتُ البارحة مَرتين، واليومُ فعلتُ كذا.
فقامَ خَجِلاً.
تُوفي الأعمشيُّ في ربيع الأول.
٤- أحمد بن داود بن سُليمان بن جُويْن، أبو بكر ابن القِرَبيِّ.
مصريٍّ ثقةٌ. سمع يونس بن عبدالأعلى، والربيع بن سُليمان، وابن
مَثْرُود. روی عنه ابن يونس، وغیرُه.
٥- أحمد بن عبدالله بن أحمد بن ذَكْوان الدِّمشقيُّ المُقرىء.
قرأ على أبيه، وسمعَ منه. قرأ عليه أبو هاشم عبدالجبار المؤدِّب.
وروى عنه ابنُ عَدِي، لكنْ سماه محمدًا فوَهِم، وأبو بكر الرَّبَعي، وابن
المقرىء، وعبدالوَهَّاب الكِلابي، وآخرون.
قال الدَّار قُطني(٢): لا بأسَ به.
ووَرّخ وفاته ابن زبّر(٣).
(١) الكلام لأبي عبد الله الحاكم.
(٢) سؤالات السهمي (٨٩).
(٣) تاريخ مولد العلماء ووفياتهم ٢/ ٦٥٠.
٤٣٨

٦- أحمد بن عبدالوارث بن جرير، أبو بكر الأُسوانيُّ العَسَّال.
سمع عيسى بن حَمَّاد، ومحمد بن رُمْح، وجماعة. وهو آخر من
حذَّثَ عن ابن رُمْح. روى عنه أبو سعيد بن يونس الحافظ ووثّقه،
والطََّرَانيُّ، وابن المقرىء، وعبدالكريم بن أبي جدار، وميمون بن حَمْزة
العَلوي، وعليّ بن محمد الحَضْرمي الطَّخَّان والد الحافظ يحيى، وخَلْقٌ.
تُوفي في جمادى الآخرة، وقد جاوز التسعين، وولاؤه لعثمان بن
عفان رضي الله عنه.
٧- أحمد بن محمد بن سَلامة بن سَلَمة بن عبدالملك، أبو
جعفر الأزْديُّ الحَجْرِيُّ المِصْريُّ الطّحاويُّ الفقيه الحنفيُّ، المحدِّث
الحافظُ، أحدُ الأعلام.
سمع هارون بن سعيد الأيلي، وعبدالغني بن رفاعة، ويونس بن
عبدالأعلى، ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم، وعيسى بن مَثْرود، وبحر بن
نَصْر، وطائفة من أصحاب ابن وَهْب، وغيرهم.
روى عنه أبو الحسن الإخميمي، وأحمد بن القاسم الخَشَّاب، وأبو
بكر ابن المقرىء، والمَيَانَجي، وأحمد بن عبدالوارث الزَّجَّاج، وعبدالعزيز
ابن محمد الجَوْهري قاضي الصَّعيد، والطَّبراني(١)، ومحمد بن بكر بن
مَطْروح. وخَرَج إلى الشام سنة ثمانٍ وستين، فلقي قاضيها أبا خازم فتفقَّهَ بهِ
وبغيره .
قال ابن يونس: وُلِدَ سنة تسع وثلاثين ومئتِين، وتُوفي في مستهل ذي
القَعْدة. قال: وكان ثقة ثَبْتًا، فقيهًا عاقلاً، لم يُخَلِّف مثلَهُ.
وقال أبو إسحاق الشيرازي(٢): انتهت إلى أبي جعفر رياسة أصحاب
أبي حنيفة بمصر. أخذَ العلم عن أبي جعفر أحمد بن أبي عِمْران، وأبي
خازم، وغَيْرِهما. وكان شافعيًّا يقرأ على المُزَني، فقال له يومًا: والله لا جاء
منك شيء. فغضبَ من ذلك، وانتقل إلى ابن أبي عِمْران. فلما صنَّف
((مختصره))، قال: رحم الله أبا إبراهيم، لوكان حيًّا لكَفَّر عن يمينه.
(١) المعجم الصغير (١٨٩).
(٢) طبقات الفقهاء ١٤٢.
٤٣٩

ومَن نَظَر في تصانيف أبي جعفر رحمه الله علِمٍ محلَّهُ من العلم وسَعَة
معرفته. وقد نابَ في القضاء عن أبي عُبَيْدالله محمد بن عَبْدة قاضي الدِّيارِ
المصرية سنة نيّق وسبعين ومئتين. وتَرَقَّت حالهُ فحَدَث أنه حَضَر رجلٌ
معتبرٌ عند القاضي محمد بن عَبْدَة، فقال: أيْشِ روى أبو عُبَيْدة بن عبدالله بن
مسعود، عن أمه، عن أبيه؟ فقلت أنا: حدَّثنا بكّار بن قُتَيْبة، قال: حدثنا أبو
أحمد الزُّبَيْري، قال: حدثنا سفيان، عن عبدالأعلى الثَّعْلبي، عن أبي
عُبَيْدة، عن أمه، عن أبيه، أنَّ رسول الله بَّهَ، قال: ((إن الله لَيَغار للمؤمن
فليَغَرْ)). وحدثنا به إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا سُفيان بن وكيع، عِن
أبيه، عن سُفيان موقوفًا. فقال لي الرجل: تدري ما تقول؟ تدري ما تتكلّم
به؟ فقلتُ: ما الخَبَر؟ قال: رأيتك العشية مع الفقهاء في ميدانهم، ورأيتك
الآن في ميدان أهل الحديث، وقلَّ مَن يجمع ذلك. فقلتُ: هذا من فضل
الله وإنعامه .
صنَّفَ رحمه الله ((الآثار))(١)، و((معاني الآثار))، و((اختلاف العلماء))،
و((الشروط))، و((أحكام القرآن)). وكان ابن أبي عمران قد قدِم من العراق
قاضيًا على مِصْرَ، وكان من كبار الحَنَفية وعليه تَخَرَّج الطّحاوي.
والمُزَني: هو خال الطّحاوي رحمهما الله تعالى.
٨- أحمد بن محمد بن عليّ بن رَزِين، أبو عليّ الباشانيُّ
الھَرَويُّ.
سمع عليّ بن خَشْرَم، وأحمد بن عبدالله الفارِياناني، وأبا الحُسين
الحَنَفي، وسُفيان بن وكيع، وهذه الطّبقة. وعنه أبو عبدالله بن أبي ذُهل،
وأبو بكر بن أبي إسحاق القَرَّاب، وزاهر بن أحمد السَّرْخَسِي، ومحمد بن
محمد بن جعفر الماليني.
وكان ثقة .
٩- أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن القاسم بن حسن بن
زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
(١) يريد: ((شرح مشكل الآثار))، وهو مطبوع منتشر مشهور، وكذلك ((معاني الآثار)).
٤٤٠