Indexed OCR Text

Pages 601-620

وأما أبو الحسن المدائني فذكرَ عن جماعة قالوا(١): كتب أبو
مُسلم(٢): أما بعد فإنِّي اتخذت رجلاً إمامًا ودليلاً على ما افترضه الله وكان
في مَحِلة العلم نازلاً فاستجهلني بالقرآن، فحرَّفه عن مواضعه، طَمَعًا في
قليل قد نَعَاهُ الله إلى خَلْقه وكان كالذي دُلِّي بغرور، وأمرني أن أجرِّد السيف
وأرفع الرحمة ففعلت توطئة لسلطانكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعْفُ
عني فِقِدْمًا عُرِف به ونُسِب إليه، وإن يعاقبني فبما قدَّمت يداي.
ثم سار يريد خراسان مُشَاقًا مراغمًا(٣). فأمر المنصور لمن بالحضرة
من آل هاشم أن يكتبوا إلى أبي مُسلم يُعظّمون الأمر ويأمرونه بلزوم الطاعة
وأن يرجع إلى مولاه، وقال المنصور لرسوله إلى أبي مسلم وهو أبو حُميد
المروروذي: كلِّمْه باللين ما يمكن ومَنِّه وعرِّفْه بحسن نيِّي وتلطّف، فإن
يئستَ منه فقل له: قال: والله لو خُضْتَ البَحرَ لخَاضَه وراءك، ولو اقتحمت
النار لاقتحمتُها حتى أقتلك. فقدم الرسول على أبي مُسلم ولحقه بحُلْوان.
فاستشار أبو مُسلم خاصّته فقالوا: احذَرْه، فلما طلب الرسول الجواب،
قال: ارجع إلى صاحبك فلست آتيه وقد عزمتُ على خِلافه، قال: لا
تفعل، لا تفعل، فلما آيسه بَلَّغَهُ قول المنصور، فوجم لها وأطرق مُنْكرًا، ثم
قال: قُم، وانكسرَ لذلك القول وارتاع.
وكان المنصور قد كتب إلى نائب أبي مسلم على خراسان فاستماله
وقال: لك إمرَة خراسان، فكتب نائب خُراسان أبو داود خالد بن إبراهيم
إلى أبي مُسلم يقول: إنَّا لم نَقُم لمعصية خُلفاء الله وأهل البيت فلا تخالفنَّ
إمامَكَ؛ فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رُعْبًا وهَمَّا، ثم أرسلَ من يثق به
من أمرائه إلى المَنْصور فلما قَدِم تلقاه بنو هاشم بكل ما يَسُرُّ، واحترمه
المنصور وقال: اصرفه عن وجهه ولك إمرة خُراسان، فرجع وقال لأبي
مسلم: طيِّب قلبك لم أرَ مكروهًا إني رأيتهم مُعَظَّمين لحقِّك، فارجع
(١) هذا كله من تاريخ الطبري ٧/ ٤٨٣ فما بعد، وكذلك التي قبلها.
(٢) في د: ((أبو موسى))، وهو تحريف ظاهر.
(٣) أي: منابذًا مخالفًا.
٦٠١

واعتذر، فأجمع على الرجوع، فقال له أبو إسحاق أحد قواده متمثلاً:
ما للرجال مع القَضَاء مَحَالَةٌ ذَهَبَ القضاءُ بحيلة الأقوام
خارَ الله لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلتَ إلى المنصور فاقتله ثم
بايع من شئت فإنَّ الناس لا يخالفونك.
وروى بعضهم أن المنصور كتبَ إلى موسى بن كَعْب بولاية خُراسان،
وكتب إلى أبي مُسلم: هذا ابن كعب من دونك بمن معه من شيعتنا وأنا
موجّه للقائك أقرانَكَ فاجمع كيدك غير موفّق وحَسْب أمير المؤمنين الله ونعم
الوكيل. فشاورَ أبو مسلم أبا إسحاق المَرْوَزي وقال: ما الرأي فهذا موسى
ابن كعب من هنا، وهذه سيوف أبي جعفر من خَلْفنا، وقد أنكرتُ من كنتُ
أثقُ به من قُوادي، فقال: هذا رجل يضطغنُ عليكَ أمورًا قديمةً فلو كنت
واليتَ رَجُلاً من آل علي كان أقرب، ولو أنَّك قبلتَ إمرة خراسان منه كنت
في فسحة من أمركَ وكنت اختلست رَجُلاً من وَلَد فاطمة فنصَّبتَه إمامًا
فاستملْتَ به الخُراسانية وأهلَ العراق ورميتَ أبا جعفر بنظيره لكنتَ على
طريق التَّدْبير، أتطمع أن تُحارب أبا جعفر وأنت بحُلْوان وجيشُه بالمدائن
وهو خليفة مُجْمَعٌ عليه، ليس ما ظننت لكن ما بقي لك إلاّ أن تكتبَ إلى
قوادك وتفعل كذا وكذا. قال: هذا رأيٌ إن وافقنا عليه قوادنا. قال: فما
دعاك إلى أن تخلع أبا جعفر وأنتَ على غيرِ ثقةٍ من قوادك! أنا أستودعك الله
من قتيل، أرى أن توجه إلى أبي جعفر تسألَه الأمان فإِمَّا صَفْحٌ وإما قَتْلٌ على
عز قبل أن تَرَى المَذَلة من عسكرك إما قتلوك وإما أسلَمُوك.
قال: فسفرت الشُّفراء بينهما وأعطاه أبو جعفر أمانًا مؤكدًا، فأقبل أبو
مُسلم لحينه ثم بعثَ المنصور أميرًا إلى أبي مُسلم ليتلقاه ولا يظهر أنه من
جهة المَنْصور ليطمئنه ويذكر حسن نية الخليفة له، فلمَّا أتاه وحَدَّثه فرح
المَغْرور وانخِدعَ، فلما وصل المدائن أمر المنصور الأعيان فتلقوه، فلمّا
دخلَ عليه سَلَّم قائمًا فقال المنصور: انصرف يا عبدالرحمن فاسترح وادخل
الحَمَّام ثم اغْدُ عليَّ، فانصرفَ، وكان من نية المنصور أن يقتله تلك الليلة
فمنعه وزيرُه أبو أيوب، قال أبو أيوب: فدخلتُ بعد خروجه وقال لي
المنصور: أقدر على هذا في مثل هذه الحال قائمًا على رجليه ولا أدري ما
٦٠٢

يحدث في ليلتي، وكَلَّمني في الفتك به، فلما كان من الغد فكرتُ فقال: يا
ابن اللَّخْناء لا مَرْحبًا بك أنت منعتني منه أمس والله ما غمضتُ البارحة، ادْعُ
لي عثمان بن نهيك، فدعوته، فقال: يا عثمان كيف بلاء أمير المؤمنين
عندك؟ قال: إنما أنا عبدك ولو أمرتني أن أتَّكىء على سيفي حتى يخرج من
ظهري لفعلتُ. قال: كيف أنت إذا أمرتك بقتل أبي مُسلم؟ فوجمَ لها ساعةً
لا يتكلم، فقلت: ما لك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله. فقال: انطلق
اذهب فجىء بأربعة من وجوه الحَرَس وشجعانهم، فذهب فأحضر شبيب بن
واج وثلاثة فكلمهم فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خَلْف الرواق فإذا صفَّقت
فدونكموه، ثم طلب أبا مُسلم فأتاه، وخرجتُ لأنظر ما يقول النَّاس،
فتلقَّاني أبو مُسلم داخلاً فتبسم وسَلَّمت عليه فدخل فرجعتُ فإذا به مقتول،
قال: ثم دخل أبو الجهم، فقال: يا أمير المؤمنين ألا أردُ الناس؟ قال:
بَلَى، فأمر بمتاع يحوّل إلى رواق آخر وفُرش؛ وقال أبو الجهم للناس:
انصرفوا فإن الأمير أبا مُسلم يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين؛ ورأوا المتاع
ينقل فظنُّوه صادقًا فانصرفوا وأمر المَنْصور للأمراء بجوائزهم، قال أبو
أيوب: فقال لي المنصور: دخل عليّ أبو مُسلم فعاتبته ثم شتمته فضربه
عُثمان بن نَهِيك فلم يصنع شيئًا وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه
فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا ابن اللخناء العفو والسيوف
قد اعتوَرَتْك، ثم قلتُ: اذبحوه، فذبحوه، وقيل: إنه أُلقي في دجلة،
وقيل: إنه لما دخل عليه، قال: خَلُّوه فقال المنصور: أخبرني عن سيفين
أصبتهما في متاع عبدالله بن علي؛ فقال: هذا أحدهما، قال: أرنيه فانتضاه
فناوله فهزَّه المنصور ثم وَضَعَهُ تحت فراشه وأقبلَ يعاتبه؛ وقال: أخبرني
عن كتابك إلى أخي أبي العباس تنهاه عن الموات أردتَ أن تعلِّمنا الدين؟
قال: ظننتُ أن أخذَه لا يَحِل؛ قال: فأخبرني عن تقدُّمِك إياي في طريق
الحج؛ قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس؛ قال: فجارية
عبدالله بن علي أردت أن تتخذها؟ قال: لا ولكن خفت أن تضيع فحملتها
في قُبة ووكلت بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خُراسان؟
قال: خفت أن يكون قد دخلك مني شيء فقلت: أذهب إليها وأكتب إليك
٦٠٣

بُعُذْري، والآن قد ذهب ما في نفسك عليّ. قال: تالله ما رأيتُ كاليوم قط
وضرب بیده علی یده فخرجوا علیه .
وقيل: إنه قال له: ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك؛ والكاتب إليَّ
تخطب عمتي أمينة وتزعم أنك ابن سليط بن عبدالله بن عباس؛ وما الذي
دعاك إلى قَتْل سُليمان بن كَثِير مع أثره في دعوتنا وهو أحدُ نُقبائنا! فقال:
عَصَاني وأرادَ الخِلاف عليَّ فقتلته فقال: فأنت تخالف عليَّ! قتلني الله إن لم
أقتلك؛ وضربه بعمود ثم وثبوا عليه. وذلك لخمس بقينَ من شعبان .
قال: وكان أبو مُسلم قد قتل في دولته وفي حروبه ست مئة ألف صَبْرًا،
وقيل: إنه لما سبَّه المنصور انكبَّ على يده يقبِّلها ويعتذر. وقيل: أول من
ضربه عُثمان، فما صنع أكثر من أنه قطع حمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين
استَبْقني لعدوِّك، قال: إذًا لا أبقاني الله، وأيُّ عدو أعدى لي منك. ثم همَّ
المنصور بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم وبقتل نَصْر بن مالك،
فكلَّمه فيهما أبو الجَهْم وقال: يا أمير المؤمنين جُنده جندك، أمرتهم بطاعته
فأطاعوه، ثم أجازَهما وأجازَ جماعةً من كبار قواده بالجوائز السَّنِية وفرّق
بينهم، ثم كتب بعهد خالد بن إبراهيم على خُراسان وما وراءها.
قال خليفة(١): سمعتُ يحيى بن المُسَيَّب يقول: قَتله المنصور وهو
في سُرادق ثم بعث إلي عيسى بن موسى فجاءَ فأعلَمه فأعطاه الرأسَ والمالَ
فخرج به ونثرَ المال على الخُراسانية فتشاغلوا بالذَّهب.
وفيهاِ خرج سِنباذ بخُراسان للطلب بثأر أبي مُسلم، وكان سنباذ
مَجُوسيًّا تغلَّب على نَيْسابور والري، وأخذَ خزائن أبي مُسلم وتَقَوَى بها،
فجهّز المنصور لحربه جَهْوَرَ(٢) بن مَزَّار العِجْلي في عشرة آلاف فكانت
الوقعة بين الري وهَمَذان، وكانت مَلْحمة مَهُولَة، فَهُزم سِنباذ وقُتِلَ من
جيشه نحوٌ من ستين ألفًا، وكان غالبهم من أهل الجِبَال، وسُبيت ذَرَاريهم،
ثم قُتل سنباذ بُقرب طَبَرستان.
(١) تاريخه ٤١٦ .
(٢) في د: ((جمهور))، محرف.
٦٠٤

وفيها خرج ملبّد بن حَرْملة الشَّيباني مُحَكِّمًا (١) بناحية الجزيرة،
فانتُدِبَ لقتاله ألف فارس من عسكر الناحية فهزمهم مُلَبَّدٍ، ثم التقاه عسكر
الموصل فهزمهم. ثم سار لحربه يزيد بن حاتم المُهَلَّبي، فهزمه مُلبَّد
واستفحلَ شَرُّه. ثم جهّز المنصور لحربه مُهَلهِل بن صفوان في ألفين نَقَاوة
فهزمهم مُلَبَد واستولى على عَسْكرهم. ثم وجه إليه جيشًا آخر فهزمهم
وعَظُمت هيبتُهُ وبعُد صيتُه فسار لحربه جيشٌ لَجِبٌ وعدة قوَّاد فهزمهم،
وتحصَّن منه حُمَيد بن قَخطبة وبعث إليه بمئة ألف درهم لیکفّ عنه.
وأما الواقدي، فذكر أن خروج مُلبَّد كان في العام الآتي.
ومات أمير مكة العباس بن عبدالله بن مَعْبَد بن عباس، ووَلِيَ بعده
زياد بن عُبيد الله الحارثي، ووَلِيَ إمرة مصر الأمير صالح بن علي العباسي.
سنة ثمان وثلاثين ومئة
فيها توفي زيد بن واقد القُرشي بدمشق، وسُهيل بن أبي صالح في قَوْلٍ،
وسُليمان بن فَيْروز أبو إسحاق الشَّيباني في قَوْلٍ، والعلاء بن عبدالرحمن
المَدَني، وعبدالرحمن بن الحارث بن عبدالله المخزومي، وعلقمة بن أبي
عَلْقمة في قَوْلٍ، وعَمْرو بن أبي عَمْرو مولى المطلب في قَوْلٍ، وليث بن أبي
سُليم في قَوْلِ مُطَيَّن، والمِسْوَر بن رفاعة القُرظي المديني.
وفيها أهمَّ المنصور شأن مُلَبَّد الشيباني فندب لقتاله خازم بن خُزيمة
فسار في ثمانية آلاف فارس فالتقوا فقتلَ الله تعالى مُلَبَّدًا بعد حروب يطولُ
شرحها(٢).
وفيها غزا الأمير صالح بن علي فنزل دابق فأقبلَ طاغية الروم
قُسطنطين بن أليون في مئة ألف فالتقاه صالح فانتصرَ ولله الحمد وسَلِمَ
وغَنِمَ، وكان هذا اللعين قد أخذ مَلَطْية من قريب وهدمَ سورها كما ذكرنا.
(١) يعني: قائلا بشعائر الخوارج ((لا حكم إلا الله)). وينظر تاريخ الطبري ٧ /٤٩٥ - ٤٩٦ .
(٢) من تاريخ الطبري ٤٩٨/٧ .
٦٠٥

وفيها ظهر عبدالله بن علي وبعثَ بالبيعة مع أخيه سُليمان بن علي إلى
أمير المؤمنين(١).
وأما جَهْوَر بن مَرَّارِ العِجْلي فإنه هزم سنباذ كما مضى، وحوى ما في
عسكره من الأموال والذَّخائر التي أخذَها سنباذ من خَزَائن أبي مُسلم فلم
يبعث بها إلى المَنْصور، ثم خافَ فخلع المَنْصور، فجهّز المنصور لحربه
محمد بن الأشعث الخُزاعي في جيشٍ عظيم فالتقوا واشتد القتال بينهم، ثم
انكسر جَهْوَرَ فهرب إلى أذربيجان ثم قُتِلَ(٢).
وفيها دخل عبدالرحمن بن معاوية الدَّاخل الأموي إلى الأندلس
واستولَى عليها وامتدت أيامُه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربع
مئة، والله أعلم.
سنة تسع وثلاثين ومئة
فيها توفي إسماعيل بن أُمية الأُموي، والحَسن بن عُبيد الله النَّخعي،
وخالد بن يزيد المِصْري الفقيه، وسَلَمة بن عَلْقمة أبو بشر بالبَصْرة، وعبد
ربه بن سعيد الأنصاري، وعَمْرو بن مهاجر الدِّمشقي، وعبدالله بن أبي
سُفيان مولى ابن أبي أحمد، ومحمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي
صَعْصَعة، ويزيد بن عبدالله بن الهاد، ويونُس بن عُبيد بالبصرة .
وفيها خرج جعفر بن حَنْظلة البَهْراني فأتى مدينة مَلَطية وهِي خَرَاب
فعسكر بها، وأقبل الأمير عبدالواحد فنزل على مَلَطية فزرعَ أرضَها وطبخَ
كِلْسًا لبناء سُورها، ثم قفل، فوجَّه طاغية الروم من حَرَق الزَّرْعِ(٣).
وفيها غزا الأمير صالح بن علي والأمير العباس بن محمد، فوغلا في
أرض الرُّوم، وغزا معهما أم عيسى ولبابة أختا الأمير صالح، وكانتا نَذَرتا إن
زال مُلك بني أمية أن تُجاهدا في سبيل الله، ثم لم يكن بعد هذا العام صائفة
(١) من تاريخ الطبري ٧/ ٤٩٧ .
(٢) كذلك.
(٣) من تاريخ خليفة ٤١٨ .
٦٠٦
++

ولا غَزْو إلى أن دخلت سنة ست وأربعين لاشتغال المنصور في أثناء ذلك
بخروج ابني عبدالله بن حَسن عليه .
وفيها عزل المنصور عَمَّه سُليمان عن البَصْرة، وولي سفيان بن معاوية
واختفى عبدالله بن علي وآله خَوفًا على أنفسهم فبعثَ المَنْصور إلى سُليمان
وعيسى فعزم عليهما في إشخاص أخيهما عبدالله بن عليّ وأعطاهما له
الأمان وكتب إلى سُفيان بن معاوية ليحثهما على ذلك، فأقدموا عبدالله على
المَنْصور فسجنه، وسجن بعضَ أصحابه، وقتلَ بعضَهم، وبعث بطائفة منهم
إلی خُراسان ليقتلهم خالد.
وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور.
سنة أربعين ومئة
فيها توفي أيوب أبو العلاء القَصَّاب، وداود بن أبي هند في أولها، وأبو
حازم سلمة بن دينار الأعرج، وسُهيل بن أبي صالح في السنة بخُلْف، وسَعْد
ابن إسحاق بن كعب، وصالح بن كَيْسانَ فيها بخُلْف، وعُروة بنٍ رُويم،
وعُمارة بن غَزِية الأنصاري، وعَمْرو بن قيس السَّكوني الحِمْصي بخُلْفٍ .
وفيها توجَّه جبريل بن يحيى إلى المِصيِّصة فرابط فيها حتى بناها
وأحكمها وسكنها النَّاسُ، وتوجَّه الأمير عبدالوهاب بن إبراهيم بن محمد
العباسي ابن أخي المَنْصور فأقامَ على مَلَطية سنة حتى بَنَاها ورمَّ شعثَها
وأسكنها النّاس.
وفيها ثار جَمْع من جند خُراسان على أميرها أبي داود خالد بن إبراهيم
ليلاً وهو بمرو حتى وصلوا إلى داره فأشرفَ عليهم على طرف آجُرَّةٍ خارجة
وجعل يُنادي أصحابه، فانكسرت به الآجُرَّة، فوقعَ فانكسرَ ظهرُه فمات من
الغَد، فبعثَ المنصور على إمرة خُراسان عبدالجبار بن عبدالرحمن الأزدي
فقبضَ على جماعةٍ من الأمراء اتَّهمهم بالدَّعوة إلى وَلَد فاطمة رضي الله
عنها، منهم مُجاشع بن حُرَيْث صاحب بخارى، وأبو المُغيرة مولى بني تَميم
عامل قُهستان، والحَريش بن محمد الذُّهلي ابن عم خالد بن إبراهيم
٦٠٧

فقتلهم، وضربَ الجُنيد بن خالد التَّغْلِبي ومَعْبَد بن الخُلَيْدِ المُرِّي ضربًا
شديدًا وحَبَسهما في عدَّة من الأمراء.
وفيها حجَّ المنصور، ثم زارَ بيت المقدس ثم سلكَ الشام ونزلَ الرقة
فقتل بها منصور بن جَعْوَنة العامري، ثم سارَ إلى الهاشمية وهي بالكُوفة،
وأمر بالشُّروع بعمل مدينة بغداد واختطَّها(١).
(١) جل الحوادث من تاريخ الطبري ٥٠٣/٧ .
٦٠٨

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّ
ذكر طبقة العشر على المعجم
١- إبراهيم بن محمد بن علي(١) بن عبدالله بن جعفر بن أبي
طالب الهاشميُّ الجعفريُّ.
روى عن أبيه. وعنه سعد بن زياد، ويعقوب بن عبدالرحمن
الإسكندري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وهو مُقلٌّ، عداده في أهل المدينة(٢).
٢- إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بن
عبدالمطلب، المعروف بإبراهيم الإمام(٣)، أخو السّفاح والمنصور،
یُکنی أبا إسحاق.
كان يكون بالحُميمة من أعمال الشراة، عهد إليه أبوه محمد في السير
بالإمامة فبلغ خبره إلى مروان الحمار فأخذه وحبسه مدة بحَرَّان ثم قتله
غيلة .
روى عن أبيه، وجده، وعن عبدالله بن محمد ابن الحنفية. روى عنه
أخواه، وأبو مسلم صاحب الدولة.
وكانت شيعة بني هاشم يختلفون إليه ويكاتبونه من خُراسان، وكان
أبوه أوصى إليه ولذلك كانوا يلقِّبونه بالإمام. وهو الذي نَفَّذ أبا مُسلم داعيًا
له إلى خُراسان وجعله مُقدَّمًا على دُعاته ونُقبائه، إلى أن استفحل أمره وبلغ
ذلك مروان، لأنَّ أبا مُسلم أرسل رسولاً من خُراسان إلى إبراهيم فوجده
أعرابيًّا فصيحًا، فغمه ذلك، فكتب إلى أبي مُسلم: ألم أنهك أن يكون
رسولك عربيًّا يطَّلع على أمرك فإذا أتاك فاقتله، فخرج الرسول ففتح الكتاب
(١) سقط من د، ولا يصح إلا به، ويعضد ما أثبتناه ترجمته في تهذيب الكمال ٢/ ١٩٣ -
١٩٤.
(٢) من تهذيب الكمال ٢/ ١٩٣ - ١٩٤، وينظر الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٣٨٧.
(٣) سقطت من د، ولا يصح النص إلا بها.
تاريخ الإسلام ٣٩٣/٣
٦٠٩

وقرأه فأتى به مروان فقبض حينئذ على إبراهيم وأمر به فَغُمَّ في سجن
حرَّان، جعلوا على وجهه مخدَّة وقعدوا فوقها حتى تلف.
وقيل: إن إبراهيم حج في سنة إحدى وثلاثين بتجمُّل وافر ومعه
ثلاثون نجيبًا فشهر نفسه في الموسم ورآه أهلُ الشام فكان ذلك سبب
إمساكه. وكان جوادًا فاضلاً نبيلاً سريًّا خليقًا للإمارة، وكان قد أمرَ أبا مسلم
بسفك الدماء وقَتْل من يتَّهمه. ولما أغمَّ صار أمرهم إلى أخيه عبدالله
السفاح، وكان قد عهد إليه بالأمر لما أحيط به.
وكان مقتله في صفر من سنة اثنتين وثلاثين.
وقال محمد بن سَعْد (١): مات في سجن مروان سنة إحدى وثلاثين
ومئة(٢).
٣- ق: إبراهيم بن مُرَّة الدمشقيُّ.
عن عطاء بن أبي رباح، والزُّهري. وعنه ابن عَجْلان وهو من أقرانه،
والأوزاعي، وصدقة بن عبدالله السَّمين.
صدوق(٣).
٤- ع: إبراهيم بن مَيْسرة الطائفيُّ، نزيل مكة.
عن أنس، وعَمْرو بن الشريد، وطاوس. وعنه شعبة، والسفيانان،
وابن جُرَيج، وغيرهم.
قال ابن المديني: له نحو ستين حديثاً.
وقال الحُميدي: قال ابن عيينة: أخبرني إبراهيم بن مَيْسرة، من لم تر
والله عيناك مثله .
وقال غيره: له وفادة على عُمر بن عبدالعزيز.
(١) لم أقف عليه في الطبقات الكبرى، ونقله المصنف من تاريخ دمشق، وذكر ابن عساكر
أن ابن سعد ذكره في الطبقة الخامسة من أهل المدينة، ونقل ذلك من رواية الحارث
ابن أبي أسامة عنه، وهو من رواة طبقاته الكبرى.
(٢) من تاريخ دمشق ٧ / ٢٠٢ - ٢١٢.
(٣) وترجمته من تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٠.
٦١٠

وقال أبو مُسلم المستملي: حدثنا ابن عيينة، قال: كان عَمْرو بن دينار
يحدِّث بالمعاني وكان إبراهيم بن مَيْسرة يحدث كما سمع، كان فقيهًا.
وقال ابن المديني: قلتُ لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم بن مَيْسرة عن
طاوس من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئتُ قلت لك إني أقدِّم إبراهيم عليه
في الحفظ فعلتُ.
وقال أحمد، وابنُ مَعِين: ثقة .
وقال ابن المديني: مات قريبًا من سنة اثنتين وثلاثين(١).
٥- دن: إبراهيم بن ميمون، أبو إسحاق الصَّائغ المَرْوَزيُّ.
روى عن عطاء بن أبي رَبَاح، ونافع، وغيرهما. وعنه حسَّان بن
إبراهيم، وأبو حَمْزة السُّكري، وغيرُهما.
قال النّسائي : ليس به بأس .
وقال غيرُه: قتله أبو مسلم الخُراساني ظُلْمًا (٢).
٦- إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك بن مروان، أبو إسحاق
المروانيُّ.
بويع بالخِلافة وخُطِبَ له على المنابر بعد موت أخيه يزيد الناقص
بعهد منه إليه في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومئة، وقيل: بل لم يعهد
إليه أخوه وأنه بویع بلا عهد.
روى عن الزُّهري، وعن عمه هشام. حكى عنه ابنه يعقوب، وغيره.
وكان أبيض جَميلاً وَسيمًا جَسيمًا طويلاً.
وقال مَعْمر: رأيتُ رجلاً من بني أمية يقال له: إبراهيم بن الوليد جاء
إلى الزُّهري بكتاب فعرضه عليه ثُمَّ قال: أُحَدِّث بهذا عنك؟ قال: إي
لعمري فمن يحدِّثکموه غيري؟!
قال شيبان: حدثنا العلاء بن بُرد بن سنان، عن أبيه، قال: حضرتُ
يزيد بن الوليد حين احتُضِرَ فأتاه قَطن فقال: أنا رسولُ من وراءك يسألونك
(١) جله من تهذيب الكمال ٢٢١/٢ - ٢٢٣، وينظر الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٤٢٣.
(٢) من تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
٦١١

بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم، فغضب وقال بيده على جبهته: أنا
أولِّي إبراهيم! ثم قال لي: يا أبا العلاء إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: أمرٌ
نهيتُك عن الدخول فيه فلا أشيرُ عليك في آخره، قال: وأُغمي عليه حتى
ظننتُ أنه قد ماتَ فقعد قَطَن فافتعل كتابًا على لسان يزيد ودعا ناسًا
فأشهدهم عليه، قال أبي: ولا والله ما عَهِدَ إليه يزيد شيئًا.
قال أبو مَعْشر: بويع فمكثَ سبعين ليلة ثم خُلِعَ ووَلِيَ مروان بن
محمد فأمَّنه وبقي إبراهيم إلى سنة اثنتين وثلاثين(١) .
٧- م ت ن: آدم بن سُليمان، مولى قريش الكوفيُّ، والد يحيى
ابن آدم.
سمع سعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهما. وعنه شُعبة، والثوري،
وإسرائيل.
وثَّقه النَّسائي، ولم يسمع منه ابنه لصغره(٢).
٨- خ م دن: إسحاق بن سويد بن هُبيرة التَّميميُّ البَصْريُّ.
عن ابن عمر، وعبدالرحمن بن أبي بَكْرة، ومُعاذة العدوية، وأبي
قتادة تميم بن نُذَير(٣) العَدَوي، وغيرهم. وعنه الحَمَّادان، وابنُ عُلَيَّة،
وجماعة. وهو أكبر شیخ لعلي بن عاصم. وثّقه أحمد ویحیی.
مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (٤).
٩-ع: إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة زيد بن سَهْل الأنصاريُّ
النجّاريُّ.
أحد علماء التابعين بالمدينة. سمع من عَمِّه لأُمِّه أنس بن مالك، وأبي
مُزَّةٍ مولى عَقِيل ، والطُّفيل بن أُبي بن كَعْب، وأبي الحُباب سعيد بن يسار. وعنه
عِكْرمة بن عَمَّار، ومالك، وهَمَّام بن يحيى، وسُفيان بن عيينة، وآخرون.
وكان مالك لا يُقَدِّم عليه أحدًا. وهو مُجمع على الاحتجاج به.
(١) من تاريخ دمشق ٧ / ٢٤٦ - ٢٥٢.
(٢) من تهذيب الكمال ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٣) نذير: أوله نون مضمومة، ثم ذال معجمة، قيده المصنف في المشتبه ٦٣٦ .
(٤) من تهذيب الكمال ٢ / ٤٣٢ - ٤٣٤.
٦١٢

توفي سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع وثلاثين(١).
١٠ - أسد بن وداعة.
عن شداد بن أوس، وأبي أمامة الباهلي، وغيرهما. وعنه معاوية بن
صالح، وفَرَج بن فَضَالة، وجابر بن غانم.
وكان من العلماء بدمشق، وفيه نَصْب معروفٌ، نسأل الله العفو(٢).
١١ - ع: إسماعيل بن أمية بن عَمْرو بن سعيد بن العاص الأمويُّ
المكيُّ، ابنُ عَمِّ أيوب بن موسى الآتي بعد ورقتين، وابن أخي إسماعيل
ابن عَمْرو الآتي بعد ورقة.
روى عن أبيه، وبُجَيْر بن أبي بُجَير، وسعيد بن المُسَيِّب، وعِكْرمة،
وسعيد المَقْبري، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالله بن عُروة،
ومكحول، وطائفة. وعنه السُّفيانان، ومَعْمَر، وابنُ جُريج، وبِشْر بن
المُفَضَّل، ويحيى بن سُليم الطائفي، وآخرون.
قال ابنُ المديني: له نحو ستين حديثاً.
وقال أحمد بن حنبل: هو أثبت من أيوب بن موسى .
يقال: توفي سنة تسع وثلاثين ومئة (٣).
١٢ - د ت: إسماعيل بن حَمَّاد بن أبي سُليمان الكوفيُّ، الفقيه
ابن الفقيه.
كان جده من سبي أصبهان. عن ابن بريدة (٤)، وأبي إسحاق السَّبِيعي،
وأبي خالد الوالبي. وعنه معتمر، وجرير بن عبدالحميد، ويونس بن بُكير،
وأبو أسامة، وغيرهم.
وثَّقه ابنُ معين(٥) .
(١) من تهذيب الكمال ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٦.
(٢) ينظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ الترجمة ١٢٧٧ .
(٣) من تهذيب الكمال ٣/ ٤٥ - ٤٩.
(٤) لم يذكر المزي في شيوخه ابن بريدة هذا.
(٥) إلى هنا من تهذيب الكمال ٣/ ٦٦ - ٦٨. وسيعيد المصنف ترجمته في الطبقة الآتية،
برقم ٢٥ .
٦١٣

وقال أبو الفتح الأزدي: يتكلمون فيه .
١٣ - م دن: إسماعيل بن سالم الأسديّ الكوفيُّ.
سمع سعيد بن جُبير، والشَّعبي، وغيرهما. وله أحاديث نحو العشرة.
روى عنه ابنه يحيى، وسُفيان الثَّوري، وهُشيم، وسَعْد بن الصَّلْت.
وثقه ابن مَعِين(١) .
ويكنى بابنه، وقد وثقه جماعة. ومن أخباره أنه نزلَ أرضَ بغداد، قبل
أن تُبنى، في أيام السَّفَّاح(٢).
١٤ - م دن: إسماعيل بن سُميع، أبو محمد الحَنْفَيُّ الكُوفِيُّ،
بيَّاع السّابري.
عن أنس بن مالك، وأبي رَزِين مسعود بن مالك، ومُسلم البَطِين،
وعطية العَوْفي. وعنه سُفيان، وشعبة، وحَفْص بن غياث، ومَرْوان بن
معاوية، وعلي بن عاصم، وغيرُهم.
وثَّقه ابنُ مَعِين. وكان من الخوارج فيما قيل(٣) .
١٥- خ م د ن ق: إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، الإمام
أبو عبدالحميد المَخْزوميُّ، مولاهم، الدِّمشقيُّ، مؤدِّب آل عبدالملك
ابن مَرْوان.
من ثقات الشاميين وعُلمائهم الكبار. روى عن أنس، والسَّائب بن
يزيد، وأمّ الدَّرداء، وعبدالرحمن بن غَنْم، وطائفة. وعنه سعيد (٤)،
والأوزاعي، وجماعة.
وثَّقه أحمد العِجْلي(٥)، وغيره.
(١) سؤالات ابن محرز، رقم (٤٠٥)، وتاريخ الدارمي، رقم (١٦٤) و(١٦٥).
(٢) من تهذيب الكمال ٣/ ٩٨ - ١٠٢.
(٣) من تهذيب الكمال ٣/ ١٠٧ - ١١٠.
(٤) هكذا ذكره من غير نسب، وإنما روى عنه سعيد بن عبدالعزيز، وهو الأشهر، وسعيد
بن بشير .
(٥) ثقاته، رقم (٩٣).
٦١٤

وقال رجاء بن أبي سَلَمة عن مَعْن التَّنوخي، قال: ما رأيت أحدًا أزهد
منه ومن عُمر بن عبدالعزيز.
وقد كان عُمر بن عبدالعزيزِ وَلاَه إمرة المغرب فأقام بها سنة مئة وسنة
إحدى ومئة، فلما مات عُمر ولَّوا بعد إسماعيل يزيد بن أبي مسلم مولى
الحَجَّاج.
قال خليفة(١): أسلم عامةُ البربر في ولاية إسماعيل، وكان حسنَ
السيرة .
وقال أبو مُسْهر: أدرك معاوية وهو غُلام، قيل: مات سنة إحدى
وثلاثين .
قال ابن عساكر(٢): كانت داره عند طريق القَنَوات.
الوليد بن مسلم: حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، قال: أشرفت أمُّ الدرداء
على وادي جهنم ومعها إسماعيل بن عُبيدالله فقالت: اقرأ يا إسماعيل،
فقرأ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون ١١٥] فخَرَّت على وجهها،
وخَرَّ إسماعيل على وجهه فما رفعا رؤوسهما حتى ابتل ما تحت وجوههما
من الدُّموع.
وقال عبدالرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عُبيدالله بن أبي المهاجر:
حدثنا الوليد، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن إسماعيل، قال: قال لي
عبدالملك: يا إسماعيل عَلَّم يَنِيَّ، فإني مثيبك على ذلك. قلت: يا أمير
المؤمنين فكيف وقد حدَّثتني أمُّ الدرداء، عن أبي الدرداء، عن رسول الله
وَّر، قال: ((من أخذ على تَعْليم القُرآن قَوْسًا قَلَّده الله قوسًا من نار يوم
القيامة))(٣)، قال: فإني لستُ أعطيك على القرآن إنما أعطيك على النَّحو.
قال إبراهيم بن أبي شيبان: مات إسماعيل بن عُبيد الله سنة اثنتين
وثلاثين ومئة قبل دخول عبدالله بن علي بثلاثة أشهر (٤) .
(١) تاريخه ٣٢٣.
(٢) تاريخ دمشق ٨/ ٤٢٩.
(٣) أخرجه البيهقي ٦/ ١٢٦، وابن عساكر ٨/ ٤٣٧، وإسناده قوي.
(٤) من تهذيب الكمال ٣/ ١٤٣ - ١٥١.
٦١٥

١٦- ق: إسماعيل بن عَمْرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن
العاص، أبو محمد الأمويُّ، ويُعرف أبوه بالأشدق.
روی عن ابن عباس، وعُبيدالله بن أبي رافع، وغيرهما.
وهو مُقِل صدوق؛ روى عنه شريك بن أبي نَمِر، وسُليمان بن بلال،
وأبو بكر بن أبي سَبْرة، وآخرون.
سكن الأعوص بالحجاز بعد قَتْل والده واعتزلَ النَّاس وتعبَّد. وكان
كبير القدر يُعَدُّ من عُبَّاد الأشراف. وكان عُمر بن عبدالعزيز يراه أهلاً
للخلافة، قال: لو كان الأمر إليَّ لوليت القاسم بن محمد أو صاحب
الأعوص. والأعوص على مرحلة من شرقي المدينة .
توفي في إمرة داود بن علي على المدينة وكان داود قد هَمَّ بالفَتْك به
فخوَّفوه من دعائه علیه فتركه.
له حديث في سُنن ابن ماجة(١).
١٧ - خ م ت ن ق: إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص،
أبو محمد الزُّهريُّ المدنيُّ.
عن أبيه، وعَمَّيه؛ عامر ومُصْعب، وأنس بن مالك، وغيرهم. وعنه
صالح بن كَيْسان، ومالك، وابنُ عُيينة، وغيرهم.
قال ابنُ عُيينة: كان من أرفع هؤلاء.
وقال ابنُ مَعِين : ثقةٌ حجة.
وقال يعقوب بن شيبة: كان من فقهاء المدينة .
قلت: قتلَ الحجاجُ أباه لخروجه مع ابن الأشعث وأسرَ هذا فبعثَ به
إلى عبدالملك فعفا عنه لكونه لم يكن أنبت.
مات سنة أربع وثلاثين ومئة(٢).
(١) ابن ماجة (١٥٠٢)، والترجمة من تهذيب الكمال ٣/ ١٥٨ - ١٦١. وينظر تاريخ
دمشق ٩ / ٢٩ - ٣٥.
(٢) من تهذيب الكمال ٣/ ١٨٩ - ١٩٣.
٦١٦

١٨ - د: أسلم المِنْقري، أبو سعيد.
روى عن ابن أبزَى، وسعيد بن جُبير، وعَطاء، وغيرهم. وعنه
الثَّوري، وعَبْثَرَ (١)، وجرير، وابن فُضَيْل(٢) .
وثقه أحمد بن حنبل(٣).
١٩ - ع: الأسود بن قيس الكوفيُّ.
عن جُنْدُب بن عبدالله البَجَلي، وسعيد بن عَمْرو بن سعيد،، ونُبَيْح
العَنزي، وغيرهم. وعنه شُعبة، والسُّفيانان، وأبو عَوانة، وعَبِيدة بن حُميد،
وآخرون.
مُجْمَع على ثقته(٤).
٢٠ - ٤: أسيد بن أبي أسيد البَرَّاد، أبو سعيد بن يزيد المَدَنيُّ.
روى عن أبويه عن أبي قتادة، وعن عبدالله بن أبي قتادة، وموسى بن
أبي موسى الأشعري. وعنه ابن أبي ذِئْب، وسُليمان بن بلال، وزُهير بن
محمد، وعبدالعزيز الدَّراوردي، وآخرون.
وهو صدوق(٥).
٢١- م ت ن ق: أشعثُ بن سَوَّار الكِنْدِيُّ الكوفيُّ الأفرق
التَّوابيتيُّ النَّجار.
روى عن ◌ِكْرمة، والشَّعبي، وابن سيرين، وجماعة. وعنه هُشیم،
وابنُ نُمير، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، وآخرون آخرهم موتًا یزید.
ضَعَّفه النَّسائي(٦)، وقَوَّاه غيرُه .
وقال الحافظ ابنُ عَدِي (٧): لم أجد له حديثًا مُنكرًا.
(١) هو عبثر بن القاسم.
(٢) هو محمد بن فضيل بن غزوان.
(٣) من تهذيب الكمال ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢ .
(٤) من تهذيب الكمال ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٥) من تهذيب الكمال ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٨ والكلام عليه من عنده.
(٦) الضعفاء والمتروكون (٦٠).
(٧) الكامل ١ / ٣٦٥.
٦١٧

وقال ابن خِراش: هو أضعف الأشاعثة.
قلتُ: توفي سنة ست وثلاثين ومئة.
قال الدارقطني(١): يُعتبر به(٢).
٢٢ - أمية بن يزيد بن أبي عثمان عبدالله بن أسيد الأمويُّ.
روى عن مكحول، وعمر بن عبدالعزيز، وأبي مُصَبِّح المَقْرائي. وعنه
ابنُ لهيعة، وبقية، وابن المبارك، وأيوب بن سُويد، وابن شابور،
وآخرون.
ولعله عاش إلى بعد هذه الطبقة بيسير(٣).
٢٣- ع: أيوب السَّخْتياني، أبو بكر بن أبي تَمِيمة كَيْسان
البَصْريُّ، أحد الأعلام.
من نجباء الموالي؛ قال محمد بن سَلَّم الجُمحي: أيوب مولى عَنَزة.
وقال حماد بن زيد: كان يبِعِ الأَدَم.
سمع عَمْرو بن سَلَمة الجَرْمي، وأبا العالية، وسعيد بن جُبير،
وعبد الله بن شَقِيق، وأبا قِلابة، والحَسن البَصْري، ومجاهدًا، وابن سيرين،
وخَلْقًا سواهم. وعنه شُعبة، والحمادان، والسفيانان، ومَعْمَر، ومُعْتمر،
وابنُ عُلَيَّةٍ، وعبدالوارث، وخَلائق.
قال ابن المديني: له نحو من ثمان مئة حدیث.
وقال شعبة: كان سيِّد الفقهاء.
وقال ابن عُيينة: لم ألقَ مثله. يقول هذا وقد لقيَ مثل الزُهري.
وروى وهيب، عن الجَعْد أبي عثمان، سمع الحسن يقول: أيوب سيد
شباب أهل البَصْرة. رواه جماعةٌ عن الحسن.
وروى جرير، عن أشعث، قال: كان أيوب جِهْبذ العُلماء.
وعن سلام بن أبي مطيع وذكر أيوب وجماعة، قال: كان أفقههم في
دينه أيوب .
(١) ضعفاؤه (١١٥).
(٢) جله من تهذيب الكمال ٣/ ٢٦٤ - ٢٧٠.
(٣) من تاريخ دمشق ٩ / ٣٠٦ - ٣١٠.
٦١٨

وقال هشام بن عروة: لم أرَ في البصرة مثلَ أيوب.
وعن مالك بن أنس، قال: كُنَّا ندخل على أيوب فإذا ذكرنا له حديث
رسولِ الله پ﴾ بگی حتی نرحمه.
وعن هشام بن حسان، قال: حج أيوب أربعين حَجَّة .
وقال عون بن الحكم: حدثنا حماد بن زيد، قال: غَدَا على ميمون أبو
حمزة يوم جُمُعة قبل الصلاة، فقال: إني رأيتُ البارحة أبا بكر وعُمَر في
النوم فقلت: ما جاء بكما؟ قالا: جئنا نُصلي على أيوب السَّخْتياني. قال:
ولم يكن علم بموته، فقلت له: مات أيوب البارحة.
وقال وهيب: سمعتُ أيوب يقول: إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم
بمعزل .
وقال حَمَّاد بن زيد: كان أيوب صديقًا ليزيد بن الوليد فلما ولي
الخلافة قال: اللهم أنْسِه ذكري .
وكان يقول: ليتقي الله رجلٌ وإن زَهِدَ ولا يجعلنَّ زُهده عَذَابًا على
الناس. وكان أيوب ممن يخفي زُهدَه.
ورُوي عن أيوب أنه قال: ما صدق عبد إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه .
وقال حماد بن زيد: غلب أيوب البُكاء يومًا، فقال: الشيخُ إذا كبر
مج وغلبه فوه، ووضع يده على فيه وقال: الزُّكمة ربما عرضت .
وقال مَعْمر: كان في قميص أيوب بعض التَّذييل(١) فقيل له في ذلك
فقال: الشهرة اليوم في التشمير.
وقال صالح بن أبي الأخضر: قلت لأيوب: أوصني، قال : أقِل الكلامَ .
وقال ابن شَوْذب : قال أيوب: لقد شُهرنا في هذا المصر لو خرجنا منه.
حماد بن زيد، عن أيوب، قال: إذا أردتَ أن تعرفَ خطأ مُعلمك
فجالس غيرَه. وقال: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السُّنة فكأنَّما أفقد
بعض أعضائي.
قال حماد: وكان الوليد بن يزيد قد جالس أيوب بمكة قبل الخِلافة
(١) يعني: الطول.
٦١٩

فلما استخلف جعل أیوب یقول في دعائه: اللهم أنسِه ذِكْري(١).
حماد بن زيد: قال أيوب: لا تحدِّثوا الناس بما لا يعلمون
فتضرُّوهم، وقال: وددت أني أفلتُ من هذا الأمر كَفافًا لا علي ولا لي.
وقال سعيد بن عامر الضُّبعي، عن سَلَّم: كان أيوب السَّخْتياني يقومُ
الليلَ كلَّه فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصُّبح رفعَ صوتَهُ كأنه قامَ تلك الساعة.
حماد بن زيد: سمعت أيوب وقيل له: ما لكَ لا تنظر في الرأي؟
قال: قيل للحمار: ألا تجتر؟ قال: أكرهٍ مضغ الباطل .
وقال حماد: ما رأيتُ رجلاً قطَّ أشدُّ تبشُمًا في وجوه الناس من
أيوب، ولو رأيتم أيوب ثم استقاكم شربة من ماء على النسك لما سقيتموه،
له شعر وافر، وشارب وافر، وقميص جيد هروي يسم الأرض، وقُلنسوة
جيدة مترَّكة، وطیلسان کرديٌّ جیدٌ، ورداء عدني .
قال سلام بن أبي مطيع: سمعتُ أيوبَ يقول: لا خبيث أخبث من
قاریء فاجرٍ .
قال بشر بن المفضل: حدثنا ابن عون، قال: لما مات محمد بن
سيرين قلنا: من لنا؟ فقلنا: لنا أيوب.
وقال حماد بن زيد: كان لأيوب بُرْدٌ أحمر يلبسه إذا أحرم، وكان يُعده
للكفن، وكنت أمشي مع أيوب فيأخذ في طرق أعجب كيف يهتدي لها فرارًا
من الناس أنْ يُقال: هذا أيوب.
وقال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب لحاجة فلا يدعني أمشي معه
ويخرج من هاهنا وهاهنا لكي لا يُفطن له.
وقال محمد بن سعد(٢): كان أيوب ثقة ثبتًا في الحديث، جامعًا،
كثير العلم، حجَّة عدلاً .
وقال أبو حاتم (٣): أيوب ثقة، لا يسأل عن مثله.
قلت: ولم يرو مالك عن أحد من العراقيين إلا عن أيوب، فقيل له
(١) هذا تكرار لما تقدم.
(٢) طبقاته الكبرى ٧/ ٢٤٦.
(٣) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٩١٥.
٦٢٠