Indexed OCR Text
Pages 901-920
١٤٨- د: أبو نَمْلة الأنصاريُّ الظَّفَرِيُّ، قيل: اسمه عَمَّار بن مُعاذ ابن زُرَارة . قال أبو أحمد الحاكم: له صُحْبة. أدرك الحَرَّة، وقُتِل يومئذٍ ابناه عبدالله، ومحمد. ومات هو بعد ذلك في ولاية عبدالملك بن مروان. روى عنه ابنه نَمْلَة بن أبي نَمْلَة شيخ الزُّهْريُّ. وله حديث في ((سُنن أبي داود))(١): ) إذا حَدَّثكم أهلُ الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذّبوهم))(٢). ١٤٩ - ن: أبو يَحْبِى الكوفيُّ، هو حُكَيم بن سَعْد الحَنَفَيُّ. عِن عليٍّ، وعمَّار، وأبي موسى. وعنه عمران بن ظَبْيان، وليث بن أبي سُلَيْم، وجعفر بن عبدالرحمن . قال ابن مَعِين: ليس به بأس(٣). ١٥٠ - م ٤: أبو يحيى الأعرج المُعَرْقب، مَوْلى مُعاذ بن عَفْراء، الأنصاريُّ. اسمه مِصْدع، قاله عمرو بن دینار . وقال ابن مَعِین: أبو یحیی الأعرج اسمه زياد. روى عن عليٍّ، وعائشة، وابن عباس. وعنه سعيد بن أبي الحسن، وسعد بن أوس العَدَويُّ (٤). ١٥١ - أبو مُسلم الجلیليُّ. من أهل جَبلِ الجليلِ، أدرك النَّبيَّ ◌ِّ، وكان معلّم كَعْب الأحبار، أسلم في عهد عمر، وقيل: في عهد معاوية. حكى عنه أبو مسلم الخَوْلانيُّ، وأبو قلابة، وحزام بن حكيم، وجُبَير ابن نُفَير، ومسلم بن مِشْكُم، وشُرَيْح بن عُبيد، ولُقمان بن عامر، وغيرهم. (١) سننه (٣٦٤٤). (٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، نملة بن أبي نملة مستور كما بيناه في ((تحرير التقريب)). على أن الحديث صحيح من حديث أبي هريرة فهو عند البخاري ٩/ ١٣٦. والترجمة من تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥. (٣) من تهذيب الكمال ٧/ ٢١٠ - ٢١١. (٤) من تهذيب الكمال ٢٨/ ١٤ - ١٥. ٩٠١ روى قاسم الرَّحَّال، عن أبي قلابة أنَّ أبا مسلم الجليليَّ أسلم على عهدٍ معاوية، فأتاه أبو مسلم الخَوْلانيُّ فقال: ما منعك أن تُسْلِم على عهد أبي بكر وعمر؟! فقال: إني وجدت في التّوراة أنَّ هذه الأمّة ثلاثة أصناف، صِنْف يدخل الجَنَّة بغير حساب، وصِنْف يحاسبون حسابًا يسيرًا، وصِنْف يصيبهم شيءٌ ثمَّ يدخلون الجنَّة، فأردتُ أن أكون من الأوَّلين فإنْ لم أكن منهم كنت ممَّن يُحاسب حسابًا يسيرًا، فإنْ لم أكن منهم كنت من الآخرين . صالحِ المُرِّي: عن أبي عبدالله الشَّامي، عن مكحول، عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ أنَّه لقي أبا مسلم الجَلَوليَّ، وكان مترهِّبًا، نزل من صَوْمَعَتِهِ أَيَّام عُمر وأسلم، فقال: تركتُ الإسلام على عَهْد رسول الله ◌ٍَّ وعَهْد أبي بكر، وذكر الحديثَ. الجُرَيْرِيُّ، عن عُقْبة بن وسَّاج: كان لأبي مُسلم الِخَوْلانِيِّ جارٌ يهوديّ يكني أبا مسلم كان يمرُّ به ويقول: يا أبا مسلم أَسْلِم تَسْلَم، فمرَّ به يومًا وهو يصلي، وذكر شِبْهَ حديث أبي قلابة. قال ابن مَعِين: أبو مسلم الجَليليُّ، ويقال: الجلوليُّ، شاميٌّ(١). ١٥٢ - ن: الأغرُّ بن سُلَيْك، ويقال: ابن حنظلة الكوفيُّ. عن عليٍّ، وأبي هريرة. وعنه سماك بن حرب، وعليُّ بن الأقمر، وأبو إسحاق السَّبِيعيُّ. روى له النَّسائيُّ(٢). (١) وانظر تاريخ الدوري ٢/ ٧٢٥. والترجمة من تاريخ دمشق ٦٧ / ٢١٤ - ٢١٩. (٢) من تهذيب الكمال ٣/ ٣١٤. وكتب بدر الدين البشتكي في هذا الموضع: ((آخر الطبقة الثامنة من تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام تأليف الحافظ شمس الدين الذهبي، ومن خطه نقلت، والحمد لله أولاً وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، اللهم أعني على إتمامه بمنك وعونك آمين)). ٩٠٢ الطبقة التاسعة ٨١ -٩٠ هـ مِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ ٧ (الحوادث) سنة إحدى و ثمانين توفي فيها أبو القاسم محمد بن عليّ(١) ابن الحَنَفَيّة، وسُوَيْد بن غَفَلَة، وعبدالله بن شدَّاد بن الهاد، وأبو عُبَيْدة بن عبدالله بن مسعود. وفيها خَلَع عبدُالرحمن بن محمد بن الأشعث الطَّاعة، وتابعه النَّاسُ، وسارَ يقصدُ الحَجَّاج، وقد ذكرنا في السَّنة الماضية سبب خروجه. قال المدائنيُّ: لما أجمع ابن الأشعث المسيرَ من سِجستان وقصَدَ العراق، دعى ذرًّا الهَمْدانيَّ، فوصله وأمره أن يحضَّ الناس، فكان يقصُّ كلُّ يومٍ، وينال من الحَجَّاج، ثمَّ سار الجيشُ وقد خَلَعوا الحجّاج، ولا يذكرون خَلْعَ عبدالملك بن مروان. وقال غيره: فاستصرخ الحَجَّاجُ بِعبدالملك، ثُمَّ سار، وقَدَّم الحَجَّاجُ طليعتَهُ، فالتقى ابن الأشعث وهم عند دُجَيْل يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحَجَّاجِ وانهزم إلى البَصْرة، فتَبعَهُ ابنُ الأشعث، وكان مع ابن الأشعث خَلْقٌ من المُطَّوِّعَة من البَصْرة، فدخلوها، فخرج الحَجَّاجِ إلى طفِّ البَصْرة. قال ابن عَون: فرأيت ابنَ الأشعث متربِّعاً على المِنْبَر يتوعَّد الذين تخلَّفوا عنه تَوَغُّداً شديداً. قال غيره: فبايعه على حَرْب الحَجَّاجِ وعلى خَلْعِ عبدالملك جميعُ أهلِ البَصْرة من القرَّاء والعلماء، ثُمَّ خَنْدَق ابنُ الأشعث على البَصْرة وحصَّنها . وفيها غزا مُوسى بن نُصَيْرِ كعادته بالمَغْرب، فقتل وسَبَى في أهل طُبْنَةٍ(٢). وفيها أصابت الصَّاعقةُ صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدس. (١) ليس في ظ و د. (٢) طبنة: بلدة في طرف إفريقية مما يلي المغرب على ضفة الزاب. ٩٠٥ وفيها قُتلَ بُحَيْرُ(١) بن وِقَاء الصُّرَيميُّ، وكان من كبار القُوَّاد بخُراسان، قَاتَله ابنُ خازم وظفر به فقتله، ثُمَّ قَتلَ بُكَيْر بن وشاح، فحَمَل عليه رَخْط بُکَیر فقتلوه بعد ذلك. وفيها حَجَّ بالناس سُليمان بن عبدالملك بن مَرْوان، وحَجَّت معه أُمُ الدَّرْداء . سنة اثنتين وثمانين فيها قُتِل جماعةٌ مع ابن الأشعث. ومات سُفيان بن وَهْب الخَوْلانيُّ، وأبو عُمَر زاذان الكِنْديُّ . وفيها كانت وَقْعَةُ الزَّاوية بالبَصْرة بين ابن الأشعث وبينِ جَيْش الحَجَّاج. ولابن الأشعث مع الحَجَّاجِ وَقْعاتٍ كثيرة منها وقعةٌ دُجَيْل المذكورة يومَ عيدِ الأضحى، وهذه الوَقْعةٌ، ووَفْعُ دَيْر الجماجم، ووقعة الأهواز. فيُقال: إنَّه خرج مع ابن الأشعث ثلاثةٌ وثلاثون ألف فارس، ومئة وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفُقَهاء وصالحون، خرجوا معه طَوْعاً على الحَجَّاج. وقيل: كان بينهما أربعٌ وثمانون وَقْعة في مئة يوم، فكانت منها ثلاثٌ وثمانون على الحَجَّاج، وواحدة له. قال ابن جرير الطََّريّ(٢): كانت وقعة دَيْرِ الجاجم في شَعْبان سنة اثنتين، قال ابن جرير (٣): وفي قول بعضهم: هي سنة ثلاثٍ وثمانين. فذكر هشام ابن الكلبيِّ، عن أبي مِخْنَف لوط بن يحيى، قال: حدثني (١) هكذا قيده المصنف في المشتبه ٦٢٢ مصغراً، وهو وهم منه صوابه ((بَحير)) بفتح الموحدة، كما قيده الأمير ابن ماكولا ١ / ١٩٨، وقال ابن ناصر الدين متعقباً المصنف: ((كذا نقلته من خط المصنف وقد ضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وهو خطأ، إنما هو بفتح الموحدة وكسر المهملة ... وقيده الأمير على الصواب)) (توضيح المشتبه ٩/ ١٩٢). وإنما أبقينا على تقييد المصنف. (٢) تاريخه ٦ / ٣٤٦. (٣) نفسه . ٩٠٦ أبو الزُّبَيرِ الهَمْدانيُّ، قال: خرجتُ مع ابن الأشعث، وخرج أهل الكوفة يستقبلونه، فقال لي: اعْدِلْ عن الطَّريق لا يرى الناس جراحَتكم، فإنِّ لا أحبُّ أن يستقبلهم الجَرْحى، فلمَّا دخِل الكوفةَ مالوا إليه كُلُّهم، وحفّت به هَمْدان، إلاَّ أنَّ طائفةً من تَميم أتوا مَطَرَ بنَ ناجية، وقد كان وثب على قَصْر الكوفة، فلم يُطِقْ قِتالَ الناس، فنصب ابنُ الأشعث السَّلالم على القصر فأخذوه، وأتوا بمَطَرَ بنَ ناجية، فقال لابن الأشعث: استبْقِني فإنِّي أفضل فُرسانك وأعظمهم غناءً عنك، فحبسه، ثم عفا عنه، فبايعه وبايعه الناس بالكوفة، ثُمَّ أتاه أهل البصرة، وتَفَوَّضَتْ إليه المَسالحُ والثُّغُور، وجاءه عبدُالرحمن بنُ العبّاسِ بنُ ربيعة بن الحارث بن عبدالمطّلب بعد أن قاتَلَ الحَجَّاجِ بالبَصْرة ثلاثةَ أيام. وأقبل الحَجَّاجُ من البصرة يسير من بين القادسيَّة والعُذَيْب، فنزل دَيْر قُرَّة، وكان أراد نُزُول القادسيَّة، فجهّز له ابن الأشعث عبدالرحمن بنَ العبَّاس، فمنعه من نُزولها، ونزل عبدُ الرحمنِ الهاشميُّ دَيْرَ الجماجم، فكان الحَجَّاج بعد يقول: أما كان عبدالرحمن يَزْجُرُ الطَّير حيث رآني نزلتُ بدير قُرَّة، ونزل بدَيْر الجماجم . واجتمع جلُّ النَّاس على قتال الحَجَّاجِ لظُلْمه وسَفْكه الدِّماء، فكانوا مئة ألفِ مُقاتل فجاءته أمْداد الشام، فنزل وخَنْدَق عليه، وكذا خندق ابنُ الأشعث على الناس، ثُمَّ كان الجَمْعان يلتقون كلَّ يوم، واشتدَّ الحَرْبُ، وثَبَت الفريقان . وأشار بنو أُميَّة على عبد الملك بن مَرْوان، وقالوا: إنْ كان إنَّما يُرْضِي أهلَ العراق أن تَنْزِعِ عنهم الحَجَّاجِ فانزِعْه عنهم تَخْلص لك طاعتُهم، فبعث ابنَه عبدَالله بن عبدالملك، وكتبَ إلى أخيه محمد بن مَرْوان بالمَوْصِل، فسار إليه، وأمرهما أن يَعْرضا على أهل العراق نَزْعَ الحَجَّاجِ عنهم، وأن يُجْرَى عليهم العَطاء، وأن ينزل ابنُ الآشعث أيَّ بلدٍ شاء من العراق، يكون عليه والياً، فإنْ قبلُوا فاعزِلا عنهم الحَجَّاج، ومحمد أخي مكانه، وإن أبوا فالحجّاجِ أميرُكُم كُلُّكم وولي القتال. قال: فقدموا على الحجّاج، فاشتدً عليه ذلك، وشُقَّ عليه العَزْل، فراسلوا أهلَ العراق، فجمع عبدُالرحمن بنُ ٩٠٧ محمد بن الأشعث الناسَ وخَطَبَهم، وأشار عليهم بالمُصالحة، فوثب الناس من كلِّ جانبٍ وقالوا: إنَّ الله قد أهلكهم، وأصبحوا في الأزل والضَّنك والمجاعة والقِلَّة فلا نَقْبل . وأعادوا خلْعَ عبدِالملك ثانيةً، وتَعَبَّؤوا للقتال، فكان على مَيْمنة ابن الأشعث حَجَّاج بن جارية الخَثْعميُّ، وعلى مَيْسَرَته الأبرد بن قُرَّة التميميُّ، وعلى الخَيْل عبدالرحمن بن العبّاس الهاشميُّ، وعلى الرَّجَّالة محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، وعلى المُجَنَّبة عبد الله بن رِزام الحارثيُّ، وعلى المُطَّوِّعة والصُّلحاء جَبَلَة بن زَحْر الجُعْفيُّ. وكان على مَيْمَنة الحَجَّاجِ عبدُالرحمن بنُ سُلَيْم الكلبيُّ، وعلى مَيْسَرته عُمارة بن تَميم اللخميُّ، وعلى الخيَّالة سُفيان بن الأبرد الكلبيُّ، فاقتتلوا أياماً، وأهل العراق تأتيهم الأمداد والخيرات من البَصْرة، وجيش الحَجَّاج في ضيق وغلاء سِعْر. فيُقال إنَّ يوم دَيرُ الجماجم كان في ربيع الأول، ولا شكَّ أنَّ نوبة دَیْرِ الجماجم كانت أياماً، بل أشْهُراً، اقتتلوا هناك مئة يوم، فلعلّها كانت في آخر سنة اثنتين، وأوائل سنة ثلاثٍ. فعن أبي الزُّبَير الهَمْدانيُّ، قال: كنت في خيل جَبَلَة بن زَحْر، وكان على القرَّاء، فحمل علينا عسكرُ الحَجَّاج مَرَّة بعد أخرى، فنادانا عبدُالرحمن ابن أبي ليلى: يا مَعْشَرَ القرَّاء، ليس الفِرار بأحدٍ من الناس بأقبَحَ منكم، وبقي يُحرِّض على القتال. وقال أبو البَخْتَرِيِّ: أيُّها النَّاس، قاتلوهم على دِينكم ودُنْياكم. وقال سعيد بن جُبَير نحواً من ذلك، وكذا الشَّعبي. وقال بعضُهم: قاتِلوهم على جَوْرِهم واستِذْلالهم الضُّعفاء، وإماتَتهم الصَّلاة. قال: ثُمَّ حملْنا عليهم حملةً صادقةً، فبذَّعْنا فيهم، ثُمَّ رجعنا، فمررنا بِجَبَلَة بن زَحْر صريعاً فهَذَّنا ذلك، فسلانا أبو البَخْتَريَّ، فنادونا: يا أعداءَ الله هلکتم، قُتِل طاغوتُكم . وقال خالد بن خداش: حدثنا غَسَّان بن مُضر، قال: خرج القرَّاء مع ٩٠٨ ابن الأشعث، وفيهم أبو البَخْترِيِّ، وكان شعارهم يومئذ ((يا ثارات الصَّلاة)). وقيل: إنَّ سفيان بن الأبرد حَمَل على مَيْسَرة ابن الأشعث، فلمَّا دنا منها هَرَب الأبرد بن قُرَّة التميميُّ، ولم يقاتلْ كبيرَ قتال، فأنكرِها منه الناسُ، وكان شجاعاً لا يفرُّ، وظنَّ الناس أنَّه خامَرَ، فلمَّا انهزم تقوَّضَت الصُّفُوف، وركب النَّاس وجوههم . وكان ابن الأشعث على منبرٍ قد نُصِب له يحرِّض على القتال، فأشار عليه ذَوُو الرأي: انزِلْ وإلاَّ أَسِرَتَ، فَنَزل وركب، وخلّى أهلَ العراق، وذهب، فإِنهزم أهلُ العراق كلَّهم، ومضى ابنُ الأشعث مع ابن جَعْدة بن هُبِيرة فِي أَناس من أهل بيته، حتى إذا حاذوا قرية بني جَعْدة عبرٍ في معبر الفُرات، ثُمَّ جَاء إلى بيته بالكوفة، وهو على فرسه، وعليه السلاح لَمْ ينزِل، فخرجت إليه بنتُه، فالتزمها، وخرج أهله يبكون، فوصًّاهم وقال: لا تَبْكُوا، أرأيتم إنْ لم أتركُكُم، كم عَسَيتُ أن أعيش معكم، وإنْ أمُتْ فإنَّ الذي يرزقكم حيٌّ لا يموت، ووذَّعهم وذهب. وقال الحَجَّاج: اتركوهم فلْيتبدَّدوا، ولا تتبعوهم، ونادى مُناديه: من رجعَ فهو آمن، ثُمَّ جاء إلى الكوفة فدخلها، وجعل لا يبايع أحداً منها إلاّ قال له: اشهَدْ على نفسك أنَّك كفرت. فإذا قال: نعم، بايَعه، وإلا قتله، فقتلٍ غيرَ واحد ممَّن تحرَّج أن يشهد علىٍ نفسه بالكُفْر. وجيء برجل فقال الحَجَّاج: ما أظنُّ هذا يشهد على نفسه بالكُفْر ، فقال الرجل: أخَادِعِيٍ عن نفسي، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فِرْعون ذي الأوتاد، فضحِك وخلاه . وأمَّا محمد بن سعد بن أبي وقَّاص فنزل بعد الوقعة بالمدائن، فتجمّع إليه ناس كثير، وخرج عُبيد الله بن عبدالرحمن بن سَمُرة العَبْشَميُّ، فأتى البَصْرةَ وبها ابنُ عَمِّ الحَجَّاج أيوب بن الحَكَم، فأخذ البصرة، وقدِم عليه عبدُالرحمن بن محمد بن الأشعث، وجاء إليه الخَلْق، وقال ابن سَمُرة له: إنَّما أخذتُ البَصْرَةَ لك، ولحِقَ محمدُ بنُ سعد بهم، فسار الحَجَّاج لحربهم، وخرج الناس معه إلى مَسْكِن علی دُجَیْل. وتلاوَم أصحابُ ابن الأشعث على الفرار، وتبايعوا على الموت، فخنْدَق ابنُ الأشعث على أصحابه، وسَلَّط الماء في الخندق، وأتته النجدة ٩٠٩ من خُراسان، فاقتتلوا خمسَ عشرةَ ليلةً أشدَّ القتال، وقُتِل من أمراء الحَجَّاجِ زياد بن غُنَيم القَيْنِيُّ. ثم عبَّأَ الحَجَّاج جيشه وصرخ فيهم وحملِ بهم، فهزم أصحاب ابنٍ الأشعث، وقُتِلٍ أبو البَخْتَريِّ، وابن أبي ليلى، وكَسَرَ بِسطامُ بنُ مَصْقَلَة فِيَ أربعة آلافٍ جُفُونَ سيوفهم وثبتوا، وقاتلوا قتالاً شديداً، كشفوا فيه عسكر الحَجَّاج مِراراً، فقال الحَجَّاج: عليَّ بالرُّماة، قال: فأحاط بهم الرُّماة، فقتلوا خلقاً منهم بالنَّبْل، وانهزم ابنُ الأشعث في طائفةٍ، وطلب سجستان، فأتْبَعَهم جيشُ الحَجَّاج، عليهم عُمارة بن تميم، فالتقوا بالسُّوس، فاقتتلوا ساعةً، ثم انهزم ابنُ الأشعث، فأتى سابور(١)، واجتمعت إليه الأكراد، ثم قاتَلهم عُمارة، فقُتِل عُمارة وانهزم عسكره، ثُمَّ مضى ابنُ الأشعث إلى بُسْت، وعليها عامِله، فأنزله وتفرّق أصحابُ ابن الأشعث، فوثب عامل بُسْت عليه فأوثقه، وأراد أن يتّخذ بالقبض عليه يداً عند الحَجَّاج. وقد كان رُتْبيلِ سمع بمَقْدَم ابنِ الأشعث، فسار في جُيوشه حتى أحاط بُبُسْت، فرَاسَل عاملَها يقول له: والله لئِنْ آذيتَ ابنَ الأشعث لا أبرح حتى أَستنزلك، وأقتل جميع مَن معك، فخافه، ودفع إليه ابنَ الأشعث، فأكرمه رتبيل، فقال ابن الأشعث: إنَّ هذا كان عاملي فغدر بي وفعل ما رأيتَ، فأذَنْ لي في قَتْلِه، قال: قد أمَّنْتُه، ثم مضى ابنُ الأشعث مع رُتْبيل إلى بلاده، فأكرمه وعظّمه. وكان مع ابن الأشعث عدد كبير من الأشراف والكِبار، ممَّن لم يثِقِ بأمان الحَجَّاج، ثم تبع أثرَ ابن الأشعث خَلْق من هذه البابَة حتى قدِموا سِجستان، ونزلوا على عبدالله بن عامر النعَّار فحصروه، وكتبوا إلى ابن الأشعث بعددهم وجماعتهم، وعليهم كلهم عبدالرحمن بن العبّاس الهاشميُّ، فقدِم عليهم ابنُ الأشعث بمن معه، ثُمَّ غلبوا على مدينة سجستان، وعذّبوا ابنَ عامر وحَبَسوه، ثُمَّ لم يشعر ابنُ الأشعث إلاَّ وقد فارقه عُبيدالله بن عبدالرحمن بن سَمُرَة، وسار في ألفين، فغضِب ابن الأشعث ورجع إلى رُتْبيل، وقيل غير ذلك. وقيل: ساروا مع الهاشميِّ فقاتلهم يزيد بن المهلّب، فأسر منهم وهزمهم، وفي تفصيل ذلك اختلاف. (١) في ق١: ((نيسابور))، وما هنا من النسخ الأخرى. ٩١٠ ومن بقيّة سنة اثنتين وثمانين، قال عَوَانة بن الحَكَم: كان بينهم إحدى وثمانون وَقْعة، كُلُّها على الحَجَّاج، إلاَّ آخر وَقْعة كانت على ابن الأشعث فانهزم، وقُتِلٍ من القراء بدير الجماجم خَلْق . وقال شعبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، قال: أتى القُرَّاء يومَ دَير الجماجم أبا البَخْتَريَّ الطائيّ يؤمِّرونه عليهم، فقال: إنِّي رجل من الموالي، فأمِّروا رجلاً من العَرب، فَأَمَّرُوا جَهْمٍ بن زَحْرِ الخَثْعميَّ عليهم. وقال سَلَمَة بن كُهَيل: رأيت أبا البَخْتَريِّ بدير الجماجم، وشَدَّ عليه رجل بالرُّمح فطعنه، وانكشف ابن الأشعث فأتى البَصْرة، وتبعه الحَجَّاج، فخرج منهاً إلى أرض دُجَيْل الأهواز، واتبعه الحَجَّاج، فالتَّقَوا بمَسْكِن، فانهزم ابنُ الأشعث، وقُتِل من أصحابه ناسٌ كثير، وغرق منهم ناس كثير. وقال عَمْرو بن مُرَّة: افتُقِد بمَسْكِن عبدُالرحمن بنُ أبي ليلى، وعبدُ الله ابن شَدَّاد، وأبو عُبيدة بن عبد الله بنِ مَسْعود. وقال ابنُ عُبَيْنة: حدثني أبو فَرْوة، قال: افتُقِد ابن أبي ليلى بسُوْراء(١)، وأسر الحَجَّاجِ ناساً كثيراً منهم: عِمْران بن عصام، وعبدالرحمن بن ثَرْوان، وأعشى هَمْدان، قال أبو اليَقْظان: قتلهم جميعاً. وقال خليفة(٢): أوَّل وَقْعةٍ كانت يوم النَّحْر سنة إحدى وثمانين، والوقْعةُ الثانية في المحرَّم سنة اثنتين بالزاوية، والوَقْعة الثالثة بظهر المِرْبَد في صفر، والوَقْعة الرابعة بدير الجماجم في جُمَادى، والوقعة الخامسة ليلة دُجَيل في شعبان سنة اثنتين . قال(٣): ثُمَّ سار ابنُ الأشعث يريد خُراسان، وتَبعه طائفةٌ قليلةٌ، فتركهم وسار إلى خُراسان، فقامَ بأمر الحرب بعده عبدُ الرحمن بنُ العَبَّاس ابن ربيعة الهاشميُّ، ومعه القُرَّاء، فالتقى هو ومتولِّي هَرَاة مُفَضَّل بن المُهَلِّب بن أبي صُفْرة، فهزمه المُفَضَّل، ثم قُتل عبد الرّحمن، وأَسِر عِدَّة منهم: محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، والهِلْقام بن نُعَيْم. (١) سوراء: بضم السين المهملة، وسكون الواو، موضع إلى جنب بغداد. (٢) تاريخه ٢٨٥ . (٣) يعني خليفة، تاريخه ٢٨٤ . ٩١١ وكان عبدالرحمن قد وَلي بلادَ فارس وغزا الثُّرك، ثمَّ خلع عبدالملك وفعل الأفاعيل، ودعا إلى نفسه. قال خليفة(١): تسمية القُرَّاء الذين خرجوا مع ابن الأشعث: مسلم بن يَسَار المُزَنِيُّ، وأبو مراية العِجْليُّ(٢)، وقد قُتِل، وعُقبة بن عبد الغافر العَوْذِيُّ فقُتِل، وعُقْبَة بن وساج البُرْساني فَقُتِلَ، وعبد الله بن غالب الجَهْضميُّ فقُتِل، وأبو الجَوْزاء الرَّبَعِيُّ فَقُتِلَ، والنَّضْر بن أنس بن مالك، وعمران والد أبي جَمْرة الضُّبعيُّ، وأبو المِنْهال سَيَّار بن سَلامة الرياحيُّ، ومالك بن دينار، ومْرَّة بن دَبَّابِ الهَدَادي، وأبو نُجَيْد الجَهْضميُّ، وأبو شَيْخ الهنائيُّ، وسعيد ابن أبي الحسن البَصْريُّ، وأخوه الحَسَن، وقال: أكْرِهت على الخروج. وقال أيُّوب السَّخْتيانيُّ: قيل لابن الأشعث: إنْ أحببتَ أن يُقتلوا حولك كما قُتِلوا حول الجَملْ مع عائشة فأخْرِجِ الحَسَن . ومن أهل الكوفة: سعيد بن جُبَير، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وعبدالله بن شدَّاد، والشَعبيُّ، وأبو عُبَيْدة بن عبدالله بن مسعود، والمعرور ابن سويد، ومحمد بن سعد بن أبي وقّاص، وأبو البَخْتَرِيِّ، وطَلْحة بن مُصَرِّف وزُبَيد بن الحارث الياميان، وعطاء بن السَّائب. قال أيُّوب السَّخْتيانيُ: مِا صرع أحدٌ مع ابنِ الأشعث إلاَّ رُغِبَ له عن مصرعه، ولا نجا منهم أحد إلاّ حمد الله الذي سلّمه . وقال عَوَانة بن الحَكم: قتل الحَجَّاج بمَسْكِن خمسة آلاف أو أربعة آلاف أسير . وقال خليفة(٣): فيها، يعني سنة اثنتين، قَتَلَ قُتَيبةُ بنُ مسلم: عُمَر بن أبي الصَّلَّت وأخاه، وموسى بن كثير الحارثيَّ، وبُكَيْرِ بن هارون البَجَليَّ. وفيها كانت غزوة محمد بن مروان بأرْمِينِيَة، فهزم العدوَّ، ثُمَّ صالحوه، فَولَّى عليهم أبا شيخ بن عبدالله، فغدروا به وقتلوه. (١) تاريخه ٢٨٦ - ٢٨٧. (٢) ليس في المطبوع من تاريخ خليفة، وهو في المطبوع من الكنى للدولابي ١١٢/٢: ((أبو مرانة)) بالنون. (٣) تاريخه ٢٨٨ . ٩١٢ وفيها فتح عبدالله(١) بن عبدالملك بن مروان حصن سنان من ناحية المِصَّيصة . وفيها كانت غزوة صِنْهاجة بالمغرب. وأسر يوم الجماجم محمد بن سعد، فضُرِبت عُنُقه صَبْراً، وقُتِل ماهان الأعور القَاصُّ، والفُضَيْلِ بن بزوان يومئذٍ . وقال مالك بن دينار: لما كان يوم الزاوية قال عبدالله بن غالب أبو قريش الجَهْضميُّ: إنِّي لأرى أمراً مابي صَبر، روحوا بنا إلى الجَنَّة، فقاتل حتّى قُتِل، فكان يوجد من ريح قبره المِسْك. وكان عابداً له أوراد، سمعته يقول: رحم الله يَنِيَّ ماتوا ولم أتمتَّع من النظر إليهم. وروى ابن غالب عن أبي سعيد الخُذْريِّ. وروى عنه عطاء السَّلِيمي، وغيره. سنة ثلاثٍ و ثمانين كانت فيها غَزْوة عطاء بن رافع صِقِلِّيَّة، وخرج عِمْران بن شُرَحْبيل على البَحْر، وجعل على الإسكندرية عبدالملك بنَ أبي الكُنُود. وفيها عُزِل أبان بن عُثْمان عن المدينة، ووُلِّي هشام بن إسماعيل المَخْزوميُّ . وفي سنة ثلاثٍ بنى الحَجَّاج مدينة واسط. واستعمل على فارس محمد بن القاسم الثقفي وأمره بقتل الأكراد. وفيها بعث الحَجَّاج عمارة بن تميم القَيْنِيَّ إلىٍ رتبيل في أمر ابن الأشعث، قال(٢): فصالح رتبيل متولي سجستان وخلّى بين ابن الأشعث وبينهم (٣)، فقُيِّد ابن الأشعث(٤) هو وجماعةٌ في الحديد، وقرن به في القَيْد أبو العنز، وساروا بهم إلى الحَجَّاج، فلمَّا كانوا بالرُّخَّجِ طرح ابنُ الأشعث نفسَه من فوق بُنيان فهلك هو وقرينه، فقُطع رأسُه وحُمل إلى الحَجَّاج، (١) ليس في دولا في ق١، وأثبتناه من أ. (٢) يعني خليفة، تاريخه ٢٨٩. (٣) من قوله: ((قال)) إلى هنا، سقط من د، وما هنا من النسخ الأخرى. (٤) ليس من د، وما هنا من النسخ الأخرى. تاريخ الإسلام ٢/م٥٨ ٩١٣ فرأسُهُ مدفون بمصر(١) وجثَّتَه بالرُّخَّج. وكان قد أمَّره مُصْعَب بن الزُّبير عند قَتْل أبيه محمد بن الأشعث بن قَيْس الكِنْديِّ. وفي سنة ثلاثٍ ضَمَّ عبدالملك بن مَرْوان إلى أخيه محمد بن مَرْوان إمرة أذْرَبِيْجان وأرمِيْنِيَة مع إمرة الجزيرة، وبقي على ذلك إلى آخر أيام الوليد. وله غَزَوات وفتوحات كثيرة . سنة أربع وثمانين فيها توفي عُتْبة بن النُّدر السُّلَميُّ، صَحَابِيٍّ شاميٌّ، والأسود بن هلال المحاربيُّ، وزَيْد بن وَهْب الجُهَنيُّ، وعبد الله بن الحارث بن نَوْفل الهاشميُّ، وعِمران بن حِطَّان السَّدُوسيُّ، ورَّوْح بن زِنْباع الجُذَاميُّ . وقيل: فيها ظفروا بابن الأشعث وطِيف برأسه في الأقاليم. وفيها قَتَلَ الحَجَّاجُ أيَّوبَ ابن القِرِّيَّة، وكان من فُصَحاء العرب وبُلَغائهم، خرج مع ابن الأشعث، واسمه أيُّوب بن زيد بن قَيْس أبو سليمان الهلاليُّ، ثُمَّ ندِمِ الحَجَّاج على قَتْله. وفيها وَلِي إمرةَ الإسكندرية عياض بن غَنْمِ التُّجِيْبيُّ. وبعث فيها عبدالملك بن مَرْوان بالشَّعبيِّ إلى مِصْر، إلى أخيه عبدالعزيز بن مَرْوان، فأقام عنده سنة . وفيها فتحت المِصَّيصَة، على يد عبدالله بن عبد الملك. وفيها افتتح مُوسى بن نُصَيْر بلد أورية من المَغْرب، فقتل وسَبى، حتى قيل: إنَّ السَّبْي بلغَ خَمْسين ألفاً. وفيها غزا محمد بن مَرْوان أرْمِيْنيَة فهزمهم وحَرَّق كنائسهم وضِياعهم وتُسمَّى سَنَة الحريق. (١) ذلك لأن الحجاج بعث بالرأس إلى عبدالملك بن مروان، ثم بعث به الأخير إلى عبدالعزيز في مصر . ٩١٤ سنة خَمْس و ثمانین فيها توفي عبدالله بن عامر بن ربيعة، وعَمْرو بن حُرَيْث، وعَمْرو بن سَلَمةِ الجَرْميُّ، وواثلة بن الأسْقع، توفي فيها أو في التي تليها، وفيها عَمْرو ابن سَلَمَةِ الهَمْدانيُ، ويُسَيْر بن عَمْرو بن جابر، وعبدالعزيز بن مروان. وفيها، على ما وَرَّخَ ابنُ جَرِيرِ الطَّبريُّ(١) هَلاك ابن الأشعث، قال: فتتابعت كُتُبُ الحَجَّاج إلى رُثْبيل أنْ ابعث إليَّ بابن الأشعث، وإلاَّ فَوَالله الأوطِئَنَّ أرضَكَ ألفَ ألف مُقاتل، ووعده بأن يُطْلق له خَراج بلاده سَبْعَ سنين، فأسلمه إلى أصحاب الحَجَّاج، فقيل: إنَّه رمى بنفسه من عَلٍ فهلك. وقال أبو مِخْنَف: حدثني سُليمان بن أبي راشد، أنَّه سمع مُلَيْكة بنت يزيد تقول: والله ما مات عبدالرحمن إلاّ ورأسه في حِجْري على فخذي، تعني من جُرح به، فلمَّا مات حَزَّ رأسَه رتبيلٍ وبعث به إلى الحَجَّاج. قلت: هذا قول شاذٌّ، وأبو مِخْنَف كذَّاب. قيل: إنَّ الحَجَّاجَ قال لدهاقين العراق: كم كان عمر يجبي سواد العراق؟ قالوا: مئة ألف ألف درهم، وعشرون ألف ألف. قال: فكم جباه زياد؟ قالوا: ثمانين ألف ألف. قال: فكم نجبيه نحن اليوم؟ قال: ستين ألف ألف(٢). وفيها غزا محمد بن مَرْوان أرمينية، فأقام بها سنة، ووَلَّى عليها عبدالعزيز بنَ حاتم بن النُّعمان الباهليَّ، فبنى مدينة أردبيل ومدينة بَرْذَعَة . وفيها قال ابن الكلبيِّ: بعث عبدالله بن عبدالملك بن مَرْوان وهو مقيم بالمِصِّيصة يزيدَ بنَ حُنَينَ فِي جيشٍ، فَلَقِيَتْه الزُّوم في جمع كبير فأصيب الناس، وقُتِلِ مَيْمون الجُرْجُماني (٣) في نحو ألف نفْسٍ من أهل أنطاكية، وكان ميمون أمير أنطاكية من موالي بني أميّة، مشهورٌ بالَفُروسية، وتألَّم غاية الألم لمُصَابهم . (١) تاريخه ٦/ ٣٨٩ وما بعدها. (٢) من قوله: ((قيل)) إلى هنا، سقط كله من د و ك. (٣) في ظ ود: ((الجرجاني)) خطأ، وما أثبتناه من النسخ الأخرى، وانظر تاريخ دمشق ٦١/ ٣٦٩. ٩١٥ وفيها عُزل يزيدُ بنُ المُهَلَّب بن أبي صُفْرة عن خُراسان، ووَلِيَ أخوه المُفَضَّلِ يسيراً، ثُمَّ عُزِل ووِلِيَ قُتَيْبة بن مُسلم . وفيها قُتِل موسى بن عبد الله بن خازم السُّلميُّ، وكان بطلاً شجاعاً وسَيِّداً مُطاعاً، غلب على تِرْمذ وما وراء الشَّهر مُدَّة سِنين، وحاربَ العربَ، من هذه الجهةِ، والتُّركَ من تِيك الجهة، وجرت له وقعاتٌ، وعظُم أمره، وقد ذكرنا والده في سنة نَيِّق وسبعين(١)، وآخرُ أمر موسى أنَّه خرِجَ ليلةً في هذا العام ليغير على جَيْشِ فعثر به فرسه، فابتدرِه نَاسٌ من ذلك الجَيْش فقتلوه. وقد استوفى ابنُ جرير أخباره وحروبه(٢). وقيل: قُتِل سنة سبع وثمانين . وبعث عبدُالملك على مِصْر ابنَه عبدَالله، وعقد بالخلافة من بعده لابنَيْه الوليد ثُمَّ سُليمان، وفرح بموت أخيه، فإنَّه عزم على عَزْله من ولاية العهد، فجاءه موتهُ. سنة ستّ وثمانين توفي فيها أبو أمامة الباهليُّ، وعبدُالله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْدِيُّ، وعبدُالملكّ بن مَرْوان، وَقَبِيصةٌ بَنْ ذُؤَيْب. وفيها، وقيل سنة ثمان وهو أصحُّ، عبدالله بن أبي أوفى. وفيها كان طاعون الفَتَيات، سُمِّ بذلك لأنَّه بدأ في النّساء، وكان بالشَّام وبواسط والبَصرة. وفيها سارَ قُتَيْبةُ بن مُسْلم متوجِّهاً إلى ولايته، فدخلَ خُراسان، وتلقّاه دَهاقِينُ بَلْخ، وساروا معه، وأتاه أهل صاغان بهدايا ومفتاح من ذهب، وسَلَّموا بلادَهم بالأمان . وفيها افتتح مَسْلَمَةُ بن عبدالملك حِصْنَ تولَق(٣) وحِصْن الأخرم. (١) الطبقة السابقة، الترجمة (٥٦). (٢) تاريخه ٦ / ٣٩٨ - ٤١٢ . (٣) كذا في ظ وأ وك وتاريخ خليفة ٢٩٢ بالتاء ثالث الحروف، وفي د وق١ وتاريخ الطبري ٦ / ٤٢٩: ((بولق)» بالباء الموحدة ولم نتبين الصواب في ذلك. ٩١٦ وعقد عبدالملك لابنهِ عبد الله على مِصْر، فدخلَها في جمادى الآخرة، وعُمره يومئذٍ سبعٌ وعشرون سَنة، ثم أقرَّه أخوه الوليد عليها لَمَّا استُخْلِف. وأما ابن يونس فذكر أنَّ الوليد عزَلَ أخاه عبدَالله عن مِصْر بِقُرَّة بن شَرِيك أول ما اسْتُخْلِف. وفيها هلك ملك الرُّومِ الأخرم بوري، لا رحِمَه الله، قبلَ أمير المؤمنين عَبْدالملك بشَهْر . وفيها توفي يُونس بن عطيّة الحَضْرِميُّ قاضي مِصْر، فوَلي ابنُ أخيه أوس بن عبدالله بن عَطِيَّة القضاءَ بعده قليلاً وعُزِل، ووَلِيَ القضاءَ مضافاً إلى الشُّرَط أبو معاوية عبدُالرحمن بن معاوية بن حُدَيْج، ثم عُزِل بعد ستّة أشهر بِعِمْران بن عبدالرحمن بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة . ووَلِيَ الخلافة الوليد بعهدٍ من أبيه . سنة سبع وثمانين توفي فيها عُتْبةُ بن عَبْدِ السُّلَميُّ، والمِقْدامُ بن مَعْدِي كَرِب الكِنْدِيُّ، وعبدالله بن ثَعْلبة بن صُعَيْر، والأصحُ وفاته سنة تِسع . ويقال: فيها افتتح قتيبةُ بن مُسْلم أمیرُ خُراسان بیکند. وفيها شَرَع الوليدُ بنُ عبدالملك في بناء جامع دمشق، وكتب إلى أميرٍ المدينة عُمَر بن عبدالعزيز ببناء مسجد النَّبِيِّ ◌َ ﴾ .. وفي هذه السَّنة ولي عمر المدينةَ ولَهُ خَمْسٌ وعشرون سنة، وصُرِف عنها هشام بن إسماعيل، وأهين ووقف للناس، فبقي عُمر عليها إلى أن عزله الوليد بأبي بكر بنٍ حَزم . وفيها قَدِم نيزَك طَرْخان على قتيبة بن مسلم، فصالحه وأطلق من في يده من أسارى المُسْلمين. وفيها غزا قُتَيبة نواحي بُخَارَى، فكانت هناك وَقْعة عظيمة ومَلْحمة هائلة، هزم الله فيها المشركين، واعتصم ناسٌ منهم بالمدينةِ، ثُمَّ صالحهم، واستعمل عليها رجلاً من أقاربه، فقتلوا عامَّة أصحابهِ وغدروا، فرجع قُتيبة لحربهم وقاتلهم، ثم افتتحها عَنْوةً، فقتل وسبى وغنم أموالاً عظيمة . وفيها أغزى أميرُ المَغْرب موسى بن نُصَير، عندما وَلاَّه الوليدُ بنُ ٩١٧ عبدالملك إمرةَ المَغْرب جميعَه، ولدَه عبدَالله سَرْدانِيَة، فافتتحها وسَبَى وغنم . وفيها أغزى موسى بنُ نُصَير ابنَ أخيه أيُّوب بن حَبيب ممطورة، فغِنم وبلغ سبيُهم ثلاثين ألفاً. وفيها غزا مَسْلَمَةُ بنُ عبدالملك، فافتتح قُمَيقُم وبُحَيْرة الفرسان، فقتل وسَبَى . ويَسَّر الله في هذا العام بفتوحاتٍ كبار على الإسلام. وأقام للناس الموسِمَ عُمرُ بنُ عبدالعزيز، فوقَفَ غَلطاً يوم النَّحْر، فتألَّم عمر لذلك، فقيل له: قال رسولِ الله ◌ِّله: (يومُ عَرَفَة يوم يُعرَّف الناس)). وكانوا بمكة في جَهْد من قلّة الماء، فاستسقوا ومعهم عُمَر، فسُقُوا، قال بعضهم: فرأيت عُمَرَ يطوف والماء إلى أنصاف ساقَيْه . سنة ثمانٍ وثمانين توفي فيها عبدالله بن بُسْر المازنيُّ، وأبو الأبيض العَنْسيُّ، وعبد الله بن أبي أوفى، على الأصح. وفيها جَمِعَ الرُّومِ جَمْعاً عظيماً وأقبلوا فالتقاهمِ مَسْلَمة ومعه العِبَّاس ابن الخليفة الوليد، فهزم الله الرُّومَ، وقُتِل منهم خَلْق، وافتتحَ المسلمون جُرْئُومة وطُوانَة . وفيها غزا قُتَيبة بن مُسلم، فزحفَ إليه التُّرْك ومعهم الصُّغْد وأهل فرغانة، وعليهم ابنُ أختِ ملك الصَّين، ويقالُ: بلغ جَمْعُهُم مئتي ألف، فكسرهم قُتَيبة، وكانت مَلْحمةً عظيمةً. وفيها غزا مَسْلَمَة بن عبدالملك وابنُ أخيه العَبَّاس، وشَتَّوا بقرى أنطاكية، ثم التقوا الرُّوم. وحجَّ بالنَّاس عُمرُ بنُ الوليد بن عبدالملك. ويقال: إنَّ فيها شَرَعِ الوليدُ ببناء الجامع وكان نصفُه كنيسة للنَّصارى، وعلى ذلك صالَحهم أبو عُبَيدة بن الجَرَّاح، فقال الوليد للنَّصارى: إنَّا قد أخذنا كنيسة تُوما عَنْوَة، يعني كنيسةَ مريم، فأنا أهدمها، وكانت أكبر من ٩١٨ النَّصف الذي لهم، فرضُوا بإبقاء كنيسة مريم، وأعْطوا النصفَ وكتب لهم بذلك، والمحراب الكبير هو كان باب الكنيسة، ومات الوليد وهم بعدُ في زخرفة بناء الجامع، وجمع عليه الوليد الحجَّارين والمرخَّمين من الأقطار، حتى بلغوا، فيما قيل، اثني عشر ألف مُرَخِّم، وغرِم عليها قناطيرَ عديدةً من الذَّهَب، فقيل إنَّ النَّفَقَة عليه بلغت سِتَّةَ آلاف ألف دينار، وذلك مئة قنطار وأربعة وأربعون قنطاراً بالقنطار الدِّمشقيِّ . وفيها أمر الوليدُ عاملَه على المدينة عُمرَ بنَ عبدالعزيز ببناء مسجد النَّبِّ ◌ََّ، وأن يُزاد فيه من جهاتهِ الأربع، وأن يُعْطَى النَّاسُ ثمنَ الزِّيادات شاؤوا أو أبوا. قال محمد بن سعد(١): حدثنا محمد بن عُمر، قال: حدثنا عبدالله بن يزيد الهُذليُّ، قال: رأيت منازلَ أزواج رسول اللهِ إِل حين هَدَمَها عمرُ بنُ عبدالعزيز، فزادها في المسجد، وكانت بيوتاً باللَّبِن، ولها حُجَر من جريد مطرورٌ بالطِّين، عددْتُ تسعة أبياتٍ بحُجَرها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النَّبِيِّ ◌َل. وقال الواقديُّ(٢): حدثني مُعاذ بن محمد، سمع عطاءً الخُراسانيَّ يقول: أدركت حُجَر أزواج النَّبِيِّ بِّهَ من جريد النَّخْل، على أبوابها المُسُوح من شَعرِ أسود، فحضرت كتابَ الوليد يُقرأ بإدخال الحُجَر في المسجد، فما رأيت باكياً أكثر باكياً من ذلك اليوم، فسمعتُ سعيدَ بِنَ المُسَيِّب يقول: لو تركوها فيقْدَم القادم من الآفاق فیری ما اكتفى به رسولُ الله ◌ِ﴾ في حياته . وعن عمران بن أبي أنس، قال: ذَرْعِ السَّتْر الشَّعَرِ ذراع في طول ثلاثة . وفيها كتب الوليدُ، وكان مُغْرَماً بالبناء، إلى عُمَر بن عبدالعزيز بحَفْر الأنهار بالمدينة، وبعمل الفوَّارة بها، فعمِلها وأجرى ماءها، فلمَّا حجَّ الوليد وقف ونظر إليها فأعجبته . وقال عمرو بن مهاجر، وكان على بيت مال الوليد: حَسَبوا ما أنفقوا على الكَرْمة التي في قِبْلة مسجد دمشق، فكان سبعين ألف دينار. وقال أبو قُصَّيٍّ إسماعيلُ بن محمد العُذْريُّ: حَسَبوا ما أنفقوا على (١) طبقاته الكبرى ١ / ٤٩٩ . (٢) في طبقات ابن سعد أيضًا ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠ . ٩١٩ مسجد دمشق، فكان أربع مئة صُنْدوق، في كلٍ صُنْدوق ثمانيةٌ وعشرون ألف دینار. قلتُ: جُملتُها على هذا: أحَدَ عشر ألف ألف دينار ونَيِّق . قال أبو قُصَيِّ: أتاه حَرَسِيُّه فقالَ: يا أميرَ المؤمين تَحَدَّثوا أنَّك أنفقتَ الأموالَ في غيرِ حَقُّها، فنادى: الصلاةُ جامِعة، وخَطَبهم فقال: بَلَغَني كَيْت وكَيْتِ، أَلَا ياَ عَمْرو بنٍ مِهاجر قُمْ فَأَحْضِر الأموالَ من بيتِ المال. فأتت البغالُ تدخل بالمال، وفُضَّت في القِبْلة على الأنطاع، حتى لم يُبْصِرِ من في القِبلة من في الشَّام، ووُزِنت بالقبابين، وقال لصاحب الدِّيوان: أحْصٍ من قِبَلك مِمَّن يأخذ رِزْقنا. فوجدوا ثلاث مئة ألف في جميع الأمصار، وحَسَبوا ما يُصيبهم، فوجدوا عنده رِزْقَ ثلاثٍ سنين، ففرح الناس، وحمدوا الله، فقال: إلى أن تذهب هذه الَثَلاثُ سنين قد أتانا الله بمثله ومثله، ألا وإنَّي رأيتُكم يا أهلَ دمشق تَفْخَرون على النَّاس بأربع: بهوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحَمَّاماتكم، فأحببت أن يكون مسجدُكم الخامسَ، فانصرفوا شاكرينَ داعين. ورُوي عن الجاحظ، عن بعضهم، قال: ما يجوز أن يكون أحدٌ أشدَّ شَوْقاً إلى الجَنَّة من أهل دمشق، لِما يَرَوْن من حُسْن مسجدهم . سنةُ تسع وثمانين توفي فيها على الصحيح عبدالله بنِ ثَعْلبة. ويقال: توفي فيها عبدالرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، وأبو ظَبْيان، وأبو وائل. والصحيح وفاتهم في غيرها. وفيها افتتح عبدُالله بن موسى بنٍ نُصَير جزيرتَيْ مَيُؤْرقَة ومَنُوْرِقَة، وهما جزيرتان فيِ البَحْر بين جزيرة صِقِلَّيّةَ وجزيرة الأندلس، وتُسمَّى غزوة الأشراف، فإنَّه كان معه خَلْقٌ من الأشراف والكِبار . وفيها غزا قُتَيبةُ وَرْدان خُداه ملك بُخَارَى، فلم يُطِفْهم، فرجع . وفيها أغزى موسى بنُ نُصَير ابنَه مَروان السُّوسَ الأقصى، فبلغَ السَّبْيُ أربعين ألفاً. ٩٢٠