Indexed OCR Text

Pages 561-580

وسالم، وعُبَيد الله بن عبدالله، والأعرج، وهَمَّام بن مُنَبِّه، ومحمد بن
سيرين، وحُمَيد بن عبدالرحمن الزُّهري، وحُمَيد بن عبدالرحمن الحِمْيري،
وأبو صالح السَّمَّان، وزرارة بن أوفى، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبري،
وأبوه، وسعيد بن مَرْجانة، وشَهْر بن حَوْشب، وأبو عثمان النَّهْدي، وعطاء
ابن أبي رباح، وخلقٌ كثير .
قَدِمَ من أرض دَوْسٍ مسلمًا هو وأمُّه وقت فتح خَيْبر.
قال البخاري(١): روى عنه ثمان مئة رجل أو أكثر.
قلت: رُوي له نحوٌ من خمسة آلاف حديث وثلاث مئة وسبعين
حديثًا، في الصحيحين منها ثلاث مئة وخمسة وعشرون حديثاً، وانفرد
البخاري أيضًا له بثلاث وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين. وبَلَغَنا أنه كان
رجلاً آدم، بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثنَّتين، يَخَضِب
شَيْبته بالحُمْرة. ولما أسلم كان فقيرًا من أصحاب الصُّفَّة، ذاق جُوعًا وفاقَةً،
ثم استعمله عُمر وغيرُه، وولي إمرة المدينة في زمن معاوية، فمرَّ في السوق
يحمل حزمة حطب، وهو يقول: أوسِعوا الطريق للأمير.
وقال أسامة بن زيد، عن عبدالله بن رافع: قلت لأبي هريرة: لِمَ
اكتنيتَ بأبي هريرة؟ قال: أما تَفْرُق منِّي! قلت: بلى والله إنِّي لأَهَابُكَ، قال:
كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هُرَيرة صغيرة، فكنت أضعها في شجرة
بالليل، فإذا كان النَّهار ذهبتُ بها معي، فلُقِّبت بها. وكان من أصحاب
الصُّفة. أخرجه الترمذي(٢) .
وقال المَقْبري، عن أبي هريرة قلت: يا رسول الله، أسمعُ مِنْك أشياءَ
فلا أحفظُها، فقال: ((ابسط رداءك))، فبسطتُه، فحدث حديثًا كثيرًا، فما
نسيت شيئًا حدثني به(٣).
وقال الوليد بن عبدالرحمن عن ابن عمر، أنَّه قال لأبي هريرة: أنت
تاريخه الكبير ٦/ الترجمة ١٩٣٨ .
(١)
(٢) جامعه الكبير (٣٨٤٠)، وقال: ((هذا حديث حسن غريب)).
(٣) أخرجه البخاري ١/ ٤٠ و٤١ و٤/ ٢٥٣، والترمذي (٣٨٣٥) من طريق سعيد، به.
تاريخ الإسلام ٢/م٣٦
٥٦١

كنتَ ألزمنا لرسول الله ◌َِّ وأحفظنا لحديثه (١).
وقال الأعرج: سَمِعْتُ أبا هريرة يقول: إنَّكم تقولون إنِّي أُكْثِرُ عن
رسول الله بِّه، والله المُوعِدُ، كنتُ رَجُلاً مسكينًا أخدُم رسول الله ◌َّ على
مِلءٍ بَطني، وكان المُهاجرون يَشْغَلُهم الصّفْقُ بالأسواق، وكانت الأنصارُ
يشغلَهمِ القيام على أموالِهم، وقال رسولُ اللهِ وَله يومًا: ((مَن يَبْسط ثوبه فلن
ينسى شَيْئًا سَمِعه منّي))، فبسطت ثوبي، حتى قضى حديثه، ثم ضممته إليَّ
فما نسيتُ شَيْئًا سمعته بعدُ(٢) .
وقال أبو مَعْشَر، عن محمد بن قَيْس، قال: كان أبو هريرة يقول: لا
تُكْنوني أبا هريرة، كناني رسول الله بَِّ: أبا هرٍّ، قال لي: («ثَكِلتْك أُمُّك أبا
هرٍّ))، والذكَر خيرٌ من الأنثى(٣).
وقال ابن سيرين، كان أبو هريرة أبيض لينًا لحيته حمراء.
وقال ابن المُسَيِّب، عن أبي هريرة: شهدت خيبرَ مع رسول الله
وقال قَيْس بن أبي حازم عَنْه: جِئت يومَ خيبر بعدما فرغوا من القتال.
وقال ابنُ سيرين، عنه: لقد رأيتني أُصرَعُ بين القَبْرِ والمِنْبر من
الجُوعِ، حتى يقولَ الناسُّ: مجنون .
وتَمخَّطَ مَرَّة بردائه فقال: الحمدُ لله الذي يُمخِّط أبا هريرة في الكَثَان،
لقد رأيتني وإني لأخِرُّ من الجُوعِ، فيجلس الرَّجلُ على صَدْري، فأرفعُ
رأسي، فأقول: ليسَ الذي ترى، إنما هو الجوع.
وقال أبو كثير السُّحَيْميُّ: حدثني أبو هريرة، قال: والله ما خلقَ الله
مؤمنًا يسمع بي إلا أحبني، قلت: وما عِلْمُك بذاك؟ قال: إنَ أمي كانت
مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليَّ، فدعوتها يومًا،
فأسمعتني في رسول الله وَل﴿ ما أكره، فأتيتُه أبكي، وسألته أن يدعو لها،
فقال: ((اللهم اهد أمَّ أبي هريرة))، فخرجت أعدو أبشِّرُها، فأتيتُ فإذا الباب
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٣٦)، من طريق الوليد بن عبدالرحمن، به، وقال: ((هذا حديث
حسن)) .
(٢) أخرجه البخاري ١/ ٤٠ و٣/ ١٤٣ و٩/ ١٣٣، ومسلم ٧ / ١٦٦، وغيرهما من طريق
الأعرج، به .
(٣) أخرجه ابن عساكر ٦٧ / ٣١٣، وفي إسناده نجيح أبو معشر وهو ضعيف.
٥٦٢

مُجاف، وسَمِعتْ خضخضةَ الماء، وسَمِعَتْ حسِّي فقالت: كما أنت، ثم
فَتَحت، وقد لبست درعها، وعَجَّلَتْ عن خمارها، فقالت: أشهد أن لا إله
إلا الله وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، فرجعتُ إلى رسول الله وَلّ أبكي من
الفَرح، فأخبرته فقلت: أُدْعُ الله يا رسول الله أن يُحبِّبني وأمّي إلى عباده
المؤمنين، فقال: ((اللَّهُمَّ حبِّب عُبَيدك هذا وأمَّه إلى عبادك المؤمنين،
وحبِّبهم إليهما)). هذا حديث صحيح، أظنُّه في مسلم (١) .
أيوب: عن محمد، قال: تمخَّط أبو هريرة وعليه ثَوْب من كَتَّان
ممشَّق، فتمخَّط فيه، وقال: بخ بخ، يتمخطُ أبو هريرة في الكَتَّان! لقد
رأيتني أخِر فيما بين منبر رسولَ الله ◌ُّهَ وحجرة عائشة، يجيء الجائي يظنُّ
بي جُنونًا(٢).
شعبة: عن محمد بن زياد، قال: رأيت على أبي هريرة كساءَ خَرٍّ .
وقال قتادة وغير واحد: كان أبو هريرة يَلْبس الخَزَّ.
قَيْس بن الربيع، عن أبي حَصِين، عن خَبّاب بن عُرْوة، قال: رأيت أبا
هريرة عليه عِمامة سوداء.
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي هريرة، قال: هاجرت،
فأبَقَ منِّي غلام في الطريق، فلما قدِمت على النبيِّ بِّ﴾- بايعته، وجاء الغلام،
فقال لي النبيُّ مَ له: ((يا أبا هريرة هذا غلامُك))، قلت: هو حرّ لوجه الله
فأعتقته(٣).
عفَّان: حدثنا سُلَيم بن حيَّان، عن أبيه، سمع أبا هريرة يقول: نشأت
يتيمًا، وهاجرت مِسْكينًا، وكنت أجيرًا لبُسرة بنت غَزْوان، بطعام بَطني
وعُقْبة رِجلي، وكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدُوا إذا ركبوا، فزوَّجنيها الله،
فالحمد لله الذي جعل الدِّين قِوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا .
ابن سيرين، عن أبي هريرة، أكريت نفسي من ابنة غزوان بطعام بطني
(١) بل تيقَّن رحمك الله فهو في صحيحه ٧/ ١٦٥ من طريق السُّحيمي، به.
(٢) أخرجه البخاري ٩/ ١٢٨ من هذا الطريق.
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ١٩١ من هذا الطريق.
٥٦٣

وعُقْبة رِجلي، فقالت لي: لتردنَّ حافيًا، ولتركبنَّ قائمًا، ثم زوَّجنيها الله
بعد .
وقد دعا لنفسه، وأمَّن النبيُّ ◌َلَ على دعائه، فقال النسائي(١): أخبرنا
محمد بن صُدْران: قال: حدثنا الفَضْل بن العلاء، عن إسماعيل بن أُميَّة،
عن محمد بن قَيْس، عن أبيه، أنَّ رجلاً جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء،
فقال: عليك بأبي هريرة، بينما أنا وأبو هريرة وفلان ذات يوم في المسجد
ندعو ونذكر ربَّنا، إذ خرج علينا رسولُ الله مَل حتى جلس إلينا فسكتنا،
فقال: ((عودوا للذي كنتُم فيه))، فدعوت أنا وصاحبي، فأمَّن النبيُّ ◌َله على
دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللَّهم إنِّي أسألك مثل صاحبي، وأسألك
عِلْمًا لا يُنسى، فقال النبيُّ مَّ: ((آمين))، فقلنا: يا رسول الله نحن نسألك
كذلك، فقال: ((سبقكما بها الغلام الدَّوْسي))(٢). قال الطَّبراني: لا يُروى إلا
بهذا الإسناد .
وقال أبو نَضْرة العَبْدي، عن الطُّفاوي، قال: قرأت على أبي هريرة
بالمدينة ستة أشهر، فلم أرَ من أصحاب رسول الله مَثّه رجلاً أشد تشميرًا ولا
أقوَم على ضيفٍ منه، فدخلت عليه ذات يوم ومعه كيس فيه نوى أو حصى
(٣)
يُسبِّح به(٣).
وقال ابن إسحاق: عن محمد بن إبراهيم، عن مالك بن أبي عامر
الأصبحي، قال: جاء رجل إلى طَلْحة بن عُبَيد الله، فقال: يا أبا محمد
أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، أهو أعلم بحديث رسول الله بقليل منكم؟
نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم يقول على رسول الله وقل له ما لم يقل؟
قال: أما أن يكون سمع من رسول الله وَلّ ما لم نسمع فلا أشكُّ، كُنَّا أهل
بيوتات وعمل وغنم، فنأتي رسول الله مَ * طَرفيْ النهار، وكان مسكينًا لا
(١) سننه الكبرى (٥٨٧٠).
(٢) إسناده ضعيف لجهالة قيس المدني والد محمد.
وأخرجه الحاكم ٣/ ٥٠٨ من طريق محمد بن قيس بن مخرمة عن زيد، بنحوه،
وقال: ((هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، وليس بصحيح، في إسناده حماد بن
شعيب، وهو ضعيف كما قال الذهبي في مختصر المستدرك.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة الطفاوي.
٥٦٤

مال له، ضيفًا على باب رسول الله مَ له، يده مع يده، ولا أجد أحدًا فيه
خيرٌ، يقول على رسول الله مَ لّ ما لم يقل(١).
وقال محمد بن سعد(٢): حدثنا محمد بن عُمر: قال: حدثنا
عبدالحميد بن جعفر، عن أبيه، عن زياد بن مينا، قال: كان ابن عباس،
وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر يُفتون بالمدينة، ويحدّثون عن
رسول الله ◌َّ من لَدُن تُوفي عثمان إلى أن تُوُقُّوا، وهؤلاء الخَمْسة إليهم
صارت الفتوى.
وقال أبو سعد السَّمْعاني: سمعت أبا المُعَمَّر المبارك بن أحمد
الأزجي يقول: سمعت أبا القاسم يوسف بن علي الزَّنْجاني الفقيه يقول :
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآباذي يقول: سمعت أبا الطَّيب
يقول: كنّا في حلقة النَّظَر بجامع المَنْصور، فجاء شاب خُرَاساني، فسأل عن
مسألة المُصَرَّاة(٣)، فطالب بالدليل، فاحتجَّ المستدلُّ بحديث أبي هريرة
الوارد فيها، فقال الشابةُ، وكان حنفيًا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما
استتمَّ كلامهُ حتى سَقَطَ عليه حيَّةٌ عظيمةٌ من سقفِ الجامعِ، فوثبَ النَّاسُ من
أجلها، وهرب الشَّابُّ منها وهي تتبعه، فقيل له: تُب تُب، فقال: تُبْتُ.
فغابت الحيّة، فلم يُر لها أثر.
الزَّنْجاني مِمَّن برع في الفقه على أبي إسحاق، توفي سنة خمس مئة ..
وقال حماد بن زيد، عن العباس بن فرُّوخ الجُريري: سمعت أبا
عثمان النَّهْدي، قال: تضيَّفْتُ أبا هريرة سَبْعًا فكان هو وامرأته وخادمه
يعتقبون الليل أثلاثًا، يصلّي هذا، ثم يوقظ هذا هذا ويصلِّي، فقلت: يا أبا
هريرة كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا .
قال الدَّاني: عرض أبو هريرة القرآن على أُبيِّ بن كعب، قرأ عليه من
التابعين عبدالرحمن بن هُرْمز .
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٣٨) من هذا الطريق، وقال: ((هذا حديث حسن غريب لا نعرفه
إلا من حديث محمد بن إسحاق)). وهو مدلس وقد عنعنه .
(٢) طبقاته الكبرى ٢/ ٣٧٢.
(٣) المصراة: هي البقرة أو الناقة أو الشاة يحبس لبنها أيامًا في ضرعها ليظن المشتري أنها
غزيرة اللبن.
٥٦٥

وقال قُتَيبة بن مِهْران: حدثنا سُليمان بن مُسْلم: سمعت أبا جَعْفر
يحكي لنا قراءة أبي هريرة في: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾[التكوير] يُحَزِّنها شبه
الرثاء .
وروى عمر بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي عن أبي
هريرة، أنَّه كان إذا قرأ بالليل خَفَضَ طَوْرًا ورفع طورًا، وذكر أنَّها قرءاة
رسول الله څ﴾﴾ .
قلت: وكان أبو هريرة مِمَّن يَجْهر (ببسم الله)) في الصلاة.
وفي ((البخاري)) (١) من حديث المَقْبري: مَرَّ أبو هريرة بقوم، بين
أيديهم شاةٌ مَصْلِيَّة، فدعوه أن يأكل، فأبى وقال: إنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّه خرج من
الدنيا وما شَبع من خبز الشَّعير.
وعن شَرَاحيل أنَّ أبا هريرة كان يصومُ الخَميس والاثنين.
وقال خالد الحذَّاء، عن عكرمة: إنَّ أبا هريرة كان يُسبِّح كل يوم اثني
عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبح بقدر ذنبي.
همَّام بن يحيى: حدثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة؛ أنَّ عمر قال
لأبي هريرة: كيفَ وجدتَ الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد
أحببتُها، وأتاه بأربع مئة ألف من البحرين قال: أَظَلَمتَ أحدًا؟ قال: لا،
قال: فما جئتَ به لنفسك؟ قال: عشرين ألفًا، قال: من أين أصبتها؟ قال:
كنت أتَّجر، قال: انظر رأسَ مالك ورزقَك فخُذْه، واجعل الآخر في بيت
المال.
وقال محمد بن سيرين: استعملَ عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم
بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدوَّ الله وعدوَّ كتابه،
فقال: لست بعدوِّ الله ولا عدوٍّ كتابهِ، ولكنِّي عدوٌ مَن عاداهما، قال: فمن
أين هذا؟ قال: خيل نتجت لي وغلَّة رقيق، وأعطية تتابعت عليَّ، فنظروا
فوجدوه كما قال. ثم بعد ذلك دعاه عُمر ليستعملَهُ فأبى .
وروى مَعْمَر، عن محمد بن زياد، قال: كان مُعاوية يبعثُ أبا هريرة
على المدينة، فإذا غَضبَ عليه بعثَ مَرْوان وعزلَ أبا هريرة، قال: فلم يلَبَثْ
(١) صحيحه ٧ / ٩٧.
٥٦٦

أن نزع مروان وبعث أبا هريرة، فقال لغلام أسود: قِف على الباب، فلا
تمنع أحدًا إلامروان، ففعل الغلام، ودخل النَّاس، ومنع مروان، ثم جاء
نوبة فدخل وقال: حُجبنا منك، فقال: إنَّ أحقَّ مَن لا يُنكر هذا لأنت.
قلت: كأنَّه بدا منه نحو هذا في حقِّ أبي هريرة.
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع، قال: كان مَرْوان ربما استخلف أبا
هريرة على المدينة، فيركبُ حمارًا ببرذعة، وخطامُه ليف، فيسيرُ فيلقى
الرَّجل فيقول: الطَّريق، قد جاء الأميرُ. وربما أتى الصبيان وهم يَلْعبون
بالليل لُعْبة الأعراب، فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب
برجليه، فيفزع الصبيان ويفرُّون.
وعن ثعلبة بن أبي مالك قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة
حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريقَ للأمير.
وقال سعيد المَقْبري: دخل مروان على أبي هريرة في شكواه فقال:
شفاك الله يا أبا هريرة، فقال: اللهمَّ إنِّي أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي قال: فما
بلغَ مروان القَطَّانين حتى مات.
وقال عبدُالرحمن بن يزيد بن جابر، عن عُمير بن هانىء، قال: قال
أبو هريرة: اللهم لا تدركني سنةٌ ستين، فتوفي فيها أو قبلها بسنة .
قال الواقدي: توفي أبو هريرة سنة تسع وخمسين، وله ثمان وسبعون
سنة. وهو الذي صلَّى على عائشة في رمضان سنة ثماني وخمسين.
وقال هشام بن عُرْوة: مات أبو هريرة وعائشة سنة سبع وخمسين،
تابعه المدائني، وعلي ابن المديني، وغيرهما .
وقال أبو مَعْشر، وضَمْرة، وعبدالرحمن بن مَغْراء، والهَيْثم بن عديٍّ،
ويحيى بن بكير : توفي سنة ثمان وخمسين.
وقال الواقدي، وقبله محمد بن إسحاق، وبعده أبو عُبيد، وأبو عمر
الضرير، ومحمد بن عبدالله بن نُمَير : توفي سنة تسع وخمسين .
وقيل: صلَّى عليه الوليد بن عُتْبة بالمدينة، ثم كتب إلى معاوية
بوفاته، فكتب إلى الوليد: ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسِنْ
جوارهم، فإنَّه کان مِمَّن ینصر عثمان، وكان معه في الدار .
٥٦٧

وقيل: كان الذين توَلَّوا حَمْلِ سريره ولدُ عثمان (١).
١٢٥ - م ٤: أبو اليسر السَّلَميُّ.
من أعيان الأنصار، اسمه كَعْب بن عَمْرو، شهد العقبةَ وله عشرون
سنة، وهو الذي أسر العباسَ يومَ بدر. روى عنه صيفي مولى أبي أيُّوب
الأنصاري، وعبادة بن الوليد الصَّامتي، وموسى بن طلحة بن عُبيد الله،
وحَنْظلة بن قَيْس الزُّرَقي، وغيرهم.
وكان دِحداحًا قصيرًا، ذا بطن، وهو الذي انتزع رايةَ المُشركين يوم
بدر، وقد شهدَ صِفِّين مع علي .
وتوفي بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقال بعضُهم: هو آخر من
مات من البدريِّين(٢)، والله أعلم.
آخر هذه الطبقة(٣).
(١) جله من تاريخ دمشق ٦٧ / ٢٩٥ - ٣٩١، وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٦٦ - ٣٧٩.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ١٨٥ - ١٨٧، والاستيعاب ٣/ ١٣٢٢.
(٣) كتب المصنف في الحاشية، ونقلها عنه البشتكي: ((فرغت منها في صفر سنة اثنتي
عشرة)) وكتب البشتكي: ((ومن خطه نقلتُ)).
٥٦٨

الطبقة السابعة
٦١ - ٧٠ هــ

.

ـمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّـ
بِسْـ
(الحوادث)
سنة إحدى وستين
توفي فيها جَرهد الأسلميُّ، والحُسين بن علي رضي الله عنهما،
وحمزةُ بن عَمْرو الأسلمي، وأم سَلَمَة أُّ المُؤمنين، وجابر بن عَتيك بن
قيس الأنصاريُّ، وخالد بن عُرْفُطة، وعثمان بن زياد بن أبيه أخو عُبيد الله،
توفي شاباً وله ثلاث وثلاثون سنة، وهمَّام بن الحارث، وهو مُخْضرم.
مقتل الحُسَين :
واستُشهد مع الحُسين ستة عشر رجلاً من أهل بيته، وكان من قصَّته
أنَّه توجّه من مكة طالبًا الكوفة لِيَلي الخلافة، فروى ذلك ابن سعد الكاتب
من وجوه متعددة(١)، ثم قال بعد أن سَرد عدة أسطر أسانيد: وغيرُ هؤلاء
حدَّثني في هذا الحديث بطائفة، فكتبتُ جوامع حديثهم في مقتل الحُسين
رضي الله عنه، قالوا: لما أخذَ البيعةَ معاويةُ لابنه يزيد، كان الحُسين ممَّن
لم يبايع، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى الحُسين يدعونه إلى الخُروج إليهم
زمنَ معاوية، وهو يأبى، فقدِم منهم قومٌ إلى محمد ابن الحنفية، فطلبوا إليه
أن يخرج معهم، فأبى، وجاء إلى الحُسين، فأخبره بما عَرضوا عليه،
وقال: إنَّ القوم إنَّما يُريدون أن يأكُلُوا بنا ويُشيطُوا(٢) دماءنا، فأقام الحسين
على ما هو عليه مهمومًا، يُجْمِعُ الإقامة مرَّة، ويُريد أن يسير إليهم مرّة،
فجاءه أبو سعيد الخُدْريُّ، فقال: يا أبا عبد الله إنِّي لك ناصِح ومُشفق، وقد
بلغني أنَّ قومًا من شيعتكم كاتبوكَ، فلا تخرج فإنِّي سمعتُ أباك بالكوفة
يقول: والله إنِّي لقد مَللتهم وأبغضوني ومَلَّوني، وما بلوت منهم وَفاءً، ومن
(١) طبقات ابن سعد في الجزء الذي نشره الدكتور محمد صامل السلمي ١/ ٤٣٦-٥١٩ .
(٢) أي يُهلكوها ويذهبوا بها.
٥٧١

فاز بهم فإنَّما فازَ بالسَّهم الأخْيَب، والله ما لهم ثباتٌ ولا عزمٌ ولا صبر على
السَّيف .
قال: وقَدِمَ المُسيَّب بن نَجَبَة الفَزَاري وعدَّة معه إلى الحُسين بعد وفاة
الحَسن، فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك،
فقال: إنِّي لأرجو أن يُعطي الله أخي على نيّته، وأن يُعطيني على نيَّتي في
حبِّي جهاد الظَّالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إنِّي لست آمن أن يكون
حُسين مُرْصدًا للفتنة، وأظنُّ يومكم من حُسين طويلاً.
فكتب مُعاوية إلى الحُسين: إنَّ من أعطى الله تعالى صَفقة يمينهِ
وعهده لجَدَير بالوفاء، وقد أُنبئتُ أنَّ قومًا من أهل الكُوفة قد دعوك إلى
الشِّقاق، وأهلُ العراق مَن قد جَرَّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتَّقِ
الله واذكر الميثاق، فإنَّك متى تَكِدْني أكِدك. فكتب إليه الحُسين: أتاني
كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جَديرٌ، وما أردت لك محاربةً، ولا عليك
خلافًا، وما أظنُّ لي عند الله عُذْرًا في ترك جهادكَ، وما أعلمُ فتنةً أعظم من
ولا يتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثَرْنا بأبي عبدالله إلا أسدًا. رواه
بطوله الواقدي، عن جماعة، عن أشياخهم.
وقال جُوَيْرية بن أسماء، عن مُسافع(١)، قال: لقي الحُسين معاوية
بمكة، فأخذَ بخِطام راحلته، فأناخَ به، ثم سارَّه طويلاً وانصرفَ، فزجر
معاوية راحلته، فقال له يزيد ابنه: لا يَزال رجلٌ قد عَرَض لك، فأناخَ بك،
فقال: دعه لعلَّه يَطْلبُها من غيري، فلا يسوِّغه، فيقتله.
رواه ابن سعد، عن المَدائني، عن جُوَيْرية، ثم قال: رجع الحديث
إلى الأول؛ قالوا: ولما احتُضِرَ مُعاوية دَعا يزيد فأوصاه، وقال: انظر
حُسين بن فاطمة، فإنَّه أحبُّ الناس إلى النَّاس، فصِلْ رَحِمه، وارفق به، فإن
يك منه شيءٌ، فإني أرجو أن يكفيكَهُ الله بمن قتل أباه وخَذل أخاه.
ولمَّا بُويع يزيد كتب إلى الوليد بن عُتبة أمير المدينة: أنْ ادع الناسَ
إلى البيعةِ، وأبدأ بوجوه قُريش، وليكن أولَ من تبدأ به الحُسينُ، وارفق به .
(١) في د وك وظ: ((نافع))، وهو تحريف، وهو مسافع بن عبدالله بن شيبة بن عثمان
العبدري المكي، وقد ينسب إلى جده كما هنا، وهو من رجال التهذيب.
٥٧٢

فبعث الوليد في الليل إلى الحُسين وابن الزُبير، فأخبرهما بوفاة معاوية،
ودَعاهُما إلى البيعةِ، فقالا: نُصبح وننظر فيما يصنعُ الناس، ووثبا فخَرجا،
وأغلظ الوليد للحُسين، فشتمَه الحسينُ وأخذ بعمامته فنَزعها، فقال الوليد:
إنْ هِجْنا بأبي عبدالله إلا أسدًا، فقيل للوليد: اقتله، قال: إنَّ ذلك لدم
مَصونٌ .
وخرج الحسين وابن الزُبير من وقتهما إلى مَكَّة، وطُلِبا فلم يُقدر
عليهما، فنزلَ الحُسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحِجْر، ولبس
المَعافِريّ(١)، وجعل يُحرِّض على بني أميّة، وكان يتردّد إلى الحُسين،
ويُشير عليه أن يقدُم العراق، ويقول له: هم شيعتكم، وكان ابن عباس يقول
له: لا تفعل. وقال له عبدالله بن مُطيع: فِداك أبي وأمي متِّعنا بنفسك ولا
تَسِر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتَّخذُنَّا خَوَلاً وعبيدًا. وقد
لقيهما عبدالله بن عُمر، وعبدالله بنِ عَيَّاش بن أبي ربيعة بالأبواء، مُنصرفين
من العُمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكِّركما الله إلا رَجَعتُما فدخلتُما فِي صالح
ما يدخل فيه الناس، وتَنظُرا، فإن أجمع على يَزِيدَ الناسُ لم تشذُّوا، وإن
افتَرُوا عليه كان الذي تُريدان. وقال ابن عمر للحُسين: لا تخرُج فإنَّ رسول
الله ◌َّ خِيِّره الله بين الدُّنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعةٌ منه، ولا
تنالها- يعني الدُّنيا- فاعتنقهُ وبكى، ووذَّعه، فكان ابن عُمَر يقول: غَلَبَنا
حسين بالخُروج، ولَعَمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرةً، ورأى من الفِتنة
وخِذْلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرَّك ما عاش.
وقال له ابن عباس: أين تُريد ياابن فاطمة؟ قال: العراقَ وشيعتي،
قال: إنِّي لكَارِه لوجهكِ(٢) هذا، تخرجُ إلى قوم قتلوا أباك وطَعنوا أخاك،
حتى تركهم سَخطةً وملَّهم، أذكِّركَ الله، تُغرِّر بنفسك!
الواقدي: حدثني عبدالله بن جعفر المَخْرمي، عن أبي عَون، قال:
خَرج الحُسين من المدينة، فمرَّ بابن مُطيع وهو يحفر بئره، فقال: إلى أين
فِداك أبي وأمِّي، متّعنا بنفسك ولا تسِر، فأبى الحُسين، قال: إنَّ بئري هذه
(١) ضرب من البرود، منسوبة إلى مَعافر القبيلة اليمنية.
(٢) أي الجهة التي تريد.
٥٧٣

رَشحتُها وهذا اليومُ ما خرج إلينا في الدلو ماء، فلو دَعوت لنا فيها بالبركة،
قال: هاتِ من مائِها، فأتى بما في الدَّلو فشرب منه، ثم مَضْمَض، ثم ردّه
في البئر .
وقال أبو سعيد: غَلبني الحُسين على الخُروج، وقد قلت له: اتَّق الله
والزَم بيتك، ولا تخرُج على إمامكَ، وكلّمه في ذلك جابرُ بن عبدالله، وأبو
واقد الليثي، وغيرهما.
وقال سعيد بن المسيِّب: لو أنَّ حُسينًا لم يخرج لكان خيرًا له.
وقد كَتَبَتْ إليه عَمْرةُ بنت عبدالرَّحمن تُعظّم عليه ما يريد أن يصنع،
وتأمرهُ بلزوم الجماعة، وتُخبره أنه إنَّما يُساق إلى مَصرعه، وتقول: أشهد
الحَدَّثتني عائشة أنَّها سمعت رسولَ الله ◌َّ يقول: ((يُقتل حُسين بأرض
بابل)) .
وكتب إليه عبدالله بن جعفر كتابًا يحذِّره أهل الكوفة، ويناشده الله أن
يشخَصَ إليهم. فكتب إليه الحُسين: إنِّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله
◌ِلَّ، وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له، ولست بمُخْبرِ أحدًا بها حتى أُلاقي عَملي.
ولم يقبل الحسين من أحدٍ، وصَمَّم على المَسير إلى العراق. فقال له ابن
عباس: والله إنِّي لأظنُك ستَقُتل غدًا بين نِسائك وبناتك كما قُتل عثمان،
وإنِّي لأخافُ أن تكون الذي يُقاد به عثمان، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. فقال:
أبا العَبَّاس إنك شيخٌ قد كبرت، فبكى ابن عباس، وقال: أقررتَ عَينَ ابنِ
الزُّبير. ولما رأى ابنُ عباس عبدالله بن الزُبير قال له: قد أتى ما أحببتَ، هذَا
الحُسين يخرج ويتركك والحِجاز، ثم تمثّل :
يا لكِ من قُنْبرةٍ بمعمر خَلا لك البَؤُ(١) فبيضي واصفري
ونَقِّري ما شئتِ أن تنقري
وبعث الحُسين إلى أهل المدينة، فسار إليه من خَفَّ معه من بني
عبدالمطّلب، وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء وصبيان، وتبعهم محمد ابن
الحَنفيَّة فأدرك أخاه الحُسين بمكة، وأعلمه أنَّ الخروج ليس له برأيٍّ يومه
(١) هكذا في النسخ، وفي طبقات ابن سعد: ((الجو))، وهو المشهور.
٥٧٤

هذا، فأبى الحسين عليه، فحبس محمدٌ وَلَدَه، فوَجَدَ عليه الحُسين، وقال:
ترغب بولدك عن موضع أُصاب فيه؟!
وبعث أهلُ العراق إلى الحُسين الرُّسل، والكتب يدعونه إليهم،
فخرج من مكة متوجِّهَا إلى العراق، في عشر ذي الحجَّة، فكتب مروان إلى
عُبيدالله بن زياد أمير الكوفة: أما بعد فإنَّ الحُسين قد توجّه إليك، وبالله ما
أحد أحب إلينا يُسلمهُ الله من الحُسين، فإيَّاك أن تُهيجَ على نفسك ما لا
يسدُّه شيءٌ .
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد، قد توجَّه إليك
الحُسين وفي مثلها تُعتَق أو تُسْتَرق كما تُستَرَقُّ العبيد.
وقال جَرير بن حازم: بلغ عُبيدالله بن زياد مَسيرُ الحسين وهو
بالبصرة، فخَرج على بغاله هو واثنا عشر رجلاً حتى قَدِموا الكوفة، فاعتقد
أهلُ الكوفة أنَّه الحُسين وهو مُتلثِّم، فجعلوا يقولون: مرحبًا بابن بنت رسول
اللهِ لَّه، وسار الحُسين حتى نَزَل نهري كربلاء، وبَعَثَ عُبيد الله عُمر بن سعد
على جيش. قال: وبَعَثَ شِمْر بن ذي الجَوْشَن، فقال: إنْ قَتَلَه وإلاَّ فاقتُله
وأنت على النَّاس.
وقال محمد بن الضَّخَاك الحِزامي، عن أبيه: خَرَج الحسين إلى
الكُوفة، فكَتَب يزيد إلى واليه بالعراق عُبيد الله بن زياد: إنَّ حُسينًا صائِرٌ إلى
الكوفة، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البُلدان، وأنت
من بين العُمَّال، وعندها تُعتق أو تعود عبدًا، فقتله ابن زياد وبعث برأسه
إليه .
وقال الزبير بن الخِرِّيت: سمعتُ الفَرزدق يقول: لقيتُ الحُسينَ
بذات عِرْق وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين، معي
حِمْلُ بعيرٍ من كُتبهم؟ قلت: لا شيء، يخذلونك، لا تذهب إليهم، فلم
يُطعني.
وقال ابن عُيَيْنة: حدَّثني بُجير، من أهل الثعلبية، قلت له: ابن كم
كنت حين مَرَّ الحُسين؟ قال: غُلام قد أيفعتُ، قال: كان في قلَّة من النَّاس،
وكان أخي أسنَّ منِّي، فقال له: يا ابن بنت رسولِ الله، أراكَ في قِلَّة من
٥٧٥

النَّاس. فقال بالسَّوط، وأشار إلى حقيبة الرَّحْل: هذه مملوءة كتبًا .
قال ابن عُيَيْنة: وحدَّثني شِهاب بن خِراش، عن رجل من قومه، قال:
كُنت في الجيش الذين بعثهم عُبيدالله بن زياد إلى الحُسين، وكانوا أربعة
آلاف يريدون الدَّيْلم فصرَفهم عبيدالله إلى الحُسين، فلقيت حُسينًا، فرأيته
أسودَ الرأس واللُّحية، فقلت له: السَّلام عليك يا أبا عبدالله، فقال: وعليك
السَّلام، وكانت فيه غُنَّة. قال شهاب: فحدَّثت به زيد بن عليّ، فأعجبه
قوله: وكانت فيه غُنّة .
ابن سعد(١)، عن الواقدي، وغيره، بإسنادهم، أنَّ عُمر بن سعد بن
أبي وقَّاص أرسلَ رجلاً على ناقة إلى الحُسين، يُخبره بقَتْل مُسلم بن عَقِيلٍ،
وكان قد بعثه الحُسين إلى الكوفة كما مرَّ في سنة ستين، فقالٍ للحُسين ولدُه
عليّ الأكبر: يا أبة ارجع، فإنَّهم أهلُ العراق وغدرهم، وقلَّة وفائهم، ولا
يَقُون لك بشيءٍ، فقالت بنو عَقيل: ليس هذا حين رجوع، وحرَّضوه على
المُضيِّ .
وقال الحُسين لأصحابه: قد تَرون ما يأتينا، وما أرى القوم إلا
سيخذلوننا، فمن أحبّ أن يرجع فليرجع، فانصرفَ عنه جماعة، وبقي فيمن
خَرج معه من مكة، فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسًا، وأما ابن زياد فجمع
المُقاتلة وأمر لهم بالعَطاء.
وقال يزيد الرِّشك: حذَّثني من شَافَهَ الحُسين، قال: رأيتُ أبنية
مضروبة بالفَلاة للحُسين، فأتيته، فإذا شيخ يقرأ القُرآن والدُّموع تَسيل على
خذِّيه، فقلت: بأبي وأمِّي يا ابنَ رسول الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة
التي ليس بها أحد؟ قال: هذه كُتب أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهُم إلا قاتليَّ،
فإذا فعلوا ذلك لم يَدَعُوا لله حُرمةً إلا انتهكُوها، فيسلَّط الله عليهم من يُذْلَّهم
حتى يكونوا أذلَّ من فَرَم الأمَّةِ، يعني مِقنعتَها .
قلت: ندب ابن زياد لقتال الحُسين، عُمر بن سَعد بن أبي وقَّاص؛
فروى الزُبير بن بَكَّار، عن محمد بن حسن، قال: لمَّا نزل عُمر بن سعد
بالحُسين أيقن أنهم قاتِلوه، فقام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم
(١) الطبقات ١ / ٤٦١ - ٤٦٢ (قسم صغار الصحابة).
٥٧٦

قال: قد نَزْل بنا ما تَرون، وإِنَّ الدُّنيا قد تَغْيَّرت وتَنَكَّرت، وأدبرَ مَعروفها،
واستَمرَّت حتى لم يَبْقَ منها إلاَّ صُبابة كصُبابة الإناء، وإلا خسيسُ عيشٍ
كالمَرعى الوبيلِ، ألا تَرَون الحقَّ لا يُعمل به، والباطلَ لا يُتناهى عنه،
ليرِغب المؤمُّنَ في لقاءِ الله، وإنِّي لا أرى الموتَ إلا سَعادةً، والحياةَ مع
الظَّالمين إلا ندمًا .
وقال خالد الحذَّاء، عن الجُريري، عن عبدربه أو غيره(١): إنَّ
الحسين لمَّا أرهقه السِّلاح قال: ألا تقبلون منِّي ما كان رسولُ الله ◌ِصَلَّه يقبل
من المشركين؟ قيل: وما كان يقبل منهم؟ قال: كان إذا جنح أحدهم قبل
منه(٢)، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع، قالوا: لا، قال: فَدَعوني آتي أميرَ
المؤمنين يزيد. فأخذَ له رجل السلاح، فقال له: أبشر بالنار، فقال: بل إن
شاءَ الله برحمة ربِّي وشَفاعة نبي، قال: فقُتل وجيء برأسه حتى وُضع في
طَست بين يدي ابن زياد، فنكته بقَضيبه، وقال: لقد كان غلامًا صَبيحًا، ثم
قال: أيُّكم قاتِله؟ فقام الرجل، فقال: ما قال لكَ؟ فأعاد الحَديث، فاسْوَدَّ
وَجههُ.
وروى ابن سعد في ((الطبقات))(٣) بأسانيده، قالوا: وأخذَ الحُسين
طرق العُذَيب، حتى نزل قصر أبي مُقاتل، فخَفق خفقةً، ثم انتبه يسترجع
وقال: رأيت كأنَّ فارسًا يُسايرنا ويقول: القوم يَسِيرون والمَنايا تَسري
إليهم، فعلمتُ أنه نَعَىَ إلينا أنفُسَنا، ثم سار فنزل بكربلاء، فسار إليه عمر
ابن سعد في أربعة آلاف كالمُكْرَه، واستعفى عبيدَالله فلم يُعْفِه، ومع الحسين
خمسون رجلاً، وتحوَّل إليه من الجيش عُشرون رجلاً، وكان معه من أهل
بيته تسعة عشر رجلاً، وقُتل عامَّة أصحابه حوله، وذلك في يوم الجمعة يوم
عاشوراء، وبقي عامة نَهاره لا يقدَم عليه أحد، وأحاطت به الرجَّالة، فكان
يشدُّ عليهم فيهزمهم، وهم يَتَدافعونه، يكرهُون الإقدامَ عليه، فصاح بهم
شِمْر: ثكلتكم أمهاتكم ماذا تنتظرون به؟ فطعنه سنان بن أنس النَّخَعي في
(١) في السير ٣/ ٣١٠: ((عن رجل)).
(٢) في ظ ود: ((إذا جنح أحدهم للسَّلْم)) وليست في بقية النسخ ولا في السير .
(٣) الطبقات ١ / ٤٦٣ - ٤٦٥ (من قسم صغار الصحابة).
تاريخ الإسلام ٢/ م٣٧
٥٧٧

تَرْقُوَته، ثم انتزع الرُّمْحَ وطعن في بواني صَدره (١)، فخزّ رضي الله عنه
صَريعًا، واحتَّ رأسه خَولي الأصبحي، لا رحمهُ الله ولا رضي عنه .
وقال أبو معشر نَجيح، عن بعض مَشْيخته: إنَّ الحُسين قال حين
نَزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: کربٌ وبَلاء،
قال: وبعث عُبيدالله بن زياد عمرَ بن سعد لقتالهم، فقال الحُسين: يا عمر
اختَرْ منِّي إحدى ثلاث: إما تتركني أن أرجع، أو تسيِّرني إلى يزيد فأضعُ
يدي في يده، فيحكم فيَّ ما رأى، فإن أبيت فسيِّرني إلى التُّرك فأقاتلهم حتى
أموتَ. فأرسل عُمر إلى ابن زياد بذلك، فهمَّ أن يُسيِّره إلى يزيد، فقال له
شمْر بن جَوْشن- كذا قال، والأصح: شمر بن ذي الجوشن -: لا أيها
الأمير، إلا أن ينزلَ على حُكمكَ، فأرسل إليه بذلك، فقال الحُسين: والله
لا أفعل. وأبطأ ◌ُعُمر بن سعد عن قتاله، فأرسل إليه ابنُ زياد شِمْر المَذكور،
فقال: إن تقدَّم عُمر وقاتل وإلاّ فاقتُله وكن مَكانه، وكان مع عُمر ثلاثون
رجلاً من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله مَجٍ ثلاثَ
خصالٍ، فلا تَقْبلون منها شيئًا؟! وتحوَّلوا مع الحُسين فقاتلوا.
وقال عبَّاد بن العوَّام، عن حُصَين، عن سَعْد بن عُبَيدة، قال: رأيت
الحُسين وعليه جبَّة بُرُود، وِرَمَاه رجلٌ يقال له: عَمرو بن خالد الطَّهوي
بسَهم، فنظرتُ إلى السهم معلّقًا بجَنْبة .
وقال ابن عُيَيْنة، عن أبي موسى، عن الحسن، قال: قُتل مع الحسين
رضي الله عنه ستة عشر رجلاً من أهل بيته .
وعن غير واحد، قالوا: قاتل يومئذ الحُسين، وكان بطلاً شجاعًا إلى
أن أصابه سهم في حَنكه، فسقط عن فرسه، فنزل شِمْر، وقيل غيره، فاحتَّ
رأسه، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون.
وروى شَريك، عن مُغيرة، قال: قالت مَرجانة لابنها عُبيد الله : يا
خبيث، قتلتَ ابن رسول الله مَّ، لا ترى الجَنَّة أبدًا.
وقال عبّاد بن العوَّام، عن حُصَين: حذَّثني سعد بن عُبَيدة، قال: إنَّا
لمُسْتَنْقعين في الفُرات مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فسارَّه، فقال: قد
بعث إليك عُبِيدُالله جُوَيرة بن بدر التَّميمي وأمره إن أنت لم تُقاتل أن يضرب
(١) أي: أضلاع صدره.
٥٧٨

عُنقك، قال: فوثب على فَرسه، ودعا بسِلاحه وعَلا فَرَسه، ثم سار إليهم،
فقاتَلَهم حتِي قَتَلهم، قال سعد: وإنّي لأَنظر إليهم، وإنَّهم لقريب مئة رجل
ففيه من صُلَب علي رضي الله عنه خمسة أو سبعة، وعشرة من الهاشميين
ورَجل من بني سُلَيِم، وآخر من بني كنانة.
وروى أبو شيبة العَبِسي، عن عيسى بن الحارثِ الكِنْدي، قال: لما
قُتل الحُسين مكثنا أيامًا سَبعَةً، إذا صَلَّينا العصر نَظَرنا إلى الشمس على
أطراف الحيطان، كأنها المَلَاحِفِ المُعَصْفَرة، وبَصَرُنا إلى الكواكب،
يضرب بعضها بعضًا.
وقال المدائني، عن عليّ بن مُدْرك، عن جدِّه الأسود بن قيس، قال:
احمرّت آفاق السَّماء بعد قتل الحُسين ستة أشهر، يُرى فيها كالدَّم، فحدَّثتُ
بذلك شَريكًا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت: هو جدِّي أبو أمِّي،
فقال: أما والله إن كان لصَدُوق الحديث.
وقال هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، قال: تعلمُ هذه الحُمرة في
الأُفق مِمَّ؟ هو من يوم قُتْل الحُسين. رواه سُليمان بن حَرْب، عن حمَّاد،
عنه .
وقال جَرير بن عبدالحَميد، عن يزيد بن أبي زياد، قال: قُتل الحُسين
ولي أربعة عشرة سنة، وصارَ الوَرَسُ الذي في عسكرهم رَمَادًا، واحمرَّت
آفاق السَّماء، ونَحروا ناقةً في عَسْكرهم، وكانوا يرون في لحمها النيران.
وقال ابِنِ عُيَينةٍ: حدَّثتني جدَّتي، قالت: لقد رأيتُ الورس عادَ رمادًا،
ولقد رأيتُ اللَّحم كأنَّ فيه النارّ حين قُتل الحُسين.
وقال حمّاد بن زيد: حدثنيٍ جَميل بن مُرَّة، قال: أصابوا إيلاً في
عسكر الحُسين يوم قُتل، فنَحروها وَطَبخوها، فصارت مثل العَلْقم.
وقال قُرّة بن خالد: حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: كان لنا جارٌ من
بَلْهُجَيم، فقدم الكُوفة، فقال: ما تَرون هذا الفاسِقِ ابن الفاسِقِ قَتله الله -
يعني الحُسين- قال أبو رجاء: فرماه الله بكَوكبين من السَّماء، فطَمس
بصره، وأنا رأيته .
وقال مَعْمَر بن راشد: أول ما عُرف الزُّهريُّ أنَّه تكلّمَ في مَجْلس
الوليد بن عبدالملك، فقال الوليدُ: تعلم ما فعلت أحجارُ بيت المقدس يوم
٥٧٩

قتل الحُسين ؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يُقلب حجر إلا وُجد تحته دم
عَبيط .
وروى الواقدي، عن عمر بن محمد بن عُمر بن عليّ، عن أبيه، قال :
أرسل عبدالملك إلى ابن رأس الجالوت، فقال: هل كان في قَتل الحُسين
علامة؟ قال: ما كُشف يومئذ حجر إلا وُجد تحته دمٌّ عَبيط .
وقال جعفر بن سُليمان: حدَّثتني أُّ سالم خالتي قالت: لما قُتل
الحُسين مُطِرْنا مطرًا كالدَّم على البيوت والجُدُر (١).
وقال عليّ بن زيد بن جُدعان، عن أنس، قال: لما قُتل الحُسين جيء
برأسه إلى عُبيد الله بن زياد، فجعل ينكتُ بقَضيب على ثناياه، وقال: إن كان
لحَسَن الثَّغر، فقلت: لقد رأيتُ رسول الله مََّ يُقبَّل موضع فَضيبك من
فیه(٢) .
وقال حمّاد بن سَلَمة، عن عمَّار بن أبي عَمَّار، عن ابن عباس، قال:
رأيتُ رسول الله مَ﴿ في النوم بنصف النَّهار، أشعث أغْبر، وبيده قارورة فيها
دم، فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحُسين
وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقِطُه، فأُحصي ذلك اليوم، فوجدوه قُتل
یو مئذ .
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٤/ ٥٥٩ - ٥٦٠: ((وأما ما ذكره ((يعني ابن
المطهر)) من الأحداث والعقوبات الحاصلة بقتل الحسين فلا ريب أنَّ قتل الحسين من
أعظم الذنوب، وأن فاعل ذلك والراضي به والمعين عليه مستحق لعقاب الله الذي
يستحقه أمثاله، لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين والسابقين
الأولين ومن قتل في حرب مسيلمة، وكشهداء أحد ... إلى أن قال: وبهذا وغيره
يتبين أن كثيرًا مما روي في ذلك كذب مثل كون السماء أمطرت دمًا، فإن هذا ما وقع
قط في قتل أحدٍ، ومثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل
ذلك فإن هذا من الترهات، فما زالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة
الشمس فهي بمنزلة الشفق، وكذلك قول القائل إنه ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد
تحته دم عبيط، هو أيضًا كذب بين)).
(٢) إسناده ضعيف لضعف ابن جُدعان. على أن الحديث صحيح من غير هذا الطريق.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٨٧٨) من طريق حماد بن سلمة عن علي، به .
وأخرجه البخاري ٥/ ٣٢ من طريق ابن سيرين عن أنس. وانظر تمام تخريجه في
تعليقنا على الترمذي (٣٧٧٨).
٥٨٠