Indexed OCR Text

Pages 461-480

نعم، إن أعطيتموني عهودَكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. قالوا: ذاك
لك. قال: فأذِن لهم، ودخلوا، فحمد الله معاويةٌ(١) وأثنى عليه، ثُمَّ قال: قد
علمتم مسيري فيكم، وصِلَتي لأرحامكم، وصَفْحي عنكم، ويزيدُ أخوكم،
وابنُ عمِّكم، وأحسنُ النَّاس فيكم رأيًا، وإنَّما أردت أن تقدِّموه باسم(٢)،
وتكونوا أنتم (٣) الذين تنزعون وتؤمّرون وتقسمون، فسكتوا، فقال: ألا
تجيبوني! فسكتوا، فأقبلَ على ابنِ الزبير، فقال: هاتِ يا ابن الزُبير، فإنَّك
لعَمْري صاحبُ خطبةِ القوم .
قال: نعم يا أمير المؤمنين، نخيِّرُك بين ثلاث خصالٍ، أيُّها ما أخذت
فهو لك. قال: لله أبوك، اعرضهنَّ. قال: إن شِئت صُنْع (٤) ما صَنَعَ رسولُ
الله اَ لّ، وإن شئت(٥) صُنْع(٦) ما صنع أبو بكر، وإن شئت صُنْع (٧) ما صنع
عمر. قال: ما صنعوا؟. قال: قُبضَ رسول الله مِ ﴾، فلم يَعْهد عهدًا، ولم
يستخلف أحدًا، فارتضى المسلمون أبا بكر. فقال: إنَّه ليس فيكم اليوم مثل
أبي بكر، إنَّ أبا بكر كان رجلاً تُقْطَعُ دونه الأعناق، وإنِّي لست آمن عليكم
الاختلاف. قال: صدقت، والله ما نُحِبُّ أن تدعنا، فاصنع ما صنع أبو بكر .
قال: لله أبوك، وما صنع؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من
رهطه، فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أيَّ رجل من قريش شئت، ليس من
بني عبد شمس، فنرضى به. قال: فالثالثة ما هي؟ قال: تصنَعُ ما صنعَ
عمر. قال: وما صنع؟ قال: جعل الأمر شورى في ستةٍ، ليس فيهم أحد من
ولده، ولا من بني أبيه، ولا من رهطه. قال: فهل عندكَ غير هذا. قال:
لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضًا. قال: أما لي فإنِّي(٨) أحببت أن أتقدَّم
(١) في ك: ((فحمد معاوية الله))، وما هنا من بقية النسخ.
(٢) سقطت من د.
(٣) في د: ((وأنتم)) خطأ، وما أثبتناه من النسخ.
(٤) في ك: ((اصنع))، والتصويب من النسخ.
(٥) سقطت من د، وهي في بقية النسخ.
(٦) في ك: ((اصنع))، خطأ.
(٧) كذلك.
(٨) في د: ((أما بعد))، وما هنا من النسخ.
٤٦١

إليكم، إنَّه قد أُعْذِرَ من أنْذَر وإنَّه قد كان يقوم القائم منكم إليَّ فيكذّبني على
رؤوس النَّاس، فأحتمل له ذلك، وإني قائمٌ بمقالة، إن صدقتُ فلي
صدقي، وإن كذبتُ فعلي كذبي، وإنِّي أقسمُ بالله لئن ردَّ عليّ إنسان منكم
كلمةً في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إليَّ رأسه، فلا يرعينَّ
رجل(١) إلاّ على نفسه، ثم دعا صاحب حَرَسه فقال: أقم على رأس كل
رجل من هؤلاء رجلين من حَرَسك، فإن ذهب رجل يردُّ عليَّ كلمة في
مقامي، فليضربا عنقه، ثم خرج، وخرجوا معه، حتى رقي المنبرَ، فحمد
الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا
يُستبدُّ بأمر دونهم، ولا يُقضى أمرٌ إلاَّ عن مشورتهم، وإنَّهم قد رضوا
وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا بسم الله، قال: فضربوا
على يده بالمبايعة، ثم جلس على رواحله، وانصرف النَّاس فلقوا أولئك
النفر(٢) فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلمَّا أُرضيتم وحُبِّيتم(٣) فعلتم، فقالوا: إنَّا
والله ما فعلنا. قالوا: ما منعكم؟ ثم بايعه الناس .
سنة اثنتين وخمسين
توفي فيها: أبو بكرةَ الثقفي في قول، وعِمْران بن حُصين، وكعبُ بن
عُجْرة، ومعاوية بن حُدَيج، وسعيد بن زيد في قول، وسفيان بن عوف
الأزدي أمير الصوائف، وحُوَيطب بن عبدالعُزَّى القرشيُّ، وأبو قتادة
الحارث بن رِبْعِيِّ الأنصاري بخُلُف فيها (٤)، ورُوَيفع بن ثابت، أمير برقة.
وفيها وُلد يزيد بن أبي حبيب فقيه أهل مصر.
وفيها صالح عبيدالله بن أبي بكرة الثقفي رُتُبيل وبلاده على ألف ألف
درهم.
وأقام الحجَّ سعيدُ بن العاص. وشَتَّى بُسر بن أبي أرطاة بأرض (٥)
(١) في ق١: ((فلا يرعوين الرجل)).
(٢)
في ق١: ((الرهط)).
(٣) في د: ((وحييتم))، وفي ق١: ((وجئتم))، وما هنا من النسخ.
(٤) في د: ((فيهما))، خطأ.
(٥) في ق: ((في بلاد))، وما هنا من النسخ.
٤٦٢

الروم .
وفيها، أو في حدودها، قال جرير بن حازم، عن جرير بن يزيد،
قال: خرج قُريب وزخَّاف في سبعين رجلاً في رمضان فأتوا بني ضُبَيْعة،
وهم في مسجدهم بالبصرة، فقتلوا رؤبة بن المُخبَّل.
قال جرير بن حازم: فحدثني الزُّبير بن الخِرِّيت، عن أبي لَبيد: أَنَّ
رؤبة قال في العَشيّة التي قُتِل فيها، لرجل في كلام: إن كنتُ صادقًا فرزقني
الله الشهادة قبل أن أرجع إلى بيتي.
قال جرير، عن قطن بن الأزرق، عن رجل منهم، قال: ما شعرنا وإنَّا
لقيام في المسجد، حتى أخذوا بأبواب المسجد ومالوا في النَّاس،
فقتلوهم، فوثب القوم إلى الجُدُر، وصعد رجل المنارة فجعل ينادي: يا
خيل الله اركبي. قال: فصعدوا فقتلوه، ثم مضوا إلى مسجد المعاول،
فقتلوا من فيه، فحذَّثني (١) جرير بن يزيد، أنَّهم انتهوا إلى رحبة بني عليَ،
فخرج عليهم بنو عليّ، وكانوا رُماة، فرموهم بالنَّبل حتى صرعوهم
أجمعين .
قال جرير بن حازم: واشتدَّ زياد بن أبيه في أمرِ الحَرُورِية، بعد قتل
قُرَيْب وزخَّاف فقتلهم، وأمر سَمُرَة بن جندب بقتلهم، فقتل منهم بشرًا
کثیرًا .
قال أبو عُبيدة: زخَّاف: طائي، وقُرَيْب: أزديٌّ(٢).
سنة ثلاث وخمسين
فيها توفي: فَضَالة بن عبيد الأنصاري، وقيل: سنة تسع، والضَّخَّاك
ابن فيروز الدَّيلمي، وعبدالرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق بمكة، وزياد بن أبيه،
وعَمرو بن حَزْم الأنصاري بخُلف فيه .
القائل هو جرير بن حازم، وجرير بن يزيد هذا عمه. انظر تاريخ خليفة ٢٢٠ .
(١)
(٢)
في تاريخ خليفة الذي نقل منه المصنف هذه الأخبار ص ٢٢٢: ((إيادي))، وفي النسخ
التي بين أيدينا كما أثبتناه، ولعله كما قال خليفة فإنه نسبه فقال: ((إيادي من إياد بن
سود)) .
٤٦٣

وفيها بعد موت زياد استعمل معاويةُ على الكوفة الضَّحَّاك بن قَيْس
الفِهْري، وعلى البَصْرة سَمُرَة بن جُندب، وعزل عُبيدَ الله(١) بن أبي بكرة عن
سِجسْتان وولاَها عَبَّاد بن زياد، فغزا ابن زياد القُنْدُهار حتى بلغ بيت
الَذَهب، فجمع له الهِنْد جمعًا هائلاً، فقاتلهم فهزمهم، ولم يزل على
سِجِستان حتى توفي مُعَاویةٌ .
وفيها شَتَّى عبدالرحمن ابن أُمِّ الحَكَم بأرضِ الرُّوم.
وأقام الموسم سعيد بن العاص.
وفيها أمَّرَ معاوية على خُراسان عُبيدالله بن زياد .
وفيها قُتل عائذُ بن ثعلبةَ البَلَوُّ، أحد الصحابة، قتله الرُّومِ بالبُرُلْس.
يزيد بن هارون: أخبرنا حمَّاد بن سَلمة، عنِ هِشام بن عُرْوة، قال:
حدثني محمد بن أبي يحيى(٢)، عن أبيه، أو عن أُمّه، أنَّ أسماء بنت أبي
بكر اتَّخذت خنجرًا زمن سعيد بن العاص للصوص، وكانوا قد استَعْدَوا
بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها .
سنة أربع وخمسين
فيها تُوفي: جبير بن مُطْعِم. وفيها: أسامة بن زيد، على الصحيح،
وثوبان مولى رسول الله معلّ، وعمرو بن حزم. وفيها: حَسَّان بن ثابت،
وعبد الله بن أُنَّيْس الجُهَني، وسعيد بن يربوع المَخْزومي، وحكيم بن حزام،
ومَخْرمة بن نوفل. وفيها بخُلف: حُوَيْطب بن عبدالعُزَى، وأبو قتادة
الحارث بن رِبْعيٌّ.
وفيها عُزل عن المدينة سعيد بن العاص بمروان .
وفيها غزا ◌ُبيد الله بن زياد، فقطع النَّهر إلى بُخارى، وافتتح زامين(٣)
(١) في ق١: ((عبيد))، محرفة.
(٢) قوله: ((حدثني محمد بن أبي يحيى)) سقطت من د، وهي ثابتة في بقية النسخ ولا يصح
السند إلا بها، وهو محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، من رجال التهذيب .
(٣) بالزاي المعجمة وألف بعدها ميم مكسورة ثم ياء ساكنة، من قرى بخارى أو من
نواحي سمرقند، وهي على طريق فرغانة إلى الصغد، كما في معجم البلدان.
٤٦٤

وصيّف بِيكَنْد، فقطع النَّهر على الإبل، فكان أولَ عربيٍّ قَطَعَ النَّهرِ.
وفيها وَجَّه الضَّخَّاك بن قَيْس من الكوفة مَصْقَلة بن هُبيرة الشَّيباني إلى
طَبَرستان، فصالح أهلها على خمس مئة ألف درهم.
وفيها عزل معاوية عن البصرة سَمُرَة بعبد الله بن عمرو بن غَيْلان
الثقفي .
وحجَّ بالنَّاس مَرْوان.
وفيها توفيت سَوْدَة أُمُّ المؤمنين في قول، وقد مَرَّت في خلافة عُمَر.
سنة خمس وخمسين
فيها تُوفي: زيد بن ثابت في قول المدائني، وسعد بن أبي وقّاص على
الأصحِّ، والأرقم بن أبي الأرقم في قَوْلٍ، وأبو اليَسَر كعب بن عَمرو
السَّلَمي(١).
وفيها عُزِل عن البصرة عبد الله الثَّقفي، ووليها عبيدالله بن زياد.
وفيها غزَا يزيد بن شجرة الرُّهاوي، فقُتل، وقيل: لم يُقْتَل، إنما قُتل
في سنة ثمان وخَمْسین.
وأقام الحج مَرْوان بن الحكم.
وشتَّى بأرض الرُّوم مالك بن عبدالله.
سنة ست وخمسين
فيها تُوفي: عبدالله بن قُرْط الثُّمالي، وجُوَيرية أُمُّ المؤمنين
المُصْطَلقيَّة، وقيل: توفيت سنة خمسين. وفيها: إسحاق بن طلحة بن
عُبَيْدالله .
وفيها ولد أبو جعفر محمد بن عليّ، وعمرو بن دينار.
وقد مرَّ أنَّ معاوية وَلَّى على البصرة عُبيد الله بن زياد، فعزله في هذه
السَّنة عن خراسان، وأمَّ عليها سَعيد بن عثمان بن عَفَّان، فغزا سعيدٌ ومعه
(١) في د: ((وأبو اليسر، وكعب بن عمرو السلمي)) جعله اثنين، وخو خطأ بين.
تاريخ الإسلام ٣٠٣/٢
٤٦٥

المُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزدي، وطلحة الطلحات، وأوس بن ثعلبة فغزا(١)
سمرقند، وخرج إليه الصُّغَد فقاتلوه، فألجأهم إلى مدينتهم، فصالحوه
وأعطوه رهائن.
وفيها شَتَّى المسلمون بأرضِ الرُّوم.
وفيها اعتمر معاوية في رجب .
وفيها تُوفيت الكلابية التي تزوجها النبي ◌َّةٍ، فاستعاذَت منه،
ففارقها، أرَّخها الواقدي.
سنة سبع وخمسين
فيها تُوفيت أُمُّ المؤمنين عائشة، أو في سنة ثمان، وفيها: السَّائبُ بن
أبي وداعة السَّهمي، ومُعَتِّب بن عَوْف ابن الحمراء، وعبدالله بن السعدي
العامري، وفي قول: أبو هريرة، وفيها: كعب بن مرَّة، أو مُرَّة بن كعب
البَهْزيُّ، وقُثَم بن العباس، ويقال: توفي فيها سعيد بن العاص، وعبدالله بن
عامر بن کُرَیْز.
وفيها عُزِل الضَّخَّاك عن الكوفة، ووليها عبدالرحمن ابن أُمّ الحكم.
وفيها وَجَّه معاويةُ حَسَّان بن الثُّعمان الغَسَّاني إلى إفريقية، فصالحه
من يليه من البربر، وضرب عليهم الخراج، وبقي عليها حتى توفي
معاوية .
وفيها عَزَلَ معاويةُ مروان عن المدينة، وأمَّرَ عليها الوليد بن عُتْبة بن
أبي سفيان، وعزل عن خُراسان سعيد بن عثمان، وأعاد عليها عُبيد الله بن
زیاد.
وشَتَّى عبدالله بن قَيْس بأرضِ الرُّوم.
(١) سقطت من د.
٤٦٦

سنة ثمان وخمسين
فيها توفي: شَدَّادُ بن أوْس، وعبدالله بن حوالة، وعُبيد الله بن العباس،
وعُقْبة بن عامر الجُهَني، وأبو هريرة، ويزيد بن شجرة الزُّهاوي، وجُبَير بن
مُطْعم، في قول المدائني .
وفيها غزا عُقبة بن نافع من قِبل مَسْلَمة بن مُخَلَّد، فاختطَّ مدينة
القَيْروان وابتناها .
وصلَّى أبو هريرة على عائشة، وكان مروانُ غائبًا في العُمْرة.
وفيها حجَّ بالنَّاس الوليدُ بن ◌ُتبة .
سنة تسع وخمسين
فيها توفي: سعيد بن العاص الأموي على الصحيح، وجُبير بن مطعم
في قول، وأوس بن عَوْفِ الطَّائفي، له صُحْبة، وشيبة بن عُثمان الحَجَبي في
قول، وأبو محذورة المؤذِّن، وعبدالله بن عامر بن كُرَيْزٍ على الصحيح، وأبو
هريرة في قول سعيد بن عُفَيْر. ويقال: توفيت فيها أُمُّ سلمة، وتأتي سنة
إحدی وستین .
وفيها وُلِدَ عَوْف الأعرابيُّ.
وفيها غَزا أبو المهاجر دينار فنزل على قَرْطاجَنَّة، فالتقوا، فكثُر القتل
في الفريقين، وحجز الليل بينهم، وانحاز المسلمون من ليلتهم، فنزلوا جبلاً
في قبلة تونس(١)، ثم عاودوهم القتال، فصالحوهم على أن يُخلوا لهم
الجزيرة، وافتتح أبو المُهاجر ميلة، وكانت إقامته في هذه الغزاة نحوًا من
سنتين .
وفيها شَتَّى عَمرو بن مُرَّة بأرض الروم في البر.
(١) في ك ود وق١: (برلس))، محرفة، والتصويب من النسخ الأخرى وتاريخ خليفة
٢٢٦، وأين برلس من قرطاجنة!
٤٦٧

وأقام الحجَّ للنّاس الوليد بن عُتْبة(١).
سنة ستين
فيها توفي: معاوية بن أبي سفيان، وبلال بن الحارث المُزَنِيُّ، وسَمُّرَة
ابن جُنْدَبِ الفَزَاريُّ، وعبدالله بن مَغفَّل، وفي قول الواقدي: صفوان بن
المُعَطِّل السُّلَميُّ، وفيها توفي في قولٍ: أبو حُمَيد السَّاعديُّ. وفيها: أبو
أُسَيْد السَّاعديُّ في قول ابن سعد.
بيعة یزید :
قال مجالد، عن الشَّعبي: قال عليّ رضي الله عنه: لا تكرهوا إمرة
معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها. قلت: قد مضى
أنَّ معاويةَ جعل ابنه وليَّ عهده بعده، وأكره النَّاس على ذلك، فلمَّا تُوفي لم
يدخل في طاعة يزيد الحُسين بن عليّ، ولا عبدالله بن الزبير، ولا من
شایعهما .
قال أبو مُسْهر: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثني سعيد بن حُرَيث،
قال: لمَّا كان الغداة التي مات في ليلتها معاويةٌ فَزَعَ الناسُ إلى المَسْجد،
ولم يكن قبله خليفةٌ بالشَّام غيره فكنت فيمن أتى المسجد، فلما ارتفع
النهارُ، وهم يبكون في الخضراء، وابنه يزيد غائبٌ في البَرِّيَّة، وهو وليُّ
عهده، وكان نائبَهُ على دمشق الضَّخَّاك بن قَيْس الفِهْري، فدُفِن معاوية، فلمَّا
كان بعد أسبوع بَلَغنا أنَّ ابن الزُّبير خرج بالمدينة وحارب، وكان معاوية قد
غُشي عليه مَرَّة، فركب بموته الرُّكبان، فلما بلغ ذلك ابنَ الزُّبير خرج، فلما
كان يوم الجمعة صلَّى بنا الضَّحَّاكِ ثم قال: تعلمون أنَّ خليفتكم يزيد قد
قدِم، ونحن غدًا متلَقُّوه، فلما صلَّى الصبح ركب، وركبنا معه، فسار إلى
(١) كذا قال المصنف، وفي تاريخ خليفة ٢٢٧: ((محمد بن أبي سفيان))، وفي تاريخ
الطبري ٥/ ٣٢١ وغيره من المصادر الأخرى: عثمان بن محمد بن أبي سفيان))، فلا
أدري أوهم هو من المصنف، أم رأي له فيه سلف .
٤٦٨

ثنيَّة العُقاب، فإذا بأثقال يزيد، ثم سرنا قليلاً، فإذا يزيد في رَكْب معه
أخواله من بني كلب، وهو على بُخْتِيٍّ له رحل، ورائطه(١) مَثْنِيَّة في عنقه،
ليس عليه سيف ولا عمامة، وكان ضخمًا سمينًا، قد كثُر شعره وشعث،
فأقبل الناس يسلِّمون عليه ويعزُّونه، وهو تُرى فيه الكآبة والحُزن وخَفْض
الصوت، والنَّاس يعيبون ذلك منه ويقولون: هذا الأعرابي الذي ولاَه أمرَ
النَّاس، والله سائله عنه، فسار، فقلنا: يدخل من باب توما، فلم يدخل،
ومضى إلى باب شرقي، فلم يدخل منه وأجازه، ثم أجاز باب كَيْسان إلى
باب الصغير، فلما وافاه أناخ ونزل، ومشى الضَّخَّاك بين يديه إلى قبر
معاوية، فصفَّنا خلفه، وكبَّر أربعًا، فلما خرج من المقابر أتي ببغلة فركبها
إلى الخضراء، ثُمَّ نودي: الصلاة جامعة، لصلاة الظهر، فاغتسل ولبس ثيابًا
نقيَّة، ثم جلس على المِنْبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر موت أبيه، وقال:
إِنَّه كان يُغزيكم البرَّ والبحر، ولستُ حاملاً واحدًا من المسلمين في البحر،
وإنَّه كان يُشتِّيكم بأرض الرُّوم، ولست مُشْتِّيًا أحدًا بها، وإنَّه كان يُخرج لكم
العطاء أثلاثًا، وأنا أجمعه لكم كلَّه. قال: فافترقوا، وما يفضِّلون عليه
أحدًا .
وعن عَمْرو بن ميمون: أنَّ معاوية مات وابنه بحُوَّارين(٢)، فصلَّى عليه
الضَّحَّاك.
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قَيْس، قال: خطب معاوية
فقال: اللهم إن كنتُ إنَّما عَهِدْتُ ليزيد لِما رأيتُ من فضله، فبلِّغه ما أمَّلت
وأعِنْه، وإن كنتُ إنَّما حملني حُبُّ الوالد لولده، وإنه ليس بأهل، فاقبضه
قبل أن يبلغ ذلك.
وقال حُميد بن عبدالرحمن: دخلنا على بَشير، وكان صحابيًا، حين
استخلف يزيد فقال: يقولون إنَّ (٣) يزيد ليس بخير أمة محمد عليه، وأنا أقول
ذلك، ولكن لأن يجمع الله أمةً محمد أحب إليَّ من أن تفترق.
(١) في ق١: ((رابطة)).
(٢) قرية من قرى حلب.
(٣) في د: ((إنما)).
٤٦٩

وقال جُوَيْرية بن أسماء: سمعت أشياخنا بالمدينة مالا أحصي
يقولون: إنَّ معاوية لما هَلَكَ، وعلى المدينة الوليد بن عُتْبة بن أبي سفيان،
أتاه موته من جهة يزيد، قال: فبعث إلى مروان وبني أميّة فأخبرهم، فقال
مروان: ابعث الآن إلى الحسين وابن الزُّبير، فإن بايعا، وإلا فاضرب
أعناقهما، فأتاه ابن الزبير فنعى له معاوية، فترحَّم عليه، فقال: بايع يزيد،
قال: ما هذه ساعة مبايعة ولا مثلي يبايع ها هنا ولكن نُصْبِح فترقى المنبر،
وأبايعك علانية ويبايعك النَّاس. فوثبّ مروان، فقال: أَضرب عنقه فإنَّه
صاحب فتنةٍ وشرٍّ. فقال: إنَّك هاهنا يا ابن الزرقاء. واستبًّا، فقال الوليد:
أخرجوهما عَنِّي، وكان رِجلاً رفيقًا سريًّا كريمًا، فأُخْرجا، فجاءه الحسين
على تلك الحال، فلم يُكَلَّم في شيء، حتى رجعا جميعًا، ثم ردَّ مروان إلى
الوليد فقال: والله لا تراه بعد مقامك إلاَّ حيث يسوؤك، فأرسل العيون في
أثره، فلم يزد حين دخل منزله على أن توضَّأ وصلَّى، وأمر ابنه حَمْزة أن
يُقدِّم راحلته إلى ذيِ الحُلَيفة، مما يلي الفرع، وكان له بذي الحليفة مال
عظيم، فلم يزل صافًا قدميه إلى السَّحَر، وتراجعت عنه العيون، فركب دابّة
إلى ذي الخُلَيفة، فجلس على راحلته، وتوجَّه إلى مكة، وخرج الحسين من
ليلته فالتقيا بمكة، فقال ابن الزبير للحسين: ما يمنعك من شيعتك وشيعةٍ
أبيك! فوالله لو أنَّ لي مثلهم ما توجّهت إلا إليهم. وبعث يزيدُ بن معاوية
عَمْرو بن سعيد بن العاص أميرًا على المدينة، خوفًا من ضعف الوليد، فرقي
المنبر، وذكر صنيعَ ابن الزُبير، وتعوُّذَه بمكة، يعني أنه عاذ ببيت الله وحرمه،
فوالله لنَغْزُوَنَّه، ثُمَّ لئن دخل الكعبة لنُحْرقها عليه على رغم أنف من رَغِم .
وقال جرير بن حازم: حدثنا محمد بن الزبير، قال: حدثني رُزَيق
مولى معاوية، قال: بعثني يزيد إلى أميرِ المدينةِ، فكتبَ إليه بموت معاوية،
وأن يبعث إلى هؤلاء الرهط، ويأمرهم بالبيعة، قال: فقدِمتُ المدينة ليلاً،
فقلت للحاجب: استأذن لي، ففعل، فلما قرأ كتاب يزيد بوفاة معاوية جَزع
جزءًا شديدًا، وجعل يقوم على رِجْليه، ثم يرمي بنفسه على فراشه، ثم
بعث إلى مروان، فجاء وعليه قميص أبيض ومُلاءة مورَّدة، فنعى له معاوية
وأخبره، فقال: ابعث إلى هؤلاء، فإن بايعوا، وإلاّ فاضرب أعناقهم، قال:
سبحان الله! أقتل الحسين وابن الزبير! قال: هو ما أقول لك.
٤٧٠

قلت: أمَّا ابن الزبير فعاذ ببيت الله، ولم يبايع، ولا دعا إلى نفسه،
وأما الحُسين بن عليّ رضي الله عنهما، فسار من مكة لما جاءته كتب كثيرة
من عامَّة الأشراف بالكوفة، فسار إليها، فجرى ما جرى ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا
مَّقْدُورًا ﴾﴾ [الأحزاب].
مجالد، عن الشعبي. (ح) والواقدي من عِدَّةِ طُرُق أنَّ الحُسين رضي
الله عنه قَدَّم مسلم بن عقيل، وهو ابن عَمِّه، إلى الكوفة، وأمره أن ينزل على
هانىء بن عُروة المُرادي، وينظر إلى اجتماع النَّاس عليه، ويكتب إليه
بخبرهم، فلما قدِمَ عُبيدالله بن زياد من البَصْرة إلى الكوفة، طلب هانىء بن
عُروة فقال: ما حملك على أن تجير عدوِّي وتنطوي عليه؟ قال: يا ابن أخي
إنه جاء حقٌّ هو أحقُّ من حقِّك، فوثب عُبيد الله بعنزة(١) طعن بها في رأس
هانىء حتى خرج الزُّجُ (٢)، واغترز في الحائط، وبلغ الخبرُ مسلم بن عقيل،
فوثب بالكوفة، وخرج بمن خفَّ معه، فاقتتلوا، فقتل مسلم، وذلك في
أواخر سنة ستين .
وروى الواقدي والمدائني بإسنادهم: أنَّ مسلم بن عقيل بن أبي طالب
خرجَ في أربع مئة، فاقتتلوا، فَكَثَرَهُم أصحاب عُبيدالله، وجاء الليل، فهربَ
مُسلم حتى دخل على امرأةٍ من كِنْدة، فاستجار بها، فدلّ عليه محمد بن
الأشعث، فأُتي به إلى عُبيد الله، فبكَّته وأمر بقتله، فقال: دَعْني أُوصي،
فقال: نعم، فنظر إلى عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص فقال: إنَّ لي إليك حاجة
وبيننا رَحم، فقام إليه فقال: يا هذا ليس ها هنا رجل من قُريش غيري
وغيرك وهذا الحُسين قد أظلَّك، فأرسل إليه فلينصرف، فإنَّ القوم قد غَرَّوه
وخدعوه وكذبوه، وعليَّ دَيْن فاقضهِ عنِّي، واطلب جثَّتَي من عُبيد الله بن زياد
فوارها، فقال له عبيدالله: ما قال لَكَ؟ فأخبره، فقال: أمَّا ماله فهو لَكَ لا
نمنعك منه(٣)، وأما الحُسين فإن تَرَكَنا لم نردَّه، وأما جثَّتَه فإذا قتلناه لم نبال
ما صُنع به. فأمرَ به، فقُتل رحمه الله .
(١) رُمْيِحٌ بين العصا والرمح.
(٢) حديدة في طرف العنزة، كما في الرمح.
(٣) في د: ((لا نمنعه منك))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى.
٤٧١

ثم قضى عُمر بن سعد دين مُسلم، وكفَّنه ودفنه، وأرسل رجلاً على
ناقةٍ إلى الحُسين يخبره بالأمر، فلقيه على أربع مراحل، وبعث عُبيد الله
برأس مُسلم وهانىء إلى يزيد بن معاوية، فقال عليّ لأبيه الحُسين: ارجع يا
أبه، فقالت بنو عقيل: ليس ذا وقت رجوع.
٤٧٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
تراجم أهل هذه الطبقة
١- الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبدالله بن عُمَر بن
مَخْزوم المَخْزوميُّ، الذي استخفى رسول الله مِ لّ في داره المعروفة بدار
الخيزران عند الصفا، أبو عبدالله.
نَفَّله النَّبِيُّ ◌ِ لَه يوم بدرٍ سَيْفًا، واستعمله على الصَّدَقاتِ.
قال ابن عبدالبَرِّ(١): ذكر ابن أبي خيثمة: أنَّ والد الأرقم قد أسلمَ
أيضًا فغلط .
وذكر أبو حاتم (٢): أنَّ عبدالله بن الأرقم هو وَلَدُ الأرقم هذا، فغَلِط
لأنَّ زُهريٌّ، ولي بيت المال لعثمان.
وقال غيره: عاش الأرقم بضعًا وثمانين سنة، ومات بالمدينة، وصلَّى
عليه سعد بن أبي وقَّاص بوصيَّته، وبقي ابنه عُبيد الله إلى حدود المئة.
وروى أحمد في «مسنده))(٣) من حديث هشام بن زياد، عن عثمان بن
الأرقم، عن أبيه، في ذَمِّ تَخَطَّ الرِّقاب يوم الجمعة، رَفَعَ الحديث(٤).
قال عُثمان: تُوفي أبي سنة ثلاث وخمسين، وله ثلاث وثمانون
.= (٥)
.
٢- ع: أُسامةُ بن زَيد بن حارِثَةَ بن شراحيل الکلميُّ، حِبُّ رسول
الله ◌َُّ وابنُ حِبِّه ومولاه، أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو
حارثة .
(١) الاستيعاب ١/ ١٣١.
(٢) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ١١٥٩.
(٣) أحمد ٣/ ٤١٧ .
(٤) إسناده ضعيف جدًا، هشام بن زياد متروك الحديث.
(٥) ينظر الاستيعاب ١/ ١٣١ - ١٣٢.
٤٧٣

يأخذُني والحسن
ـية
صَهَ ا لَه
وفي (الصحيح))(١) عن أسامة، قال: كان النبيُّ
فيقول: ((اللَّهمَّ إني أحبُّهما فأحبَهما)).
روى عنه ابناه حسن ومحمد، وابن عباس، وأبو وائل، وأبو عثمان
النَّهْدي، وأبو سعيد المَقْبري، وعُرْوة، وأبو سَلمة، وعطاء بن أبي رباح،
وجماعة .
وأُّه أمُّ أيمنَ بَرَكةُ حاضنةُ النبيِّمَِّ ومولاتُه، وكان أسودَ كالليل،
وكان أبوه أبيضَ أشقر؛ قاله إبراهيم بن سعد.
قالت عائشة: دخلَ مُجَزِّزُ المُدْلِجِيُّ القائفُ على رسول الله وَِّ، فرأى
أُسامة وزيدًا، وعليهما قطيفة، قد غَطَّيا رؤوسهما، وبدت أقدامُهما، فقال:
إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرَّ النبيُّ ◌َ﴿ بذلك وأعجبه(٢).
وقال أبو عَوَانة، عن عُمر(٣) بن أبي سَلَمة، عن أبيه: أخبرني أُسامة:
أنَّ عليًّا، قال: يا رسول الله أيُّ أهلِك أحبُّ إليك؟ قال: ((فاطمة))، قال:
إنَّما أسألك عن الرجال. قال: ((من أنعمَ الله عليه وأنعمتُ عليه؛ أسامةُ بن
زيد))، قال: ثم من؟ قال: (ثم أنت))(٤). وهذا حديث حسن(٥).
وقال مُغيرة، عن الشَّعبي أنَّ عائشة قالت: لا ينبغي لأحد أن يَبْغض
أسامة بعدما سمعتُ رسولَ الله ◌ِ ﴾ يقول: «من كان يحبُّ الله ورسولَهُ
فليُحبَّ أسامة)). هذا صحيح غريب(٦).
وقالت عائشة في شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يجترئءُ
(١) البخاري ٣٠/٥ و٣٢ و٨ /١٠.
(٢) أخرجه البخاري ٤/ ٢٢٩ و٥/ ٢٩ و٨/ ١٩٥، ومسلم ٤/ ١٧٢، وغيرهما من طريق
عروة عن عائشة، به .
(٣) في د: ((عمير))، محرف.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٨١٩)، والحاكم ٣/ ٥٩٦، وغيرهما، من طريق عمر بن أبي
سلمة، به .
(٥) كذا قال هنا، وهي عبارة الترمذي، وقال في تلخصيه لمستدرك الحاكم: ((عمر
ضعيف))، وهو كذلك إلا إذا توبع كما بيناه في ((تحرير التقريب))، ولم يتابع.
(٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٦ من طريق الشعبي عن عائشة، وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإن
الشعبي لم يسمع من عائشة .
٤٧٤

يكلِّمُ رسولَ الله ◌َّ فيها إلا حِبُّ رسول الله أسامة(١).
وقال موسى بن عُقبة وغيرُه، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله ◌َّ: ((أحبُّ النَّاس إليَّ أسامة)). ما حاشى فاطمة ولا غيرها(٢).
قال زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عُمَر: أنَّه فرضَ لأسامة ثلاثة آلاف
وخمس مئة، وفرضَ لعبدالله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال عبد الله: لِمَ
فَضَّلته عليَّ، فوالله ما سبقني إلى مشهد! قال: لأنَّ زيدًا كان أحبَّ إلى
رسول الله وَ﴾ من أبيك، وكان أسامةُ أحبَّ إلى رسول الله مَّه منك، فآثرت
حُبَّ رسول اللهَِّ على حُبِّي.
قال الترمذي: حسن غريب(٣).
وفي الصحيحين(٤) من حديث ابن عمر، قال: أمَّرَ رسول الله ◌ِله
أسامة فطعنوا في إمارته، فقال: ((إنْ يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة
أبيه، وايم الله إنْ كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ النَّاس إليَّ وأن
ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده)) .
قد ذكرنا في المغازي: أنَّ النبيَّ وَّ أَمَّر أُسامة على جيش، فيهم أبو
بكر وعُمر، وله ثمانٍ عشرة سنة .
وفي ((صحيح مسلم))(٥)، من حديث عائشة، قالت: أراد النبيُّ ◌َّ أن
(١) أخرجه البخاري ٤/ ٢١٣ و٥/ ٢٩ و٨/ ١٩٩ و٢٠١، ومسلم ٥/ ١١٤ و١١٥،
وغيرهما، من طريق عروة عن عائشة، به.
(٢) علامات النكارة بادية على متنه، وهو من رواية حماد بن سلمة عن موسى بن عقبة
ولعله رواه لما تغيّر حفظه بأخرةٍ، واغتر به الحاكم فصححه ٣/ ٥٩٦ من طريق حماد
ابن سلمة، به .
(٣) جامعه الكبير (٣٨١٣) من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، به. وللحديث طرق أخرى
لا يصح منها شيء انظرها في تعليقنا على الترمذي.
(٤) البخاري ٥/ ٢٩ و١٧٩ و٦ / ١٩ و٨/ ١٦٠ و٩/ ٩١، ومسلم ٧/ ١٣١، وغيرهما
من طريق عبدالله بن دينار عن ابن عمر، به مرفوعًا، وانظر تمام تخريجه في تعليقنا
على الترمذي .
(٥) كذا قال وهو زلة قلم منه رحمه الله، فإنه ليس في صحيح مسلم، ولعله أراد أن يقول:
أخرجه الترمذي، فهو في جامعه برقم (٣٨١٨)، وقال: ((حسن صحيح)).
٤٧٥

يمسح مُخاط أسامة، فقلتُ: دعني حتى أكون أنا الذي أفعلُه، فقال:
((يا عائشة أحبِّيه فإنِّي أُحبُّه)) .
وقال مُجالد، عن الشَّعبي، عن عائشة، قالت: أمرني رسولُ الله الحالية.
يومًا أن أغسل وجه أسامة بن زيد وهو صَبيٌّ، قالت: وما ولدتُ، ولا أعرفُ
كيف يُغسل وجه الصبيان، فأخذه فأغسله غسلاً ليس بذاك، قالت: فأخذه
وجعل يغسل وجهه ويقول: «لقد أحسنَ بنا أُسامة إذ لم يكن جاريةً، ولو
كنتَ جاريةً لحلَّيتُكَ وأعطيتُك))(١).
وفي «مُسند أحمد))(٢) من حديث البَهيِّ، عن عائشة، قالت: يقول
رسول الله مَ﴾: ((ولو كان أُسامة جارية لكسوتُهُ وحَلَّيْتُهُ حتى أُنَفْقه))(٣).
وعن عبدالله بن دينار وغيره، قال: لم يَلْقَ عُمَرُ أسامة قَطُّ إلا قال:
السَّلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، أميرٌ أمَّرَهُ رسول الله ◌ِّل،
ومات وأنت عليَّ أمير (٤).
وقال عُبيد الله بن عُمر، عن نافع: قال ابن عمر: فرض عُمر لأسامة
أكثر مما فرض لي، فقلت: إنَّما هجرتي وهجرته واحدة، فقال: إنَّ أباه
كان أحبَّ إلى رسولِ الله ◌ِّ من أبيك، وإنَّه كان أحبَّ إلى رسولِ الله
منك (٥)
وقال قيس بن أبي حازم: إنَّ رسولَ الله ◌ِ لَه حين بَلَغَهُ أنَّ الراية صارت
إلى خالد بن الوليد قال: ((فهلاً إلى رجل قُتل أبوه))، يَعْني أسامة(٦).
(١) إسناده ضعيف، مجالد ليس بالقوي وتغير في آخر عمره، أخرجه ابن عساكر ٦٨/٨
من هذا الطريق .
(٢) أحمد ٦ / ١٣٩ و٢٢٢.
(٣) وأخرجه ابن ماجة أيضًا (١٩٧٦)، وإسناده ضعيف، فيه شريك القاضي ضعيف عند
التفرد، ولم يتابع. وانظر تعليقنا عليه في سنن ابن ماجة .
(٤) أخرجه ابن عساكر ٨/ ٧٠.
(٥) أخرجه ابن سعد ٤/ ٧٠، وغيره من طريق الدراوردي عن عبيدالله العمري، به.
وإسناده ضعيف لضعف رواية الدراوردي عن عبيدالله خاصة .
(٦) إسناده ضعيف لإرساله، قيس بن أبي حازم تابعي ثقة، قيل: إن له رؤية، ولا يصح
سماعه من النبي مَل# بحال. أخرجه ابن عساكر ٨/ ٧٢.
٤٧٦

وقال الزُّهري: مات أُسامة بالجُرْف(١)، وحُمل إلى المدينة .
وعن سعيد المَقْبري، قال: شهدتُ جنازة أسامة، فقال ابن عمر:
عَجِّلُوا بحبِّ رسول اللهِ وَّلَه قبل أن تطلعَ الشمس .
ابن سعد(٢): حدثنا يزيد، قال: حدثنا حَمَّاد بن سلمة، عن هشام بن
عُروة، عن أبيه: أنَّ النَّبي ◌َّ أَخَّرَ الإفاضة من عرفة من أجل أسامة ينتظره،
فجاء غلام أسود أفطس، فقال أهل اليمن: إنَّما حَبَسنا من أجل هذا! فلذلك
ارتدُّوا، يعني أيام الصِّدِّيق(٣).
وقال وكيع: سَلِمَ من الفتنة من المعروفين أربعة: سعد، وابن عمر
وأسامة بن زيد، ومحمد بن مَسْلمة (٤)، واختلط سائرهم.
وقال ابن سعد(٥): مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة.
قلت: وقد سكن المِزة مُدَّة، ثم انتقلَ إلى المدينة، وتوفي بها،
ومات وله قريب من سبعين سنة .
وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، فالله أعلم (٦).
وقال وَهْب بنُ جرير: حدثنا أبي، قال: سمعتُ ابن إسحاق، عن
صالح بن كَيْسان، عن عُبيدالله بن عبدالله، قال: رأيتُ أسامة بن زيد
مُضْطَجعًا على باب حجرة عائشة، رافعًا عقيرته يتغنّى، ورأيته يصلِّي عند
قبر النبيِّ مَّهِ، فمرَّ به مروان فقال: أتصلِّي عند قبر! وقال له قولاً قبيحًا ثم
أدبرَ، فانصرفَ أسامة ثم قال: يا مروان إنك فاحش متفخِّش، وإني سمعتُ
رسولَ اللهِ له يقول: ((إنَّ الله يُبغض الفاحشَ المتفخِّش))(٧).
(١) موضع على ثلاثة أميال من المدينة إلى الشام.
(٢)
طبقاته الكبرى ٤ / ٦٣.
(٣) إسناده ضعيف لإرساله، عروة لم يدرك النبي
(٤)
في ق١ : ((سلمة)) محرف.
(٥) طبقاته الكبرى ٤ / ٧٢.
من تاريخ دمشق ٨/ ٤٦ - ٨٣، وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٣٣٨ - ٣٤٧.
(٧) إسناده ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
(٦)
أخرجه ابن حبان (٥٦٩٤)، والطبراني في الكبير (٤٠٥)، من طريق محمد بن
إسحاق، بنحوه. والجزء المرفوع منه له طرق أخرى لا تقويه .
٤٧٧

٣- ت ق: إسحاق بن طلحة بن عُبَيْدالله التَّيْميُّ.
توفي سنة ستٍّ وخمسين بخراسان .
روى عن أبيه، وعائشة. وعنه ابنه معاوية، وابن أخيه إسحاق بن
یحیی .
ووفد على معاوية، وخطب إليه أخته، وهو ابن خالة معاوية، لأنَّ أَمَّه
أمُّ أبان بنتُ عُتبة بن ربيعة .
قال المدائني: كان قد ولي خراج خراسان لمعاوية فتوفي بها سنة
ست وخمسين(١).
٤- ٤: أسماءُ بنتُ عُمَيْس الخَثْعَمِيَّة.
هاجرت مع زوجها جَعْفر إلى الحَبَشة، فلمَّا استُشهد بمُؤتة تزوَّجها
بعده أبو بكر الصِّديق، ثم بعده علي. فعبد الله بن جعفر، ومحمد بن أبي
بكر، ويحيى بن عليّ بن أبي طالب إخوة لأم.
روت أحاديث. وعنها ابنها عبدالله، وابن أختها عبدالله بن شدَّاد بن
الهاد، وسعيد بن المسيِّب، والشَّعبي، والقاسم بن محمد، وعُروة بن
الزُبير، وفاطمة بنت عليّ بن أبي طالب، وفاطمة بنت الحُسين، وآخرون.
وهي أخت ميمونة أُمِّ المؤمنين وأُمِّ الفضل زوجة العباس من الأم.
وقيل : كُنَّ تسع أخوات(٢).
٥- دن ق: أوس بن عَوف الطَّائفي.
قدم على رسول الله مَّر في وفد قومِه ثقيف.
قال خليفة(٣): توفي سنة تسع وخمسين.
وقال أبو نُعيم الحافظ (٤): هو أوس بن حُذيفة، نُسب إلى جدِّه
الأعلى .
(١) من تهذيب الكمال ٢ / ٤٣٨ - ٤٤٠.
(٢) من تهذيب الكمال ٣٥/ ١٢٦ - ١٢٨ .
(٣) طبقاته ٥٤ .
(٤) معرفة الصحابة ٢/ ٣٤٨.
٤٧٨

وقيل: هو أوس بن أبي أوس. روى عنه ابنه عبدالله، وحفيده عثمان
ابن عبد الله وقيل: هو أوس بن أوس الذي نزل الشام، وهو بعيد(١).
٦- ٤: بلال بن الحارث المُزَنيُّ، أبو عبدالرحمن، عدادُه في
أهل المدينة .
صحابيٌّ معروف، عاشَ ثمانين سنة، وكان ينزل جَبَلَ مُزَينة المعروف
بالأجْرد، ويتردّد إلى المدينة .
روى عنه ابنه الحارث، وعلقمة بن وقّاص. وحديثه في السُّنن.
توفي سنة ستين(٢).
٧- م ٤: ثَوْبان، مولى رسول الله :
صَلَى اللّه
٠
وَسـ
سُبي من نواحي الحجاز، فاشتراه النبيُّ ◌َّ﴾، فكان يخدمه حَضَرًا
وسَفَرًا وحفظ عنه كثيرًا، وسكن حِمْص.
روى عنه جُبَير بن نُفير، وخالد بن مَعْدان، وأبو أسماء الرَّحَبيُّ،
وراشد بن سعد وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وجماعة كثيرة.
توفي سنة أربع وخمسين(٣).
٨- جُبَير بن الحُوَيْرث بن نُقَيْد القُرشيُّ .
أهدرَ رسول الله بَّهدم أبيه يومَ الفتح، لكونه كان مؤذيًا لله ورسوله.
ولجُبَيْر رؤية. روى عن أبي بكر، وعمر، وشهد اليرموك. روى عنه
عبدالرحمن بن سعيد بن يَرْبوع، وعروة، وسعيد بن المسيِّب (٤).
٩-ع: جُبَيْر بن مُطْعِم بن عديٍّ بن نوفل بن عبدمناف بن قُصَيٍّ
النوفليُّ، أبو محمد، ويقال: أبو عديٍّ.
قدِمَ المدينة مُشْركًا في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك وحسُن
إسلامه، وكان من حُلماء(٥) قريش وأشرافهم. وأبوه هو الذي قام في نقض
(١) ينظر تهذيب الكمال ٣ / ٣٨٨.
(٢) من تهذيب الكمال ٣٨٣/٤ - ٢٨٤ .
(٣) من تهذيب الكمال ٤/ ٤١٣ - ٤١٦.
(٤) ينظر الاستيعاب ١/ ٢٣٤.
(٥) في ك: ((حكماء))، وما أثبتناه من النسخ الأخرى، وهو قول مصعب بن عبدالله الزبيري.
٤٧٩

الصَّحيفة، وأجارَ رسولَ الله ◌ٍَّ حتى طافَ بالبيت لمَّا رجع من الطائف،
ومات مُشْركًا .
لجُبَيْرِ أحاديث، روى عنه ابناه محمد ونافع، وسُليمان بن صُرَد،
وسعيد بن المسيب، وآخرون .
توفي سنة ثمان وخمسين في قول المدائني، وقيل: سنة تسع
(٢)
وخمسين(١).
١٠ - ع: جَرِير بن عَبدالله، أبو عَمرو البَجَلَيُّ الأَحْمَسيُّ اليَمَنيُّ.
وفد على رسول الله بِّل سنة عَشْر، فأسلم في رمضان، فأكرمَ رسول
اللّه ◌ُ﴾ مقدمه .
وكان بديعَ الجَمال، مليحَ الصورة إلى الغاية، طويلاً، يصلُ إلى سنام
البعير، وكان نعلَهُ ذراعًا .
قال رسول الله بَله: ((على وجهه مسحةُ مَلَك))(٢).
ورُوي عن عُمر رضي الله عنه، قال: جرير يوسُف هذه الأمة .
اعتزل عليًّا ومعاوية، وأقام بنواحي الجزيرة.
روى عنه حفيده أبو زُرْعة بن عَمْرو بن جَرير، والشَّعبي، وزياد بن
عِلاقة، وأبو إسحاق السَّبيعي، وجماعة .
توفي سنة إحدى وخمسين على الصحيح.
وقيل: توفي سنة أربع وخمسين .
قال مُغيرة عن الشَّعبي: إنَّ عمرٍ كان في بيت، فوجد ريحًا، فقال:
عزمتُ على صاحب الريح لما قام فتوضَّأ، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أو
نتوضَّأ جميعًا؟ فقال عمر: نِعْمَ السَّيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت
في الإسلام.
قال ابن إسحاق: وفيه يقول الشاعر :
(١) من تهذيب الكمال ٤ / ٥٠٦ - ٥٠٩.
(٢) حديث صحيح، وهو قطعة من حديث طويل، رواه بعضهم مطولاً، وبعضهم رواه
مقتصرًا على قطعة منه، انظر طرقه في المسند الجامع ٤ / ٥٢١ - ٥٢٣ الحديث
(٣١٧٦) و(٣١٧٨).
٤٨٠