Indexed OCR Text

Pages 301-320

سنةٌ سَبْع وثلاثين
وقعةُ صِفّین
قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لمّا قُتِلَ عثمان رضي
الله عنه، كتبت نائلة زوجتُه إلى الشّام إلى معاوية كتاباً تَصِفُ فيه كيف دُخِلَ
على عثمان رضي الله عنه وقُتِلَ، وبعثت إليه بقميصه بالدِّماء، فقرأ معاويةٌ
الكتابَ على أهل الشّام، وطَيِّفَ بالقميص في أجناد الشَّام، وحرَّضهم على
الطَّلب بدمه، فبايعوا معاويةَ على الطَّلبِ بدمه .
ولمّا بُويع عليٍّ بالخلافة قال له ابنه الحَسَن وابن عبّاس: اكتب إلى
معاوية فأقِرَّهُ على الشَّام، وأَطْمِعْهُ فإنَّه سيطمع ويكفيك نفسَه وناحيتَه، فإذا
بايعَ لك النَّاسُ أَقْرَرْته أو عَزَلْته، قال: فإنَّه لا يرضى حتَّى أعطيه عهدَ الله
تعالى وميثاقه أنْ لا أعزله. قالا: لا تُعْطه ذلك. وبلغ ذلك معاوية. فقال:
والله لا ألي له شيئاً ولا أبايعه، وأظهر بالشَّام أنَّ الزُّبَير بن العوَّام قادم
عليهم، وأنّ مُبَايع له، فلمَّا بلغه أمرُ الجمل أمسك، فلمّا بلغه قَتْلُ الزُّبَير
تَرَجَّم عليه، وقال: لو قَدِمَ علينا لَبَايَعْناه وكان أهلاً.
فلمّا انصرف عليٍّ منِ البصرة، أرسل جرير بنَ عبدالله البَجَليّ إلى
معاوية، فكلَّم معاوية، وعظَّمَ أمرَ عليٍّ ومُبَايعته واجتماعِ النَّاسِ عليه، فأبى
أنْ يبايعه، وجرى بينه وبين جرير كلامٌ كثير، فانصرف جرير إلى عليٍّ
فأخبره، فأجمع على المسير إلى الشام، وبعث معاويةُ أبا مسلم الخَوْلانيّ
إلى عليّ بأشياء يطلبها منه، منها أن يدفع إليه قَتَلَة عثمان، فأبى عليّ،
وجَرَت بينهما رسائل .
ثمّ سار كلٌّ منهما يريد الآخر، فالتقوا بصفِّين لسبْع بقين من المحرَّمِ،
وشبَّت الحربُ بينهم في أوّل صفر، فاقتتلوا أيّاماً.
فحدَّثني ابن أبي سَبْرَة، عن عبدالمجيد بن سُهَيْل، عن عُبَيْد الله بن
عبدالله، عن ابن عبّاس، قال: استعملني عثمان على الحجّ، فأقمتِ للناس
الحجَّ، ثمّ قِدِمْتُ وقد قُتِلَ وبويع لعليّ، فقال: سرْ إلى الشّام فقد ولَّيتْكَها.
٣٠١

قلت: ما هذا برأي، معاوية ابنُ عمّ عثمان وعامله على الشام، ولستُ آمنُ
أن يضرب عُنُقي بعثمان، وأدنى ما هو صانعٌ أنْ يحبسني. قال عليّ: ولِمَ؟
قلت: لقرابتي منك، وأنّ كلّ من حَمَل عليكَ حمل عليّ، ولكن اكتب إلى
معاوية فَمَنِّه وعِدْهُ. فأبى عليّ وقال: لا والله لا كان هذا أبداً.
روى أبو عُبَيْد القاسم بن سلّم، عمَّن حدّثه، عن أبي سنان العِجْلي،
قال: قال ابن عبّاس لعليٍّ: ابعثني إلى معاوية، فَوَالله لأفتلنّ له حبلاً لا
ينقطع وسطه، قال: لستُ من مَكْرك ومَكْره في شيء، ولا أعطيه إلّ
السَّيف، حتّى يغلب الحقُّ الباطلَ، فقال ابن عبّاس: أو غير هذا؟ قال:
كيف؟ قال: لأنه يُطاع ولا يُعْصَى، وأنت عن قليلٍ تُعْصَى ولا تُطاع. قال:
فلمّا جعل أهلُ العراقِ يختلفون على عليّ رضي الله عنه قال: لله دَرّ ابن
عباس، إنّه لَيَنْظُر إلى الغَيْب من سِتْرٍ رقيق.
وقال مجالد، عن الشَّعبي، قَالَ: لمّا قُتِلَ عثمان، أرسلَتْ أمُّ حبيبة بنتُ
أبي سُفيان إلى أهل عثمان: أُرسِلُوا إليَّ بثياب عثمان التي قُتِلَ فيها، فبعثوا
إليها بقميصه مضَرَّجاً بالدَّم، وخُصْلة الشَّعْر التي نُتِفَتْ من لِحْيَتِهِ، ثمّ دعتْ
النُّعمان بن بشير، فبعثته إلى معاوية، فمضى بذلك وبكتابها، فصعد معاوية
المنبرَ،ِ وجمع النّاس، ونشر القميص عليهم، وذكر ما صُنِعَ بعثمان، ودعا
إلى الطَّلب بدمه. فقام أهلُ الشام، فقالوا: هو ابن عمّك وأنت وليُّه، ونحن
الطّالبون معك بدمه، وبایعوا له.
وقال يونس، عن الزُّهري قال: لمّا بلغ معاوية قتْلُ طلحة والزُّبير،
وظهورُ عليّ، دعا أهل الشَّام للقتال معه على الشُّورى والطّلب بدم عثمان،
فبايعوه على ذلك أميراً غير خليفة .
وذكر يحيى الجُعْفيّ(١) في ((كتاب صِفِّين)) بإسناده أنَّ معاوية قال لجرير
ابن عبدالله: اكتب إلى عليَّ أنَّ يجعلَ لي الشَّام، وأنا أبايع له، قال: وبعث
الوليد بن عقبة إليه يقول :
(١) هو يحيى بن سليمان الجعفي الكوفي المقرئ الحافظ نزيل مصر المتوفى سنة ٢٣٧
أو التي بعدها (تهذيب الكمال ٣٦٩/٣١).
٣٠٢

بشامِكَ لا تُدْخِل عليك الأفاعيا
مُعَاوِيُّ إنَّ الشّام شامُك فاعتصمْ
ولا تَكُ مخشوشَ الذِّراعَيْنِ وانيا (١)
وحامٍ عليها بالقنابل والقنا
فإنَّ عليّاً ناظرٌ ما تُجِيبُه
فأهْدِ له حَرْباً تُشِيب النَّوَاصيا
وحدّثني(٢) يَعْلَى بن عُبَيْد، قال: حدثنا أبي، قال: قال أبو مسلم
الخَوْلاني وجماعة لمعاوية: أنت تُنازع عليّاً! أم أنتَ مثلَهُ؟ فقال: لا والله
إنِّي لأعلمُ أنَّ عليّاً أفضلُ منِّي وأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألَسْتُم تعلمون أنَّ
عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا ابنُ عمِّه، وإنّما أطلبُ بدمه، فَأْتُوا عليّاً فقولوا له،
فَلْيَدْفَعْ إليَّ قَتَلَة عثمان وأسَلِّم له. فأتَوْا عليّاً فكلَّموه بذلك، فلم يدفعهم
إليه .
وحدَّثني خلاَّد بن يزيد الجُعْفيُّ، قال: حدثنا عَمْرو بن شِمْر، عن جابر
الجُعْفيِّ، عن الشَّعْبِيِّ - أو أبي جعفر الباقر شَكَّ خلَّد - قال: لمَّا ظهر أمرُ
معاوية دعا عليٍّ رضي الله عنه رجلاً، وأمره أنْ يسيرَ إلى دمشق، فيعقل
راحلته على باب المسجد، ويدخُلَ بهيئة السَّفر، ففعل الرجل، وكان قد
وصَّاه بما يقول، فسألوه: من أين جئتَ؟ قال: من العراق، قالوا: ما
وراءك؟ قال: تركتُ عليّاً قدِ حشدَ إِليكم ونَهدَ في أهل العراق. فبلغ
معاوية، فأرسل أبا الأعور السُّلَمِيّ يحقّقُ أمره، فأتاه فسأله، فأخبره بالأمر
الذي شاع، فنودي: الصَّلاةُ جامعة. وامتلأ النَّاسُ في المسجد، فصعد
معاويةُ المِنْبَرَ وتشهَّدَ، ثمّ قال: إنّ عليّاً قد نَهَدَ إليكم في أهل العراق، فما
الرَّأي؟ فضرب النَّاسُ بأذقانهم على صُدُورهم، ولم يرفعُ إليه أحدٌ طَرْفَه،
فقام ذو الكلاع الحِمْيرِيُّ، فقال: عليك الرأيّ وعلينا أَمْ فعال(٣) - يعني
الفِعال ـ فنزل معاوية ونُودِي في النّاس: اخرجوا إلى مُعَسْكَرَكُم، ومَن
تخلَّف بعد ثلاثٍ أحلَّ بنفسه. فخرج رسولُ عليٍّ حتَّى وافاه، فأخبره بذلك،
(١) القنابل: جمع القَنْبَل والقَنْبَلة، وهم الطائفة من الناس والخيل، ومخشوش - بالخاء
والشين المعجمتين-، أي: ولا تَكُ مقيد اليدين. من قولهم خش البعير، إذا جُعل في
أنفه الخشاش، وهو عود من خشب يجعل في أنف البعير يُشد به الزمام .
(٢) القائل هو يحيى الجعفي، ويعلى بن عبيد شيخه.
(٣) أهل حمير يجعلون لام التعريف ميماً.
٣٠٣

فأمر عليٌّ فنوديَ: الصَّلاةُ جامعة. فاجتمع النَّاسُ، وصعِدَ المِنْبَرَ فحمِدَ الله
وأثنى عليه، ثمّ قال: إنَّ رسولي الذي أرسلتُهُ إلى الشّام قد قَدِمَ عليَّ،
وأخبرني أنَّ معاويةَ قد نَهَدَ إليكم في أهل الشَّام، فما الرأيُ؟ قال: فَأَضَبَّ(١)
أهلُ المسجد يقولون: يا أميرَ المؤمنين الرأي كذا، الرأي كذا، فلم يفهم
على كلامهم من كثرةٍ مَنْ تكلَّمَ، وكثُر اللَّغَط، فنزل وهو يقول: إنَّا لله وإنّا
إليه راجعون، ذهب بها ابن أكّالة الأكباد، يعني معاوية(٢).
وقال الأعمش: حدَّثنِي مَنْ رأى عليّاً يومٍ صِفِين يصفّقُ بيديه، ويعضُّ
عليها، ويقول: واعجباً! أُعْصَى ويُطاع معاوية(٣).
وقال الواقديُّ: اقتتلوا أيّاماً حتّى قُتِلَ خلْقٌ وضجِروا، فرفع أهلُ الشّام
المَصَاحِف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحُكْم بما فيه. وكان ذلك
مكيدةً من عَمْرو بن العاص، يعني لمَّا رأى ظهورَ جيش عليٍّ، فاصطلحوا
كما يأتي.
وقال الزُّهْريُّ: اقتتلوا قتالاً لَم تَقْتَتِلْ هذه الأمَّةُ مثله قطُّ، وغلب أهل
العراق على قتلى أهل حمص، وغلب أهلُ الشَّام على قتلى أهل العالية،
وكان على ميمنة عليٍّ الأشعث بن قيس الكِنْدي، وعلى المَيْسَرةِ عبد الله بن
عبَّاس، وعلى الرَّجَّالة عبدالله بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزَاعِيّ، فَقُتِلَ يومئذٍ.
ومن أمراء عليٍّ يومئذٍ: الأحنفُ بن قيس التميمي، وعمّار بن ياسر العَنْسِيُّ،
وسليمان بن صُرَد الخُزاعيُّ، وعَدِيُّ بن حاتم الطَّائِيُّ، والأشتر النَّخْعي،
وعَمْرو بن الحَمِقِ الخُزَاعِيُّ، وشبَث بن رِبِعِيّ الرِّياحيّ، وسعيد بن قيس
الهَمْداني، وكان رئيس هَمْدان المهاجر بن خالد بن الوليد المخزوميّ،
وقيس بن مكشوح المُراديّ، وخُزَيْمة بن ثابت الأنصاريّ، وغيرهم.
وكان عليّ في خمسين ألفاً، وقيل: في تسعين ألفاً، وقيل: كانوا مئة
ألف(٤) .
(١) أي تكلم أغلبهم بحيث لم يُفْهم على أحد.
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٣٦/٥٩ - ١٣٧ وإسناده تالف، فإن عمرو بن شمر متروك،
وشيخه الجعفي ضعيف .
(٣) أخرجه ابن عساكر ١٣٧/٥٩، وهو ضعيف لجهالة من رأى عليًا.
(٤) تاريخ خليفة ١٩٣ .
٣٠٤

وكان معاوية في سبعين ألفاً، وكان لواؤه مع عبدالرحمن بن خالد بن
الوليد المخزوميّ، وعلى مَيْمَنَتَه عَمْرو بن العاص، وقيل ابنه عبدالله بن
عَمْرو، وعلى الميسرة حبيب بن مَسْلَمَة الفِهْريِّ، وعلى الخيل عُبَيْد الله بن
عمر بن الخطاب، ومن أمرائه يومئذ: أبو الأعورِ السُّلميُّ، وزُفَر بن
الحارث، وذو الكَلاع الحِمِيرِيّ، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وبُسْر بن أرطاة
العامريُّ، وحابس بن سَعد الطَّائي، ويزيد بن هُبَيْرة السَّكونيُّ، وغيرهم(١).
قال عَمْرو بن مُرَّة، عن عبدالله بن سَلِمَة، قال: رأيت عمَّارَ بن ياسر
بصِفِّين، ورأى راية معاوية، فقال: إنَّ هذه راية قاتلتها مع رسول الله
صَلِ لّه
أربع مرّات. ثم قاتل حتَّى قُتِلَ.
وقال غيره: برز الأشعث بن قيس في ألفين، فبرز لهم أبو الأعور في
خمسة آلاف، فاقتتلوا: ثمّ غلب الأشعث على الماء وأزالهم عنه(٢).
ثمّ التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ثمَّ يوم الخميس والجمعة وليلة
السَّبْت، ثمّ رفع أهلُ الشّام لمَّا رأوا الكَسْرَة المَصَاحِفَ بإشارة عَمْرو، ودعوا
إلى الصُّلحِ والتّحكيم، فأجاب عليٍّ إلى تحكيم الحَكَمَين، فاختلف عليه
حينئذٍ جيشُه وقالت طائفة: لا حُكمَ إلاّ الله. وخرجوا عليه فهُمُ ((الخوارج)).
وقال ثُوَيْر بنِ أبي فاختة، عن أبيه، قال: قُتِلَ مع عليٍّ بصفِّين خمسة
وعشرون بَدْرياً. ثُوَيْر متروك.
قال الشَّعْبيُّ: كان عبدالله بن بُدَيْل يوم صِفِّين عليه دِرْعان ومعه سَيْفان،
فكان يضرب أهل الشام ويقول :
ثمّ التمشِّي في الرعيل الأوّلْ
لم يبق إلاّ الصَّبْرَ والتَّوكُّلْ
والله يقضي ما يشا ويفعلُ
مَشْيَ الجِمَالِ في حياض المَنْهَلْ
فلم يَزَلْ يضرِب بسيفه حتَّى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه، وأقبل
أصحابُ معاوية يرمونه بالحجارة حتّى أثخنوه وقُتِلَ، فأقبل إليه معاوية،
وألقى عبدالله بن عامر عليه عمامته غطّاه بها وترخَّم عليه، فقال معاوية
لعبد الله: قد وهَبْنَاهُ لكَ، هذا كَبْشُ القوم ورِّ الكعبة، اللَّهُمَّ أظْفِرُ بالأشتر
(١) تاريخ خليفة ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) تاريخ خليفة ١٩٣ .
تاريخ الإسلام ٢/م٢٠
٣٠٥

والأشعث، والله ما مثل هذا إلاّ كما قال الشاعر:
أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحرب عَضَّها وإِنْ شَمَّرْت يوماً به الحربُ شَمّرا
كَلَيْث هِزَبرٍ كان يحمي ذِمارَه رمَتْهُ المَنايا قَصْدَهَا فتقصَّرا
ثمّ قال: لو قدِرَت نساءُ خُزاعةَ أنْ تُقاتلني فضلاً عن رِجالها لَفَعَلَتْ.
وفي ((الطبقات)) لابن سعد، من حديث عَمْرو بن شَرَاحيل، عن حَنَش
ابن عبدالله الصَّنْعاني، عن عبد الله بن زُرَيْرِ الغافقيّ، قال: لقد رأيتُنا يوم
صفِّين، فاقتتلنا نحنُ وأهل الشَّام، حتّى ظَنَنْتُ أنّه لا يبقى أحدٌ، فأسمع
صائحاً يصيح: مَعْشَرَ النّاس، اللهَ اللهَ في النِّساء والوٍلْدان، مَن للروم ومَن
للتُّرْك، الله الله. والتقينا، فأسمع حركةً من خلفي، فإذا عليٍّ يَعْدُو بالرَّاية
حتَّى أقامها، ولحِقَه ابنه محمد بن الحَنَفِيَّة، فسمعته يقول: يا بُنَّ الْزمْ
رايَتَكَ، فإنِّي متقدِّمٌ في القوم، فأنظر إليه يضرب بالسَّيف حتّى يُفْرَج له، ثمّ
يرجع فيهم(١).
وقال خليفة(٢): شهِدَ مع عليٍّ من البدْريّين: عمّار بن ياسر، وسهل بن
حُنَيْف، وخَوّات بن جُبَيْر، وأبو سعد السّاعِديّ، وأبو اليَسَر، ورِفَاعة بن
رافع الأنصاريّ، وأبو أيوب الأنصاريّ بخُلْفٍ فيه. قال: وشهد معه من
الصّحابة ممّن لم يشهد بدْراً: خُزَيْمة بن ثابت ذو الشَّهادتين، وقيس بن سعد
ابن عُبَادة، وأبو قَتَادة، وسهل بن سعد السّاعدي، وقَرَظة بن كعب، وجابر
ابن عبدالله، وابن عبّاس، والحَسَن، والحسين، وعبدالله بن جعفر بن أبي
طالب، وأبو مسعود عُقْبة بن عَمْرو، وأبو عيّاش الزُّرَقيّ، وعديّ بن حاتم،
والأشعث بن قيس، وسليمان بن صُرَد، وجُنْدُب بن عبدالله، وجارية بن
قُدامة السَّعْدِيّ.
وعن ابن سِرين، قال: قُتِلَ يوم صِفِّين سبعون ألفاً يُعَدُّون بالقَصَب (٣).
(١) لم أقف عليه في الطبقات، ونقله من تاريخ دمشق لابن عساكر.
(٢) نقله من ابن عساكر، وليس هو في تاريخه المطبوع، لكن نقله محققه في الهامش من
الذهبي .
(٣) تاريخ خليفة ١٩٤ .
٣٠٦

وقال خليفة(١) وغيره: افترقوا عن ستّين ألف قتيل، وقيل: عن سبعين
ألفاً، منهم خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشّام.
وقال عبدالسلام بن حرب (٢)، عن يزيد بن عبدالرحمن، عن جعفر
- أظنُّه بن أبي المُغيرة - عن عبد الله بن عبدالرحمن بن أبْزَى، عن أبيه، قال:
شهدْنا مع عليٍّ ثمان مئة ممّن بايع بَيْعَة الرّضوان، قُتِلَ منهم ثلاثةٌ وستّون
رجلاً، منهم عمّار.
وقال أبو عُبَيْدة وغيره: كانت راية عليٍّ مع هاشم بن عُتْبة بن أبي
وقّاص، وكان على الخيل عمّار بن ياسر.
وقال غيره: حِيلَ بين عليٍّ وبين الفرات، لأنَّ معاوية سَبَقَ إلى الماء،
فأزالهم الأشعثُ عن الماء.
قلتُ: ثُمَّ افترقوا وتواعدوا ليوم الحَكَمَیْن .
وقُتِلَ مع عليٍّ: خُزَيْمة بن ثابت، وعمّار بن ياسر، وهاشم بن عُتْبَةٍ،
وعبد الله بن بُدَيْل، وعبدالله بن كعب المُراديّ، وعبدالرحمن بن كَلَدة
الجُمَحِيّ، وقيس بن مَكْشُوح المُرادي، وأُبيّ بن قيس النَّخَعيّ أخو عَلْقَمَة،
وسعد بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاريّ، وجُنْدُب بن زُهَيْرِ الغامِديّ، وأبو
ليلى الأنصاريّ.
وقُتِلَ مع معاوية: ذو الكَلاع، وحَوْشَب ذو ظُلَيْم، وحابس بن سعد
الطّائي قاضي حمص، وعَمْرو بن الحَضْرَميّ، وعُبَيْد الله بن عمر بن الخطاب
العدويّ، وعُرْوة بن داود، وكُرَيْب بن الصَّبَّاحِ الحِمْيَرِيّ أحد الأبطال، قتلَ
يومئذٍ جماعةً، ثمّ بارَزَه عليٍّ فقتله.
قال نصر بن مُزَاحم الكوفيُّ الرافضيُّ(٣): حدثنا عمر بن سعد، عن
الحارث بن حَصيرة، أنَّ ولد ذي الكَلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس يقول:
إنَّ ذا الكَلاع قد أُصيبَ، وهو فِي الْمَيْسَرَة، أَفَتَأْذَنُ لنا في دفنه؟ فقال
الأشعثُ لرسوله أقْرَتْه السَّلاَمَ، وقُلْ إِنِّي أخافُ أَن يَتَّهمَني أميرُ المؤمنين،
(١) نفسه .
(٢) نفسه ١٩٦.
(٣) وقعة صفين ٣٠٢ - ٣٠٣.
٣٠٧

فاطلبوا ذلك إلى سعيد بن قيس الهَمْداني فإنّه في المَيْمَنَة، فذهب إلى
معاوية فأخبره، فقال: ما عَسَيْتُ أن أصنع، وقد كانوا منعوا أهلَ الشّام أن
يدخلوا عسكر عليٍّ، خافوا أنْ يُفسدوا أهل العسكر، فقال معاوية لأصحابه :
لأنا أشدُّ فَرَحاً بقتل ذي الكَلاعِ مِنِّي بفتح مصرَ لو افتتحتُها، لأنَّ ذا الكَلاع
كان يعرض لمعاوية في أشياء كان يأمرُ بهَا، فخرج ابن ذي الكَلاع إلى سعيد
ابن قيس، فاستأذنه في أبيه فأذن له، فحملوه على بَغْلٍ وقد انتفخ .
وشهد صِفِّين مع معاوية من الصَّحابة: عَمْرو بن العاصِ السَّهْمَيّ، وابنُهُ
عبد الله، وفضالة بن عُبَيْد الأنصاريّ، ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد، والنُّعمان بن
بشير، ومعاوية بن حُدَيْج الكِنْدي، وأبو غادية الجُهَني قاتل عمَّار، وحبيب
ابن مَسْلَمة الفِهْري، وأبو الأعور السُّلَمِيّ، وبُسْر بن أرطاة العامريّ.
تحكيم الحَكَمَیْن
عن عِكْرِمة (١)، قال: حَكَّم معاويةُ عَمْرو بن العاص، فقال الأحنف بن
قيس لعليّ: حَكِّمْ أنت ابن عبّاس، فإنّه رجلٌ مُجَرَّب. قال: أفعل. فأبت
اليَمَانِيّة، وقالوا: لا، حتَّى يكون منَّا رجل. فجاء ابن عبّاسٍ إلى عليٍّ لمّا رآه
قد همّ أنْ يُحَكّم أبا موسى الأشعريّ، فقال له: عَلَمَ تُحَكّم أبا موسىٍ،
فَوَالله لقد عرفتَ رأيه فينا، فَوَالله ما نَصَرَنا، وهو يرجو ما نحن فيه، فتُدْخِلَهُ
الآن في معاقد أمرنا، مع أنَّه ليس بصاحب ذاك، فإذْ أبيْتَ أن تجعلني مع
عَمْرو، فاجْعَل الأحنفَ بن قيس، فإنّه مُجَرَّبٌ من العرب، وهو، قِرْنٌ
لَعَمْرو. فقال عليٍّ: أفعل. فأبَتِ اليَمَانيّة أيضاً. فلمّا غُلِبَ جعل أبا موسى،
فسمعتُ ابنَ عبّاسِ يقول: قلتُ لعليٍّ يوم الحَكَمَيْن: لا تُحَكِّم أبا موسى،
فإنَّ معه رجلاً حذراً مَرِساً قَارِحاً(٢)، فَلَزَّني إلى جنبه، فإنَّه لا يحلُّ عُقْدَةً إلاّ
(١) أخرجه ابن سعد، عن الواقدي، عن علي بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، عن عكرمة،
وعن عيسى بن علقمة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، به، ونقله منه ابن عساكر
في ترجمة أبي موسى من تاريخه (٥٣٩-٥٤٠).
(٢) المرس: الشديد الذي مارس الأمور وجَرَّبها، والقارح من الخيل: الذي استتم
الخامسة ودخل في السادسة ونبت نابه، يُشبّه به الرجل المجرب.
٣٠٨

عقدتُها ولا يَعْقِدُ عُقْدَةً إلّ حَلَلْتُها. قال: يا ابن عبّاس ما أصنع، إنّما أُوتَى
من أصحابي، قد ضَعُفَت نيتهم وكَلُّوا في الحرب، هذا الأشعث بن قيسٍ
يقول: لا يكون فيها مُضَرِيّان أبداً حتّى يكون أحدُهما يمانٍ، قال: فَعَذَرْتُهُ
وعرفت أنّه مُضْطَهَدٌ، وأنّ أصحابه لا نيَّةً لهم.
وقال أبو صالح السمَّان: قال عليٍّ لأبي موسى: أَحْكُمْ ولو على حَزِّ
عُنُقي(١).
وقال غيره: حَكَّم معاويةُ عَمْراً، وحَكَّم عليٍّ أبا موسى، على أنَّ من
ولَّيَّاهُ الخلافةَ فهو الخليفة، ومَن اثَّفقا على خَلْعه خُلِعَ. وتواعدا أنْ يأتيا في
رمضان، وأن يأتي مع كلِّ واحدٍ جَمْعٌ من وجوه العرب. فلمّا كان الموعدُ
سار هذا من الشّام، وسار هذا من العراق، إلى أن التقى الطّائفتان بدُومَة
الجَنْدَل، وهي طَرَف الشّام من جهة زاوية الجنوب والشرق .
فعن عمر بن الحَكَم، قال: قال ابن عبّاس لأبي موسى الأشعريِّ: احْذَرْ
عَمْراً، فإنّما يريدِ أن يقدِّمك ويقول: أنتَ صاحبُ رسولِ اللهِِّ وأسنُ منِّي
فتكلَّم حتَّى أتكلّم، وإنّما يريد أن يقدِّمكَ في الكلام لتخلع عليّاً. قال:
فاجتمعا على إمرةٍ، فأدار عَمْرو أبا موسى، وذكر له معاويةَ فأبى، وقال أبو
موسى: بل عبدالله بن عمر، فقال عَمْرو: أخبِرْني عن رأيك؟ فقال أبو
موسى: أرى أن نخلع هذين الرجُلَيْن، ونجعل هذا الأمر شورى بين
المسلمين، فيختاروا لأنفسهم مَنْ أحبُّوا. قال عَمْرو: الرَّأَيُّ ما رأيتَ.
قال: فأقبلا على النَّاس وهم مجتمعون بدومة الجَنْدَل، فقال عَمْرو:
يا أبا موسى أعلِمْهُمْ أنَّ رَأيَنَا قد اجتمع، فقال: نعم، إنَّ رأينا قد اجتمع على
أمرٍ نرجو أنْ يُصْلِحَ الله به أمرَ الأُمة. فقال عَمْرو : صَدَقَ وَبَرَّ، ونِعْمَ النّاظِرُ
للإسلام وأهله، فتكَّلم يا أبا موسى. فأتاه ابنُ عبّاس، فخلا به، فقال: أنتَ
في خدَعَة، ألم أقُلْ لكَ لا تَبْدَأه وتعقّبه، فإنّي أخشى أنْ يكون أعطاكَ أمراً
خالياً، ثم ينزع عنه على ملأٍ من النّاس، فقال: لا تَخْشَ ذلك فقد اجتمعنا
واصْطَلَحْنا.
(١) ابن عساكر ٥٤١ .
٣٠٩

ثمّ قام أبو موسى فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّها النّاس، قد نظرنا
في هذا الأمرِ وأمر هذه الأمة، فلم نَرَ شيئاً هو أَصْلَحُ لأمرها ولا أَلَمُّ لشَعْثها
من أنْ لا نُثير أمرها ولا بعضه، حتّى يكون ذلك عن رِضاً منها وتشاورٍ، وقد
اجتمعتُ أنا وصاحبي على أمرٍ واحدٍ على خَلْع عليٍّ ومعاوية، وتستقيل
الأمّةُ هذا الأمرَ فيكون شُورَى بَيْنهم يُوَلُّونَ مَنْ أحبُّوا، وإنِّي قد خلعت عليّاً
ومعاوية، فَوَلّوا أمركم مَن رأيتم. ثمّ تأخّر.
وأقبل عَمْرو فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنَّ هذا قد قال ما سمعتُم،
وخلع صاحبه، وإنِّي خلعتُ صاحبه وأثبتُ صاحبي معاوية، فإنّه وليُّ
عثمان، والطّالبُ بدَمِهِ، وأحقُّ النّاس بمقامه، فقال سعد بن أبي وقّاص:
وَيْحَكَ يا أبا موسى ما أضعفك عن عَمْروٍ ومَكايده، فقال: ما أصنع به،
جامَعَني على أمرٍ، ثمّ نَزَعَ عنه. فقال ابنُ عبّاس: لا ذَنْبَ لك، الذَّنْب للَّذي
قدَّمَك، فقال: رَحِمَك الله غَدَرَ بي، فما أصنع؟ وقال أبو موسى: يا عَمْرو
إنّما مَثَلُكَ كَمَثل الكلْبِ إنْ تحمِلْ عليه يَلْهَثْ أَو تَتْرُكْه يَلْهَثْ. فقال عَمْرو :
إنّما مَثَلُكَ كَمَثَل الحمار يحمل أسفاراً. فقال ابن عمر: إلى ما صِير أمرُ هذه
الأمة! إلى رجلٍ لا يبالي ما صنع، وآخَرَ ضعيف(١).
قال المسعوديّ في ((المروج))(٢): كان لقاء الحَكَمَين بدومة الجَنْدَل في
رمضان، سنة ثمانٍ وثلاثين، فقال عَمْرو لأبي موسى: تكلّم. فقال: بل
تكلّم أنت. فقال: ما كنتُ لأفعل، ولك حقوقُ كلَّها واجبة. فحمِدَ الله أبو
موسى وأثنى عليه، ثمّ قال: هَلَمَّ يا عَمْرو إلى أمرٍ يجمع الله به الأمّة، ودعا
عَمْرو بصحيفةٍ، وقال للكاتب: اكتُب وهو غُلامَ لَعَمْرو، وقال: إنَّ للكلام
أوّلاً وآخراً، ومتى تنازَعْنا الكلامَ لم نبلغ آخرَهُ حتّى يُنْسَى أوَّلُهُ، فاكتُبْ ما
نقول. قال: لا تكتب شيئاً يأمرك به أحدُنا حتى تستأمر الآخر، فإذا أمرك
فاكتُبْ، فكتب: هذا ما تقاضى عليه فلانُ وفلان. إلى أن قال عَمْرو: وإنّ
عثمان كان مؤمناً، فقال أبو موسى: ليس لهذا قَعَدْنا. قال عَمْرو: لابدَّ أن
يكون مؤمناً أو كافراً. قال: بل كان مؤمناً. قال: فمُرْهُ أن يكتب، فكتب.
(١) انظر تاريخ الطبري ٧٠/٥-٧١.
(٢) مروج الذهب ٢/ ٤٠٦ .
٣١٠

قال عَمْرو: ظالماً قُتِلَ أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قُتِلَ مظلوماً. قال
عَمْرو: أَفَلَيْسَ قد جعل الله لوليّه سُلْطاناً يطلبُ بدمه؟ قال أبو موسى: نعم.
قال عَمْرو: فَعَلَى قاتِله القَتْلُ، قال: بلى. قال: أَفَلَيْسَ لمعاوية أنْ يطلبَ
بدَمِهِ حتَّى يَعْجِز؟ قال: بلى. قال عَمْرو: فإنّا نُقِيم البَيِّنة على أنَّ عليّاً قتله.
قال أبو موسى: إنّما اجتمعنا لله، فَهَلُمَّ إلى ما يُصلح الله به أمرَ الأمّة .
قال: وما هو؟ قال: قد علِمْتَ أنَّ أهلَ العراق لا يحبُّون معاوية أبداً، وأهل
الشّام لا يحبون عليّاً أبداً، فهَلُمَّ نخلعهما معاً، ونستخلف ابنَ عمر - وكان
ابن عمر على بنت أبي موسى - قال عَمْرو: أَيَفْعَلُ ذلك عبدُالله؟ قال: نعم
إذا حَمَله النَّاسُ على ذلك. فصوَّبه عَمْرو، وقال: فهل لكَ في سعد؟ وعدَّدَ
له جماعةً، وأبو موسى يأبى إلاَّ ابن عمر، ثمّ قال: قُمْ حتّى نخلع صاحبينا
جميعاً، واذكر اسم مَنْ تستخلف، فقام أبو موسى وخطب وقال: إنَّا نظرنا
في أمرنا، فرأينا أقرب ما نحقن به الدِّماء ونَلُمَّ به الشَّعْث خَلْعنا معاوية وعلياً،
فقد خلعتُهما كما خلعْتُ عمامتي هذه، واستخلفنا رجلاً قد صحِبَ رسولَ
الله ◌ِلَه بنفسه، وله سابقةٌ: عبدالله بن عمر، فأطراه ورغَّبَ النّاس فيه.
ثمّ قام عَمْرو فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّ أبا موسى قد خلع عليّاً، وهو أعلمُ
به، وقد خَلَعْتُهُ معه، وأُتَبِّتُ معاويةَ عليَّ وعليكم، وإنَّ أبا موسى كتب في
هذه الصّحيفة أنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنّ لِوَلِيّه أن يطلب بدَمِه، فقام أبو
موسى، فقال: كذب عَمْرو، ولم نستخلف معاوية، ولكنَّا خلعنا معاوية
وعليّاً معاً.
قال المَسْعُوديّ: ووجدتُ في روايةٍ أنّهما اتّفقا وخلعا عليّاً ومعاويةً،
وجعلا الأمرَ شُورَى، فقامِ عَمْرو بعده، فوافقه على خَلْع عليٍّ، وعلى إثبات
معاوية، فقال له: لا وفَّقَكَ الله، غَدَرْتَ. وقَنَّعَ شُرَيْحُ بنُ هانىء الهَمْداني
عَمْراً بالسَّوْط. وانْخَذَل أبو موسى، فلحِق بمكّة، ولم يعد إلى الكوفة،
وحلف لا ينظر في وجه عليٍّ ما بقي. ولحِق سعدُ بن أبي وقاص وابنُ عمر
ببيت المَقْدِس فأخْرَما، وانصرف عَمْرو، فلم يأت معاويةً، فأتاه وهيّأ طعاماً
كثيراً، وجرى بينهما كلامٌ كثير، وطلب الأطعمةَ، فأكل عَبِيدُ عَمْروٍ، ثمّ
قاموا ليأكل عبيدُ معاوية، وأمر من أغلق البابَ وقْتَ أَكْلٍ عَبِيده، فقال
٣١١

عَمْرو: فعلْتَها؟ قال: إي واللهِ بايعْ وإلاّ قتلتُكَ. قال: فيمِصْر، قال: هيَ لك
ما عشْتُ(١).
وقال الواقديُّ: رفع أهلُ الشّام المَصاحفَ، وقالوا: ندعوكم إلى كتابٍ
الله والحُكم بما فيه. فاصطلحوا، وكتبوا بينهما كتاباً على أن يوافوا رأسَ
الحَوْل أذْرُجَ ويُحَكِّمُوا حَكَمَيْن، ففعلوا ذلك فلم يقع اتّفاق، ورجع عليٌّ
بالاختلاف والدّغَل من أصحابه، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمَه،
وقالوا: لا حُكْم إلّ لله، ورجع معاوية بالألفة واجتماع الكلمة عليه. ثم بايع
أهلُ الشّام معاويةً بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين(٢). كذا قال.
وقال خليفة(٣) وغيره: إنّهم بايعوه في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين،
وهو أشْبَه، لأنَّ ذلك كان إثْر رجوع عَمْرو بن العاص من التحكيم .
وقال محمد بن الضَّخَّاك الحِزَّامِيّ، عن أبيه، قالٍ: قام عليٍّ على مِنْبَر
الكوفة، فقال، حين اختلف الحَكَمانَ: لقد كنتُ نَهَيْتُكُم عن هذه الحكومة
فعصيتموني. فقام إليه شابٌ آدمُ، فقال: إنك واللهِ ما نهيتَنَا ولكنْ أمرتَنَا
ودمّرتنا، فلمّا كان منها ما تكرهُ برَّأْتَ نَفْسَكَ ونَحَلْتَنَا ذَنْبَك. فقال عليّ: ما
أنتَ وهذا الكلام قبَّحَكَ اللهُ، واللهِ لقد كانت الجماعةُ فكنتَ فيها خاملاً،
فلمّا ظهرت الفتنةُ نَجَمْتَ فيها نجومَ الماغِرة. ثمّ قال: لله منزلٌ نَزَلَه سعدُ بنُ
مالك وعبدُالله بن عمر، والله لئن كان ذَنْباً إنّه لَصَغيرٌ مغفورٌ، وإنْ كان حَسَناً
إنّه لعظيمٌ مشكور.
قلتُ: ما أحسنَها لولا أنَّها مُنْقطعة السَّنَد.
وقال الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن أبيه، قال: دخلت على حَفْصَةَ، فقلت:
قد كان بين النَّاس ما تَرَيْن، ولم يُجْعل لي من الأمر شيءٌ. قالت: فالْحَقْ
بهم، فإنّهم ينتظرونك، وإنّي أخشى أنْ يكونَ في احتباسك عنهم فُرْقَةٌ،
فذهب .
فلمّا تفرّق الحَكَمَان خطب معاويةُ، فقال: مَنْ كان يريد أنْ يتكلّمَ في
مروج الذهب ٤١٠/٢ -٤١٢.
(١)
(٢) انظر طبقات ابن سعد ٣٢/٣-٣٣.
تاريخ خليفة ١٩٢ .
(٣)
٣١٢

هذا الأمر فليُطْلِعِ إليَّ قرنه فَلَنَحْنُ أحقُّ بهذا الأمر منه ومن أبيه - يعرِّض بابن
عمر - قال ابن عمر: فحَلَلْتُ حَبْوَتَي وهَمَمْتُ أنْ أقولَ: أحقُّ به مَن قاتَلَك
وأباكَ على الإسلام. فخشيتُ أنْ أَقولَ كلمةً تُفَرِّقُ الجمعَ وتَسْفِكُ الدَّمَ،
فذكرت ما أعدَّ اللهُ في الجِنان .
قال جرير بن حازم، عن يَعْلَى، عن نافع، قال: قال أبو موسى: لا أرى
لها غيرَ ابن عمر، فقال عَمْرو لابن عمر: أَما تريدُ أنْ نُبايعك؟ فهل لك أن
تُعْطَى مالاً عظيماً على أنْ تَدَعَ هذا الأمرَ لمن هو أحرص عليه منك. فغضب
ابنُ عمر وقام. رواه مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ.
وفيها أخرج عليٍّ سهل بن حُنَيف على أهل فارس، فمانَعُوه، فوجَّه عليّ
زياداً، فصالحوه وأدّوا الخَرَاجِ(١).
وفيها قال أبو عُبَيْدة(٢): خرج أهل حَرُوراء في عشرين ألفاً، عليهم
شَبَثُ بن رِبْعِيّ، فكلّمهم عليّ فحاجَّهُم، فرجعوا.
وقال سليمان التَّيميّ، عن أنَس، قال: قال شَبَثُ بن رِبْعيّ: أنا أوّل من
حَرَّر الحَرُورية، فقال رجل: ما في هذا ما تُمتَدَح به .
وعن مغيرة، قال: أوّل من حَكَّم ابن الكَوَّاء، وشَبَث .
قلت: معنى قوله: ((حَكَّمَ)) هذه كلمة قد صارت سِمَةً للخوارج، يقال:
((حَكَّمَ)) إذا خرج وقال: لا حُكْم إلّ لله.
(وتوفي فيها):
أُوَيس القَرنيُّ بن عامر بن جَزْء بن مالك المُرادِيُّ القَرَنِيُّ الزَّاهِدُ،
سيدُ التَّابعين، في نَسَبه أقوالٌ مختلفة، وكنيته أبو عمرو.
قال ابن الكلبيِّ: استشهد أُوَيس يوم صِفْين مع عليٍّ.
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: إنَّ أُوَيسًا شهد
(١) تاريخ خليفة ١٩٢ .
(٢) تاريخ خليفة ١٩٢ .
٣١٣

صِفِّين مع عليٍّ، ثم روى عن رجل أنَّه سمع رسولَ الله ◌ِلّ يقول: ((أُوَيس
خيرُ التَّابعينَ بإحسان))(١) .
وقال غيره: إنَّ أُوَيسًا وَفَدَ على عمر من اليمن، وروى عنه، وعن
عليٍّ. روى عنه يُسَير بن عَمرو، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد رب
الدمشقيُّ. وسکن الكوفة، ولیس له حدیث مُسند، بل له حكايات.
قال أُسير بن جابر، عن عمر بن الخطّاب، أنَّه سمع رسولَ الله ◌ِّ
يقول: ((خير التّابعين رجلٌ يُقال له: أُوَيس بن عامر، كان به بياضٌ فدعا اللهَ
فأذهبه عنه إلاّ مَوْضع الدِّرْهم في سُرَّته، لا يَدَعُ باليمن غيرَ أُمّ له، فمن لِقِيَه
منكم فمرُؤُه فَلْيستغفر لكم)). قال عمر: فقدم علينا رجلٌ فقلت له: من أين
أنت؟ قال: من اليمن؟ قلت: ما اسمك؟ قال: أُوَيس. قلت: فمن تركتَ
باليمن؟ قال: أُمَّا لي، قلت: أكان بك بَياضٌ، فدعوتَ اللهَ فأذهبه عنك؟
قال: نعم، قلت: فاستغفر لي، قال: أو يَستغفر مثلي لمثلكَ يا أمير
المؤمنين! قال: فاستغفر لي، وقلت له: أنت أخي لا تفارقني، قال:
فانْمَلَسَ منِّي.
فَأُنْبئتُ أنَّه قدم عليكم الكوفةَ، قال: فجعل رجلٌ كان يسخر بأُويس
بالكوفة ويحقِّره، يقول: ما هذا فينا ولا نعرفه، فقال عمر: بلى إنَّه رجل
كذا وكذا، فقال كأنَّه يضع شأنه: فينا رجلٌ يا أمير المؤمنين يقال له أُوَيس،
فقال عمر: أدْركه فلا أراكَ تُدْركه، قال: فأقبل ذلك الرجلُ حتى دخل على
أُوَيس قبل أنْ يأتي أهله، فقال له أُوَيس: ما هذه عادَتُكَ، فما بَدَا لك؟ قال:
سمعتُ عمرَ بن الخطّاب يقول فيك كذا وكذا فاستغفر لي، قال: لا أفعل
حتى تجعل لي عليك أن لا تسخرَ مني فيما بعد، وأنْ لا تذكرَ ما سمعته من
عمر لأحد، قال: نعم، فاستغفر له، قال أُسَير: فما لبثْنا أنْ فشا أمرُهُ
بالكوفة، قال: فدخلت عليه فقلت: يا أخي إنَّ أمرك لَعَجبٌ ونحن لا
نشعر، فقال: ما كان في هذا ما أتبلَّغُ به في النَّاس، وما يُجْزَى كلُّ عبدٍ إلاّ
(١) إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد الكوفي.
أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٦٣/٦، والحاكم ٤٠٢/٣ من طريق شريك، عن
يزيد، به .
٣١٤

بعمله، قال: وانْمَلَسَ منِّي فذهب. رواه مسلم(١).
وفي أولِ الحديث: قال أُسَير: كان رجل بالكوفة يتكلَّمُ بكلام لا
أسمعُ أحدًا يتكلّمُ به، ففقدته فسألتُ عنه، فقالوا: ذاك أُوَيس فاستدْلَّلْتُ
عليه وأتيته، فقلت: ما حَبَسَكَ عنَّا؟ قال: العُري، قال: وكان أصحابه
يَسْخَرون به ويُؤْذونه فقلت: هذا بُردٌ فخُذه، فقال: لا تفعل فإنَّهم إذن
يُؤذونني، فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم فقالوا: من تَرَون خُدع عن
هذا البُرد! قال: فجاء فوضعه، فأتيتُ فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟
فقد آذيتموه والرجل يَعْرَى مرَّةً ويكتسي أخرى، وآخَذْتُهُم بلساني، فقُضي
أنَّ أهل الكوفة وفدوا على عمر، فوفد رجلٌ ممَّن كان يَسْخر به فقال عمر :
ما هاهنا أحدٌ من القَرَنِيِّين؟ فقام ذلك الرجل، فقال عمر: إنَّ رسول الله ◌ِّله
قال: ((إنَّ رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أُوَيس)) فذكر الحديث.
وروى نحو هذه القصَّة عثمان بن عطاء الخُرَاسانيُّ، عن أبيه، وزاد
فيها؛ ثم إنَّه غزا أذْرَبيجان، فمات، فتنافس أصحابُهُ في حَفْر قبره.
وعن عَلْقَمة بن مَرْثَدٍ، عن عمر - وهو مُنْقطع - قال: قال رسولُ الله
◌َّ: ((يدخل الجنَّةَ بشفاعة أُوَيس مثلُ ربيعة ومُضَر)).
وقال فُضَيل بن عياض: حدثنا أبو قُرَّةَ السَّدُوسيُّ، عن سعيد بن
المسيِّب، قال: نادى عمر بِمَنى على المنبر: يا أهل قَرَن، فقام مشايخ،
فقال: أفيكم من اسمه أُوَيس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ذاك مجنون
يسكِنُ القِفار لا يألف ولا يُؤْلَف، قال: ذاك الذي أعنيه، فإذا عدتم فاطلبُوه
وبَلَغُوه سلامي وسلامَ رسولِ اللهِ بَّه فعادوا إلى قَرَن، فوجدوه في الرمال،
فأبلغوه سلامَ عمرٍ، وسلامَ رسولِ الله ◌ِلّه قال: فقال: عَرَّفني أميرُ المؤمنين
وشَهَّر باسمي، اللَّهُم صلِّ على محمدٍ وعلى آله، السلامُ على رسول الله، ثم
هام على وجهه، فلم يُوقف له بعد ذلك على أثرِ دَهْرًا، ثم عاد في أيام عليٍّ
فاستُشهد معه بصِفِّين، فنظروا فإذا عليه نَيِّقٌ وأربعون جراحة .
(١) مسلم ١٨٨/٧ و١٨٩. وأخرجه أيضًا ابن سعد ١٦١/٦ - ١٦٢، وابن أبي شيبة
١٥٣/١٢، وأحمد ٣٨/١، وأبو نعيم في الحلية ٧٩/٢.
٣١٥

وقال هشام بن حسان، عن الحسن، قال: يخرجُ من النَّارِ بشفاعة
أُوَيس أكثُر من ربيعة ومُضر .
وقال خالد الحذَّاءِ، عن عبدالله بن شَقيق، عن ابن أبي الجَدْعاء،
سمع رسولَ الله ◌ِ ◌ّه يقول: ((يدخل الجنَّةَ بشفاعة رجلٍ من أمتي أكثرُ من بني
تميم)»(١).
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: لمَّا كان
يوم صِفِّين، نادى مُنَادٍ أصحابَ معاوية: أفيكم أُوَيْس القَرَنيُّ؟ قالوا: نعم،
فضرب دابَتَه ودخل معهم، وقال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ لَه يقول: ((خيرُ
التَّابعين أُوَيْس القَرَنيُّ)). قال: فُوجِد في قَتْلَى صِفَين رضي الله عنه(٢).
قال ابنُ عَدِيٍّ(٣): أُوَيْس ثقةَ صَدُّوق، ومالك يُنْكر أُوَيْسًا، قال: ولا
يجوز أن يُشَكَّ فيه .
قلتُ: وروى قصَّةَ أُوَيْس مبارك بن فَضَالة، عن مروان الأصفر، عن
صَعْصَعة بن معاوية. ورواه هُذْبَة، عن مبارك، عن أبي الأصفر، وقد ذكر
ابن حِبّان أبا الأصفر في ((الضُّعفاء)) (٤)، وساق الحديثَ بطُوله. وأخبار
أُوَيْس مُسْتَوْعَبَة في ((تاريخ دمشق))(٥)، ليس في التَّابعين أحدٌ أفضل منه،
وأمَّا أن يكون أحدٌ مثله في الفضل فيُمْكن كسعيد بن المسيِّب، وهم قليل .
جُنْدُب بن زُهير بن الحارث الغامديُّ الأزديُّ.
كوفيٌّ، يقال: له صُحبة. وله حديثٌ تفرَّد به السَّرِّي بن إسماعيل،
(١) حديث حسن صحيح كما قال الترمذي.
أخرجه الطيالسي (١٢٨٣)، وأحمد ٤٦٩/٣ و٤٧٠ و٣٦٦/٥، والبخاري في
تاريخه الكبير ٥/ الترجمة ٤٤، والترمذي ٢٤٣٨، وابن ماجة (٤٣١٦)، وأبو يعلى
(٦٨٦٦)، وابن خزيمة في التوحيد ٣١٣، وابن حبان (٧٣٧٦)، والحاكم ١/ ٧٠
و٧١ و٤٠٨/٣، والبيهقي في الدلائل ٣٧٨/٦ والمزي في تهذيب الكمال ٣٥٩/١٤.
(٢) إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد.
أخرجه أبونعيم في الحلية ٨٦/٢ من طريق يزيد، به.
(٣) الكامل في الضعفاء ٤٠٣/١.
المجروحين ١٥١/٣.
(٤)
(٥) تاريخ دمشق ٩ / ٤٠٧ - ٤٥٥.
٣١٦

وهو ضَعيف، وكان يوم صِفِّين على الرَّجَّالة مع عليٍّ، فقُتل.
جَهْجاه بن قيس، وقيل: ابن سعيد الغفاريُّ.
مدني، له صُحْبة. شهِد بيعةَ الرِّضوان، وكان في غزوة المُرَيْسِيع
أجيراً لعمر، ووقع بينه وبين سِنان الجُهَنِّي، فنادى: يا للمهاجرين: ونادى
سِنان: يا للأنصار.
وعن عطاء بن يسار، عن جَهْجاه أنَّه هو الذي شرب حِلابَ سبعِ شِياه
قبل أنْ يُسْلِم، فلمَّا أسلمَ لم يتمَّ حِلابَ شاة .
وقال ابن عبدالبَرّ (١): هو الذي تناول العصا من يد عثمان رضي الله عنه
وهو يخطب، فكسرها على رُكْبته، فوقعت فيها الآكِلة، وكانت عصا رسولٍ
الله ◌َلَهُ. تُوُفِّي بعد عثمان بسنة.
ق: حابس بن سعد الطّائيُّ.
ولي قضاءَ حمِص زمن عمر، وكان أبو بكر قد وجَّهَهُ إلى الشام، وكان
من العُبّاد. روى عنه جُبَيْر بن نُفَير. قُتِلَ يوم صِفِين مع معاوية (٢).
ع: خَبّاب بن الأرَتِّ بن جَنْدَلة بن سعد بن خُزَيْمَة التميميُّ، مولى
أمّ سِباع بنت أنمار، أبو عبدالله.
من المهاجرين الأوّلين. شهد بدْراً والمشاهدَ بعدها. وروى عدّةً
أحاديث. وعنه أبو وائل، ومَسْروقَ، وعَلقمة، وقيس بن أبي حازم، وخَلْقٌ
سواهم .
قيل: كان أصابه سَبْيٌّ، فبيع بمكة، فاشترته أُمُّ سِباع بنت أنمار
الخُزاعية من حُلفاء بني زُهْرَة، ويقال: كانت خَتَّانة بمكة. أسلم قبل دخول
دار الأرقم، وكان من المستضْعَفِين بمكة الذين عُذِّبُوا في الله .
وقال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي ليلى الكِنْدِيِّ، قال: جاء خَبَّاب إلى
عمر فقال: أَدْنُه، فما أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك إلاّ عمّار بن ياسر، قال:
(١) الاستيعاب ٢٦٩/١.
(٢) من تهذيب الكمال ١٨٣/٥ - ١٨٦.
٣١٧
٠

فجعل خبّابٌ يُرِيه آثاراً في ظهره مِمَّا عذَّبه المشركون .
وقال مُجَالد، عن الشَّعْبِيِّ: دخل خَبَّابُ بن الأَرَتِّ على عمر، فأجلسه
على مُتَّكَئهِ، وقال: ما على الأرض أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس من هذا، إلاّ
رجلٌ واحدٌ وهو بلال، فقال: ما هو بأحقَّ به منِّي، إنَّه كان من المشركين
مَن يمنعه، ولم يكن لي أحدٌ يمنعني، لقد رأيتُني يوماً أخذوني وأوقدوا لي
ناراً، ثمّ سلقوني فيها، ثُمَّ وضع رجلٌ رِجْلَه على صدري، فما اتَّقيتُ
الأرضَ إلاَّ بظهري، قال: ثُمَّ كشف عن ظهره، فإذا هو قد بَرِص .
وقال حارثة بن مُضَرِّب: دخلت على خَبَّاب وقد اكتوى سبع كَيَّات،
فسمعتُهُ يقول: لولا أنِّ سمعتُ رسولَ الله ◌ِ * يقول: ((لا ينبغي لأحدٍ أن
يتمنَّى الموت)) لألفاني قد تَمنَّيْتُه، قال: وقد أُتي بكَفَنِهِ قَبَاطيَّ، فبكىٍ، ثُمّ
قال: لكنَّ حمزةَ عمَّ النَّبِيِّ بَلَ كُفٍِّ في بُرْدَةٍ، إذا مُدَّتْ على قَدَمَيْه قَلَصَت
عن رأسه، وإذا مُدَّتْ على رأسه قَلُصَتْ عن قَدَمَيْه، ولقد رأيتُني مع رسول
الله ◌َّ ما أملِك ديناراً ولا دِرْهماً، وإنَّ في ناحيةٍ بيتي في تابوتِي لأربعين
ألف وافٍ، ولقد خشيتُ أنْ تكونَ عُجِّلَتْ لنا طيِّباتُنا في حياتنا الدُّنيا (١).
وقال الواقديِّ: سمعتُ مَن يقول: هو أوَّلُ من قَبَرَه عليٍّ بالكوفة،
وصلَّى عليه مُنْصَرَفَهُ من صِفِّين .
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علْقَمة: إنَ خبّاب بن الأَرَتِّ لبس
خاتماً من ذهب، فدخل به على ابن مسعود، فقال له: أما آن لهذا الخاتم
أنْ يُطَّرَح، فقال: لا تراه عليَّ بعد اليوم رضي الله عنه(٢).
م ٤: خُزَيْمة بن ثابت بن الفاكِهِ، أبو عُمارة الأنصاريُّ الخَطْميُّ،
ذو الشَّهادتين.
(١) حديث حسن صحيح كما قال الترمذي.
أخرجه عبدالرزاق (٢٠٦٣٥)، وأحمد ١٠٩/٥ و١١٠ و١١١ و٣٩٥/٦،
والترمذي (٩٧٠)، وابن ماجة (٤١٦٣)، والطحاوي في شرح المعاني ٣٢٤/٤،
والطبراني في الكبير (٣٦٦٨) و(٣٦٦٩) و(٣٦٧٠) و (٣٦٧١) و(٣٦٧٢) و(٣٦٧٥)،
وأبو نعيم في الحلية ١٤٤/١ من طريق الحارث بن مضرب. وانظر تمام تخريجه في
تعليقنا على الترمذي .
(٢) ينظر طبقات ابن سعد ١٦٤/٣ - ١٦٧، وتهذيب الكمال ٢١٩/٨ - ٢٢٠.
٣١٨

يقال: إنَّه بَدْرِيٌّ، والصَّحيحُ أنَّه شهد أُحُداً وما بعدَها. له أحاديث.
روى عنه إبراهيم بن سعد بن أبي وقَّاص، وعَمْرو بن ميمون الأَوْدي، وابنه
عُمارة بن خُزَيْمة، وأبو عبدالله الجَدَليُّ، وغيرهم.
شهد صِفِّين مع عليٍّ، وقاتل حتَّى قُتِل(١) .
ذو الكَلاع الحميريُّ، اسمه السَّمَيْفَع، ويقال: سَمَيْفَع بن ناکور،
وقيل: اسمه أَيْفَح، كنيته أبو شُرَحْبِيل .
أسلم في حياة النَّبِيِّ بَّه، وقيل: له صُحْبة، فروى ابن لهيعة، عن
كعب بن عَلَقَمَة، عن حسَّان بن كُلَيْب، سمع ذا الكَلاع يقول: سمعتُ
رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((اتركوا التُّرْكَ ما تركوكم)).
كان ذو الكَلاع سيِّدَ قومِه، شهِد يوم الْيَرْمُوك، وفتْحَ دمشق، وكان على
مَيْمَنة معاوية يوم صِفِّين. روى عن عمر، وغير واحد. روى عنه أبو أزهر
ابن سعيد، وزامل بن عَمْرو، وأبو نوح الحِمْيَرِيّ.
والدليل على أنَّه لم يرَ النَّبِيَّ ◌َ لَ ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس، عن جرير، قال: كنتُ باليمن، فلقيتُ رجلين من أهل اليمن: ذا
الكلاع وذا عَمْرو، فجعلتُ أحدِّثُهم عن رسولِ الله ◌ِ لّ، فأقبلا معي، حتَّى
إذا كُنَّا في بعض الطَّريق، رُفِع لنا رَكْبٌ من قِبَل المدينة، فسألناهم، فقالوا:
قُبِض النَّبيُّ مَّ واستُخْلِف أبو بكر ... الحديثَ، رواه مسلم(٢).
وروى علوان بن داود، عن رجلٍ، قال: بعثني أهلي بهديَّةٍ إلى ذي
الكَلاع، فلبِثْتُ على بابه حَوْلاً لا أصلٌ إليه، ثمّ إنَّه أشرفَ من القصر، فلم
يَبْقَ حوله أحدٌ إلا سجدَ له، فأمر بهديَّتِي فقبلت، ثُمَّ رأيته بعد في الإسلام،
وقد اشترى لحماً بدِرْهمِ فسَمَطَه علی فرسه.
ورُوي أنَّ ذا الكَلاعُ لمَّا قَدِمَ مكةَ كان يتلَثَّمُ خشيةَ أنْ يُفتتنَ أحدٌ بحُسْنه .
وكان عظيمَ الخطرِ عند معاوية، وربَّمَا كان يعارضُ معاويةً، فيُطِيعه
(١) من تهذيب الكمال ٢٤٣/٨ - ٢٤٥.
(٢) هكذا في النسخ، وهو وهم من المؤلف رحمه الله، وإنما أخرجه البخاري ٢١٠/٥،
وهو عند أحمد ٣٦٣/٤، ولا أعلم أن مسلماً أخرجه .
٣١٩

معاوية(١).
عبدالله بن بُدَيْل بن وَرْقاء بن عبدالعُزَّى الخُزاعيُّ، كنيته أبو عَمْرو.
روى البخاري في ((تاريخه)) أنَّه ممَّن دخلَ على عثمان، فطعن عثمانَ في
وَدَجِه، وعلا التنوخيُّ عثمانَ بالسَّيف(٢).
أسلم مع أبيه قبلَ الفتح، وشهد الفتحَ وما بعدَها، وكان شريفاً وجليلاً.
قُتِلَ هو وأخوه عبدالرحمن يوم صِفِّين مع عليّ، وكان على الرَّجَّالة.
قال الشَّعبيُّ: كان على عبد الله يومئذٍ درْعان وسَيْفان، فأقبل يضرب أهلَ
الشام حتى انتهى إلى معاوية، فتكاثروا عليه فقتلوه، فلمَّا رآهُ معاوية صريعاً
قال: واللهِ لو استطاعت نساءُ خُزاعة لقاتَلَتْنا فضلاً عن رجالها(٣).
عبدالله بن كعب المُرَادِيُّ، من كبار عسكر عليٍّ.
قتِلَ يومَ صِفِّين، ويقال: إنَّ له صُحْبة (٤).
عُبَيْدالله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ
المدنيُّ.
وُلِد في زمان النَّبِيِّ ◌ََّ، وسمع أباه، وعثمان، وأرسل عن النَّبيِّ ◌َّ.
كنيته أبو عيسى، غزا في أيّام أبيه. وأُمُّه أمُّ كُلثوم الخُزَاعِيَّة.
وعنِ أسلم، أنَّ عمرَ ضرب ابنه عُبَيْد الله بالدُرَّة، وقال: أَتَّكْتَني بأبي
عيسى، أَوَ كان لعيسى أبٌ!
وقد ذكرنا أنَّ عُبَيْد الله لمَّا قُتِلَ عمر أخذ سيفَه وشدَّ على الهُرْمُزان فقتله،
وقتل جُفَيْنَة، ولُؤْلُؤة بنت أبي لُؤْلُؤة، فلمَّا بُويعَ عثمان همَّ بقَتْله، ثمّ عفا .
عنه. وكان قد أشار عليٍّ على عثمان بقتله، فلمَّا بويع ذهب عُبَيْد الله هارباً
منه إلى الشام. وكان مقدَّم جيش معاوية يوم صِفِّين، فقُتِل يومئذٍ. ويُقال:
قتله عمّار بن ياسر، وقيل: رجلٌ من هَمْدان، ورثاه بعضُهم بقصيدةٍ
(١) من تاريخ دمشق ٣٨٢/١٧ - ٣٩٧.
(٢) لم أقف على هذه الرواية في تاريخ البخاري الكبير.
(٣) من الاستيعاب لابن عبدالبر ٣/ ٨٧٢ - ٨٧٤.
(٤) الاستيعاب ٩٨١/٣.
٣٢٠