Indexed OCR Text

Pages 81-100

يذكره أحدٌ في الصّحابة إلّ ابن عبد البَر(١)، ولا يَبْعُدُ أن يكون له رؤية
وإسلام.
أبو قُحافة عثمان بن عامر التَّيْميُّ، في المحزَّم عن بضع وتسعين سنة،
وقد أسلم يوم الفتح فأتى به ابنُه أبو بكر الصِّدِيق يقوده لكِبَرِهُ وضرره ورأسه
كالثُّعامة(٢) فأسلم، فقال النَّبِيُّ بِّهِ: ((هلّ تركتَ الشيخ حتى نأتيه))، إكراماً
لأبي بكر، وقال: ((غيّروا هذا الشَّيْبَ وجنّبوه السَّواد)).
عبد الله بن صَعْصَعَة بن وَهْب الأنصاريُّ، أحد بني عِدِيّ بن النّجَارِ،
شهد أُحُداً وما بعدها، وقُتِلَ يوم جسر أبي عُبَيْد، قاله ابن الأثير(٣).
(١) كأنه يريد، والله أعلم: من القدماء، كابن سعد، وابن قانع، وأبي نعيم، وابن مندة،
وابن حبان، ونحوهم. أما المتأخرون فقد ذكروه، منهم ابن الأثير في ((أسد الغابة))
وقد اختصره هو في التجريد، فذكره ١٨٥/٢، مشيراً إلى أن ابن عبدالبر أخرجه
وحده .
(٢) نبت أبيض الزهر والثمر.
(٣) أسد الغابة ١٢٨/٣.
تاريخ الإسلام ٢/ م٦
٨١

سنَةٌ خَمس عَشرَة
في أولها افْتَتَحَ شُرَحْبِيل بن حَسَنة الأردن كُلَّها عَنْوَةً إلّ طبريَّة فإنَّهم
صالحوه، وذلك بأمر أبي عُبَيْدة.
يوم اليَرْمُوك
كانت وقعةً مشهودةً، نزلت الرومُ اليرموك في رجب سنة خمس عشرة،
وقيل: سنة ثلاث عشرة وأراه وَهماً، فكانوا في أكثر من مئة ألف، وكان
المسلمون ثلاثين ألفاً، وأمراء الإسلام أبو عُبَيْدة، ومعه أمراء الأجناد،
وكانت الروم قد سَلْسلوا أنفسهم الخمسةَ والستّة في السلسلة لئلا يَفِرُّوا،
فلمّا هزمهم اللهُ جعل الواحدُ يقع في وادي اليَرْمُوكِ فيجذب مَنْ معه في
السلسلة حتَّى ردموا الوادي، واستَووا فيما قيل بحافّتَيْة، فداستهم الخَيْل،
وهلك خَلْقٌ لا يُحْصَوْن. واستُشْهد يومئذٍ جماعةٌ من أمراء المسلمين .
وقال محمد بن إسحاق: نزلت الروم اليَرْموك وهم مئة ألف، عليهم
السقلاب، خصئٌّ لِهِرَقْل(١).
وقال ابن الكلْبِيِّ: كانت الروم ثلاث مئة ألف، عليهم ماهان(٢)، رجلٌ
من أبناء فارس تنصَّر ولحق بالروم، قال: وضَمَّ أبو عُبَيْدة إليه أطرافه،
وأمَدَّه عمرُ بسعيد بن عامر بن حِذْيَم، فهزم اللهُ المشركينَ بعد قتالٍ شديد في
خامس رجب سنة خمس عشرة .
وقال سعيد بن عبدالعزيز: إنَّ المسلمين - يعني يوم اليَرْموك - كانوا
أربعةً وعشرين ألفاً، وعليهم أبو عُبَيْدة، والروم عشرون ومئة ألف، عليهم
باهان وسقلاب .
(١) تاريخ خليفة ١٣٠.
(٢) هكذا مجودة بخط الذهبي، وفي تاريخ خليفة: ((باهان))، وستأتي بالباء أيضاً بخط
الذهبي بعد قليل.
٨٢

إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن المسيّب، عن أبيه، قال: خمدت
الأصوات يوم اليَرْمُوك، والمسلمون يقاتلون الرومَ إلاّ صوتَ رجلٍ يقول:
((يا نَصْرَ الله اقْتَرِبْ، يا نصرَ الله اقترِبْ))، فرفعتُ رأسي فإذا هو أبو سفيان بن
حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سُفْيان .
الواقديّ: حدثنا عبدالحميد بن جعفر، عن أبيه، عن ابن المسيّب، عن
جُبَيْر بن الحُوَيْرث، قال: حضرتُ اليَرْمُوك فلا أسمع إلاّ نَقْفَ الحديد إلاّ
أنِّي سمعتُ صائحاً يقول: يا معشر المسلمين يومٌ من أيّام الله أبلوا اللّهَ فيه
بلاءً حسناً، فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه .
قال سُوَيْد بن عبدالعزيز، عن حُصَيْن، عن الشَّعْبيِّ، عن سُوَيْد بن
غَفَلَة، قال: لما هزمنا العدوَّ يومَ اليَرْموك أصَبْنَا يلامقَ (١) ديباجٍ فلبسناها
فقدمنا على عمرَ ونحن نرى أنَّه يُعجبه ذلك، فاستقبلناه وسلّمنا عليه،
فشَتَمَنا ورَجَمَنا بالحجارة حتَّى سبقناه نَعْدُو، فقال بعضُنا: لقد بلغه عنكم
شرٌّ، وقال بعض القوم: لعلّه في زيَّكم هذا، فضَعُوه، فوضعنا تلك الشِّبَ
وسلَّمنا عليه، فرخَّبَ وساءلنا وقال: إنّكم جئتم في زِيِّ أهل الكُفْر، وإنّكم
الآن في زيِّ أهلِ الإيمان، وإنَّه لا يصلحُ من الدِّيباج والحرير إلاّ هكذا،
وأشار بأربع أصابعه.
وعن مالك بن عبدالله، قال: ما رأيتُ أشرف من رجلٍ رأيته يوم
الْيَرْمُوك إنّه خرج إليه علجٌ فقتله، ثمّ آخرُ فقتله، ثمّ آخرُ فقتله، ثم انهزموا
وتِبِعَهُمْ وتِعْتُهُ، ثمّ انصرف إلى خباءٍ عظيم له فنزل، فدعا بالجفان ودعا مَن
حوله، قلت: من هذا؟ قالوا: عَمْرو بن معدي کرِب.
وعن عُرْوَة: قُتِل يومئذِ النَّضْر بن الحارث بن عَلْقمة العَبْدَرِيّ، وعبد الله
ابن سُفيان بن عبدالأسد المخزوميّ.
وقال ابن سعد (٢): قُتِلَ يومئذٍ نُعَيْم بن عبدالله النَّخَّام العدويّ. قلت:
وقد ذُكِرَ.
جمع: يلمق، وهو القباء، فارسي معرب.
(١)
(٢) طبقاته ١٣٩/٤.
٨٣

وقيل: كان على مجنبةٍ أبي عُبَيْدة يومئذٍ قُباث بن أشيم الكِنانيّ اللَّيْنِي.
ويقال: قُتِلَ يومئذٍ عِكْرِمة بن أبي جهل، وعبدالرحمن بن العوَّام،
وعيّاش بن أبي ربيعة، وعامر بن أبي وقّاص الزُّهْري(١).
وَقْعة القادسية
كانت وقعة القادِسِيَّة بالعراق في آخر السنة فيما بَلَغَنَا، وكان على النَّاس
سعدُ بن أبي وقَّاص، وعلى المشركين رُسْتُم ومعه الجالينوس، وذو
الحاجب .
قال أبو وائل: كان المسلمون ما بين السبعة إلى الثمانية آلاف. ورستم
في ستّين ألفاً، وقيل: كانوا أربعين ألفاً، وكان معهم سبعون فيلاً(٢).
وذكر المدائني أنّهم اقتتلوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام في آخر شوال، وقيل :
في رمضان، فقُتِلَ رُسْتُم وانهزموا، وقيل: إنَّ رُستم مات عَطَشَاً، وتبعهم
المسلمون فقُتِلَ جالينوس وذو الحاجب، وقتلوهم ما بين الخَرَّار (٣) إلى
السَّيْلحين (٤) إلى النَّجف، حتى ألجؤوهم إلى المدائن، فحصروهم بها حتَّى
أكلوا الكلابَ، ثم خرجوا على حامية بعيالهم فساروا حتى نزلوا جلولاء.
قال أبو وائل: اتَّبعناهم إلى الفُرات فهزمهم اللهُ، واتَّبعناهم إلى
الصَّراة(٥) فهزمهمُ اللهُ، فألجأناهم إلى المدائن.
وعن أبي وائل، قال: رأيتُني أعبرُ الخندقَ مَشْياً على الرجال، قَتَلَ
بعضُهم بعضاً.
وعن حبيب بن صُهْبان، قال: أَصَبْنَا يومئذٍ من آنية الذَّهبِ حتَّى جعل
الرجلُ يقول: صفراء ببيضاء، يعني ذهباً بفضَّة(٦).
(١) كتب ابن البعلي بخطه في حاشية الأصل: ((بلغت قراءة في التاسع عشر على مؤلفه)).
(٢)
تاريخ خليفة ١٣١ .
هكذا جوّده المؤلف بخطه، وهو كذلك عند خليفة، وفي معجم البلدان: ((الخرارة)).
(٣)
(٤)
قرب الحيرة ضاربة في البر قرب القادسية بينها وبين الكوفة .
(٥) نهر ببغداد.
(٦) تاريخ خليفة ١٣٢ - ١٣٣ .
٨٤

وقال المدائنيُّ: ثم سار سعد من القادسية يتبعهم. فأتاه أهلُ الحِيرة
فقالوا: نحنُ على عهْدِنا. وأتاه بسطام فصالحه. وقطع سعدٌ الفُراتَ، فلقي
جَمْعاً عليهم بَصْبَهرا؛ فقتله زُهرة بن حَويَّة، ثم لقوا جمعاً بكُوثا(١) عليهم
الفَيْرُزان فهزموهم، ثم لقوا جمعاً كثيراً بدير كعب عليهم الفَرُخان
فهزموهم، ثم سار سعد بالنَّاسِ حتَّى نزل المدائن فافتتحها .
وأما محمد بن جرير (٢) فإنَّه ذكر القادسيّة في سنة أربع عشرة، وذكر أنّ
في سنة خمس عشرة مَصَّرَ سعدٌ الكوفة؛ وأنّ فيها فرض عمرُ الفُروض ودَوَّنَ
الدواوينَ، وأعطى العطاء على السَّابقة .
قال(٣): ولمّا فتح الله على المسلمين غنائم رُسْتم، وقدِمَتْ على عمر
الفتوحُ من الشام والعراق جَمَع المسلمين، فقال: ما يحلّ للوالي من هذا
المال؟ قالوا: أمّا لخاصَّته فقوتُهُ وقُوتُ عياله لا وكْسَ ولا شَطَطْ، وكسوته
وكسوتهم، ودابّتان لجهاده وحوائجه، وحمّالته إلى حجّة وعُمْرته، والقَسْم
بالسَّوِيَّة أَنْ يعطي أهلَ البلاء على قدر بلائهم، ويرمَّ أمور المسلمين
ويتعاهدهم. وفي القوم عليّ رضي الله عنه ساكت، فقال: ما تقولُ يا أبا
الحسن؟ فقال: ما أصْلَحَكَ وأصلَحَ عِيالكَ بالمعروف.
وقيل: إنَّ عمرَ قعدَ على رزقٍ أبي بكر حتى أُشتدَّتْ حاجتُهُ، فأرادوا أنْ
یزیدوه فأبی علیهم.
وكان عُمَّاله في هذه السنة: عَتَّاب بن أَسِيد، كذا قال ابن جرير(٤)، وقد
قدَّمْنا موتَ عتّاب، قال: وعلى الطَّائف يَعْلَى بن مُنية، وعلى الكوفة سعد،
وعلى قضائها أبو قُرَّة، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى اليمامة
والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حُذيفة بن مِحْصَن، وعلى
ثغور الشَّام أبو عُبَيْدة بن الجراح.
موضع بسواد العراق في أرض بابل.
(١)
تاريخ الطبري ٣ / ٤٨٠ و ٦١٣ .
(٢)
تاريخ الطبري ٦١٦/٣.
(٣)
تاريخ الطبري ٣/ ٦٢٣ .
(٤)
٨٥

المُتَوَفّون فيها
الحارث بن هشام. يقال: فيها، وسيأتي في طاعون عمواس.
سعد بن عُبادة بن ديلم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن
طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي،
سیدُ الخزرج، أبو ثابت، ويقال: أبو قیس .
أحد الثُّقَباء ليلة العَقَبة. وقد اجتمعت عليه الأنصارُ يومَ السَّقيفة
وأرادوا أنْ يُبايعوه بالخلافة. ولم يذكر أهل المغازي أنَّه شهد بدرًا. وذكر
البخاري(١)، وأبو حاتم(٢) أنه شهدها، ورُويَ ذلك عن عُرْوة.
قال الواقديُّ: كان سعد، وأبو دُجانة، والمنذر بن عَمرو لمَّا أسلموا
يُكسرون أصنام بني ساعدة. وكان سيِّدًا جوادًا. لم يشهد بَدْرًا، وكان يتهيَّأ
للخروج، فنُهش قبل أن يخرج، فأقام، فقال رسول الله بَ ثير: ((لئن كان سعد
لم يشهد بدرًا، لقد كان عليها حريصًا)). هكذا حكاه ابن سعد في
((الطبقات))(٣) بلا سند. وقد شهد أُحُدًا والمشاهد. قال: وكان يبعثُ كُلَّ
يوم بجَفْنة إلى رسولِ الله ◌ِ ﴾ لما قدم المدينةَ.
وقال عُرْوة: كان يُنادَى على أُطُم سعد: من أحبَّ شحمًا ولحمًا
فَلْيأتِ سعد بن عُبادة. وقد أدركتُ ابنه يفعل ذلك.
وقال ابن عبّاس: إنَّ أمَّ سعد تُوفيت فتصدَّق عنها بحائطه المخراف.
ولسعد ذِكرٌ في حديث الإفك.
وقد حَدَّثَ عنه بَنُوه: قيس وسعيد وإسحاق وابن عباس، وأبو أُمامة
ابن سهل، وسعيد بن المسيِّب، ولم يُدْرکه.
وقال ابن سعد(٤): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن
التاريخ الكبير ٤ / الترجمة ١٩١١.
(١)
الجرح والتعديل ٤ / الترجمة ٣٨٢.
(٢)
الطبقات الكبرى ٣/ ٦١٤.
(٣)
(٤) الطبقات الكبرى ٦١٦/٣.
٨٦

صالح، عن الزُبير بن المنذر بن أبي أُسَيد السَّاعديِّ أنَّ أبا بكر بعث إلى سعد
ابن عُبادة أن أقبل فبايع فقد بايعَ النَّاسُ. فقال: لا والله لا أبايع حتى أُراميكم
بما في كنانتي وأقاتلكم بمن معي. قال: فقال بشير بن سعد: يا خليفةً
رسولِ الله إنَّه قد أبى ولَجَّ وليس بمُبايعكُم أو يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل معه
ولدُهُ وعشيرتُهُ، ولن يُقتلوا حتى تُقتل الخزرج، فلا تُحرِّكُوه فقد استقام لكم
الأمرُ وليس بضاركم، إنَّما هو رجلٌ واحدٌ ما تُرك. فقبل أبو بكر نصيحة
بشير. قال: فلمَّا ولي عمرُ لقيهُ ذاتَ يوم فقال: إيه يا سعد. فقال: إيه
يا عمر. فقال عمر: أنت صاحب ما أنتَّ صاحبه؟ قال: نعم وقد أفضى
إليك هذا الأمرُ، وكان واللهِ صاحبُك أحبَّ إلينا منكَ، وقد واللهِ أصبحتُ
كارهًا لجوارك. فقال عمر: إنَّه من كره جوارَ جاره تَحوَّلَ عنه، فقال سعد :
أما إنِّي غير مُسْتَنْسىء بذلك، وأنا متحوَّلُ إلى جوارِ من هو خيرٌ منك. فلم
يَلبث أنْ خرجَ مهاجرًا إلى الشَّام، فمات بحَوْران.
قال محمد بن عمر: حدثنا يحيى بن عبدالعزيز بن سعد بن عُبادة،
عن أبيه، قال: تُوفي سعد بحَوْران لِسَنتين ونصف من خلافة عمر .
قال محمد بن عمر: كأنه مات سنة خمس عشرة.
قال عبدالعزيز: فما عُلم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان في بئر ميتة
أو بئر سَكن - وهم يقتحمون نصف النَّهار - قائلاً من البئر:
قَتلنا سيِّد الـ ـخزرج سعد بن عُبادة
رَمَيْناهُ بسَهْمَي ◌ِنِ فلم تُخْط فُؤاده
فذُعر الغلمان، فحُفظَ ذلك اليوم فوجدوه اليومَ الذي مات فيه سعد،
وإنَّما جلس يبول في نَفَقِ فاقتُتُلَ فمات من ساعته، وجدوه قد اخْضَرَّ
جلدُهُ(١) .
وقال ابن أبي عَرُوبة: سمعت محمد بن سيرين يُحَدِّثُ أنَّه بالَ قائمًا،
فلمَّا رجع قال لأصحابه: إنِّي لأجدُ دبيبًا، فمات فسمعوا الجنَّ تقول: قتلنا
سيَّدَ الخَزْرج - البيتين .
(١) طبقات ابن سعد ٦١٧/٣.
٨٧

وقال سعيد بن عبدالعزيز: أول مدينةٍ فُتحت بالشام بُصْرى، وفيها
مات سعد بن عُبادة (١).
سعد بن عُبَيْد بن النُّعمان، أبو زيد الأنصاريُّ الأوْسيُّ.
أحد القُرَّاء الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله مَّ، استُشْهَدَ
بوقعة القادسيّة، وقيل: إنّه والد عُمَيْر بن سعد الزَّاهد أمير حمص لعمر.
شهد سعد بذراً وغيرها، وكان يقال له: سعد القارئ.
وذكر محمد بن سعد(٢) أنَّ القادسيَّة سنة ستَّ عشرة، وأنّه قُتِلَ بها وله
أربعٌ وستّون سنة .
وقال قيس بن مسلم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن سعد بن عُبَيْد
أنّه خطَبَهُم، فقال: إنّا لاقُو العدوّ غداً وَإِنّا مُستشهدونَ غداً، فلا تغسلوا عَنَّا
دماً ولا نُكَفَّن إلاّ في ثوبٍ كان علينا .
سعيد بن الحارث بن قيس بن عديّ القُرَشيُّ السَّهْمِيُّ، هو وإخوته:
الحَجَّاجِ، ومَعْبَد، وتميم، وأبو قيس، وعبدالله، والسائب، كلّهم من
مُهاجرة الحبشة، ذكرهم ابن سعد(٣). استُشهِد أكثرهم يوم اليَرْموك ويوم
أجْنَادَيْن رضي الله عنهم .
سُهِيل بن عَمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نَصر بن حسل بن
عامر بن لؤي، أبو يزيد العامري.
أحدُ خطباء قريش وأشرافهم. أسلم يوم الفتح وحَسُن إسلامُه، وكان
قد أُسر يوم بدر، وكان قد قام بمكة وحضَّ على النَّفير، فقال: يا آلَ غالب
أتاركُون أنتم محمدًا والصُّباةَ يأخذون عِيرَكم. من أراد مالاً فهذا مال، ومن
أراد قوَّةً فهذه قوّة. وكان سَمحًا جوادًا فصيحًا، قام خطيبًا بمكة أيضًا عند
وفاة النبيِّ بَّه بنحو خطبة أبي بكر فَسَكَّنهم، وهو الذي مشى في صُلح
الحُدَيبية .
(١) ينظر تهذيب الكمال ٢٧٧/١٠ - ٢٨١ .
(٢) الطبقات الكبرى ٤٥٨/٣.
(٣) طبقات ابن سعد ١٩٦/٣ .
٨٨

وقال الزُبير بن بكَّار: كان سُهَيل بعدُ كثيرَ الصَّلاةِ والصَّوم والصَّدقة،
وخرج بجماعته إلى الشام مجاهدًا رضي الله عنه، وقيل: إنه صام وقام حتى
شحُبَ لونُهُ وتَغيَّرَ، وكان كثيرَ البكاء عند قراءة القرآن .
قال المدائنيُّ وغيره: إنه استُشهد يومَ اليَرْموك.
وقال الشافعيُّ والواقديُّ: إنه تُوفي بطاعون عَمَواس .
روى عنه يزيد بن عَمِيرة الزُّبيدي وغيره عن النبيِّ ◌ِلّ.
وقيل: كان أميرًا علىٍ كُرْدُوسٍ(١) يوم اليَرْموك.
عامر بن مالك بن أُهَيب الزُّهريُّ، أخو سعد بن أبي وقَّاص، من
مُهاجرة الحَبَشة .
قدم دمشق بكتاب عمر على أبي عُبيدة بإمرته على الشَّام وعَزْل خالد .
استُشهد يوم اليَوْموك على الصحيح.
عبدالله بن سُفيان .
هذا ابن أخي أبي سَلَمَة بن عبدالأسد المخزوميّ. له صُحْبَة وهجرة إلى
الحَبَشَة ورواية، روى عنه عمرو بن دينار منقطعاً، واستُشْهِدَ باليَرْمُوك.
عبدالرحمن، أخو الزُّبير بن العوَّام لأبيه.
حضر بَدرًا هو وأخوه عُبيدالله الأعرج مشركَين، فهربا فأُدرك عُبيد الله
فقُتلَ، ثم أسلم فيما بعد هذا، وصحب النبيَّ ◌ِّ، واستُشهد باليَرْموك.
عُتبة بن غزوان رضي الله عنه، يُقال: مات فيها، وقد تقدَّم.
عِكْرمة بن أبي جهل المخزومي، يقال: استُشهد يوم اليرَّموك،
وقد تقدَّم.
دن ق: عمْرو ابن أمّ مكتُوم الضَّرير.
كان مؤذّن رسول الله مَّ، واستخلفه على المدينةِ في غير غَزْوة، قيل:
كان اللّواءُ معه يوم القادسيّة، واستُشْهِدَ يومئذٍ .
(١) أي: القطعة العظيمة من الخيل.
٨٩

وقال ابن سعد(١): رجع إلى المدينة بعد القادسيّة، ولم نسمع له بذكْرٍ
بعد عمر .
قلتُ: روى عنه عبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبو رَزِين الأسَدِيُّ، وله
ترجمة طويلة في كتاب ابن سعد.
عمْرو بن الطَّفَيل بن عَمْرو بن طَريف، قُتِلَ باليَرْموك.
عيّاش بن أبي ربيعة عَمْرو بن المغيرة بن عيّاش المخزوميّ،
صاحب رسول الله وَ لَهالذي سمَّه في القُنُوت ودعا له بالنَّجاة.
روى عن النَّبِيِّ وَّرَ. وعنه ابنه عبد الله وغيره. وهو أخو أبي جهل لأُمَّه،
كنيته: أبو عبد الله. استُشْهِدَ يوم اليَرْموك.
فِراس بن النَّضْر بن الحارث، يقال: استُشْهِدَ باليرموك.
قيس بن عَدِيّ بن سعد بن سَهْم، من مهاجرة الحبشة، قُتِل
باليَرْموك.
قيس بن أبي صعصعة عَمْرُو بن زيد بن عَوْف الأنصاريُّ المازنيُّ.
شهِدَ العَقَبَةِ وبدْراً، وورد له حديثٌ من طريق ابن لَهِيعة عن حَبّان بن
واسع بن حَبّان، عن أبيه، عنه، قلت: في كَمْ أقرأُ القراَنَ يا رسولَ الله؟
قال: ((في خمس عشرة))، قلتُ: أجدُني أقوى من ذلك. وفيه دليلٌ على أنَّه
جمع القرآن. وكان أحدَ أمراءِ الكراديس يومَ الْيَرْموك.
نُضَيْرِ بن الحارث بن عَلْقَمَة بن كَلَدَة بن عبدمَنَاف بن عبدالدَّار بن
قُصَيّ العَبْدِرِيُّ القُرَشيُّ.
من مُسْلمة الفتح ومن حلماء قُرَيش، وقيل: إنَّ النَّبِيَّ بَلّ أعطاه مئةً من
الإبل من غنائم حُنَيْن، تَألَّفهُ بذلك. فتوقَّفَ في أخْذِها وقال: لا أرتشي على
الإسلام، ثم قال: واللهِ ما طلبتها ولا سألتُها وهي عطيّةٌ من رسولِ الله ◌ِّل،
فأخذها، وحَسُنَ إسلامُهُ، واستُشْهِدَ يوم اليَرْموك، وأخوه النَّضْر قُتل كافراً
في نَوْبة بَدْر .
(١) الطبقات الكبرى ٢١٢/٤.
٩٠

نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم، أبو الحارث ابن عمّ
النبيِّ ◌َلّد .
وهو أسنُّ من أسلمَ من بني هاشم، وقد أُسر يوم بدرٍ ففداه العباسُ
فلمّا فداه أسلم .
وقيل: إنه هاجر أيام الخندق، وآخَىَ رسولُ الله ◌َلّ- بينه وبين العباس،
وكانا شريكين في الجاهلية متحابّين، شهدَ نَوفلُ الحُدَيبية والفتح، وأعانَ
رسولَ اللهِ وَلَه يوم حُنينَ بثلاثةِ آلاف رُمح وثَبَتَ معه يومئذٍ. تُوفي سنة
خمس عشرة بخُلفٍ، وقيل : سنة عشرين .
هشام بن العاص السَّهميُّ، عند ابن سعد (١): أنه قُتل يوم
اليَرْموك.
(١) الطبقات ٤/ ١٩٢.
٩١

سنَةٌ ستّ عَشَرة
قيل: كانت وقعة القادسيّة في أوّلها، واستُشْهِد يومئذٍ مئتان، وقيل :
عشرون ومئة رجل .
قال خليفة(١): فيها فُتِحت الأهواز ثم كفروا (٢)، فحذَّثني الوليدُ بن
هشام، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سار المُغِيرة بن شُعبة إلى الأهواز فصالحه
البيروان(٣) على ألفي ألف درهم وثماني مئة ألفِ دِرْهم، ثمّ غزاهم
الأشعريُّ بعده .
وقال الطبريُّ (٤): فيها دخل المسلمون مدينة بَهُرَشِير(٥) وافتتحوا
المدائن، فهرب منها يَزْدَجِرْد بن شَهْرَیار .
فلمّا نزل سعد بن أبي وقّاص بهُرَشير - وهي المدينة التي فيها منزل
كِسْرَى - طَلَبَ السُّفُنَ ليعبر بالنَّاسِ إلى المدينة القُصْوَى، فلم يقدر على
شيءٍ منها، وجدهم قد ضمُّوا السُّفُنَّ، فبقيَ أيَّاماً حتّى أتاه أعلاجٌ فدلُّوه على
مَخَاضِةٍ، فأبى، ثمّ إنَّه عُزِمَ له أنْ يقتحمَ دِجلة، فاقتحمها المسلمون وهي
زائدةٌ تَرْمي بالزَّبَد، فَفجِىء أهلَ فارس أمرٌ لم يكنْ لهم في حساب، فقاتلوا
ساعةً ثمّ انهزموا وتركوا جُمهور أموالهم، واستولى المسلمون على ذلك
كُلُّه، ثم أتوا إلى القصرِ الأبيض، وبه قوم قد تَحَصَّنُوا ثُمَّ صالحوا .
وقيل: إنَّ الفُرسَ لَمَّا رأوا اقتحامَ المسلمين الماءَ تَحَيَّرُوا، وقالوا: واللهِ
ما نقاتلُ الإنسَ ولا نقاتلُ إلّ الجنَّ، فانهزموا .
ونزل سعد القصرَ الأبيض، واتَّخذَ الإيوان مُصَلَّى، وإنّ فيه لَتَماثيل
(١) تاريخ خليفة ١٣٤ .
(٢)
أي: نقضوا العهد.
(٣) هكذا مجودة بخط المؤلف، وفي تاريخ خليفة: ((البيرزان)).
(٤)
تاريخ الطبري ٤/ ٥ .
(٥) قيدها المصنف بالشين المعجمة، وهي في معجم البلدان بالسين المهملة، وكله
صحيح، فالاسم أعجمي.
٩٢

جَصِّ فما حرَّكها. ولمّا انتهى إلى مكان كِسْرَى أخذ يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن
جَّتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ ﴾﴾ [ الدخان) الآية.
قالوا: وأتمَّ سعدُ الصَّلاةَ يومَ دخلها، وذلك أنَّه أراد المُقام بها، وكانت
أوّل جُمعة جُمِّعت بالعراق، وذلك في صفر سنة ستّ عشرة.
قال الطَّريُّ(١): قَسَمَ سعدٌ الفَيْءَ بعدما خَمَّسَه، فأصاب الفارس اثنا
عشر ألفاً، وكلّ الجيش كانوا فرساناً.
وقَسَمَ سعدٌ دُورَ المدائن بين النَّاس وأُوطِنُوها، وجمع سعدٌ الخُمْسَ
وأدخل فيه كلَّ شيءٍ من ثياب كِسْرى وحُلِيِّه وسيفه، وقال للمسلمين: هل
لكم أنْ تَطيبَ أَنفُسُكم عن أربعة أخماس هذا القَطْف فنبعثَ به إلى عمر،
فيضعه حيث يرى ويقع من أهل المدينة موقعاً؟ قالوا: نعم، فبعثه على
هيئته. وكان سِتِّين ذراعاً في ستّين ذراعاً بساطاً واحداً مقدار جريب، فيه
طُرُقٌ كالصُّوَر، وفصوصٌ كالأنهار، وخلال ذلك كالدُّرّ، وفي حافَّاته
كالأرضِ المزروعة، والأرضُ كالمُبْقِلَة بالنَّبات في الرَّبيع من الحرير على
قصباتَ الذَّهَب. ونوَّاره بالذَّهب والفِضَّة ونحوه. فَقَطَّعه عمرُ وقَسَمَه بين
النَّاس. فأصاب عليّاً قطعةٌ منه فباعها بعشرين ألفاً.
واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسيٍّ مملكةٍ كِسْرى، وعلى
كرسيٍّ مملكة قيصرٍ، وعلى أُمَّيْ بلادِهمًا. وغنم المسلمون غنائم لم يُسمع
بمثلها قطُّ من الذَّهَبِ والجوهر والحرير والرَّقيق والمدائن والقصور.
فسبحانَ اللهِ العظيمِ الفتّاح.
وكان لكِسْرىَ وقَيْصر ومَنْ قبلهما من الملوك في دولتهم دهرٌ طويل؛
فأمّا الأكاسرةُ والفُرس وهم المَجُوس فملكوا العراقَ والعَجَمَ نحواً مِن
خمس مئة سنة، فأوَّلُ ملوكهم دارا، وطال عُمرُهُ فيقال إنَّه بقيَ في المُلْك
مئتي سنة، وعِدَّةٌ ملوكهم خمسة وعشرون نفساً، منهم امرأتان، وكان آخر
القوم يَزْدَجِرْد الذي هلك في زمن عثمان. وممَّن ملك منهم ذو الأكتاف
سابور، عُقِد له بالأمر وهو في بطنٍ أُمِّه، لأنَّ أباه ماتَ وهذا حَمْل، فقال
الكُهَانُ: هذا يملك الأرض، فوُضِعَ التَّاجُ على بطن الأمِّ، وكُتِب منه إلى
(١) تاريخ الطبري ٤ / ٢٠ .
٩٣

الآفاق وهو بَعْدُ جنين، وهذا شيءٌ لم يُسْمع بمثله قطَّ، وإنّما لُقِّب بذي
الأكتاف لأنّه كان ينزع أكتافَ مَنْ غضبَ عليه، وهو الذي بنى الإيوان
الأعظم وبَنَی نَيْسَابُور وبَنَى سِجِسْتان .
ومن متأخّري ملوكهم أنوشروان، وكان حازماً عاقلاً، كان له اثنتا عشرة
ألف امرأةٍ وسُرِّيَّة، وخمسون ألف دابّة، وألف فيل إلاّ واحداً، ووُلد نبيُّنا
وَّ في زمانه، ثُمَّ مات أنوشروان وقت مَوْت عبد المطَّلِب، ولمّا استولى
الصَّحَابَةُ على الإيوان أحرقوا ستره، فطلع منه ألف ألف مثقال ذَهَباً .
وقعة جَلُولاء
في هذه السَّنة قال ابن جرير الطَّبريّ(١): فقتل الله من الفُرس مئة ألف،
جَلَّلَتَ القتلَى المجالَ وما بين يديه وما خلفه، فسُمِّيت جَلَولاء. وقال غيره:
كانت في سنة سبع عشرة. وعن أبي وائل قال: سمِّيت جَلُولاء لِما تجلّلها
من الشَّرِّ. وقال سيف: كانت سنة سبع عشرة.
وقال خليفة بن خيّاط(٢): هربَ يَزْدَجِرْد بن كِسْرَى من المدائن إلى
حُلْوان، فكتب إلى الجبال، وَجَمَع العساكرَ ووجَّههم إلى جَلَولاء، فاجتمع
له جَمْعٌ عظيمٌ، عليهم خُرَّزاد بن جَرْمهر (٣)، فكتب سعد إلى عمرَ يخبره،
فكتب إليه: أقِمْ مكانكَ ووجِّه إليهم جيشاً، فإنَّ اللهَ ناصِرُك ومُتَمِّمٌ وعْدَه.
فعقد لابن أخيه هاشم بن عُثْبة بن أبي وقَّاص، فالتقوا، فجال المسلمون
جَوْلَةً، ثمَّ هزم اللهُ المشركين، وقُتِلَ منهم مقتلةٌ عظيمةٌ، وحَوَى المسلمون
عسكرَهم وأصابوا أموالاً عظيمةً وسبايا، فبلغت الغنائم ثمانيةَ عشر ألفَ
ألف. وجاء عن الشَّعْبِيِّ أَنَّ فَيْء جَلُولاء قُسِمَ على ثلاثين ألف ألف. وقال
أبو وائل: سُمِيت جَلَولاء ((فتح الفتوح)) (٤) .
تاريخ الطبري ٢٦/٤.
(١)
(٢)
تاريخ خليفة ١٣٦ .
(٣) هكذا مجودة بخط المؤلف، وفي تاريخ خليفة والطبري: ((خرهرمز)).
(٤) تاريخ خليفة ١٣٧ .
٩٤

وقال ابن جرير(١): أقام هاشم بن عُثْبة بجَلُولاء، وخرج القعقاعُ بن
عَمْرو في آثار القوم إلى خانقين، فقتل مَنْ أدرك منهم، وقُتِل مهران، وأفلت
الفَيْرُزان(٢)، فلمّا بَلِغ ذلك يَزْدَجِرْدَ تقهقر إلى الرّيّ.
وفيها جهّزَ سعد جُنْداً فافتتحوا تَكْريت واقتسموها، وخَمَّسوا الغنائمَ،
فأصاب الفارسَ منها ثلاثةُ آلاف دِرْهم .
وفيها سار عمر رضي الله عنه إلى الشام وافتتح البيتَ المقدس، وقدِم
إلى الجابية - وهي قَصَبةُ حَوْران - فخطب بها خطبةً مشهورةً متواتِرة عنه .
قال زُهَيْر بن محمد المَروزي: حَدَّثني عبد الله بن مسلم بن هُرْمُز أنّه سمع أبا
الغادية المُزَني، قال: قَدِمَ علينا عمرُ الجابيةَ، وهو على جملٍ أوْرَقِ، تَلُوح
صَلْعَتُهُ للشمس، ليس عليه عمامة ولا قَلَنْسُوَةِ، بين عودينَ، وِطَاؤُه فَرْوُ
كَبْشٍ نَجْدِيّ، وهو فراشه إذا نزلَ، وحقيبته شَمْلَةٌ أو نَمِرَة مَحْشُوَّةٌ لِيفاً وهي
وِسأَدَتُهُ، عليه قميصٌ قد انخرق بعضُه ودُسِمَ جَيْبُه. رواه أبو إسماعيل
المؤدِّب، عن ابن هُرْمُز، فقال: عن أبي العالية الشَّاميِّ.
قِنَّسْرِين
وفيها بعث أبو عُبَيْدة عَمْرو بنَ العاص - بعد فراغه من اليَرْموك - إلى
قِنَّسرين، فصالح أهلَ حلب ومَنبج وأنطاكية على الجِزْية، وفتح سائرَ بلاد
قِنَّسْرِين عَنْوَةً .
وفيها افتُتِحت سَرُوجِ والرُّهَا على يدي عِياض بن غَنْم.
وفيها، قاله ابنُ الكَلْبِيِّ: سار أبو عُبَيْدة وعلى مقدِّمته خالدُ بنُ الوليد،
فحاصر أهل إيلياء، فسألوه الصُّلْح على أنْ يكون عمرُ هو الذي يُعطيهم ذلك
ويكتب لهم أماناً، فكتب أبو عُبَيْدة إلى عمر، فقدِم عمرُ إلى الأرض
المقدَّسة فصالحهم وأقام أيّاماً ثم شخصَ إلى المدينة .
(١) تاريخ الطبري ٣٤/٤.
(٢) هكذا قيده المؤلف بخطه هنا.
٩٥

وفيها كانت وقعة قِرْقِيسياء(١)، وحاصرها الحارث بن يزيد العامريّ،
وفُتِحتْ صُلْحاً.
وفيها كُتِب التاريخ في شهر ربيع الأوّل، فعن ابن المسيّب، قال: أوّل
مَنْ كتب التاريخَ عمرُ بن الخطّاب رضي الله عنه لسنتين ونصف من
خلافته، فكُتِب لستّ عشرة من الهجرة بمشورة عليٍّ رضي الله عنه .
وفيها نُدِب لحربِ أهلِ المَوْصِلِ رِبْعِيُّ بن الأفكل.
من توفي فيها :
مارية أمُّ إبراهيم القبطية، وكانت أهداها المُقَوقس إلى النبيِّ مَثّ سنة
ثمانٍ، وعاش ابنها إبراهيم عليه السلام عشرين شهرًا، وصلّى عليها عمرُ
رضي الله عنه، ودُفنت بالبقيع في المحرَّم.
ويقال: تُوفي فيها سعدُ بن عُبادة، وأبو زيد سَعد بن عُبيد
القارىء(٢) .
(١) بلد على نهر الخابور، وعندها مصبُّ الخابور في الفرات.
(٢) كتب صلاح الدين الصفدي بخطه المعروف على حاشية الأصل: ((بلغت قراءة خليل
ابن أيبك على مؤلفه، فسح الله في مدته، في الميعاد الخامس عشر، وسمعه ...
الخ)).
٩٦

سنَةٌ سَبْع عَشَرة
يقال: كانت فيها وقعة جَلُولاء المذكورة .
وفيها خرج عمرٍ رضي الله عنه إلى سَرْغ (١)، واستخلف على المدينةِ زيدَ
بنَ ثابت، فوجد الطَّاعونَ بالشام، فرجع لَمَّا حَدَّثه عبدُالرحمن بن عَوْف عن
النَّبِيِّ وََّ في أمر الطّاعون.
وفيها زاد عمرُ في مسجدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، وعمله كما كان في زمان النَّبيِّ
وسيلة .
وفيها كان القحطُ بالحجاز، وسُمِّ عامَ الزَّمَادَةِ (٢)، واستسقى عمرُ
للنَّاسِ بالعبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ◌َ﴾ .
وفيها كتب عمرُ إلى أبي موسى الأشعريّ بإمرة البَصْرة، وبأنْ يسير إلى
كُوَر الأهواز، فسار واستخلفَ على البصرةِ عمران بن حُصَيْن، فافتتح أبو
موسى الأهوازَ صلحاً وَعنوةً، فوظّف عمرُ عليها عشرة آلاف ألف دِرْهم
وأربع مئة ألف، وجهد زياد في إمرته أنْ يخلص العَنْوَة من الصُّلح فما
قَدِر .
قال خليفة(٣): وفيها شهد أبو بكرة، ونافع ابنا الحارث، وشبل بن
مَعْبَد، وزياد على المُغيرة بالزِّنَى ثم نكل بعضهم، فعزله عمرُ عن البصرة
وقّلاها أبا موسى.
وقال خليفة (٤): حدثنا رَيْحان بن عصمة، قال: حدثنا عمر بن مرزوق،
عن أبي فَرْقَد، قال: كُنَّا مع أبي موسى الأشعريّ بالأهواز وعلى خيله
تجافي(٥) الدِّیباج.
قرية بوادي تبوك .
(١)
سُمِّي عام الرمادة لأنه هلكت فيه الناس والأموال.
(٢)
(٣)
تاريخ خليفة ١٣٥ .
تاريخ خليفة ١٣٦ .
(٤)
أي: عليها كالدرع.
(٥)
تاريخ الإسلام ٢/م٧
٩٧

وفيها تزوّج عمر بأمّ كلثوم بنت فاطمة الزهراء، وأصدقها أربعين ألف
دِرْهمٍ فيما قيل .
وفيها تُوفي جماعة، الأصحُ أنَّهم تُوفوا قبل هذه السَّنة وبعدها.
فتُوفي عُتبة بن غَزوان رضي الله عنه في قول سعيد بن عُفير ورواية
الواقديِّ.
وتُوفي فيها الحارث بن هشام، وإسماعيل بن عمرو في قول ابن
عُفير .
وفي قوله أيضًا: شُرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سُفيان بن حرب .
وفي قول هشام ابن الكلبي وابن عُفير تُوفي أبو عبيدة بن الجرَّاجِ.
وقال أبو مسهر: قرأت في كتاب يزيد بن عُبيدة: تُوفي أبو عُبيدة،
ومعاذ بن جبل سنة سبع عشرة.
٩٨

سنَةً ثَماني عَشرة
فيها قال ابن إسحاق: استسقى عمرُ للنَّاسِ وخرج ومعه العبّاسُ، فقال:
((اللَّهُمَّ إنَّا نستسقيكَ بعمِّ نبيِّك)).
وفيها افتتح أبو موسى جُنْدَيْسابُور والُّوس صُلْحاً، ثم رجع إلى
الأهواز.
وفيها وجَّه سعدُ بن أبي وقَّاصٍ جريرَ بنَ عبدالله البَجَليّ إلى حُلوان بعد
جَلُولاء، فافتتحها عَنوةً. ويقال: بَل وجَّه هاشمَ بن عُتْبة، ثم انتقضوا حتَّى
ساروا إلى نَهاوَند، ثمّ سار هاشم إلى ماه(١) فأجلاهم إلى أذربيْجَان، ثم
صالحوا .
ويقال: فيها افتتح أبو موسى رامَهُزْمُز، ثمّ سار إلى تُسْتَر فنازَلها.
وقال أبو عُبَيْدة بن المُثَنَّى: فيها حاصر هرِم بن حيَّان أهلَ دَسْتَ هِرّ،
فرأى ملكُهُم امرأةً تأكلٍ ولَدَها من الجوعِ، فَقال: الآن أُصالحُ العربَ،
فصالحَ هَرِماً على أن خَلَّى لهم المدينة .
وفيها نزل النّاس الكوفةَ، وبناها سعد باللَّبِن، وكانوا بَنَوْها بالقَصَب
فوقع بها حريقٌ هائل .
وفيها كان طاعون عَمَواس بناحية الأُرْدُنّ، فاستُشْهِد فيه خلْقٌ من
المسلمين. ويقال: إنّه لم يقعٍ بمكة ولا بالمدينة طاعون .
ذكر من تُوفي بهذا الطاعون
ع: أبو عُبيدة عامر بن عبدالله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن
ضَبَّة بن الحارث بن فِهْر القُرشيُّ الفِهْريُّ.
أمين هذه الأمة وأحد العَشَرَة، وأحد الرجُلين اللَّذين عيَّنهما أبو بكر
للخلافة يوم السَّقيفة .
(١) هي مدينة نهاوند.
٩٩

روى عنه جابر، وأبو أُمامة، وأسْلمُ مولى عمر، وجماعة.
ولي إمرةً أُمراء الأجنادِ بالشَّام، وكان من السَّابقين الأولين، شهد بدرًا
ونزع الحلقتين اللَّتين دَخَلتا من المِغْفر في وَجنةِ رسولِ اللهِ وَ لَ يوم أُحُد
بأسنانه رفقًا بالنبيِّ مَّ، فانتُزعت ثَنيَّتاه، فحسَّن ذهابُهُما فاه، حتى قيل: ما
رؤي أحسن من هَتْم أبي عبيدة. وقد انقرض عقبُه. وقيل: آخى النبيُّ
صَلى
بينه وبين محمد بن مسلمة .
وعن مالك بن يُخامر أنَّه وصف أبا عُبيدة، فقال: كان نحيفًا مَعْرُوقَ
الوجه خفيفَ اللحية طُوالاً أَجْنَى أَثْرَمَ الثَّنِيَتين.
وقال موسى بن عُقبة في غزوة ذات السلاسل: إنَّ النبيَّ بَِّ أَمَدَّ عَمرو
ابن العاص بجيشٍ فيهم أبو بكر وعمر، وأمَّر عليهم أبا عبيدة.
وقال راشد بن سعد وغيره: إنَّ عمر قال: إنْ أدْرَكني أجلي وأبو عُبيدة
حيٌّ اسْتَخْلفتُهُ، فإنْ سألني اللهُ لم اسْتَخلفتَهُ قلت: إنِّي سمعتُ نبيَّكَ يقول:
((إِنَّ لكلِّ أمةٍ أمينًا، وأمين هذه الأُمة أبو عبيدة بن الجرّاح))(١).
# كان
وقال عبدالله بن شقيق: سألتُ عائشة: أيُّ أصحابِ رسولِ الله
أحبَّ إليه: قالت: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عُبيدة.
وقال عُروة بن الزُّبير: قدم عمر الشام فتلقوه، فقال: أين أخي أبو
عُبيدة؟ قالوا: يأتيكَ الآن، فجاء على ناقةِ مخطومةٍ بحبلٍ، فسلّم عليه، ثم
قال للناس: انصرفوا عنَّا، فسار معه حتى أتى منزله فنزلٌ عليه، فلم ير في
بيته إلاّ سيفه وتُرسه ورحله، فقال له عمر: لو اتَّخذت متاعًا - أو قال:
شيئًا - قال: يا أميرَ المؤمنين إنَّ هذا سَيُبلِّغُنا المَقيل.
ومناقب أبي عبيدة كثيرة ذكرها الحافظ أبو القاسم في ((تاريخ
دمشق))(٢).
(١) الحديث عند أحمد ١٨/١ من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد، عن عمر،
وإسناده ضعيف لانقطاعه، فشريح وراشد لم يدركا عمر، والحديث مروي من طرق
أخرى ليست أحسن من هذا. على أن متن الحديث المرفوع في الصحيحين: البخاري
(٣٧٤٤) و(٤٣٨٢) و(٧٢٥٥)، ومسلم (٢٤١٩) من حديث أنس .
(٢) تاريخ دمشق ٤٣٥/٢٥ - ٤٩١.
١٠٠