Indexed OCR Text

Pages 1-20

تاريخ الإسلام وَوفيات المشاهير والأعلام
◌َِرَجُ الإِسْلام ◌َشَِّ الدّينِ أَرْ عَبِّد اله جَبَرَ أَ خْشَدَبْعُغَازِ الذّهَبِيّ
المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ
الجَّد الثَّانِى
١١ - ١٠٠ هـ
حَقّقِه، وَضَبَطَ نَصَّهِ،وَعَلَّقْعَلَّه
الدكتور بشار عواد معروف
غـ
دـ
دار الغرب الإسلامي

دار الغرب الإسلامي
2003 C
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص. ب. 5787-113 بيروت
جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في
نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل
إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو
الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
لَِّخِ الإِسْلام ◌َِّ الّذِيْنِ أَر ◌َبِّدِالله ◌َبَعْتَبْ عُثَارُالنَّهَيّ
المتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤ هـ
المَجَلّد الثَانى
١١ - ١٠٠ هـ

..

٧
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحـ
خلافة الصِّدِّيق رضي الله عنه وأرضاه
قال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ النَّبِيَّ نَّه تُوفِّي وأبو بكر
بالسُّنْح(١)، فقال عمر: والله ما ماتَ رسولُ الله ◌ِّ. قال عمر: واللهِ ما كان
يقع في نفسي إلاَّ ذاك، ولَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ فيقطعَ أيدي رجالٍ وأَرْجُلَهم. فجاء أبو
بكرِ الصِّدّيقُ فكشف عن رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ فقبَّله، وقال: بأبي أنتَ وأُمّي، طِبْتَ
حيًّ ومَيْتاً، والذي نفسي بيده لا يُذِيقُكَ اللهُ مَوْتَتَيْنِ أبداً. ثم خرج فقال: أيّها
الحالِفُ على رِسْلِكَ. فلمَّا تكلَّمَ أبو بكر جلس عمر، فقال بعد أنْ حَمِدَ الله
وأثنى عليه: مَنْ كان يعبد محمّداً فإنَّ محمداً قد مات، ومَنْ كان يعبدُ الله
فإنّ الله حيٌّ لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيْتُونَ ﴾ [الزمر]. وقال:
وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَ
أَعْقَبِكُمْ فِجَ﴾ [آل عمران]، الآية. فَنَشَجَ النَّاسُ يبكون، واجتمعت الأنصارُ
إلى سعد بن عُبَادَة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير.
فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عُبَيْدة، فذهب عمر يتكلَّمُ فَسَكَّتَهُ أبو بكر،
فكان عمر يقول: واللهِ ما أردتُ بذلك إِلاَّ أَنِّي قد هيَّأْتُ كلاماً قد أعجبني
خشيتُ أنْ لا يَبْلغَهُ أبو بكر، فتكلَّم فَأَبْلَغَ، فقال في كلامه: نحنُ الأمراء
وأنتم الوزراء. فقال الحُباب بن المُنْذِر: لا واللهِ لا نفعل أبداً، مِنَّا أميرٌ
ومنكم أميرٌ. فقال أبو بكر: لا، ولكنَّا الأمراءُ وأنتم الوزراء، قريشٌ أوسَطَ
العَرَب داراً وأعزُّهُم أحساباً، فبايعوا عمرَ بن الخطّاب أو أبا عُبَيْدة. فقال
عمر: بل نُبايعكَ، أنتَ خيرُنا وسيِّدنا وأحبُّنا إلى رسولِ الله ◌ِ﴾. وأخذ عمر
بيده فبايعَهُ، وبايعهُ النَّاسُ. فقال قائل: قتلتم سعد بن عُبادة. فقال عمر:
(١) منازل بني الحارث بن الخزرج بالمدينة، بينها وبين منزل رسول الله مح لل ميلٌ.
٥

قَتَلَهُ الله. رواه سُلَيْمان بن بلال عنه، وهو صحيح السَّند(١).
وقال مالك، عن الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْدالله، عن ابن عباس، أنَّ عمرَ خطبَ
النّاسَ فقال في خُطْبته: وَقَد بلغني أنَّ قائلاً يقول: (لو مات عمر بايعتُ
فلاناً) فلا يغْتَزَّنَّ امرؤٌ أنْ يقول: كانت بَيْعة أبي بكر فَلْتَةً، وليس منكم مَنْ
تُقْطَعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكِر، وإنَّه كان مِنْ خيرنا، حين تُوُفِّي رسولُ الله
مَثّر اجتمعِ المهاجرون، وتَخلَّفَ عليٌّ والزُّبَيْر في بيت فاطمة بنتِ رسولِ الله
وَّ، وتخلّفت الأنصارُ في سقيفة بني ساعدة، فقلت: يا أبا بكر انْطَلِقُ بنا
إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نَؤْمُّهم، فَلَقِيَنَا رجلان صالحان من
الأنصار. فقالا: لا عليكم أنْ لا تأتوهم وأبْرِمُوا أَمْرَكم. فقلتُ: والله
لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون على رجلٍ
مُزَمَّل بالثياب، فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: سعد بن عُبادة مريض. فجلسنا،
وقام خطيبُهُم فأثنى على اللّهِ بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعدُ فنحنُ الأنصارُ
وكتيبةُ الإيمان، وأنتم معشر المهاجرين رهطْ منّا، وقد دفَتْ إليكم دافَّةٌ(٢)
يريدون أن يَخْتَزِلونا(٣) من أصلنا ويَحْضُنُونا(٤) من الأمر.
قال عمر: فلمّا سَكَتَ أردتُ أن أتكلّم بمقالةٍ قد كانت أعجبتني بين
يدي أبي بكر، فقال أبو بكر: على رِسْلِكَ. وكنتُ أعرف منه الحَدَّ(٥)،
فكرهتُ أن أُغْضِبَهُ، وهو كان خيراً منّي وأوفق وأوقِر، ثم تكلّم فَوَاللهِ ما تركَ
كلمةً أعجبتني إلّ قد قالها وأفضلَ منها حتّى سكَتَ، ثم قال: أمّا بعدُ:
ماذكرتُمْ من خيرٍ فهو فيكم معشر الأنصار، وأنتم أهلُه وأفضل منه، ولن
تعرف العربُ هذا الأمرَ إلاّ لهذا الحيِّ منِ قريش، هم أوسطَ العربِ نسباً
وداراً، وقد رضيتُ لكم أحَدَ هذين الرجُلَيْن، فبايعوا أيّهما شِئْتُمْ، وأخذ
بيدي ويد أبي عُبَيْدة بن الجرّاح. قال: فما كرِهْتُ شيئاً مِمَّا قال غيرها، كان
واللهِ أن أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لا يُقرِّبني ذلك إلى إثم أحبَّ إليَّ من أنْ أَتأمَّرَ
(١) أخرجه البخاري ٧/٥، والترمذي (٣٦٥٦) مختصراً.
(٢) أي: القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد.
(٣)
أي: يقتطعونا .
(٤) كتب المصنف بخطه في هامش نسخته: ((يحضنونا: يمنعونا)).
(٥) أي: الحِدّة.
٦

على قوم فيهم أبوٍ بكر إلا أنْ تتغيَّرَ نفسي عند الموت. فقال رجلٌ من
الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب(١)، مِنَّا أميرٌ ومنكم أمير
مَعْشَرَ المهاجرين. قال: وكثُر اللَّغطُ وارتفعت الأصواتُ حتى خشيتُ
الاختلافَ، فقلتُ: أَبْسُطْ يَدَك يا أبا بكر. فبسط يده فبايعْتُهُ وبايعه
المهاجرون وبايعته الأنصار، وَنَزَوْا(٢) على سعد بن عُبَادَة، فقال قائل:
قَتَلْتُمْ سعداً. فقلت: قتلَ اللهُ سعداً. قال عمر: فواللهِ ما وجدْنا فيما حضَرْنا
أمراً أوفق من مُبايعة أبي بكر، خشينا إنْ نحنُ فارقْنا القومَ ولم تكن بيعة أن
يُحْدِثوا بعدَنا بيعةً، فإمّا بايَعْنَاهم على ما لا نرضى، وإمَّا خالفنَاهم فيكون
فسادٌ .
رواه يونس بن يزيد، عن الزُّهْريّ بطوله، فزاد فيه: قال عمر: ((فلا
يَغْتَرَّنَّ امرؤٌ أَنْ يقولَ: إنَّ بَيْعَة أبي بكر كانت فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فإنّها قد كانت
كذلك إلّ أنَّ اللهَ وَقَى شرَّها، فَمَنْ بايع رجلاً عن غيرِ مَشُورةٍ فإنّه لا يُتَابَع هو
ولا الذي بايَعَه تَغِرَّةً أن يُقْتلا))(٣). مُتَّفْقٌ على صحّته (٤).
وقال عاصم بنُ بَهْدَلَة، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: لمّا قُبِضَ رسولُ الله
وَلّ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فأتاهم عمر، فقال: يا معشر
الأنصار ألستم تعلمون أنَّ أبا بكر قد أمَّره النَّبيُّ مَّ أَنْ يَؤُمَّ النّاس؟ قالوا:
بَلَى، قال: فَأَتِكُم تَطِيبُ نفسُه أنْ يَتقدَّمَ أبا بكر؟ - يعني في الصَّلاة - فقالت
الأنصار: نَعُوذُ بالله أنْ نتقدَّمَ أبا بكر. رواه النّاسُ، عن زائدة، عنه.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العَوَّام بن حَوْشَب، عن إبراهيم التَّيْمِيّ،
قال: لمّا قُبض رسول الله ◌ِِّ أتى عمرُ أبا عُبَيْدة، فقال: أبسطْ يدَكَ
(١) الجذيل: عود يُنصب للإبل الجَرْبى لتحتكَّ به، والعذق: النخلة، ورجَّبَ النخلة:
دَعَمها ببناء تعتمد عليه، أو ضَمَّ أعذاقها إلى سعفاتها وشَدَّها بالخوص لئلا تنفضها
الريح، ويضرب مثلاً للرجل الذي يستشفى برأيه ويُعتمد عليه .
(٢) أي: وثبوا عليه ..
(٣)
أي: خوفاً أن يُقتلا .
البخاري ٢٠٨/٨، ومسلم ١١٦/٥، وانظر مسند أحمد (٣٩١) من طبعة العلامة
(٤)
الشيخ شعيب الأرنؤوط .
٧

لأبايعك، فإنك أمينُ هذه الأُمّة على لسانِ رسولِ الله ◌ِّ. فقال أبو عُبَيْدة
لعمر: ما رأيتُ لك فَهَةً(١) قَبْلَها منذ أسلمتَ، أتبايعني وفيكم الصِّدِّيقُ وثاني
اثنين؟
ورُوي نحوُهُ عن مُسلم البَطين، عن أبي البَخْتَري .
وقال ابن عَوْن، عن ابن سيرين، قال أبو بكر لعمرَ: ابسط يدك نُبايع
لك. فقال له عمر: أنت أفضل مني. فقال أبو بكر: أنت أقوى منّي. قال:
إِنَّ قوّتِي لَكَ مع فَضْلِكَ.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، عن القاسم، أنَّ النَّبِيَّ بََّه لمّا تُوُفِّيَ
اجتمعت الأنصارُ إلى سَعْد، فأتاهم أبو بكر وجماعةٌ، فقام الحُبَابُ بن
المُنْذِر، وكان بذْرياً، فقال: منّا أميرٌ ومنكم أمير.
وقال وُهَيْب: حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد،
قال: لمّا تُوُفِّي رسولُ الله ◌ِّ قام خُطباء الأنصار، فجعل منهم مَنْ يقول:
يا مَعْشَرَ المهاجرين إن رسولَ الله ◌ِ ل﴿ كان إذا استعملَ رجلاً منكم قَرَنَ معه
رجلاً منّا، فنرى أنّ يَلِيَ هذا الأمر رجلان مِنَّا ومنكم. قال: وتتابعت خطباء
الأنصار على ذلك، فقام زيدُ بن ثابت، فقال: إنَّ رسولَ الله ◌ِلَ كان من
المهاجرين، وإنّما يكونُ الإمامُ من المهاجرين، ونحن أنصاره، كما كُنَّا
أنصارَ رسولِ الله ◌ِّهِ. فقام أبو بكر، فقال: جزاكُمُ الله خيراً من حيٍّ يا معشر
الأنصار وثبّت قائلَكُم، أمَ والله لو فعلتم غيرَ ذلك لما صالحناكم. ثم أخذ
زيدٌ بيدٍ أبي بكرٍ فقال: هذا صاحبكم فبايعوه. قال: فلمَّا قعد أبو بكرٍ على
المنبر نظر في وجوهِ القوم فلم يَرَ عليّاً، فسأل عنه، فقام ناسٌ من الأنصار
فأتَوا به، فقال أبو بكر: ابن عَمِّ رسولِ الله ◌ِ﴾ وَخَتَنه أردتَ أنْ تشُقَّ عصا
المسلمين! فقال: لا تثريبَ يا خليفةَ رسولِ الله، فبايَعَهُ، ثم لم يَرَ الزُّبَيْر،
فسأل عنه حتّى جاؤوا به، فقال: ابن عمَّةِ رسولِ الله ◌ِّ وحواريَّه أردتَ أنْ
تشُقَّ عصا المسلمين! فقال: لا تثريبَ يا خليفةَ رسول الله، فبايَعَاه(٢).
(١) كتب المصنف في حاشية نسخته: ((الفَهَةُ مُخَفَّفة: ضَعْفُ الرأي)).
(٢) هكذا بخط المؤلف، وكان الأولى أن يقول: ((فبايعه)) إذ سبق أن ذكر بيعة عليّ.
٨
!

روى منه أحمد في ((مُسْنَدِه))(١) إلى قوله: ((لما صالحناكم)) عن عفّان،
عن وُهَيْب. ورواه بتمامه ثقة، عن عفّان.
وقال الزُّهْريّ، عن عُبَيْد الله، عن ابن عبّاسٍ: قال عمر في خُطْبته: وإنّ
علياً والزُّبَيْرِ ومَنْ معهما تخلفوا عنَّا، وتخلّفت الأنصارُ عنّا بأسرها،
فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فبينا
نحنُ في منزل رسولِ الله ◌ِ﴿ إذا رجلٌ ينادي من وراء الجدار: أُخْرُج يا ابنَ
الخطّاب، فخرجتُ، فقال: إنَّ الأنصارَ قد اجتمعوا فأدرِكُوهم قبل أن
يُحدِثُوا أمراً يكون بيننا وبينهم فيه حربٌ، وقال في الحديث: وتابعه
المهاجرون والأنصار فنَزَوْنا على سعدِ بن عُبادة، فقال قائل: قتلتُمْ سعداً.
قال عمر: فقلتُ وأنا مُغْضَب: قتلَ اللهُ سعداً فإنَّهُ صاحبُ فتنةٍ وشَرٍّ.
وهذا من حديث جُوَيْرِية بن أسماء، عن مالك. وروى مثله الزُّبَيْر بن
بكّار، عن ابن عُيَيْنة، عن الزُّهْرِي.
وقال أبو بكر الهُذَليّ، عن الحَسَن، عن قيس بن عُبَاد، وابن الكَوَّاء،
أنَّ عليّاً رضي الله عنه ذكر مسيره وبيعةَ المهاجرين أبا بكر، فقال: إنَّ رسولَ
الله ◌َِّ لم يمُتْ فُجاءةً، مرضَ لياليَ، يأتيه بلال فيُؤْذِنُه بالصَّلاةِ فيقول:
(مُرُوا أبا بكرٍ بالصَّلاة))، فأرادت امرأةٌ من نسائه أنْ تَصْرِفَهُ إلى غيره
فغضبَ، وقالَ: إنَّكُنَّ صواحبُ يوسف، فلمّا قُبِض رسولُ الله ◌ِِّ اخترنا
واختار المهاجرون والمسلمون لدُنْياهم مَنِ اختاره رسولُ الله لدينهم،
وكانت الصّلاةُ عُظْمَ الأمرِ وقِوام الدِّين.
وقال الوليد بن مسلم: فَحَدَّثني محمد بن حرب، قال: حدثنا الزُبيديّ،
قال: حدّثني الزُّهْري، عن أنَس أَنّه سمع خُطْبة عمر الآخرة، قال: حين
جلس أبو بكر على مِنْبَر رسول الله بَّه غداً من مُتَوَفَّى رسولِ الله ◌َِّ فتشهَّدَ
عمر، ثمّ قال: أمَّا بَعْدُ، فإنِّي قلتُ لكم أمسِ مَقَالَةً، وإنّها لم تكن كما
قُلْتُ، وما وجدتُ في المقالةِ التي قلتُ لكم في كتابِ الله ولا في عهدٍ عَهِدَهُ
رسولُ الله ◌َّةِ، ولكنْ رجوتُ أنَّه يعيشُ حتّى يَدْبُرَنَا - يقول حتّى يكون
(١) أحمد ١٨٥/٥-١٨٦.
٩

رسولُ الله ◌ََّ آخرنا - فاختار اللهُ لرسولِه ما عنده على الذي عندكم، فإنْ
يكن رسولُ الله قد مات، فإنَّ اللهَ قد جعل بين أَظْهُرِكُمْ كتابَهُ الذي هَدَى به
محمّداً، فاعتصموا به تَهْتَدُوا بما هَدَى به محمداً مَّ. ثم ذكر أبا بكرٍ
صاحبَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ وثاني اثنين وأنَّه أحقُّ النَّاسِ بأمرهم، فقوموا فبايعوه،
وكان طائفةٌ منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت البَيْعَة
على المِنْبر بيعةَ العامَّة. صحيح غريب .
وقال موسى بن عُقْبة، عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أنْ أباه
عبدالرحمن بن عَوْف كان مع عمر، وأنّ محمد بن مسْلَمَة كسر سيفَ الزُّبَيْرِ،
ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى النّاس، وقال: والله ما كنتُ حريصاً على
الإمارة يوماً ولا ليلةً ولا سألتُها اللهَ في سرٍّ ولا عَلانية. فقبل المهاجرون
مَقَالَتَهُ. وقال عليٍّ والزُّبَيْر: ما غضِبنا إلاّ لأنَّا أُخِّرْنا عن المشاروة، وإنَّا نرى
أبا بكر أحق النَّاس بها بعد رسولِ اللهِ مَّةِ، إنَّه لصَاحبُ الغَار، وإِنَّا لَنَعْرف
شَرَفه وخَيْرَهُ، ولقدَ أمره رسولُ اللهِ وَّ بِالصَّلاةِ بِالنَّاسِ وهو حيٌّ .
وقد قيل إنَّ عليّاً رضي الله عنه تمادَى عن المُبايعَةِ مدَّة، فقال يونس بن
يُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدّثني صالح بن كَيْسان، عن عُزْوَة، عن عائشة،
قالت: لمّا تُوفَِّتْ فاطمة بعد وفاة أَبيها بستّة أشهرِ اجتمع إلى عليَّ أهلُ
بيته، فبعثوا إلى أبي بكر: ائتنا. فقال عمر: لا واللهِ لا تأتهمْ. فقال أبو
بكر: والله لآتِيَنَّهُمْ، وما تخافُ عليَّ منهم! فجاءهم حتّى دخلَ عليهم فحمدَ
الله، ثُمَّ قال: إنِّي قد عرفتُ رأيكم، قد وجدتم عليَّ في أنفسكم من هذه
الصَّدقات التي وَليتُ عليكم، ووالله ما صنعتُ ذاك إلاّ أنّي لم أكن أريد أنْ
أكِلَ شيئاً من أمرِ رسولِ الله ◌ِّ كنت أرى أثَّرَهُ فيه وعَمَلَه إلى غيري حتى
أسلُكَ به سبيله وَأُنْفِذَهُ فيما جعله الله، وواللهِ لأَنْ أَصِلَكُمْ أحبُّ إليَّ من أنْ
أصلَ أهلَ قرابتي لقرابتكم من رسولِ اللهِ مَّ ولعظيم حَقِّه. ثم تَشَهَّدَ عليٍّ،
وقال: يا أبا بكر والله ما نَفِسْنَا عليكَ خيراً جعله اللهُ لكَ أنْ لا تكون أهلاً لما
أُسْنِدَ إليك، ولكنَّا كُنَّا من الأمرِ حيثُ قد عَلِمْتَ فتفوّتَّ به علينا، فوجدنا
في أنفسنا، وقد رأيتُ أنْ أَبايعَ وأدخل فيما دخل فيه النَّاسُ، وإذا كانت
١٠

العشيّة(١) فَصَلِّ بالنّاسِ الظُّهرَ، واجلسْ على المِنْبرِ حتّى آتيكَ فأُبايعك.
فلمّا صلّى أبو بكر الظّهر ركب المِنْبَرَ، فحمد الله وأثْنَى عليه، وذكر الذي
كان من أمر عليٍّ، وما دخل فيه من أمر الجماعةِ والبَيْعة، وها هو ذا
فاسمعوا منه، فقام عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر أبا بكر وفَضْلَهُ
وسِنَّه، وأنّه أهلٌ لِما ساق اللهُ إليه من الخير، ثم قام إلى أبي بكر فبايَعَهُ.
أخرجه البخاري (٢) من حديث عُقَيْل عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوة، عن
عائشة، وفيه: وكان لِعليٍّ من النّاس وجْهٌ، حياةَ فاطمةَ، فلمّا تُوُفِّيَتْ استنكر
عليٌّ وجُوهَ النّاس، فالتمس مصالحَة أبي بكر ومُبَايَعَتَهُ.
قصّة الأسود العَنْسِيّ
قال سيف بن عمر التَّميمي(٣): حدثنا المستنير بن يزيد النَّخَعي، عن
عُرْوة بن غَزِيّة، عن الضَّخَّاك بن فيروز الذَّيْلَميّ، عن أبيِهِ، قال: أوّل رِدَّةٍ
كانت في الإسلام على عهدِ رسولِ الله وَ﴿ على يد عَبْهَلَة بن كعب، وهو
الأسود، في عامّة مَذْحِج: خرج بعد حِجّة الوداع، وكان شِعْباذاً يُرِيهم
الأعاجيبَ، ويَسْبِي قلوبَ مَنْ يَسْمع مَنْطِقَه، فوثب هو ومَذْحِجُ بنَجْرانَ إلى
أنْ سار إلى صنعاء فأخذها، ولحق بفَرْوَة مَن تمَّ على إسلامه، ولم يكاتب
الأسودُ رسولَ الله ◌َِّ لأنّه لم يكن معه أحدٌ يشاغبه، وصَفَا له مُلْكُ اليمن .
فروى سَيْف (٤)، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عُبَيْد بن صخْر،
قال: بينما نحن بالجَنَد(٥) قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم
الكُتُبَ، إذ جاءنا كتابٌ من الأسود أن أَمْسِكُوا علينا ما أخذتم من أرضنا،
ووفّروا ما جمعتم فنحنُ أوْلَى به، وأنتم على ما أنتم عليه، فبينا نحنُ ننظرُ
(١) ما بعد الزوال إلى المغرب عَشِيٍّ، وقيل: العشيُّ من زوال الشمس إلى الصباح.
(٢) البخاري ٨٢/٥، ومسلم ١٥٣/٥ .
(٣)
تاريخ الطبري ١٨٥/٣.
(٤)
تاريخ الطبري ٢٢٩/٣.
(٥) بلد في اليمن بين تعز وعدن.
١١

۔
في أمرنا إذْ قيلَ: هذا الأسودُ بشَعُوب(١)، وقد خرج إليه شَهْر بن باذام، ثم
أتانا الخبرُ أنّه قَتَلَ شَهْراً وهزم الأبناءَ، وغَلَب على صنعاء بعد نَيِّهٍ وعشرين
ليلة، وخرج مُعَاذُ هارباً حتى مَرَّ بأبي موسى الأشعري بمأربَ، فاقتحما
حَضْرَمَوْتَ .
وغَلَبَ الأسودُ على ما بين أعمالِ الطّائف إلى البحرين وغير ذلك،
وجعل يستطيرُ استطارةَ الحريق، وكان معه سبع مئة فارس يوم لقي شَهْراً،
وكان قُوَّادُه: قيسٍ بن عبد يَغُوث، ويزيد بن مخزوم، وفلان، وفلان،
واستغلظ أمرُهُ وغَلَب على أكثر اليمن، وارتدّ معه خَلْقٌ، وعامله المسلمون
بالتقية. وكان خليفته في مَذْحِج عَمْرو بن مَعْد يكرِب، وأسند أمْرَ جُنْدِه إلى
قيس بن عبد يَغُوث، وأَمْرَ الأبناءِ(٢) إلى فيروزٍ الذَّيْلَميّ، وذادويه. فلمّا
أثخنَ في الأرضِ استخفَّ بهؤلاء، وتَزوَّجَ امرأةٌ شَهْر، وهي بنتُ عمِّ فيروز،
قال: فبينا نحنُ كذلك بحَضْرَمَوْت ولا نأمَن أَنْ يسيرَ إلينا الأسودُ، وقد
تزوَّج مُعَاذُ في السَّكُون(٣)، إذ جاءتنا كُتُبُ النَّبِيِّ ◌َ ـَّ يأمرنا فيها أنْ نبعثَ
الرجالَ لمجاولته ومصاولته، فقام مُعاذ في ذلك، فعرفنا القُوَّة ووثقنا
بالنصر .
وقال سيف(٤): حدّثنا المُسْتَنِير، عن عُرْوَة(٥)، عن الضَّخَاك بن فيروز،
عن جشِنِس(٦) ابن الدَّيْلميّ، قال: قدِم علينا وَبَر بنُ يُحَنَس بكتاب رسول الله
وَّ فأمرنا فيه بالُّهوض في أمرِ الأسود فرأينا أمراً كثيفاً، ورأينا الأسودَ قد
تغيَّرَ لقيس بن عبد يَغُوث، فأخبرنا قَيْساً وأبلغَنَاه عن رسول الله ◌َّةِ، فكأنّما
وقعنا عليه، فأجابنا، وجاء وَبَرُ وكاتبْنا النّاسَ ودعوناهم، فأخبر الأسودَ
(١) اسم موضع باليمن.
أي: أبناء أهل فارس.
(٢)
(٣)
بطن من كندة .
تاريخ الطبري ٢٣١/٣.
(٤)
(٥)
يعني عروة بن غزية .
(٦) هكذا بخط المؤلف، وكذا هو في تاريخ الطبري، والعجيب أن المؤلف قيّده في
المشتبه (٢٦٥): ((جُشَيْش))، وتابعه ابن ناصر الدين في التوضيح ٤٢٤/٣، وهو صنيع
ابن ماكولا في الإكمال ١٥٢/٣.
١٢

شيطانُهُ فأرسل إلى قيس، فقال: ما يقولُ المَلَك؟ قال: يقول: عَمَدْت إلى
قيس فأكرمته، حتّى إذا دخلَ منكَ كُلَّ مُدْخل مال مَيْل عَدُوِّكَ. فحلف له
وتنصّل، فقال: أَتُكَذِّبِ المَلَكَ؟ قد صدقَ وعرفتُ أنّك تائبٌ. قال: فأتانا
قيس وأخبرنا فقلنا: كُن على حَذَر، وأرسل إلينا الأسود: أَلَم أَشَرَّفْكُم على
قومِكم، ألم يبلغني عنكم؟ فقُلْنا: أقِلْنا مَرَّتَنَا هذه، فقال: فلا يبلغني عنكم
فاقتلكم. فنجونا ولم نُكَدْ، وِهِو في ارتيابٍ من أمرنا. قال: فكاتَبَنَا عامر بن
شَهْر، وذُو الكَلاعِ، وذو ظُلَيْم، فأمرناهم أنْ لا يتحرّكوا بشيءٍ، قال:
فدخلتُ على امرأته آزاد فقلت: ياابْنَةَ عمّ قد عرفتِ بلاءَ هذا الرجل، وقَتَل
زوجَكِ وقومَكِ وفَضَحَ النّساء، فهل من ممالأةٍ عليه؟ قالت؛ ما خلق اللهُ
أبغضَ إليَّ منه، ما يقومُ لله على حقٍّ ولا ينتهي عن حُرْمَة. فخرجتُ فإذا
فيروز وزادوية (١) ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نُنَاهضه، فقال له
رجل قبل أنْ يجلسَ: المَلِكُ يدعوك. فدخل في عَشَرة فلم يقدِرْ على قتله،
وقال: أنا عبهلة أمِنِّي تَتَحصَّنُ بالرجال؟ ألَم أُخْبِرْكَ الحقَّ وتخبرني الكذِبَ،
تُريدُ قتلي! فقال: كيف وأنت رسولُ الله فَمُرْني بما أحْبَبْت، فأمّا الخوف
والفزع فأنا فيهما فاقتلْني وأرحني. فَرَقَّ له وأخرجه، فخرج علينا، وقال:
اعملوا عَمَلَكُم. وخرج علينا الأسودُ في جَمْع، فقمنا له، وبالباب مئة بَقَرةٍ
وبعيرٍ فَنَحَرَها، ثم قال: أحِقٌّ ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هَمَمْتُ بقتلك.
فقال: اخترتَنَا لصِهْرِكَ وفَضَّلْتَنَا على الأبناء، وقد جُمِعَ لنا أمرُ آخرةٍ ودنيا،
فلا تقبلنَّ علينا أمثال ما يبلغك. فقال: اقسمْ هذه. فجعلتُ آمُرُ للرشطِ
بالجَزُور ولأهل البيت بالبقرةِ. ثم اجتمَعَ بالمرأة، فقالت: هو متحرِّزٌ،
والحرسُ محيطون بالقصر سوى هذا الباب فانْقُبُوا عليه، وهيّأت لنا سِراجاً.
وخرجتُ فتلقَّاني الأسودُ خارجاً من القصر، فقال: ما أدْخَلَكَ؟ ووجاً رأسي
فسقطتُ، فصاحتِ المرأةُ وقالت: ابنُ عمِّي زارني. فقال: اسكتي لا أبَا لَكِ
فقد وهبتُهُ لكِ. فأتيتُ أصحابي وقلتُ: النَّجاء، وأخبرتهم الخبر، فأنا على
ذلك إذْ جاءني رسولُها: لا تَدَعَنَّ ما فارقتُك عليه. فقلنا لفيروز: انْتِها وأَتْقِنْ
أمْرَنَا، وجئنا بالليل ودخلنا، فإذا سراجٌ تحت جَفْنَة، فاتّقينا بفيروز، وكان
(١) هكذا بخط المؤلف، وسيقيده بعد قليل بخطه أيضاً: داذوية!
١٣

أَنْجَدَنَا، فلمّا دنا من البيت سمع غطيطاً شديداً، وإذا المرأة جالسة. فلمّا
قام فيروز على الباب أجلس الأسودَ شيطانُه وكلَّمه فقال: وأيضاً فما لي
ولكَ يا فيروز! فخشيَ إنْ رجع أن يهلِكَ هو والمرأة، فعاجله وخالطه وهو
مثل الجَمَل، فأخذ برأسه فدقّ عُنُقَه وقتله، ثم قام ليخرج فأخذت المرأةُ
بثوبه تُنَاشِده، فقال: أُخِبِرُ أصحابي بقتْلِه. فأتانا فقُمْنا معه، فأردنا حَزَّ رأسه
فحرّكه الشيطانُ واضطَّرَب، فلم نضبطه، فقال: اجلسوا على صدره.
فجلس اثنان وأخذت المرأة بشَعْره، وسمعنا بَرْبَرةً(١) فألجَمَتْهُ بملاءة. وأَمَرَّ
الشَّفْرَةَ على حلقه، فخار كأشدِّ خُوارٍ ثَوْرٍ، فابتدر الحرسُ البابَ: ما هذا؟
ما هذا؟ قالت: النَّبيُّ يُوحى إليه. قالَ: وَسمرنا ليلَتَنَا كيف نُخْبِرُ أشياعَنَا،
فأجمعنا على النِّداء بشعارنا ثم بالأذان، فلما طلع الفجر نادى داذويه(٢)
بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون، واجتمع الحرسُ فأحاطوا بنا، ثم
ناديتُ بالأذان، وتوافت خيولهم إلى الحَرَس، فناديتهم: أشهدُ أنَّ محمداً
رسول الله، وأنّ عَبْهَلَة كذَّاب، وألقينا إليهم الرأس، وأقام وَبَرُ الصّلاة،
وشَنَّها القومُ غارةً، ونادَيْنا: يا أهل صنعاء مَن دخل عليه داخلٌ فتعلَّقُوا به،
فكثُرَ النَّهْبُ والسَّبيُ، وخلصت صنعاء والجَنَدُ، وأعزَّ اللهُ الإسلامَ، وتنافسنا
الإمارةَ، وتراجع أصحابُ رسولِ الله ◌ِلَّ، فاصطلحنا على مُمعاذ بن جَبَل،
فكان يُصلِّي بنا، وكتبنا إلى النَّبِيِّ بَّهَ الخَبَرَ فقدِمَتْ رُسُلُنا، وقد قُبض النَّبيُّ
وَ لَّ صِبِيحَتَئِذٍ فأجابنا أبو بكر رضي الله عنه .
وروى الواقديُّ عن رجاله، قال: بعث أبو بكر قيس بن مَكْشُوح إلى
اليمن، فقتلَ الأسودَ العَنْسيَّ، هو وفيروز الدَّيْلِمِيّ. ولقَيْسِ هذا أخبارٌ، وقد
ارتدَّ، ثم أسره المسلمون فعفا عنه أبو بكر، وقُتل مع عليٍّ بصفِّينَ.
(١) أي: صياحاً.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وقيده قبل قليل: زادويه.
١٤

جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما
قال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، قال: جعل رسولُ الله ◌ِلّه يقول في
مرضه: (أَنْفِذُوا جيشَ أُسامة، فسار حتى بلغ الجُرْفَ، فأرسلت إليه امرأتُه
فاطمةُ بنت قيس تقول: لا تَعْجَلْ فإنّ رسولَ الله ◌ِِّ ثقيل، فَلَم يبرح حتى
قُبضَ رسولُ اللهِ مَّهِ، فلمّا قُبِض رجع إلى أبي بكر فقال: إنَّ رسولَ الله ◌َِ﴾.
بعثني وأنا على غير حالِكم هذه، وأنا أتخوَّفُ أنْ تكفرَ العرب، وإنْ كَفَرَتْ
كانوا أوَّلَ مَنْ نقاتل، وإنْ لم تكفُرْ مضيتُ، فإنَّ معي سَرَوَاتِ النَّاس
وخيارهم، قال: فخطب أبو بكر النّاسَ، ثم قال: والله لأنْ تَخَطَّفني الطَّيْرَ
أحَبُّ إليَّ من أنْ أبدأ بشيء قَبْلَ أمرِ رسولِ الله ◌ٍِّ، قال: فبعثه أبو بكر،
واستأذن لعمر أنْ يتركه عنده، وأمَرَ أن يَجْزِرَ في القوم؛ أي يقطع الأيدي،
والأرجلَ والأوساط في القتال، قال: فمضى حتى أغار، ثم رجعوا وقد
غِنِمُوا وسَلِموا.
فكان عمر يقول: ما كنتُ لأُحَيِّي أحداً بالإمارة غير أسامة، لأنَّ رسولَ
اللهِ وََّ قُبِضَ وهو أميرٌ، قال: فسار، فلمّا دَنَوا من الشّامِ أصابتهم ضَبَابةٌ
شديدةٌ فسترتهم، حتى أغاروا وأصابوا حاجَتَهُمْ، قال: فَقُّدِمَ بنعي رسولِ
الله ◌َثّ على هِرَقْل وإغارةٍ أسامة في ناحية أرضه خبَراً واحداً، فقالت الروم:
ما بالُ هؤلاء يموت صاحبُهم وأغاروا على أرضنا؟
وعن الزهري، قال: سار أسامة في ربيع الأول حتى بلغ أرضَ الشام
وانصرف، فكان مسيرُهُ ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً.
وقيل كان ابن عشرين سنة(١).
وقال ابن لَهِيعَة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: فلمّا فرغوا من
البَيْعة، واطْمأنَّ النَّاس قال أبو بكر لأسامة بن زيد: امْض لوجهك. فكَّلمَهُ
رجالٌ من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسِكْ أسامة وبَعْثَهُ فإنَّا نخشى أنْ
تميلَ علينا العربُ إذا سمعوا بوفاةِ رسولِ الله ◌ِ﴾. فقال: أنا أحبس جيشاً
(١) انظر في ذلك طبقات ابن سعد ٦٦/٤-٦٨ .
١٥

بَعَثَهُمْ رسولُ الله ◌َِلِّ! لقد اجترأتُ على أمرٍ عظيم، والذي نفسي بيده لأنّ
تميلَ عليَّ العربُ أحبُّ إليَّ من أنْ أحبِسَ جيشاً بعثهم رسولُ الله ◌ِ لَّه امض
يا أسامة في جيشك للوجه الذي أُمِرْتَ به، ثم أغزُ حيث أمَرَكَ رسولُ الله
من ناحية فلسطين، وعلى أهل مُؤْتَة، فإنَّ الله تعالى سيكفي ما تركتَ،
ولكنْ إنْ رأيتَ أنْ تأذَنَ لعمر فأستشيره وأستعين به فافعلٌ، ففعل أسامة .
ورجع عامَّةُ العربِ عن دينهم وعامّةُ أهل المشرق وغَطَفَان وأسَد وعامّةُ
أَشْجع، وتمسَّكَتْ طَىءُ بالإسلام.
شأن أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما
قال الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة: إنَّ فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة
رسولِ الله ◌َ ﴾ أن يَقْسِم لها ميراثها مِمَّا ترك رسولُ الله ◌ِيّ مِمَّا أفاء اللهُ عليه،
فقال لها: إنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ قال: ((لا نُورَث، ما تَرَكْنا صَدَقَة)) فغضبَتْ
وهَجَرَتْ أبا بكر حتّى تُوُفِّيت(١).
وأرسل أزواجُ النَّبِيِّ بَّ عثمانَ بن عفَّنَ إلى أبي بكرٍ يَسْأَلْنَهُ ميرائهُنَّ مما
أفاء اللهُ على رسولِه، حتَّى كنتُ أنا رَدَدْتُهُنَّ فقلت لهنَّ: ألّ تتَّقينَ الله؟ ألم
تسمعْنَ من رسولِ الله ◌َِّ يقول: ((لا نُورث، ما تركنا صَدَقة إنما يأكلُ آلُ
محمد في هذا المال)) (٢).
وقال أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ◌َّ قال:
((لا يقتسمُ ورَثْتي ديناراً، ما تركّتُ بعد نفقةِ نسائي ومؤونةِ عاملي(٣)
(١) أخرجه أحمد ٤/١ و٦ و٩ و١٠، والبخاري ٩٦/٤ و٢٥/٥ و١١٥ و١٧٧ و١٨٥/٨،
ومسلم ١٥٣/٥ و١٥٥، وأبو داود (٢٩٦٨) و(٢٩٦٩) و(٢٩٧٠)، والنسائي
١٣٢/٧. وانظر المسند الجامع ٦٢٣/٩-٦٢٧ حديث (٧١١١).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ٦١٤، وأحمد ١٤٥/٦ و٢٦٢، والبخاري ١١٥/٥ و ١٨٥/٨
و١٨٧، ومسلم ١٥٣/٥، وأبو داود (٢٩٧٦) و(٢٩٧٧)، والترمذي في الشمائل
(٤٠٢)، والنسائي في الكبرى كما في التحفة (١٦٥٩٢). وانظر المسند الجامع
٢٠/ ٣٣ حديث (١٦٧٨٨).
(٣) كتب المؤلف في حاشية نسخته أنها وردت في نسخة أخرى: ((عيالي)).
١٦

فهو صَدَقَةٍ))(١) .
وقال محمد بن السّائب ـ وهو متروك - عن أبي صالح مولى أمّ هانىء،
أنَّ فاطمة دخلت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر أرأيت لو مُتَّ اليوم مَنْ
كان يرُّكَ؟ قال: أهلي وولدي. فقالت: ماَلَكَ ترِثُ رسولَ اللهِ ﴾ من دون
أهله وولده! فقال: ما فعلتُ يا ابنة رسول الله. قالت: بلى قد عَمَدْتَ إلى
فَدَكَ (٢) وكانت صافيةً لرسول الله ◌ِ ﴾ٍ فأخذْتَها، وعَمَدْتَ إلى ما أنزل الله من
السماء فرفَعْتَهُ مِنَّا، فقال: لم أفعل، حَدَّثني رسولُ الله ◌ِهِ أنّ الله يُطْعِمِ النّبيّ
الطُعْمَةَ ما كان حياً فإذا قَبَضَه رَفَعَها. قالت: أنتَ ورسولُ الله ◌ِ لَ أعلم، ما
أنا بسائلتكهُ بعد مجلسي هذا .
ابن فُضَيْل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل، قال: لما قُبض
النَّبيُّ وَّهِ أرسلت فاطمةُ إلى أبي بكر: أنتَ وريثُ رسولِ الله ◌ِلّ أَم أهلَه؟
فقال: لا بَلْ أهلُه. قالت: فأين سَهْمُهُ؟ قال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله ◌ِ له
يقول: ((إنَّ الله إذا أطعم نَبِيَّاً طعمةً ثمّ قبضه جعلها لِلَّذي يقومُ من بعده))،
فرأيت أنْ أردّهُ على المسلمينَ. قالت: أنتَ وما سمعتَ من رسولِ الله
أعْلم.
رواه أحمد في ((مُسْنَدِه))(٣)، وهو مُنْكَر، وأنكرُ ما فيه قولُه: ((لا، بل
أهله)) .
وقال الوليد بن مسلم، وعمر بن عبدالواحد: حدثنا صَدَقَةُ أبو معاوية،
عن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصِّديق، عن
يزيد الرقاشيّ، عن أنس أنَّ فاطمةَ أتت أبا بكرِ فقالت: قد علمْتَ الذي
خُلُّفنا عنه من الصَّدقات أهل البيت. ثم قرأتْ عليه ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ﴾﴾ [الأنفال] إلى آخر الآية، فقال لها: بأبي
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٦١٤، والحميدي (١١٣٤)، وأحمد ٢٤٢/٢ و٣٧٦ و ٤٦٣
و٤٦٤، والبخاري ١٥/٤ و٩٩ و١٨٦/٨، ومسلم ١٥٦/٥، وأبو داود (٢٩٧٤)،
والترمذي في الشمائل (٤٠٣)، وابن خزيمة (٢٤٨٨). وانظر المسند الجامع
٣٢٧/١٧ حديث (١٣٧١٣).
(٢) قرية على مسافة يومين من المدينة المنورة.
(٣) أحمد ٤/١.
تاريخ الإسلام ٢/م٢
١٧

وأُمِّي أنتِ ووالدك وولَدُك، وعليَّ السَّمْعُ والصَّبْرُ، كتابَ اللهِ وحقَّ رسوله
وحقَّ قرابته، أنا أقرأُ من كتابِ الله مثلَ الذي تقرئينَ، ولا يبلغُ علمي فيه أنْ
الذي قرابةِ رسولِ اللهِ وَّ هذا السَّهمَ كُلَّه من الخُمُس يجري بجماعته عليهم.
قالت: أَفَلَكَ هو ولِقَرابتِكَ؟ قال: لا، وأنتِ عندي أمينةٌ مُصَدَّقة، فإنْ كان
رسولُ الله ◌َّ عِهِدَ إليكِ في ذلك عهداً ووَعَدَكِ موعداً أوْجَبَهُ لكم حقّاً
صَدَّقتُكِ وسلَّمته إلَيكِ. قالت: لا، إلّ أنَّ رسولَ اللهِ﴾ حين أُنزِل عليهِ فِي
ذلك قال: أَبْشِروا آلَ محمد فقد جاءكم الغِنى. فقال أبو بكر: صَّدَقْتِ فَلَكِّ
الغِنَى، ولم يبلغ علمي فيه ولا بهذه الآية أنْ يُسَلَّمَ هذا السَّهْم كلُّه كاملاً،
ولكن لَكُمُ الغِنَى الذي يُغْنيكم، ويفضلُ عنكم، فانظري هل يوافقُكِ على
ذلك أحدٌ منهم، فانصرفتْ إلى عمر فذكرت له كما ذكرت لأبي بكر، فقالَ
لها مِثْلَ الذي راجعها به أبو بكر، فعجِبَتْ وظَنَّتْ أنَّهما قد تذاكرا ذلك
واجتمعا عليه(١).
وبالإسناد إلى محمد بن عبدالله - من دون ذِكْر الوليد بن مسلم - قال:
حدّثني الزُّهْري، قال: حدّثني مَنْ سمع ابنَ عبّاس يقول: كان عمر عرض
علينا أنْ يُعْطِينا من الفَيْء بحقِّ ما يرى أنَّه لنا من الحقِّ، فرغِبْنا عن ذلك
وقُلْنا: لنا ما سَمَّى اللهُ من حقّ ذي القُرْبَى، وهو خُمْس الخمس، فقال
عمر: ليس لكم ما تَدَّعُون لكم حقٌّ، إنّما جعل الله الخُمْسَ لأصنافٍ
سَمَّاهم، فأسعدُهم فيه حظاً أشدُّهم فاقةً وأكثرهم عيالاً. قال: فكان عمر
يعطي من قَبِلَ مِنَّا من الخُمْس والفيْء نحو ما يرى أنَّهُ لنا، فأخذَ ذلك منَّا
ناسٌ و ترکە نَاس(٢).
وذكر الزُّهْري(٣) أنَّ مالكَ بن أوس بن الحَدَثان النَّصْرِيّ قال: كنت عند
عمر رضي الله عنه، فقال لي: يا مالك إنّه قدِم علينا من قومك أهلُ أبياتٍ
وقد أمرتُ فيهم برَضْخ فاقْسِمْه بينهم، قلتُ: لو أمرتَ به غيري، قال:
اقبضْه أيُّها المَرْء، قالُ: وأتاه حاجبُهُ يَرْفأ فقال: هل لكَ في عثمان،
(١) هذا حديث ضعيف، لضعف يزيد الرقاشي.
(٢) إسناده ضعيف، لجهالة الراوي عن ابن عباس.
البخاري ٤ / ٩٧ -٩٨.
(٣)
١٨

والزُّبَيْر، وعبدالرحمن، وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فدخلوا وسلَّموا
وجلسوا، ثم لبث يرفأ قليلاً، ثم قال لعمر: هل لكَ في عليٍّ والعبّاس؟
قال: نعم، فلمّا دخلا سَلَّما فجلسا، فقال عبّاس: يا أميرَ المؤمنين اقضٍ
بيني وبين هذا الظَّالم الفاجر الغادر الخائن، فاسْتبًا، فقال عثمان وغيره: يا
أمير المؤمنين اقضٍ بينهما وأرِحْ أحَدهما من الآخر. فقال: أنْشُدُكُمَا بالله هل
تعلمان أنَّ رسولَ اللهَِّ قالَ: ((لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدَقَة))؟ قالا: قد قالَ
ذلك. قال: فإنِّي أُحدِّثكم عن هذا الأمر: إنَّ الله كان قد خصَّ رسولَه في
هذا الفَيْء بشيء لم يُعْطِه غيرَه، فقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآَ
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ خَ﴾
[الحشر]، فكانت هذه خالصةً لرسولِ اللهِ بَلّ، ثم والله ما احْتازها دونكم
ولا اسْتَأْثَرَ بها عليكم، لقد أعطاكمُوها وبَثَّها فيكم حتّى بقيَ منها هذا المالُ،
فكان رسولُ الله ◌ِّهِ يُنْفِقُ على أهله نَفَقَةَ سَنَّتِهِمْ من هذا المال، ثم يجعل ما
بقي مَجْعَلَ مالِ الله. أنْشُدُكُمْ بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم تَوَفَّى
اللهُ نبيَّه، فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسولِ الله وَّه، فقبضها وعملَ فيها بما عمل
به رسولُ الله ◌ِّ فيها، وأنتما تزعمان أنَّ أبا بكر فيها كاذبٌ فاجرٌ غادِرٌ، واللهُ
يعلمُ أنّه فيها لَصادقٌ بارزٌّ راشدٌ، ثم تَوفَّاه الله فقلت: أنا وليُّ رسولِ الله ◌ِص ◌َل
ووليُّ أبي بكر، فقبضتُها سنتين من إمارتي، أعملُ فيها بعمله، وأنتم
حينئذٍ، وأقبل عليَّ عليٍّ وعبّاس يزعمون أنِّي فيها كاذبٌ فاجرٌ غادرٌ، والله
يعلمُ أنَّي فيها لصَادِقٌ بَارٌ راشِدٌ تابعٌ للحقّ، ثم جئتماني وكَلِمَتْكُما واحدةٌ
وأمْرُكُما جميعٌ، فَجِئْتَنِي تَسألُني عن نصيبكَ من ابنِ أخيك، وجاءني هذا
يسألني عن نصيبٍ امرأتِه من أبيها، فقلتُ لكما: إنَّ رَسولَ اللهِلّه قال: ((لا
نُورَثَ، ما تركْناَ صَدَقَة)). فلمّا بدا لي أنْ أَدْفَعَها إليكما قلت: إنْ شِئْتُما
دفعتُهَا إليكما على أنَّ عليكما عهدَ الله وميثاقَه لَتَعْمِلانِ فيها بما عمِلَ فيها
رسولُ الله ◌َ ◌ّ وبما عملَ فيها أبو بكر، وإلاّ فلا تُكَلِّماني، فقلتما: ادْفَعْها
إلينا بذلك، فدفعتُها إليكما؛ أنْشُدُكُم بالله هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قال
الرَّهْطَ : نعم، فأقبل على عليٍّ وعبّاس فقال: أنْشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما
بذلك؟ قالا : نعم. قال: أَفَتَلْتَمِسانِ منّي قضاءً غيرَ ذلك! فَوَالذي بإذنه تقومُ
١٩

السماءُ والأرضُ لا أقضي فيها غيرَ ذلك حتّى تقومَ الساعةُ، فإنْ عجزتما
عنها فادفعاها إليَّ أَكْفِيكُمَاهَا .
قال الزُّهْري(١): وحدّثني الأعرج أنّه سمع أبا هريرة يقول: سمعتُ
رسولَ الله ◌َِّ يقول: ((والذي نفسي بيده لا يقتسمُ وَرَثَتَي شيئاً ممّا تركتُ،
ما تركْنا صَدَقَة)). فكانت هذه الصَّدَقَةُ بيد عليٍّ غلبَ عليها العبّاسَ، وكانت
فيها خصومتُهُما، فأبى عمر أنْ يقسمها بينهما حتى أعرض عنها عبّاس غلبه
عليها عليٌّ، ثمّ كانت على يدي الحَسَن، ثم كانت بيد الحُسين، ثم بيد عليٍّ
ابن الحُسين والحَسن بن الحَسَن، كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد، وهي
صدقةُ رسولِ اللهِوَلّ حقاً.
خبر الرِّدَّة
لما اشتهرت وفاةُ النَّبِيِّ بِّهِ بالنَّواحي، ارتدّ طوائف كثيرةٌ من العرب عن
الإسلام ومنعوا الزّكاة، فنهض أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه لقتالهم،
فأشار عليه عمر وغيرُه أن يفتر عن قتالهم. فقال: والله لو منعوني عِقالاً أو
عناقاً(٢) كانوا يُؤْذُّونها إلى رسولِ الله ◌َِّ لَقَاتَلْتُهُم على مَنْعِها، فقال عمر:
كيف تقاتلُ النَّاسَ وقد قال رسول الله مَ: ((أُمِرْتُ أنَّ أقاتل النَّاسَ حتَّى
يقولوا لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله فمن قالها عصم منِّي مالَه ودَمَه إلاَ
بحقِّها وحسابُهُ على الله))؟ فقال أبو بكر: والله لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بين الصَّلاةِ
والزَّكاة، فإنَّ الزَّكاة حُّ المال وقد قال: ((إلاَّ بحقِّها)). قال عمر: فَوَالله ما
هو إلّ أنْ رأيتُ الله شرح صَدْرَ أبي بكرٍ للقتال، فعرفت أنَّهُ الحقّ(٣).
فعن عُرْوَة، وغيره، قال: فخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتّى
بلغ نَقْعاً حِذاءَ نَجْد، وهربت الأعرابُ بذراريهم، فكلّم النّاسُ أبا بكرٍ ،
(١) مسلم ١٥٦/٥ .
(٢)
هي الأنثى من ولد المعز .
(٣) أحمد ١٩/١ و٤٧، والبخاري ١٣١/٢ و١٤٧ و١٩/٩ و١١٥، ومسلم ٣٨/١، وأبو
داود (١٥٥٦)، والترمذي (٢٦٠٧)، والنسائي ١٤/٥ و٧٧/٧ و٥/٦ و٧٨/٧
وغيرها .
٢٠