Indexed OCR Text
Pages 481-500
قال ابن سعد(١): الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل. وروى سَلَمَة الأبرش، عن ابن إسحاق هذا النَّسَب إلى يَشْجُب سَواء، ثم خالفه فقال: يَشْجُب بن يامين بن صاتوح بن نبت بن العوّام بن قيذار بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام. وقال ابن إسحاق(٢): يذكرون أن عُمْر إسماعيل عليه السلام مئة وثلاثون سنة، وأنه دُفِن في الحِجْر مع أمه هاجر . وقال عبدالملك بن هشام(٣): حدّثني خلّد بن قُرَّة بن خالد السَّدُوسيّ، عن شَيْبان بن زُهَير، عن قَتَادة، قال: إبراهيم خليل الله هو ابن تارح بن ناحور بن أشرع بن أرغِوِ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن مَتُّوشَلَخ بن هنوخ بن يَرَد بن مهلاييل بن قانَن بن أنوش بن شِیٹ بن آدم. وروى عبدالمنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن مُنَبِّه، أنّه وجد نسب إبراهيم عليه السلام في التّوراة: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شروغ ابن أرغو بن فالَغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشَذ بن سام بن نوح بن لمك بن متّشالخ بن خنوخ، وهو إدريس، بن يارَد بن مهلاييل بن قَيْنان بن أنُّوش بن شِیٹ بن آدم. وقال ابن سعد(٤): حدثنا هشام ابن الكلبيّ، قال: عَلَّمني أبي وأنا غلام نَسَبَ النَّبِيِّ وَّ: محمد، الطَّيِّب المبارك ولد عبدالله بن عبدالمطلب، واسمه شَيْئَة الحمد، بن هاشم واسمه عَمْرو، بن عبد مَناف واسمه المُغِيرة، ابن قُصَيّ واسمه زيد، بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَّيّ بن غالب بن فِهْر ابن مالك بن النَّضْر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار ابن مَعَدّ بن عدنان. قال أبي: وبين مَعَدّ وإسماعيل نيّف وثلاثون أباً، وكان لا يسمّيهم ولا الطبقات: ١/ ٥٨ . (١) ابن هشام: ١/ ٥. (٢) ابن هشام: ٣/١. (٣) (٤) الطبقات ١/ ٥٥ . تاريخ الإسلام ١/م٣١ ٤٨١ يُنفذهم . قلت: وسائر هذه الأسماء أعجميّة، وبعضها لا يمكن ضبطه بالخطّ إلاّ تقريباً. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفَصِيَتِهِ الَِّى تُوِيهِ ﴾ [المعارج]: فصيلة النّبِيّ وَلَ بنو عبدالمطّلب أعمامه وبنو أعمامه، وأمّا فخذه فبنو هاشم. قال: وبنو عبد مَناف بطنه، وقريش عِمارته، وبنو كنانة قبيلته، ومُضَر شَعْبه. قال الأوزاعيّ: حدّثني شدّاد أبو عمّار، قال: حدّثني واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله اصطفى كِنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كِنَانة، واصطفى هاشماً من قريش، واصطفاني من بني هاشم)). (١) رواه مسلم (١). وأمّه آمنة بنت وَهْب بن عبد مَناف بن زُهْرة بن كلاب، فهي أقرب نَسَباً إلى كِلاب من زوجها عبدالله برجل . مولده المبارك أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن أبي الفتح، والفتح بن عبدالله، قالا: أخبرنا محمد بن عمر الفقيه، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد ابن النَّقُّور، قال: أخبرنا عليّ بن عمر الحربيّ، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الصُّوفي، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا حجّاج بن محمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس: ((أنّ النَّبِيَّ بَِّ وُلِد عام(٣) الفيل)). (٣) صحیح ٠ وقال ابن إسحاق(٤): حدّثني المطّلب بن عبدالله بن قيس بن مَخْرَمَة، (١) مسلم ٧ / ٥٨ . (٢) كتب المؤلف بخطه على الهامش أنها في نسخة أخرى ((يوم)). (٣) دلائل النبوة للبيهقي ١ / ٧٥ . (٤) ابن هشام ١٥٩/١ . ٤٨٢ عن أبيه، عن جدّه قيس بِن مَخْرَمَة بن عبدالمطّلب، قال: ((وُلدت أنا ورسول الله ﴿ عام الفيل. كُنَّا لِدَيْن)) أخرجه الترمذي(١)، وإسناده حسن. وقال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: حدثنا سليمان النَّوْفليّ، عن أبيه، عن محمد بن جُبَير بن مُطْعِم، قال: وُلد رسول الله بِّهِ عامَ الفِيل، وكانت عُكَاظ بعد الفيل بخمس عشرة، وبُني البيتُ على رأس خمسٍ وعشرين سنة من الفيل. وتنبأ رسولُ اللهِ وَلّر على رأس أربعين سنة من الفيل. وقال شباب العُصْفُريّ(٢): حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا عبدالعزيز بن عمران، قال: حدثني الزُّبَير بن موسى، عن أبي الحُويرث، قال: سمعت قَباث بن أَشْيَم يقول: ((أنا أسنُّ من رسول الله مَّ وهو أكبر منّي، وَقَفَتْ بي أمّي على رَوْث الفيل مَحِيلاً(٣) أعقله، ووُلِد رسول اللّه ◌َل عام الفيل)) (٤). يحيى هو أبو زُكير، وشيخه متروك الحديث. وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: بعث الله محمداً مَّ على رأس خمس عشرة سنة من بُنْيان الكعبة، وكان بين مَبْعثه وبين أصحاب الفيل سبعون سنة. كذا قال(٥). وقد قال إبراهيم بن المنذر وغيره: هذا وَهمٌ لا يشكّ فيه أحدٌ من علمائنا. إنّ رسول الله وُلِد عام الفيل وبُعث على رأس أربعين سنة من الفيل . وقال يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزَى، قال: كان بين الفيل وبين مولد رسول الله مَ ﴿ عشر سنين. وهذا قول مُنْقَطِع(٦). وأضعف منه ما روى محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة، وهو ضعيف، قال: حدثنا عُقْبَة بن مُكْرَم، قال: حدثنا المسيَّب بن شَريك، عن شُعَيْب بن الترمذي (٣٦٩٨)، وليس فيه ((كنا لدين)) وقال: حديث حسن غريب. (١) (٢) هو خليفة بن خياط صاحب التاريخ والطبقات. (٣) أي: متغيراً. تاریخ خليفة بن خياط ص ٥٢ . (٤) (٥) دلائل النبوة ٧٨/١. (٦) دلائل النبوة ١/ ٧٩. ٤٨٣ شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه، قال: حُمِل برسول الله بِّ في عاشوراء المحرَّم، ووُلد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من رمضان سنة ثلاثٍ وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وهذا حديثٌ ساقط كما ترى. وأوهى منه ما يُرْوَى عن الكلبيّ - وهو مُثَّهمٌ ساقط - عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس، قال: وُلد رسول الله وَّل قبل الفيل بخمس عشرة سنة. قد تقدّم ما يبيّن كَذِبَ هذا القول عن ابن عباس بإسنادٍ صحيح. قال خليفة بن خيّاط(١): المُجْتَمعُ عليه أنه وُلِد عام الفيل. وقال الزُّبَير بن بكّار: حدثنا محمد بن حسن، عن عبدالسّلام بن عبدالله، عن معروف بن خَرَّبُوذ وغيره من أهل العلم، قالوا: وُلد رسول الله بَّ عام الفيل، وسُمِّيَتْ قريش ((آل الله)) وعَظُمَتْ في العرب. وُلد لاثنتي عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول، وقيل: من رمضان يوم الاثنين حين طلع الفجر . وقال أبو قَتَادة الأنصاريّ: سأل أعرابيّ رسولَ اللهِ وَلَه فقال: ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ قال: ((ذاك يوم وُلدتُ فيه وفيه أُوحيَ إليَّ)). أخرجه (٢) مسلم(٢) . وقال عثمان بن عبدالرحمن الوَقَّاصي، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيّب وغيره، أنّ رسول الله ملّ وُلد في ليلة الاثنين من ربيع الأول عند ابهرار النّهار. وروى ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عَوْف، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة، قال : حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسّان بن ثابت، قال: إنّي والله لَغُلامٌ يَفَعَة، إذ سمعت يهوديّاً وهو على أُطُمهِ (٣) بيثرب يصرخ: يا معشر يهود، فلما اجتمعوا إليه، قالوا: ويْلَك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يُبْعَث به (١) تاريخه ٥٣ . (٢) مسلم ١٦٧/٣ و١٦٨. (٣) أي: حصن. ٤٨٤ . اللّيلة(١). وقال ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش، عن ابن عبّاس، قال: وُلد نبيّكمْ رَّه يوم الاثنين ونُبّىء يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وقَدِمَ المدينةَ يوم الاثنين، وفتح مكةَ يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين، وتُوُفيّ يوم الاثنين. رواه أحمد في مُسْنَده(٢)، وأخرجه الفَسَوي في تاريخه(٣). وقال شيخنا أبو محمد الدِّمْياطي في ((السيرة)) من تأليفه، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، قال: وُلِد رسول اللهِ وَله يوم الاثنين لعشرٍ ليالٍ خَلَوْن من ربيع الأول، وكان قُدُوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النّصف من المحرَّم. وقال أبو معشر نَجِيح: وُلد لاثنتي عشرة ليلة خَلَت من ربيع الأول. قال الدِّمياطيّ: والصّحيح قول أبي جعفر، قال: ويقال: إنّه وُلد في العشرين من نَیْسان. وقال أبو أحمد الحاكم: وُلد بعد الفيل بثلاثين يوماً. قاله بعضهم. قال: وقيل بعده بأربعين يوماً. قلت: لا أُبعدُ أنَّ الغلط وقع من هنا على مَن قال ثلاثين عاماً أو أربعين عاماً، فكأنّه أراد أن يقول يوماً فقال عاماً. وقال الوليد بن مسلم، عن شُعَيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخُراسانيّ، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أنّ عبدالمطّلب خَتَنَ النَّبِيَّ ◌َله يوم سابعهِ، وصنع له مَأْدُّبةٌ وسمّاه محمّداً. وهذا أصحّ ممّا رواه ابن سعد(٤): أخبرنا يونس بن عطاء المكّي، قال: حدثنا الحَكَم بن أبان العَدَني، قال حدثنا عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس قال: وُلد النّبيُّ مَ﴾هل مختوناً مسروراً، فأعجب ذلك عبدالمطلب وحَظِيَ عنده وقال: ليكونَنَّ لابني هذا شأنٌ. (١) ابن هشام ١/ ١٥٩ . (٢) أحمد ٢٧٧/١ . (٣) كتاب المعرفة والتاريخ ٢٥١/٣. (٤) الطبقات ١٠٣/١. ٤٨٥ تابعه سليمان بن سَلَمَة الخبائري، عن يونس، لكن أدخل فيه بين يونس والحَكَم: عثمان بن ربيعة الصُّدَائي. قال شيخنا الدِّمْياطيّ: ويُرْوَى عن أبي بكرة، قال: خَتَن جبريلُ رسولَ الله ◌ِّ لما طَهَّرَ قلبه . قلت: هذا مُنكَر . أسمَاءُ النَّبِيِّ نَّ وَكِنْتُهُ الزُّهري، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، قال: سمعت النّبيّ وَلٌَّ يقول: ((إنّ لي أسماءً: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشر الذي يُحشر النّاس على قدمي، وأنا العاقب)). قال الزُّهري: والعاقب: الذي ليس بعده نبيّ. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال الزّهري: وقد سمّاه الله رؤوفاً رحيماً. وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن جعفر بن أبي وَحْشِيّة، عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، قال: سمعت رسولَ الله ◌ِ له يقول: ((أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، والخاتم، والعاقب)). وهذا إسناد قويّ حَسَن . وجاء بلفظ آخر، قال: ((أنا أحمد، ومحمد، والمُقَفّي، والحاشر، ونبيّ الرحمة، ونبيّ الملحمة)». وقال عبدالله بن صالح: حدثنا اللَّيْث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُقْبة بن مسلم، عن نافع بن جُبَير بن مُطْعِم: أنّه دخل على عبدالملك بن مروان فقال له: أَتُّحصي أسماءَ رسولِ الله ◌َليل التي كان جُبَيْرٍ يَعُدُّها؟ قال: نعم، هي ستّة: محمد، وأحمد، وخاتم، وحاشر، وعاقب، وماحي. فأمّا حاشر فبُعِثَ مع السّاعة نذيراً لكم، وأمّا عاقب فإنّه (١) البخاري ٢٢٥/٤ و٦ /١٨٨، ومسلم ٨٩/٧ و٩٠، ودلائل النبوة ١/ ١٥٢ - ١٥٤. ٤٨٦ عقَّب الأنبياء، وأمّا ماحي فإنّ الله محا به سيّئات من اتَّبَعه(١). وقال عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي عُبَيدة، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: كان رسولُ الله ◌ِّ يسمي لنا نفسه أسماءً فقال: ((أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والمقفّي، ونبيّ التوبة، والملْحَمَةِ(٢)). رواه مسلم(٣). وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن النّبيّ مَّهِ مُرْسَلاً، قال: ((أيُّها النّاس إنّما أنا رحمةٌ مُهْدَاة)). ورواه زياد بن يحيى الحَسَّاني، عن سُعَيْر بن الخمس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولاً (٤). وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾﴾ [الأنبياء]. وقال وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن ابن عمر، عن ابن الحَنَفِيّة، صَلَى اللّه قال: يسَ محمد وسيلةً . وعن بعضهم، قال: لرسولِ الله ◌ِّ في القرآنِ خمسة أسماء: محمد، وأحمد، وعبدالله، ويسَ، وطه . وقيل: طه، لغةٌ لعَكِّ، أي: يا رجل، فإذا قلت لعَكّيٍّ: يا رجل، لم يلتفتْ، وإذا قلت له: طه، التفتَ إليك. نقل هذا الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والكلبيّ متروك. فعلى هذا القول لا يكون طه من أسمائه. وقد وصفه الله تعالى في كتابه فقال: رسولاً، ونبيّاً أُمّاً، وشاهداً، ومبشّراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، ورؤوفاً رحيماً، ومذكّراً، ومُدَّثِّراً، ومُؤَّمِّلاً، وهادياً، إلى غير ذلك. ومن أسمائه: الضَّحُوك، والقَتَّال. جاء في بعض الآثار عنه مَّ أَنّه قال: ((أنا الضَّحوك أنا القَّال)). وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ◌ٍَّ وهو الصّادق المصدوق. وفي التَّوْراة فيما بَلَغَنَا أنّه حِرْزٌ للُمّيين، وأنّ اسمه المتوكّل. (١) دلائل النبوة ١٥٦/١. (٢) كتب المؤلف على حاشية نسخته ((خ الرحمة)) أي: هكذا وردت في نسخة أخرى. (٣) مسلم ٧/ ٩٠، ودلائل النبوة ١٥٦/١ - ١٥٧. (٤) دلائل النبوة ١/ ١٥٧ - ١٥٨. ٤٨٧ ومن أسمائه: الأمين. وكانت قريش تدعوه به قبل نُبُوَّته. ومن أسمائه : الفاتح، وقُثَم . وقال عليّ بن زيد بن جُدْعان: تَذَاكروا أحسنَ بيتٍ قالته العربُ، فقالوا: قول أبي طالب في النّبِيِّ ◌ِّ : فَذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمد (١) وشقَّ له من اسمه لِيُجِلَّهُ وقال عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال: لقيتُ رسولَ اللهُ بَّه في بعض طرق المدينة، فقال: ((أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبيُّ الرحمة، ونبيُّ التوبة، والمقفِّي، وأنا الحاشر، ونبي المَلْحَمَة)) قال: المقفّ الذي ليس بعده نبيّ. رواه التِّرْمِذِيّ في ((الشمائل))(٢) وإسناده حَسَن، وقد رواه حمّاد بن سَلَمَة، عن عاصم، فقال: عن زِرّ، عن حُذَيْفَة نحوه . ويُرْوَى بإسنادٍ واهٍ عن أبي الطُّفَيْل، قال: قال النّبيُّ بِّ: لي عشرة أسماء، فذكر منها الفاتح، والخاتم. قلت: وأكثر ما سُقْنا من أسمائه صفات له لا أسماء أعلام، وقد تواتر أنّ كُنْيَتَه أبو القاسم. قال ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسمِ وَ له: (تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)). مُتَّفَقٌ عليه(٣) . وقال محمد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلَه: ((لا تجمعوا اسمي وكُنْيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أَقْسِم)). وقال ابن لَهِيعة، عن عُقَيْل، عن الزُّهري، عن أنس، قال: لما وُلد إبراهيم ابن النّبيِّ وَّر من ماريّة كاد يقع في نَفْسهِ منه، حتى أتاه جبريل عليه السلام - فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. ابن لَهِيعة ضعيف (٤). (١) دلائل النبوة ١/ ١٦١ . (٢) الشمائل للترمذي (٣٦٠). البخاري ٨/ ٥٤، مسلم ١٧١/٦، ودلائل النبوة ١/ ١٦٢. (٣) (٤) دلائل النبوة ١/ ١٦٣ - ١٦٤. ٤٨٨ ذِكْرِ مَا وَرَدَ في قصَّةٍ سَطِیح وخمود النيران ليلة المولد وانشقاق الإيوان قال ابن أبي الدُّنيا وغيره(١): حدثنا عليّ بن حرب الطّائي، قال: أخبرنا أبو أيوب يعلى بن عمران البَجَلي، قال: حدثني مخزوم بن هانىء المخزومي، عن أبيه، وكان قد أتت عليه مئة وخمسون سنة، قال: لما كانت الليلة التي وُلد فيها رسول الله بَّهَ ارتجس إيوان كِسْرَى، وسقطت منه أربع عشرة شُرْفَة، وغاضت بُخَيرة سَاوَة، وخمدت نارُ فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المُوبَذان(٢) إبلا صِعاباً تقود خيلاً عِراباً قد قطعت دِجْلة وانتشرت في بلادها، فلمّا أصبح كِسرى أفزعه ما رأى من شأن إيوانه فصبر عليه تَشَجُّعاً، ثم رأى أن لايستر ذلك عن وزرائه ومَرَازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم، فلما اجتمعوا عنده، قال: أَنَدرون فيمَ بعثتُ إليكم؟ قالوا: لا إلاّ أن يخبرنا الملكُ، فبينا هُمْ على ذلك أُورد عليهم كتابٌ بخمود النّار، فازداد غَمَّاً إلى غمّه، فقال المُوبَذان: وأنا قد رأيت - أصلح الله الملكَ - في هذه اللّيلة رؤيا، ثم قصّ عليه رؤياه فقال: أيّ شيءٍ يكون هذا يا موبَذان؟ قال: حَدَثٌ يكون في ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب كِسْرَى عند ذلك : ((من كِسْرَى ملك الملوك إلى التُّعمان بن المنذر، أما بعد، فَوَجِّه إليَّ برجلٍ عالمٍ بما أُريدُ أن أسأله عنه. فوجَّه إليه بعبد المسيح بن حيّان بن بُقَيْلَةَ الغسّاني، فلما قدِم، عليه قال له: هل لك علم بما أُريد أن أسألك عنه؟ قال: ليسألني الملكُ فإنْ كان عندي عِلم وإلاّ أخبرته بمن يَعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: عِلْمُ ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارفَ الشام يقال له سَطِيح، قال: فائتِهِ فَسَله عمّا سألتُكَ وائتني بجوابهِ، فركب حتى أتى على (١) دلائل النبوة للبيهقي ١٢٦/١ - ١٣٠. (٢) الموبذان: كاهن المجوسية في الدولة الساسانية. ٤٨٩ سَطِيح وقد أشفى على الموت، فسلّم عليه وحيّاه فلم يُحِرْ إليه سَطِيح جواباً، فأنشأ عبد المسيح يقول: أَصَمُّ أم يسمعُ غِطْرِيف اليمنْ يا فاصِلَ الخُطّة أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ وأُمُّهُ من آل ذئب بنِ حَجَنْ أَبْيَضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ يَجُوبُ في الأرضِ عَلَنْدَاةٌ شُجُنْ لا يَرْهَبُ الرَّعْدَ ولا رَيْبَ الزَّمَنْ حتى أتى عارِي الجاجي والقَطَنْ أم فاد فازْلَمَّ(١) به شأوُ العَنَنْ أتاك شيخُ الحيِّ من آلِ سَنَنْ أزرقُ بَهْمُ النّابِ صِرَّار الأُذُنْ رسولُ قَيْلِ العُجْم يَسْرِي للوَسَنْ ترفعُني وجن(٢) وتَهوِي بي وَجَنْ كأنَّما حُثْحِثَ من حِضْنَيْ ثَكَن تَلُقُهُ في الريحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ فقال سطيح: عبد المسيح، جاء إلى سَطيح، وقد أوفى على الضَّرِيخ، بعَثَكَ ملِكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمود النّيران، وَرُؤْيا المُوبَذان، رأى إيلاً صِعاباً، تقود خيلاً عِرَاباً، قد قطعت دِجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبدَ المسيح إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السَّماوَة، وخَمَدت نارُ فارس، فليس الشام لسَطِيح شاماً، يملك منهم ملوكٌ وملِكات، على عَدَدِ الشُّرُفَات، وكلّ ما هو آتٍ آت. ثم قضى سَطِيح مكانَه، وسار عبدُ المسيح إلى رَحْله، وهو يقول: شَمِّرُ فإنّك ماضي الهمِّ شِمِّيرُ إِنْ يُمْسِ مُلكُ بني ساسانَ أفْرَطَهُمْ فَرُبَّمَا رَبَّما أَضْحَوْا بمنزلةٍ لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغِييرُ فإنَّ ذا الدَّهْرَ أطوارٌ دَهارِيرُ تَهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَهَاصِيرُ والهُرْمُزَان وسابورٌ وسابورُ مِنْهُمْ أخو الصَّرْحِ بَهْرامٌ وإخوتُهُ والنّاسُ أولادُ عَلَّتٍ فَمَن عِلِمُوا وهُمْ بنو الأمّ إمَّا إنْ رَأَوْا نَشَباً والخيرُ والشَّرُّ مصفودان في قَرَنٍ أنْ قد أقَلَّ فمحقورٌ ومهجورُ فَذَاكَ بالغيب محفوظٌ ومنصُورُ فالخيرُ مُتَبَعٌ والشَّرُ مَحْذُورُ (١) أي: أسرع. (٢) هكذا بخط المؤلف، وفي الدلائل وابن كثير: وجناً، والوجن: الأرض الصلبة . ٤٩٠ فلما قدِم على كِسرى أخبره بقول سَطِيح، فقال كِسرَى: إلى متى يملك منّا أربعةَ عشر ملِكاً تكون أمورٌ، فملك منهم عشرةٌ أربع سنين، ومَلَك الباقون إلى آخر خلافة عثمان رضي الله عنه. هذا حديث مُنْكَرٌ غريب. وبإسنادي إلى البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١)، قال: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التّابعة، فرأى رؤيا هالته وفَظع بها، فلم يَدَعْ كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجِّماً من أهل مملكته إلاّ جمعه إليه، فقال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها وبتأويلها. قالوا: اقصُصها علينا نُخبرك بتأويلها. قال: إنّي إنْ أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنّه لا يعرف تأويلَها إلاّ من عرفها. فقيل له: إنْ كان الملك يريد هذا فلْيبعث إلى سَطِيح وشِقِّ فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما، فبعث إليهما فقدِم سَطِيحٍ قبل شِقِّ، فقال له: رأيت حُمَمَةً خَرَجَتْ من ظُلُمَة، فوقعت بأرض تَهِمَةَ (٢)، فأكلت منها كلّ ذاتِ جُمْجُمَة. قال: ما أخطأت منها شيئاً، فما تأويلها؟ فقال: أحلِفُ بما بين الحَرَّتين من حَنَش، ليهبطنّ أرضَكم الحَبَش، فَلَيَمْلِكُنَّ ما بين أَبْيَنَ إلى جُرَش(٣) . فقال الملك: وأبيكَ يا سَطِيحِ إنّ هذا لنا لَغَائظٌ مُوجِعٍ، فمتى هو كائنٌ أفي زمانه أم بعده؟ قال: بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين يمضين من السّنين، قال: أفَيدومُ ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يُقْتَلُون ويُخرجون هاربين. قال: مَن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحداً باليمن. قال: أَفَيدومُ ذلك؟ قال: بل ينقطع بنبيّ زكيّ يأتيه الوحيُّ من قِبَلٍ العَليّ. قال: ومِمَّنْ هو؟ قال: من ولد فِهْر بن مالك بن النَّصْر، يكون المُلّك في قومه إلى آخر الدّهر. قال: وهل للدهر من آخِر؟ قال: نعم، يوم (١) ابن هشام ١ / ١٥. وهي الأرض المنخفضة المتصوبة نحو البحر، وبها سميت تِهامة . (٢) (٣) مدينتان في اليمن. ٤٩١ يُجمع فيه الأوّلون والآخرون، يَسْعَدُ فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحَقُّ ما تُخْبِرني؟ قال: نعم والشَّفقِ والغَسَق، والفَلَق إذا اتَّسَق، إنّ ما أنبأتك به لَحَقٌّ . ثم قَدِمَ عليه شِقٌّ، فقال له كقوله لسَطِيح، وكتمه ما قال سطيحٌ لينظر أيتَّفقان. قال: نعم رأيتَ حُمَمَةً خرجت من ظُلَمة، فوقعت بين روضةٍ وأكَمَة، فأكلت منها كلّ ذات نَسَمَة. فلما قال ذَلك عرف أنّهما قد اتّفقا، فوقع في نفسه، فجهّزَ أهلَ بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاذ، فأسكنهم الحِيرَة، فمن بقيّة ولدٍ ربيعةً بن نصر: التُّعمان بن المُنْذر، فهو في نَسَب اليمن: النُّعمان ابن المنذر بن الثُّعمان بن المُنْذر بن عمرو بن عَدِيّ بن ربيعة بن نصر . ٤٩٢ باب منه عن ابن عباس، عن النّبِيّ مَ لّ، قال: ((خرجت من لَدُن آدَمَ من نكاح غير سِفاح)). هذا حديث ضعيف، فيه متروكان: الواقديّ، وأبو بكر بن أبيً سَبْرة . وورد مثله عن محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، وهو منقطع إنْ صحَ عن جعفر بن محمد، ولكن معناه صحيح. وقال خالد الحذَّاء، عن عبدالله بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء، قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبتَ نبيّاً؟ قال: ((وآدمُ بين الروح والجسد)). وقال منصور بن سعد، وإبراهيم بن طَهمان واللّفظ له: قال: حدثنا بُديل بن مَيْسَرة، عن عبدالله بن شقيق، عن مَيْسرة الفجر، قال: سألتُ رسولَ الله وَ ل﴾ متى كتبتَ نبيّاً؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد))(١). وقال التِّرمِذِيّ(٢): حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة: سُئل النّبيُّ بَ﴿: متى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: ((بين خلقِ آدم ونَفْخِ الروحِ فيه)) قال الترمذي: حَسَن غريب. قَلت: لولا لِين في الوليد بن مسلم لَصَخَّحه التّرمِذي . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٣): حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن بعض أصحاب رسول الله مِ ثّ أنّهم قالوا: يا رسول الله، أخْبِرِنا عن نفسك قال: ((دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورأت أمّي حين حَمَّلَتْ بي كأنّ نوراً خرج منها أضاءت له قصور بُصْرَى من أرض الشام)) . (١) دلائل النبوة ١٢٩/٢. (٢) الترمذي (٣٦٠٩)، ودلائل النبوة ١٣٠/٢. ابن هشام ١٦٦/١، ودلائل النبوة ٨٣/١ - ٨٤. (٣) ٤٩٣ وروينا بإسنادٍ حَسَن - إن شاء الله - عن العِرْباض بن سارية، أنّه سمع النّبِيَّ ◌ََّ يقول: ((إنّي عبدالله وخاتم النّبيّين، وإِنَّ آدم لَمُنْجَدِلٌ في طِينته، وسأخبركم عن ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبِشارةُ عيسى لي، ورؤيا أمّي التي رأت)). وإنَّ أمَّ رسولِ الله بَ ل رأت حين وضعته نوراً أضاءت منه قصور الشام. ورواه اللَّيث، وابنُ وَهْب، عن معاوية بن صالح، سمعٍ سعيد بن سُوَید يحدّث عن عبد الأعلى بن هلال السُّلمي، عن العِرْباض، فَذَكَرَه. ورواه أبو بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن سعيد بن سُوَيْد، عن العِرْباض نفسه(١). وقال فرج بن فَضالة: حدثنا لُقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أُمامة، قال قلت: يا رسول الله، ما كان بَدْء أمْرِكَ؟ قال: ((دعوةُ إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورأت أمّي أنّه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام)). رواه أحمد في «مسنده))(٢) عن أبي النَّضْر، عن فرج. قوله: (لَمُنْجَدِلٌ)) أي مُلْقىً، وأمّا دعوة إبراهيم فقوله: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ﴾ [البقرة] وبشارة عيسى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ : أَحْمَدُ ونَ﴾ [الصف]. وقال أبو ضَمْرة: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنّ النّبِيَّ وَ ◌ّ، قال: ((قسم اللهُ الأرضَ نصفين فجعلني في خَيْرِهما، ثم قسم النّصفَ على ثلاثةٍ فكنت في خير ثُلَثِ منها، ثم اختار العربَ من النّاس، ثم اختار قريشاً من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبدالمطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبدالمطلب)) هذا حديث مُرْسَل. وروى زَحْرُ بن حِصْن، عن جدّه حُمَيْد بن منهب، قال: سمعت جدّي خُرَيْم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرتُ إلى رسول اللهِ بَّهِ مُنْصَرَفَه من تَبُوك، فسمعتُ العباس، يقول: يا رسول الله إنّي أريد أن أمتدحك. فقال: ((قُلْ لا يَفْضُضِ الله فاكَ)). فقال: (١) دلائل النبوة ٨٠/١ - ٨٣. (٢) أحمد ١٢٧/٤ و١٢٨ و٢٦٢/٥. ٤٩٤ مُسْتَودَع حيثُ يُخصفُ الوَرَقُ مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظَّلالِ وفي ثم هبطت البلادَ لا بَشَرٌ بل نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقد تُنْقَلُ مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ حتّى احتوى بيتُك المهيمنُ من وأنت لَمَّا وُلِدْتَ أشرقتِ الأ فنحنُ في ذلك الضّياء وفي الثُّـ أَنْتَ وَلا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ أَلْجَمَ نَسْراً وأهلَه الغَرَقُ إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ خِنْدَفَ علياءَ تحتَها النُّطُقُ رضُ وضاءتْ بنُورك الأُفُقُ ـور وسُبْلِ الرّشادِ نخترق الظِّلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّفِينَ فِى ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ٢٠َ﴾ [المرسلات]. والمستودَع: هو الموضع الذي كان آدم وحوّاء يَخْصِفان عليهما من الورق، أي: يَضُمَّان بعضه إلى بعضٍ يتستّران به، ثم هبطتَ إلى الدنيا في صُلْب آدم، وأنت لا بَشَرٌ ولا مُضْغة. وقوله: ((تركب السَّفِين)) يعني: في صُلْب نوح. وصالب لغة غريبة في الصُّلْبِ، ويجوز في الصُّلْب الفتحتان كَسُقْم وسَقَم. والطَّبق: القَرْنُ، أي: كلّما مضى عالَمٌ وقَرِنٌ جاء قَرْنٌ، ولأنّ القرنَ يُطَبِّقُ الأرضَ بسُكناه بها. ومنه قوله عليه السلام في الاستسقاء: ((اللّهُمّ اسقنا غَيثاً مُغِيثاً طَبَقاً غَدَقاً))، أي: يُطْبِقُ الأرضَ. وأما قوله تعالى: ﴿لَتَزْكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ ﴾ [الانشقاق] أي: حالاً بعد حال . وِالنُّطُق: جمع نِطاق وهو ما يُشَدُّ به الوسط ومنه المِنْطَقة. أي: أنت أوسطَ قومِك نَسَباً. وجعله في علياء وجعلهم تحته نِطاقاً. وضاءت: لغة في أضاءت . (وأرضعته ثويبة) وأرضعته ((ثُوَيْبَة)) جارية أبي لَهَب عَمِّه، مع عمّه حمزة، ومع أبي سَلَمَة ابن عبدالأسد المخزوميّ رضي الله عنهما . قال شُعَيب، عن الزُّهري، عن عُروة: إنّ زينب بنت أبي سلمة وأمّها أخبرته، أنّ أمّ حبيبة أخبرتهما، قالت: «قلت: يا رسول الله، انْكجْ أختي ٤٩٥ بنتَ أبي سُفْيان. قال: أوَ تحبّين ذلك؟ قلت: لستُ لك بمُخْلِيَةٍ وأَحَبُ إليَّ مَن شَرَكَني في خير أختي. قال: إنَّ ذلك لا يحِلُّ لي. فقلت: يا رسول الله إنّا لَنَتَحَدَّثْ أَنَّك تريد أن تنكح دُرَّة بنت أبي سَلَمَة. فقال: والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي، إنّها ابنةُ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سَلَمَةٍ ثُوَيْبَة، فلا تَعْرِضُنَّ عليَّ بناتَكُنَّ ولا أَخَواتكنّ)). أخرجه البخاري(١). وقال عُروة في سياق البُخارِي: ثُوَيْبَة مولاة أبي لَهَب، أعتقها، فأَرضعت النّبِيَّ ◌َ ﴿، فلما مات أبو لَهَبِ رآه بعضُ أهله في النَّوم بشَرِّ حِيبٍ، يعني: حالةٍ. فقال له: ماذا لَقيتَ؟ قَال: لم أَلْقَ بعدكم رخاءً، غير أنّي أَسقيت في هذه منّي بعتاقتي ثُوَيْبَة. وأشار إلى النُّقْرة التي بين الإبهام والتي تليها . (ثم أرضعته حليمة السعدية) ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذُؤَيْب السَّعْدِيّة، وأخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردّته إلى أمّه . قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق(٢)، عن جَهْم بن أبي جَهْم، عن عبدالله بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث أمّ رسول الله السَّعْدِيّة، قالت: خرجتُ في نِسْوةٍ نلتمسُ الرُّضَعَاء بمكةٍ على أتانٍ لي قَمْراء(٣) قد أذمَّت(٤) بالرَّكْب، وخرجنا في سنةٍ شهباءَ لم تُبْقِ شيئاً، ومعنا شارفٌ(٥) لنا، والله إنْ تَبضُ(٦) علينا بقَطْرةٍ، ومعي صبيّ لي إنَ ننامٍ ليلَنا مع بكائه، فلما قدِمنا مكةَ لم يبق منّا امرأةٌ إلّ عُرِض عليها رسولُ الله ◌َه فتأباه، وإنما كنّا نرجو كرامةَ رِضاعة من أبيه، وكان يتيماً، فلم يبق من البخاري ٧/ ١٤ - ١٥، ومسلم ١٦٥/٤، ودلائل النبوة ١٤٨/١. (١) (٢) وانظر ابن هشام ١ / ١٦٢. القُمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة. (٣) أي: حبستهم، وجاءت بما تُذَمُّ عليه، أو تأخر الركبُ بسببها . (٤) أي: ناقة مُسِنَّة . (٥) (٦) أي: ما ترشحُ بشيء. ٤٩٦ ٠ صواحبي امرأةٌ إلاّ أخذت صبيّاً، غيري. فقلت لزوجي: لأرجعنّ إلى ذلك اليتيم فَلآخُذَنَّه، فأتيته فأخذته، فقال زوجي: عسى الله أن يجعل فيه خيراً. قالت: فَوَالله ما هو إلاّ أن جعلته في حِجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللَّبَنِ، فشرب وشرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب وشربنا حتى روينا، فبتنا شِباعاً رِوَاءً، وقد نام صبياننا، قال أبوه: والله يا حليمة ما أراك إلاّ قد أصبتِ نَسمةً مباركة، ثم خرجنا، فَوَالله لَخَرَجَتْ أتاني أمام الرّكْب قد قطعتهنّ حتى ما يتعلّقُ بها أحد، فقدِمْنا منازلَنا من حاضر بني سعد بن بكر، فقدِمْنا على أجدبِ أرضٍ الله، فَوَالذي نفسي بِيدِه إنْ كانوا لَيَسْرَحُون أغنامهم ويسرح راعِي غُنَمي، فتروح غنمي بطاناً لُبَّناً حُفَّلاً، وتروح أغنامهم جياعاً، فيقولون لرُعاتهم: وَيْلَكم ألا تسرحُون حيث يسرح راعي حليمة؟ فيسرَحون في الشِّعْب الذِي يسرَح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لبنٍ، وتروح غنمي لُبَّناً حُفَّلاً . (شق الصدر) فكان ◌َّ يشبُّ في يومه شباب الصّبيِّ في الشهر، ويشبّ في الشهر شباب الصّبيّ في سنة، قالت: فقدِمْنا على أمّه فقلنا لها: رُدِّي علينا ابني فإنّا نخشى عليه وباءَ مكة، قالت: ونحن أضَنُّ شيءٍ به ممّا رأينا من بركته، قالت: ارجعا به، فمكث عندنا شهرَيْن فبينا هو يلعب وأخوه خلف البيوت يرعيان بَهْماً لنا، إذ جاء أخوه يشتدّ، فقال: أدركا أخي قد جاءه رجلان فشقّا بطنَه، فخرجنا نشتدّ، فأتيناه وهو قائم منتقع اللَّوْن، فاعتنقه أبوه وأنا، ثم قال: ما لك يا بُنَيَّ؟ قال: أتاني رجلان فأضْجعاني ثم شقّا بطني فَوَالله ما أدري ما صنعا، فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلّ قد أُصيب، فانطلقي فَلنَرُدَّه إلى أهله. فرجعنا به إليها، فقالت: ما رَدَّكما به؟ فقلت: كفلناه وأدَّينا الحقَّ، ثم تخوَّفنا عليه الأحداثَ. فقالت: والله ما ذاك بكما، فأخْبِراني خَبَرَكما، فما زالت بنا حتى أخبرناها. قالت: فتخوَّفْتما عليه؟ كَلّ والله إنّ لابني هذا شأناً إنّي حملتُ به فلم أحمل حَمْلاً يخ الإسلام ١/م٣٢ ٤٩٧ قطّ كان أخفَّ منه ولا أعظم بركة، ثم رأيتُ نوراً كأنّه شهاب خرج منّ حين وضعته أضاءت لي أعناقُ الإبل ببُصْرى، ثم وضعته فما وقع كما يقعُ الصّبيان، وقع واضعاً يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السماء، دعاه، والْحقا شأنكما. هذا حديث جيّد الإسناد(١). قال أبو عاصم النّبيل: أخبرني جعفر بن يحيى، قال: أخبرنا عمارة بن ثَوْبان أنّ أبا الطُّفَيْل أخبره، قال: رأيت رسولَ الله ◌ِ ◌ّله، وأقبلتْ إليه امرأةٌ حتى دَنَت منه، فبسط لها رداءه فقلت: مَن هذه؟ فقالوا: أمّه التي أرضعته . أخرجه أبو داود(٢) . قال مسلم(٣): حدثنا شَیْبان، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا ثابت، عن أَنَس: أنّ رسول الله مَّ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغِلْمان، فأخذه فصرعه فَشَ قَ قلبه، فاستخرج منه عَلَقَةٌ، فقال: هذا حظ الشيطانِ منك، ثم غسله في طَسْتٍ من ذَهَب بماء زمزم، ثمّ لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغِلْمانَ يسعون إِلى أمّه، يعني مُرْضِعته، فقالوا: إنّ محمداً قد قُتِل، فاستقبلوه مُنْتَقِع اللَّوْن . قال أَنَس: قد كنت أرى أثر المِخْيَط في صدره. وقال بَقيَّةٍ، عن بحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الرحمن ابن عَمرو السُّلَمي، عن عُتْبة بنِ عبد، فذكر نحواً من حديث أَنَس. وهو صحيح أيضاً، وزاد فيه: ((فَرَخَّلَتْ - يعني ظِئْرَه(٤) - بعيراً، فحملتني على الرَّحْل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمّي فقالت: أَذَّيتُ أمانتي وذِمّتي، وحَدَّثَتْها بالذي لِقِيتُ، فلم يَرُعْها ذلك، وقالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشام))(٥) . (١) ابن هشام ١٦٥/١، ودلائل النبوة ١٣٢/١ - ١٣٦. (٢) أبو داود (٥١٤٤). (٣) مسلم ١/ ١٠١ . الظئر: أي: العاطفةُ على ولدِ غيرها المرضعة له. (٤) (٥) ابن هشام ١/ ١٦٥. ٤٩٨ وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله وَلَه: ((أُتِيتُ وأنا في أهلي، فانطُلِقَ بي إلى زمزم فَشُرِحَ صدري، ثم أُتِيت بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلئةٍ حِكمة وإيماناً فحُشِي بها صدري - قال أنس: ورسول الله وَّهِ يرينا أثره - فَعَرَج بي المَلَك إلى السّماء الدنيا)). وذكر حديث المعراج. وقد روى نحوهٍ شَرِيك بن أبي نَمِر، عن أَنَس، عن أبي ذَرّ. وكذلك رواه الزّهري، عن أَنَس، عن أبي ذُرّ أيضاً. وأما قَتَادة فرواه عن أَنَس، عن مالك بن صَعْصَعَة، نحوه(١) . وإنَّما ذكرتُ هذا ليُعْرَف أنّ جبريل شرح صدره مرَّتَين: في صِغَره ووقت الإسراء به . (وفاة والده) وتُؤُفّي ((عبد الله)) أبوه، وللنَّبِيِّ وَّ ثمانيةٌ وعشرون شهراً. وقيل: أقلّ من ذلك. وقيل: وهو حَمْلِ تُوُفِّي بالمدينة غريباً، وكان قدِمَها ليمتار تمراً ، وقيل: بل مرَّ بها مريضاً راجعاً من الشام، فروى محمد بن كعب القُرَظيّ وغيره: أنّ عبدالله بن عبدالمطلب خرج إلى الشام إلى غَزَّة في عِيرِ تحمل تجارات، فلمّا قفلوا مَرُّوا بالمدينة وعبدالله مريض، فقال: أتخلّف عند أخوالي بني عَدِيّ بن النّجّار، فأقام عندهم مريضاً مدّة شهر، فبلغ ذلك عبدَ المطّلب، فبعث إليه الحارث وهو أكبر ولده؛ فوجده قد مات؛ ودُفن في دار النّابغة أحد بني النّجّار؛ والنّبيّ وََّ يومئذٍ حَمْل، على الصّحيحَ(٢). وعاش عبد الله خمساً وعشرين سنة، قال الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سِنِّهِ ووفاته. وترك عبدالله من الميراث أمّ أيمن وخمسة أجمال وغَنَماً، فورث ذلك النّبِيُّ ◌َد . (١) دلائل النبوة ١٤٧/١ - ١٤٨. (٢) طبقات ابن سعد ٩٩/١. ٤٩٩ (وفاة أُمه وكفالة جده وعمه) وتُؤُفِّيَت أمُّه ((آمنة)) بالأبْواء وهي راجعة به - بِّ - إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عَدِيّ بن النّجّار، وهو يومئذٍ ابن ستّ سنين ومئة يوم. وقيل: ابن أربع سنين. فلمّا ماتت ودُفنت، حملته أمّ أَيْمن مولاتُه إلى مكة إلى جَدِّه، فكان في كفالته إلى أن تُوُفّي جِدُّه، وللنّبيّ مَلّ ثمان سنين، فأوصى به إلى عمّه أبي طالب. قال عمرو بن عَون: أخبرنا خالد بن عبدالله، عن داود بن أبي هند، عن عباس بن عبدالرحمن، عن كِنْدِير بن سعيد، عن أبيه، قال: حَجَجْتُ في الجاهليّة، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول: يا ربّ رُدَّه واصْطَنِعْ عندي يَدا ربٍّ رُدَّ إليَّ راكبي محمدا قلت: مَنْ هذا؟ قال: عبدالمطلب، ذهبتْ إيلٌ له فأرسل ابنَ ابنه في طلبها، ولم يرسلْه في حاجةٍ قطّ إلاّ جاء بها، وقد احتبسَ عليه، فما برحت حتى جاء محمد بنّ وجاء بالإبل. فقال: يا بُنَيَّ لقد حزِنْت عليك حُزناً؛ لا تُفَارِقْني أبداً (١) . وقال خارجة بن مُصْعَب، عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة، عن أبيه، عن جدّه، أنّ حَيْدَة بن معاوية اعتمر في الجاهليّة، فذكر نحواً من حدیث کِنْدیر عن أبيه. ٠ وقال إبراهيم بن محمد الشافعيّ، عن أبيه، عن أبان بن الوليد، عن أبان بن تغْلِب، قال: حدثني جلهمة بن عُرْفَطة، قال: إنّي لَبِالقاعِ من نَمِرَة، إذ أقبلتْ عِيرٌ من أعلى نجد، فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى بنفسه عن عَجز بعير، فجاء حتى تعلّق بأستار الكعبة، ثم نادى يا رب البِنَيَّة أَجِرْني؛ وإذا شيخ وسيم قسيم عليه بهاء الملك ووقار الحكماء، فقال: ما شأنُكَ يا غلام، فأنا من آل الله وأُجيرُ مَنِ استجار به؟ قال: إنّ أبي مات وأنا صغير، وإِنَّ هذا استَعْبَدني، وقد كنتُ أسمعُ أنّ لله بيتاً يمنعُ من الظّلم، فلما رأيته استجَرْتُ به. فقال له القُرَشيّ: قد أجَرْتُك يا غلام، قال: وحبس الله يد (١) طبقات ابن سعد ١١٢/١-١١٣، ودلائل النبوة ٢٠/٢ - ٢١. ٥٠٠