Indexed OCR Text
Pages 421-440
قال عَمْرو بن مَرْزُوق: حدثنا السَّكَن بن أبي كَرِيمة، عن الوليد بن أبي هشام، عن فَرْقَد أبي طلحة، عن عبدالرحمن بن خَبَّاب، قال: شهدتُ رسولَ اللهِ بَ ◌ّه وحَث على جيش العُسْرة، قال: فقام عثمان رضي الله عنه، فقال: يا رسولَ الله، عليَّ مئة بعيرٍ بأحْلَاسِها وأقْتَابِها في سبيل الله. قال: ثم حثَّ ثانيةً، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، عَلَيَّ مئتا بعيرٍ بأَحْلاسها وأَقْتابها في سبيل الله. ثم حَضَّ، أو قال: حثَّ، الثالثةَ، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، عليّ ثلاث مئة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال عبدالرحمن: أنا شهدتُ رسول الله مَ له وهو يقولُ على المنبر: ((ما عَلَى عُثمانَ ما عَمِل بعدَ اليَوْم)). أو قال: (بَعْدَها)). رواه أبو داود الطَّيَالسيّ(١) وغيره، عن السَّكن بن المُغِيرة . وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن عبدالله بن القاسم، عن كثير مولى عبدالرحمن بن سَمُرَة، عن مَولاه، قال: جاء عثمان إلى النّبِيِّ بَلَه بألف دينار حين جهز جيش العُسْرة، فَفَرَّغها في حِجْر النّبيّ بَّرَ، فجعل يقلّبها ويقول: «ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم)). قالها مراراً(٢). وقال بُرَيْد، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: أرسلني أصحابي إلى رسولِ اللهِ وَل﴿ أسأله لهم الحُمْلاَن، إذْ هم معه في جيش العُسْرة؛ وهي غزوة تبوك. وذكر الحديث. مُتَّفقٌ عليه(٣) . وقال: وروى عثمان بن عطاء الخُراساني، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، في غزوة تبوك، قال: أمر النّبِيُّ مَّ المسلمين بالصَّدَقَةَ والنَّفَقَة في سبيل الله، فأنفقوا احْتِساباً، وأنفق رجال غَيْرِ مُحْتَسِبين. وحُمِلَ رجالٌ من فقراء المسلمين، وبقيَ أُناس. وأفضل ما تصدَّقَ به يومئذٍ أحدٌ عبدالرحمن بن عوف؛ تصدَّق بمئتي أوقية، وتَصدَّقَ عمرُ بمئة أوقية، وتَصدَّق عاصم الأنصاري بتسعين وَسْقاً من تمر. وقال النّبيُّ ◌َِه لعبدالرحمن: ((هل تركتَ لأهلك شيئاً؟)) قال: نعم، أكثر مما أنفقتُ (١) مسند الطيالسي (١١٨٩)، ودلائل البيهقي ٢١٤/٥. (٢) دلائل النبوة ٢١٥/٥. (٣) البخاري ٢/٦، ومسلم ٨٢/٥، ودلائل النبوة ٢١٦/٥ - ٢١٧. ٤٢١ وأَطْيَب. قال: كَم؟ قال: ما وَعَدَ اللهُ ورسولُه من الرِّزْق والخَيْر؛ رضي الله عنه . وقال ابن إسحاق(١): ثم إنّ رجالاً أَتَوْا رسولَ الله ◌َّلِ وهم البَكَّاؤُون، وهم سبعة منهم من الأنصار: سالم بن عُمَيْر، وعُلْبة بن زيد، وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب، وعمرو بن الحُمام بن الجَمُوحِ، وعبد الله بن المُغَفَّل؛ وبعضهم يقول: عبدالله بن عمرو المُزَنِيّ؛ وهَرِم بن عبدالله، والعِرْبَاض بن سَارِيَة الفَزَارِيّ. فَاسْتَحْمَلوا رسولَ اللهِ وَّةَ، وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿لَآَ أَجِدُ مَآ أَحِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة]. فبلغني أنّ يَامِينَ بن عمرو، لقي أبا ليلى وعبد الله ابن مغفَّل وهما يبكيان، فقال: ما يُبْكيكُما؟ فقالا: جئنا رسولَ الله مَل ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا، وليس عندنا ما نَتَقوَّى به على الخروجِ. فأعطاهما ناضِحاً له فارْتَحَلاه وزَوَّدَهُمَا شيئاً من لَبنِ . وأما عُلْبَة بن زيد فخرج منِ الليل فصلّى ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللَّهُمَّ إنك قد أمرت بالجهاد ورغَبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يدِ رسولكَ ما يحملني عليه، وإني أَتَصَدَّقُ على كلِّ مسلمٍ بكل مَظْلمَةٍ أصابني بها في مالٍ أو جسدٍ أو عرْض. ثم أصبحَ مع الناسِ فقالٌ رسول الله ◌َّ: ((أين المتصدِّقُ هذه الليلة؟)) فلم يَقُمْ أحدٌ. ثم قال: ((أين المتصدِّقُ؟ فليقم)). فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله مَل﴾: ((أَبْشِر، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده لقد كُتِبِتْ في الزَّكَاة المُتَقَبَّلَة)). ﴿وَجَ اٌلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ جَ﴾ [التوبة] فاعْتَذَرُوا فلم يَعْذرهم اللهُ. فذكر أنهم نفر من بني غِفَار . قال: وقد كان نفر من المسلمين أَبْطَأَتْ بهم النِّيّة عن رسول الله ◌ِّ، حتى تَخلَّفوا عن غيرِ شَكِّ ولا ارْتِيَابٍ، منهم كَعْب بن مالك أخو بني سَلِمة، ومُرَارَة بن الرَّبيع أحد بني عَمْرو بن عَوْف، وهِلاَل بن أُمَيَّة أخو بني وَاقِف، وأبو خَيْثَمَة أخو بني سَالِم بن عَوْفٍ. وكانوا رَهْطَ صِدْقٍ . (١) ابن هشام ٥١٨/٢، ودلائل النبوة ٢١٨/٥ - ٢٢٠. ٤٢٢ ثم خرج رسولُ الله ◌َ﴿ يوم الخميس، واستَخْلَف على المدينة محمد بن مَسْلَمَة الأنصارِيّ. فلما خرج ضرب عَسْكره على ثَنِيَّة الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس. وضرب عبدالله بن أُبيّ بن سَلُول عسكره على ذِي حِدَة، عسكره أسفل منه، وما كانٍ فيما يزعمونِ بأقلّ العسكريْن. فلمّا سار رسول الله وَل﴿، تخلّف عنه ابن سَلُول فيمن تَخلَّفَ من المنافقين وأهل الرَّيْب. وخلّف رسول الله بَلَّ عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فَأَرْجَفَ به المنافقون وقالوا: ما خلَّفه إلا اسْتِثْقالاً له وتخفّفاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٍّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله وَث ◌ّر، وهو نازل بالجُرْف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنّك إنّما خلَّفتني تَسْتَثْقِلُنِي وٍتَخَفَّفُ منّي. قال: ((كذَبوا، ولكنْ خلَّفتك لِما تركتُ ورائي، فارجع فاخْلُفْنِي في أهْلي وأَهْلِك، أَلا تَرْضى أن تكون منّي بمنزلة هَارُون من موسى، إلاَّ أَنَّه لا نَبِيّ بَعْدي)). فرجع إلى المدينة(١) . وأخرجا في الصحيحين(٢) من حديث الحَكَم بن عتيبة، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه، قال: خلّف رسول الله وَّه عليّاً في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتخلّفني في النّساء والصبيان؟ قال: ((أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيّ بعدي)). ورواه عامر، وإبراهيم، ابنا سعد بن أبي وقّاص، عن أبيهما. قال ابن إسحاق(٣): حدّثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما سار رسول الله بِّه إلى تبوك، جعل لا يزال يَتَخَلَّف الرجلُ فيقولون: يا رسول الله، تخلّف فلان. فيقول: ((دَعُوهُ، إن يَكُ فيه خَيْرِ فسيُلْحِقُه اللهُ بكم، وإن يكُ غير ذلك فقد أراحكم اللهُ منه)). حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذَرٍّ وأبطأ به بعيره، فقال: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه))، فتَلوَّم أبو ذَرٍّ بعيره فلما أبطأ عليه أخذ مَتَاعة فجعله على ظهره، ثم (١) ابن هشام ٥١٩/٢. (٢) البخاري ٣/٦، ومسلم ٧/ ١٢٠، ودلائل النبوة ٢٢٠/٥. (٣) ابن هشام ٢/ ٥٢٤، ودلائل النبوة ٢٢١/٥ - ٢٢٢. ٤٢٣ خرج يَتْبَع رسول الله وَ ◌ّه ماشياً. ونزل رسول الله مَثّل في بعض منازله، ونظر ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إنّ هذا لرجلٌ يمشي على الطريق. فقال رسول الله وَ له: ((كُنْ أبا ذَرّ)) فلما تأمّله القومُ قالوا: هو واللهِ أبو ذرّ. فقال رسول الله بَّ: ((يرحم الله أبا ذَرّ، يَمْشي وَحْدَه، ويموت وحده، ويُبعث وحده)). فضرب الدهرُ من ضَرْبه، وسُيِّر أبو ذَرّ إلى الرَّبَذَة، فلما حضره الموتُ أَوْصى امرأته وغلامه: إذا متُّ فاغسلاني وكفّناني وضَعَاني على فَارِعَة الطّريقِ، فأوّلُ رَكْبٍ يمرُّون بكم فقولوا: هذا أبو ذَرّ. فلمّا مات فعلوا به ذلك. فاطَّلَع ركبٌ، فَما عَلِموا به حتى كادت رَكَائِبُهم تَوَطَّأُ سَرِيره، فإذا ابن مَسْعُود في رَهْطٍ من أهل الكوفة. فقال: ما هذا؟ فقيل: جِنَازة أبي ذَرٍّ. فاسْتَهَلَّ ابنُ مسعودٍ يبكي، فقال: صدقَ رسولُ الله مَّهِ: يَرْحم الله أبا ذَرّ، يمشي وحده، ويموتُ وحده، ويُبعثُ وحده. فنزلَ، فَوَلِيَه بنفسه حتَّى أَجَنَّهُ. وقال ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، أنّ أبا خَيْثَمة، أحد بني سالم، رجع - بعد مسيرٍ رسول الله ◌ِّ أياماً - إلى أهله في يوم حارٍّ، فوجد امرأتين له في حائطٍ قَد رَشَّتْ كلُّ واحدٍةٍ منهما عَرِيشها، وبَرَّدَتْ له فيه ماء، وهَيَّأَتْ له فيه طعاماً، فلما دخل قام على باب العريش، فقال: رسولُ الله في الضُّحِّ(٢) والرِّيح والحرِّ، وأنا في ظلّ باردٍ وماءٍ باردٍ وطعام مُهَيَّأٍ وامرأةٍ حسناء، في مالي مقيمٌ؟ ما هذا بالنَّصَفِ. ثم قال: لا، والله، لأَ أدخلُ عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله مح له، فهيًِّا لي زَاداً. فَفَعَلَتَا. ثم قدّم ناضحه فارْتَحَله. ثم خرج في طلبِ رسولِ اللهِ مَ ◌ّل، حتى أدركه بتبوك حين نزلها. وقد كان أدركه عُمَيْر بن وهب في الطريق فترافقًا، حتى إذا دَنَوا من تبوك، قال أبو خَيْئَمة لعُمير: إنّ لي ذَنْباً، تخلّفْ عنّي حتّى آتِي رسولَ اللهِ وَ له. ففعل. فسار حتى دنا من رسول الله مَ له. فقال رسول الله وَجَه: (كُنْ أبا خَيْئمة)). فقالوا: هو والله أبو خيثمة، فأقبل وسلّم، فقال له: ((أَوْلَى لَكَ أبا خيثمة)). ثم أخبر رسولَ اللهُ بِّه الخبر، فقال له خيراً. (١) ابن هشام ٢/ ٥٢٠، ودلائل النبوة ٢٢٢/٥ - ٢٢٣. (٢) أي: الشمس. ٤٢٤ وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة. وقاله موسى بن عُقبة. فذكرا نحواً من سياق ابن إسحاق . وقال مَعْمَر، عن عبدالله بن محمد بن عَقيل: في قوله تعالى: ﴿أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾﴾ [التوبة]، قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرَّجُلان والثَّلاثة على بعيرٍ، وخرجوا في حرٍّ شديدٍ، فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا يَنْحِرون إِبِلهم ليَغْصِرُوا أَكْرَاشها ويشربوا مَاءها . وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: كنّا مع رسول الله ◌ََّ في مسير، فنَفِدَت أزْواد القوم، حتى هَمَّ أحدهم بنحر بعض حمائلهم ... الحديثَ. رواه مسلم(١). وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد؛ شَكَّ الأعمشُ ؛ قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، لو أَذِنت لنا فنَنْحَر نَواضِحَنا، فأكلنا وادَهَنّا. فقال: ((أَفْعَلُ)». فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إنْ فعلتَ قَلَّ الظَّهْر، ولكن ادْعُ بفَضْل أزوادهم، وادْعُ اللهَ لهم فيها بالبركة. فقال: نعم. فدعا ينطع فبَسَطه، ثم دعا بفَضْل أزوادهم. فجعل الرجل يأتي بكَفِّ ذُرة، ويجيءَّ الآخر بكفّ تمرٍ، ويجيء الآخر بكِسْرَة، حتى اجتمع على النِّطع من ذلك شيء يسير. فدعا رسول الله بَّه بالبركة، ثم قال لهم: خُذُوا في أَوْعِيَتكم. حتى ما تركوا في العسكر وِعاءً إلّ ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفَضلتْ فَضْلة، فقال رسول الله ◌َّ: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسولُ الله؛ لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيُحْجَب عن الجنّة)). أخرجه مسلم (٢). وقال عَمْرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة بن أبي عُتْبة، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أنه قيل لعمر رضي الله عنه: حدِّثْنا من شأن العُسرة. فقال: خرجنا إلى تبوك في قَيْظِ شديدٍ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظنّنا أنّ رقابنا ستَنْقطع، حتى إنَّ كان الرجلُ ليذهبُ يلتمسُ (١) مسلم ٤١/١، ودلائل النبوة ٢٢٩/٥. (٢) مسلم ١/ ٤٢، ودلائل النبوة ٢٢٩/٥ - ٢٣٠. ٤٢٥ الرجلَ، فلا يرجع حتى يظنَّ أن رقبته ستنقطع، حتى أن كان الرجل لينحرُ بعيره فيعصر فَرْئه فيشربه ويجعل ما بقيَ على كُبِده. فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، إنَّ الله قد عَوَّدَكَ في الدعاء خيراً فادعُ الله لنا. قال: ((أتحبُّ ذلك؟)) قال: نعم. فرفع يديه، فلم يُرجعهما حتى قَالَت السماء فأَظلَّتْ ثم سَكَبت، فملأوا ما معهم. ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. حديث حسن (١) قويّ(١) . وقال مالك، وغيره، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: أنّ رسول الله وَلّ قال لأصحابه: ((لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبِين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يُصيبكم مثل ما أصابهم))؛ يعني أصحاب الحِجْر. وقال سليمان بن بلال: حدثنا عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: لما نزل رسول الله وََّ الحِجْر، أمرهم أنْ لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عَجَنَّاً منها واسْتَقَيْنا. فأمرهم أنْ يطرحوا ذلك العَجِين ويُرِيقوا ذلك الماء. أخرجهما البخاري. ولمسلم مثل الأول منهما(٢). وقال عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله: أنّ الناس نزلوا مع رسول الله ◌ََّ الحِجْرَ، فاستقوا من آبارها وعجنوا به. فأمرهم أن يهريقوا الماء، ويعلفوا الإبلَ العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئرِ التي كانت الناقةُ تَرِدُه. أخرجه مسلم(٣) . وقال مالك، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن أبي الطُّفَيل، أنّ مُمعاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله مَ # عام تبوك، فكان رسول الله مَ لل يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال: فأخَّر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلّى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلّى المغرب والعشاء (١) ابن خزيمة (١٠١)، ودلائل النبوة ٢٣١/٥. (٢) أخرج الأول: البخاري ١١٨/١ و٩/٦، ومسلم ٢٢٠/٨. وأخرج الثاني: البخاري ١٨١/٤ عن محمد بن مسكين عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال، وينظر المسند الجامع ١٠/ حديث (٨٢٣٨) و(٨٢٤٠) ودلائل البيهقى ٢٣٣/٥ - ٢٣٤. (٣) مسلم ٢٢١/٨، ودلائل النبوة ٢٣٤/٥. ٤٢٦ جميعاً، ثم قال: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عَيْن تَبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِيَ النهار، فمن جاءها فلا يَمَسَّ من مائها شيئاً حتى آتِيَ. قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشِّرَاك تَبِضُّ(١) بشيءٍ من ماءٍ. فسألهما رسول الله بِّ: ((هل مَسسْتُما من مائها شيئاً؟)) قالا: نعم. فسبّهما، وقال لهما ما شاء اللهُ أنْ يقول. ثم غَرَفوا من العين قليلاً قليلاً، حتى اجتمع في شيء ثم غسلَ رسولُ اللهمح # فيه وجهه، ثم أعاده فيها. فجَرَت العينُ بماء كثير، فاسْتَقَى الناسُ. ثم قال رسول الله مَّ: ((يُوشِك يا مُعاذُ، إنْ طالتْ بكَ حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد مُلِيء جِناناً)). أخرجه (٢) مسلم (٢) . وقال سليمان بن بلال، عن عَمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل، عن أبي حُميد، قال: خرجنا مع رسول الله م 14 في غزوة تبوك فأتينا وادي القُرَى، على حديقةٍ لامرأة، فقال رسول الله وَّل: اخْرُصُوها. فخَرَصْناها وخَرَصها رسولُ اللهِ وَّهِ عَشَرَة أَوْسُقٍ، وقال: احْصِيها حتى نرجع إليكِ إن شاء الله. فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله بَ له: ((ستهُتُّ عليكم اللَّيْلَة ريحٌ شديدة، فلا يَقُم فيها أحد منكم، فمن كان له بعيرٍ فليشُدَّ عِقاله)). فهبَّتْ ريحٌ شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبليْ طيّىء. وجاء ابن العَلْماء صاحب أَيْلَة إلى رسول الله بَّ بكتابٍ، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسولُ الله ◌ِّ، وأهدى له بُرداً. ثم أقبلنا حتى قدِمنا وادي القُرى، فسأل رسولُ اللهِ مَّه المرأةَ عن حديقتها كم بلغ ثمرها، فقالت: بلغ عشرةَ أوسقٍ. فقال: ((إنّي مُسْرِعٌ فَمَنْ شاء منكم فليسرع)). فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة. فقال: ((هذه طَابَة، وهذا أُحُد، وهو جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبّه)). أخرجه مسلم(٣) أطْوَلَ منه؛ وللبخاريّ (٤) نحوه. . (١) أي: تسيل قليلاً قليلاً. (٢) مسلم ٧/ ٦٠، ودلائل النبوة ٢٣٦/٥ . (٣) مسلم ٧/ ٦١، ودلائل النبوة ٢٣٨/٥ - ٢٣٩. (٤) البخاري ١٥٥/٢ . ٤٢٧ وقال ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، عن عباس بن سهل: أنّ رسول الله ◌ِّهِ حين مرّ بالحِجْرِ استَقَوْا مِن بئرها. فلما راحوا قال رسول الله وَّةٍ: ((لا تشربوا من مائها، ولا تَوَضَّؤوا منه، وما كان من عجين عجنتُموه منه فاعْلِفُوه الإبل، ولا يخرجَنَّ أحدٌ منكم الليلةَ إلاّ ومعه صاحبٌ له)). ففعل الناسُ ما أمرهم، إلا رجلين من بني سَاعِدة؛ خرج أحدهما لحاجته والآخرُ لطلبٍ بعيرٍ له. فأما الذي ذهبَ لحاجته فإنه خُنِق على مذْهَبه، وأما الآخر فاَحْتَمَلَتْه الرِّيح حتى طرحته بجبلي طيِّىء. فأُخبر بذلك رسول الله بَّ فقال: ألم أَنْهَكُم؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشُفِيَ. وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله وَّ حين قدم من تبوك. هذا مرسَل منگر . وقال ابن وَهْب: أخبرني معاوية، عن سعيد بن غَزْوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك وهو حاجّ، فإذا رجل مُقْعَد، فسألتُه عن أمره، فقال: سأحدثك حديثاً فلا تُحَدِّثْ به ما سمعتَ أنّي حَيٍّ: إنّ رسول الله عَليه نزل بتبوك إلى نَخْلةٍ، فقال: ((هذه قِبْلَتُنا)). ثم صلَّى إليها. فأقبلتُ، وأنا غلامٌ، أَسْعَى حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: ((قَطَع صلاتَنا، قطع اللهُ أَثَره)). قال: فما قمتُ عليها إلى يومي هذا. وقال سعيد بن عبدالعزيز، عن مَوْلى ليزيد بن نِمْران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت مُقْعَداً بتبوكِ. فقال: مررتُ بين يديّ النّبِيِّ بَله وأنا على حمارٍ وهو يصلّي. فقال: ((اللَّهُمَّ اقطعْ أثرَه)). فما مشيتُ عليهما بَعْدُ. أخرجهما أبو داود(٢). وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: كنّا مع رسولِ الله ◌ِ لَهبتبوك، فطلعت الشمس بضياءٍ وشعاع ونورٍ لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريلُ رسولَ الله ◌َلّ فقال: ((يا جبريل، مالي أرى الشمس اليوم طلعت بضياءٍ ونور وشعاع لم أرها ابن هشام ٢/ ٥٢١، ودلائل النبوة ٢٤٠/٥. (١) (٢) أبو داود (٧٠٥) و(٧٠٦) و(٧٠٧)، ودلائل البيهقي ٢٤٣/٥ - ٢٤٤. ٤٢٨ ٠ طلعت فيما مضى؟)) فقال: ذاك أنّ مُعَاوية بن مُعَاوية اللَّيْئِيّ مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف مَلَك يصلّون عليه. قال: ((وفيم ذاك؟)) قال: كان يُكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّثَ﴾ [الإخلاص]، بالليل والنهار، وفيٍ مَمْشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسولَ الله أنْ أقبضَ لك الأرض فتصلَّيَ عليه؟ قال: ((نعم))، قال: فصلّى عليه، ثم رجع. العلاء مُنْكَر الحديث واهٍ. ورواه الحسن الزَّعْفَرَانيّ، عن يزيد(١). وقال يونس بن محمد: حدثنا صدقة بن أبي سهل، عن يونس بن عُبَيد، عن الحسن، أنّ معاوية بن معاوية المُزَني تُوفي والنّبيُّ مَّلَه في غزوة تبوك، فأتاه جبريل، فقال: هل لكَ في جنازة معاوية المزني؟ قال: نعم. فقال: هكذا؛ ففرج له عن الجبال والآكام. فقام رسول الله وَل يمشي ومعه جبريلُ في سبعين ألف مَلَك، فِصلّى عليه. فقال: يا جبريل، بِمَ بَلَغ هذا؟ قال: بكثرة قراءة ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُثَ﴾ [الإخلاص]، كان يقرؤها قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. مرسَل. وقال ابن جَوْصا، وعليّ بن سعيد الرَّازِيّ، وأبو الدَّحْدَاح أحمد بن محمد - واللفظ له - قالوا: حدثنا نوح بن عَمرو بن حُوَيّ السَّكْسكِيّ، قال : حدثنا بَقِيّة، قال: حدثنا محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، قال: نزل جبريل على رسول الله وَله وهو بتبوك، فقال: احضر جنازة معاوية بن معاوية المُزَني. فخرج رسول الله صلّة، وهبط جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، فوضع جناحه على الجبال فتواضعت حتى نظروا إلى مكة والمدينة. فصلى رسولُ الله مَالل وجبريل والملائكة. فلما قضى صلاته، قال: ((يا جبريل، بم أدرك معاوية بن معاوية هذه المنزلة من الله؟)) قال: بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدَّثَ﴾ قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. قلتُ: ما علمت في نوح جَرْحاً، ولكنَّ الحديثَ مُنْكَرٌ جدّاً، ما أعلمُ أحداً تابعه عليه أصْلاً عن بَقِيَّة. وقد أورد ابنُ حِبّان حديثَ العلاء، وقال(٢): حديثٌ منكر لا يُتابَع عليه. قال: ولا أحفظ في الصحابة من (١) دلائل النبوة ٢٤٥/٥. (٢) المجروحين ١١٨١/٢. ٤٢٩ يقال له معاوية بن معاوية. وقد سرق هذا الحديث شَيْخٌ من أهل الشام، ورواه عن بَقِيَّة، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة الباهِلي. وقال عثمان بن الهيثم المؤذّن: حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن معاوية المُزني، أفتُحبّ أنْ تصلِّيَ عليه؟ قال: نعم. فضرب بجناحه فلم يَبْق من شجرةٍ ولا أَكَمة إلا تَضَعْضَعَتْ له. فصلّى عليه وخلفه صفّان من الملائكة، في كل صَفٍّ سبعون ألف مَلَك. قلت: ((يا جبريل، بِمَ نَال هذا؟)) قال: بحبِّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُثَ﴾ يقرؤها قائماً وقاعداً وذَاهباً وجائياً، وعلى كل حالٍ. محبوب مجهول، لا يُتَابَعُ على هذا(١). قال البكّائي: قال ابن إسحاق(٢): فلما أصبح الناس، يعني من يوم الحِجْر، ولا ماءَ معهم، دعا رسولُ اللهِ بَ ﴿، فأرسل اللهُ سحابةً، فأمطرت حتى ارتوى الناس. فحدّثني عاصم، قال: قلت لمحمود بن لَبِيد: هل كان الناسُ يعرفون النِّفاق فيهم؟ قال: نعم والله، لقد أخبرني رجالُ من قَوْمي، عن رجلٍ من المنافقين؛ لمّا كان من أمر الحِجْر ما كان؛ ودعا رسول الله حين دعًا فأرسل الله السحابة، فأمطرت. قالوا: أقبلنا عليه نقول: وَيْحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة سائرة. قال ابن إسحاق(٣): ثم إنّ رسول الله مَ﴾ سار، فضلَّت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله بَّه رجل من أصحابه يقال له عُمارة بن حزم، وكان عَقَبِيّاً بَدْرِيّاً، وكان في رَحْله زَيْد بن اللَّصَيْتِ القَيْنُقَاعِيّ وكان منافقاً، فقال زيد، وهو في رَحْل عُمارة: أليس يزعم محمد أنه نبيّ، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ◌ِ له، وعمارة عنده: ((إنّ رجلاً قال كذا وكذا. وإِنِّي واللهِ ما أعلمُ إلاّ ما علَّمني اللهُ، وقد دلَّني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستْها شجرةٌ بِزِمَامِها)). فذهبوا فجاؤوا بها. فذهب عمارةُ إلى رَحْله، فقال: واللهِ (١) دلائل النبوة ٢٤٦/٥ . (٢) ابن هشام ٢/ ٥٢٢. (٣) ابن هشام ٢/ ٥٢٢. ٤٣٠ عجبٌ من شيءٍ حَدَّثَنَاه رسولُ الله ◌ِّه آنفاً، من مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، فقال رجل ممن كان في رَحْل عمارة، ولم يَحْضُرْ رسولَ الله ◌ِ ﴾ِ زِيدٌ، واللهِ، قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يَجَأُ في عُنقه، ويقول: أيْ عِبَادَ الله، إنَّ في رَحْلي لداهيةً وما أشعرُ. أَخْرُجْ أَيْ عدوَّ الله من رَحْلي. فزعم بعضهم أنّ زيداً تاب بعد ذلك. قال ابن إسحاق(١): وقد كان رَهْطٌ، منهم وَدِيعة بن ثابت، ومُخَشِّن(٢) ابن حُمَيِّر؛ يشيرون إلى رسول الله ◌َّه، وهو منطلِقٌ إلى تبوك، فقال بعضهم لبعضٍ: أتحسبون جِلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنّا بكم غداً مُقَرَّنين في الحبال؛ إرْجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشّن بن حميِّ: واللهِ لَوَدِدْتُ أنّي أُفَاضَى على أنْ يُضْربَ كلٌّ منّا مئة جَلْدة، وأنّا نَنْفَلِتِ أَنْ يَنْزِل فينا قرآنٌ لمقالتكم هذه. وقال رسولُ الله ◌َِّ، فيما بلغني، لعمّار بنِ ياسِرٍ: أَدْرِك القَوْم، فإنَّهم قد احْتَرَقُوا، فَسَلْهُم عمّا قالوا، فإن أنكروا فقُلْ: بَلَى، قلتم كذا وكذا. فانطلقَ إليهم عمّارُ، فقال ذلك لهم. فأتوا رسولَ الله ◌ِّ يَعْتَذِرون. فقال وَدِيعِةِ بن ثابت: يا رسول الله، إنّما كنّا نَخُوض ونَلْعَب. فنزلت: ﴿وَلَپِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [التوبة]. فقال مخشّن بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قَعَد بي اسمي واسمُ أبي. فكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية مخشّن؛ يعني ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ ﴾﴾ [التوبة]. فَتسَمَّى عبدالرحمن، فسأل الله أن يَقْتُله (١) ابن هشام ٢/ ٥٢٤ . (٢) جاء في هامش نسخة البشتكي تعليق بخطه نصه: ((قال ابن ماكولا بعدما ذكر مخش بتشديد الشين من غير ياء: فهو حريث بن مُخَشِّي يروي عن علي، وعنه سليمان التيمي، وعمارة بن مُخَشِّي بن خويلد ذكر سيف أنه كان على كردوس ميمنةٍ خالد يوم اليرموك، وأما مَخْشِي بسكون الخاء وكسر الشين المخففة وبعدها ياء فهو مخشي بن حُمَيِّر الأشجعي حليف بني سلمة كان من المنافقين، وسار مع النبي بَّ إلى تبوك وأرجفَ به، ثم تاب، وقيل: فيه نزلت ﴿إِن نَعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ ... ﴾ والمصنف كتبه مخشن كما تراه)). قال بشار: إنما تابع الذهبي رواية ابن إسحاق، وقد تعقبه ابن هشام فقال: ويقال مَخْشِي . ٤٣١ شهيداً لا يُعْلم بمكانه. فقُتِل يوم اليَمامَة ولم يُوجَد له أثر. ولما انتهى رسول الله مَّه إلى تبوك، أتاه يُحَنَّة بن رُؤْبَة صاحب أَيْلة، فصالح رسولَ الله ◌ِّ وأعطاه الجزية. وأتاه أهل جَرْباءَ وأَذْرُح فأعطوه الجزية. وكتب لهم رسولُ الله مَ ل# كتاباً، فهو عندهم. وقال موسى بن عُقْبة: قال ابن شهاب: بلغ رسول الله وَّ في غزوته تلك تبوكاً ولم يتجاوزها. وأقام بضع عشرة ليلة؛ يعني بتبوك. وقال يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثَوْبان، عن جابر، قال: أقام رسول الله وَ له بتبوك عشرين يوماً يَقْصِرُ الصّلاة. أخرجه أبو داود(١). وإسناده صحيح. فائدة: قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله بَ لّ أهل أَيْلة بُرْدَةً مع كتابه، فاشتراها منهم أبو العبّاس عبدالله بن محمد - يعني السَّفّاح - بثلاث مئة دینار . وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر، ويزيد ابن رُومان: أنّ رسول الله وَلّ بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر بن عبدالملك؛ رجل من كِنْدَة، وكان مَلِكاً على دُومة وكان نَصْرانيّاً. فقال رسول الله مَله لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه مَنْظر العين في ليلةٍ مُقْمرةٍ صافية، وهو على سَطْح ومعه امرأته، فأتت البقرْ تَحُكُ بقُرونها باب القَصْر. فقالت له امرأته: هَلَ رأيت مثل هذا قَطّ؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مِثلَ هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأُسْرِج، وركب معه نَفَرٌ من أهل بيته، فيهم أخوه حَسَّان. فتلقَّتهم خَيْلُ رسولِ الله ◌َِّ فأخذته وقتلوا أخاه، وقدِموا به على رسولِ الله وَّه، فحقنَ دَمَهُ وصالحه على الجزية، وأطلقه(٢) . فائدة: قال عُبَيد الله بن إِيَاد بن لَقِيط، عن أبيه، عن قيس بن النّعمان السّكُونيّ، قال: خرجتْ خيل رسول الله بَّل فسمع بها أُكَيْدر، فأتى النبيَّ وَه، فقال: بَلَغَنا أنَّ خيلك انطلقت فَخَفَّتْ على أرضي، فاكتبْ لي كتاباً (١) أبو داود (١٢٣٥). (٢) سيرة ابن هشام ٥٢٦/٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٥٠/٥. ٤٣٢ فإني مُقِرٍّ بالذي عَليَّ. فكتب له. فأخرج قَباءً من دِيباج ممّا كان كِسْرَى يَكْسُوهِم، فقال: يا محمد اقبلْ عنّي هذا هَدِيّةً. قال: ((ارجع بقَبَائِكَ فإنه ليس يَلْبَس هذا أحدٌ إلاّ حُرِمَهُ في الآخرة». فَشَقَّ عليه أن رَدَّهُ. قال: ((فَادْفَعْه إلى عُمر)). فأتى عمر النَّبِيَّ مَ﴿ل فقال: يا رسول الله، أَحَدَث فِيَّ أَمْرٌ؟ فضحكَ النَّبِيُّ ◌َّ حتى وضع يده، أو ثوبه، على فِيه ثم قال: ((ما بعثتُ به إليك لتلبسه، ولكن تبيعه وتستعین بثمنه)). وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، قال: ولما توجَّه رسول اللهِ وَّ قافلاً إلى المدينة، بعث خالداً في أربع مئة وعشرين فارساً إلى أُكيدِر دُومة الجندل، فلما عَهد إليه عَهْده، قال خالد: يا رسولَ الله، كيف بدومة الجندل وفيها أُكيدِر، وإنما نأتيها في عِصابة من المسلمين؟ فقال: ((لعلّ الله يَكْفِيكَه)). فسار خالد، حتى إذا دنا من دومة نزل في أَدْبارها. فبينما هو وأصحابه في منزلهم ليلاً، إذ أقبلت البَقَر حتى جعلت تحتكّ بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنّى بين امرأتَيْه. فاطّلعتْ إحداهما فرأت البقر، فقالت: لَمْ أر كالليلة في اللَّحْم. فثار وركب فرسه، وركب غِلْمَتُه وأهْله، فطلبها . حتى مرّ بخالد وأصحابه فأخذوه ومَنْ معه فأوثقوهم. ثم قال خالد لأكيدر : أرأيتَ إنْ أَجَرْتُكَ تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلُهَا وأرادوا أن يفتحوا له، فأبى عليهم أخوه. فلما رأى ذلك قال لخالد: أيّها الرجل، حُلَّنِي، فَلَك الله لأَفْتَحَنَّها لك، إنّ أخي لا يفتحها ما عَلِم أنّي في وَثاقكَ. فأطلقه خالد، فلما دخل أَوْثَق أخاه وفتحها لخالد، ثم قال: اصنعْ ما شئت. فدخل خالد وأصحابه. ثم قال: يا خالد، إن شِئْتَ حَكَّمْتُك، وإن شئتَ حَكَّمْتَني. فقال خالد: بَلْ نقبل منكَ ما أَعْطَيَتَ. فأعطاهم ثمان مئة من السَّبْي وألف بعيرٍ وأربع مئة درع وأربع مئة رمح. وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله وَّة، وأقبل معَه يُحَنَّة بن رُؤُبةً عظيم أَيْلة. فقدِم على رسول الله بِّهِ وأَشْفَق أن يبعث إليه كما بعث إلى أُكيدِر، فاجتمعا عند رسولِ الله وَّ﴿ وقاضاهما على قَضِيّته؛ على دُومة وعلى تبوك وعلى أَيْلة وعلى تَيْماء، وكتب لهم به كتاباً، ورجع قافلاً إلى المدينة(١). (١) دلائل النبوة ٢٥١/٥ - ٢٥٢. ريخ الإسلام ٢٨٣/١ ٤٣٣ ثم ذكر عُرْوة قصّةً في شأن جماعة من المنافقين هَمُّوا بأَذِيَّة رسولِ الله عِنْهَالِ لّه فأطلعه الله على كَيْدهم. وذَكَر بِنَاء مسجد الضِّرار. وذكر ابن إسحاق(١)، عن ثقةٍ من بني عَمرو بن عوف: أنّ رسول الله وَ لّ أقبل من تبوك حتى نزل بذِي أَوَان؛ بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهار. وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد أَتَوْهُ، وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: قد بَنَيْنا مسجداً لذي العِلّةِ والحاجةِ واللَّيْلة المَطِيرَة، وإنّا نحبُّ أنْ تَأْتِيَ فَتُصَلَّيَ لنا فيه. فقال: إنّي على جَناح سَفَرٍ، فَلَوْ رجعنا إن شاء اللهُ أَتَيْنَاكُم. فلما نزل رسول الله بَ ﴿ بذي أوان، أتاه خبرُ السماء، فدعا مَالِكَ بِنِ الدُّخْشُمِ ومَعْنَ بن عَدِيّ، فقال: انطلِقا إلى هذا المسجدِ الظَّالِمِ أَهْلُه فاهْدِمَاةً وأَخْرِقَاه. فخرجا سريعَيْن حتى دخلاه وفيه أهله فحرّقاه وهدماه وتفرّقوا عنه. ونزل فيه من القرآن ما نزل. وقال أبو الأصبغ عبدالعزيز بن يحيى الحَرَّانيّ: حدثنا محمد بن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن الأعمش، عن عَمْرو بن مُرّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن حُذَيْفة، قال: كنتُ آخِذاً بخِطَام ناقة رسول الله بِيِّ أقودُ به، وعمّارَ يَسُوقه؛ أو قال: عمّار يقوده وأنا أسوقه؛ حتى إذا كنا بالعقَبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، فَأَنْبَهْتُ رسول الله مَّ؛ فصرخَ بهم فَوِلّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله مَّ: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا، قد كانوا مُلَثَّمِين. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، أرادوا أن يَزْحَمُوني في العقَبة لأَقَع. قلنا : يا رسول الله، أوَلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كلُّ قوم برأسٍ صاحبهم؟ قال: لا، أكْرَهُ أنْ يتحدّثَ العربُ أنّ محمداً قاتلَ بقوم حَتّى إذَا أَظْهَره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم. ثم قال: ((اللَّهُمَّ ارْمِهِم بالدُّبَيْلة)). قلنا: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: ((شِهابٌ من نارٍ يقع على نِياطِ قلبِ أحدِهم فَيَهْلِك))(٢) . وقال قَتَادة، عن أبي نَضْرة، عن قيس بن عُباد، في حديثٍ ذكره عن عمّار بن ياسر، أنّ حُذيفة حدّثه، عن النّبيّ ◌َلّ أنه قال: ((في أصحابي اثنا (١) انظر ابن هشام ٥٢٩/٢، ودلائل النبوة ٢٥٩/٥ - ٢٦٠. (٢) دلائل النبوة ٢٦٠/٥ - ٢٦١. ٤٣٤ عشر منافقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتى يلج الجملُ في سَمِّ الخِيَاطِ)). أخرجه مسلم (١). وقال عبدالله بن صالح المِصْرِيّ: حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾﴾ [التوبة]، قال: أناس بَنَوْا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابْنُوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوّةٍ وسلاحِ، فإنّي ذاهبٌ إلى قيصر فآتي بجندٍ من الروم، فأُخْرِجُ محمداً وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أمُّوا النَّبِيَّ ◌ِّ﴾، فقالوا: نُحبّ أن تُصَلّ فيه. فنزلت: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾﴾ [التوبة] الآيات. وقال ابن عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن السَّائب بن يزيد، قال: أذكر أنَّا حين قدِمَ رسولُ اللهِ وََّ من غزوة تبوك، خرجنا مع الصبيان نتلقَّاه إلى ثَنِيّة الوداع. أخرجه البخاري(٢). وقال غير واحد، عن حُمَيد، عن أنَس: أنّ رسول الله ◌ِ ◌ّ لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة، قال: ((إنّ بالمدينة لأَقْوَاماً ما سِرْتُم من مسِيرٍ ولا قطعْتُم من وادٍ، إلّ كانوا معكم فيه)). قالوا: يا رسول الله، وَهُمْ بالمدينة؟ قال: ((نعم، حَبَسَهم العُذْر)). أخرجه البخاري(٣) .. أَمرُ الّذينَ خُلِّقُوا (٤) قال شُعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهري: أخبرني سعيد بن المسيّب، أنّ بني قُرَيظة كانوا حُلَفاءَ لأبي لُبَابة، فاطّلعوا إليه، وهو يدعوهم إلى حُكْم النّبِيِّ ◌َّ فقالوا: يا أبا لُبابة، أتأمرنا أن نَنْزِل؟ فأشار بيده إلى حَلَقِه أنه الذَّبْحِ. فأخبر عنه رسول الله ◌ِ له بذلك فقال له: لم تَر عَيْني؟ فقال له رسول الله وَّ: ((أحسِبْت أنَّ الله غفلَ عن يدكَ حين تشيرُ إليهم بها إلى حلقك؟)) فلبث حيناً ورسولُ اللهِ مَِّ عاتبٌ عليه . (١) مسلم ١٢٢/٨، ودلائل النبوة ٢٦١/٥. البخاري ٦/ ١٠، ودلائل النبوة ٢٦٥/٥. (٢) (٣) البخاري ٣١/٤و ١٠/٦، ودلائل النبوة ٢٦٧/٥ ابن هشام ٢/ ٥٣١. (٤) ٤٣٥ ثم غزا رسول الله وَّ﴾ تبوكاً، فتخلّف عنه أبو لبابة فيمن تخلَّفَ. فلمّا قفلَ رسولُ الله ◌ِ له جاءه أبو لُبابة يسلّم عليه، فأعرض عنه رسولُ اللهِ وَلَه ففزع أبو لُبابة، فارْتَبَط بِسَارِية الثَّوبة، التي عند باب أمّ سَلَمة، سبعاً بين يوم وليلةٍ، في حرِّ شديدٍ، لا يأكل فيهنَّ ولا يشرب قَطْرةً. وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارقَ الدنيا أو يتوبَ الله عليّ. فلم يزل كذلك حتى ما يُسْمِعُ الصَّوْتَ من الجهد، ورسول الله وَ لَهينظر إليه بُكْرَةً وعَشِيَّةً. ثم تاب الله عليه فُنُودي: إن الله قد تاب عليك. فأرسل إليه رسولُ اللهُ بَّهَ ليُطْلق عنه رِبَاطه، فأبى أن يطلقه عنه أحدٌ إلّ رسول الله وَله. فجاءه فأطلق عنه بيده. فقال أبو لُبابة حين أفاق: يا رسول الله، إنّي أهجر دار قومي التي أصَبْتُ فيها الذَّنْبَ، وأنتقل إليك فأُسَاكِنك، وإنّي أَنْخَلِعِ من مالي صَدَقةً إلى الله ورسوله. فقال: ((يُجْزِىءُ عنك الثُّلُث)). فهجر دارَ قومِه وتصدّق بثُلثِ ماله، ثم تاب فلم يُرَ منه بعد ذلك في الإسلام إلاّ خَيْرِ، حتى فارق الدنيا. مُرْسَل(١). وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ قال: هو أبو لبابة، إذْ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأنَّ محمداً يذبحكم إنْ نزلتم على حُكْمِه. وزعم محمد بن إسحاق أنّ ارتباطه كان حينئذ(٢). ولعلّه ارتبط مرتين. وقال عبدالله بن صالح: حدّثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾﴾ قال: كانوا عشرة رَهْطِ تخلَّفوا عن النبيّ ◌ََّ، في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسولِ الله ◌َِلّ أَوْثَقَّ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَوارِي المسجد، وكان مَمَرّ النّبِيّ بَّ عليهم. فلما رآهم قال: مَنْ هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلّفوا عنك يا رسولَ الله حتى تُطْلِقهم وتَعْذِرهم. قال: ((وأنا أُقْسِم بالله لا أُطْلقهم ولا أَعْذِرهم، حتّى يكون الله هو الذي يطلقهم، رَغِبوا عنّي وتخلّفوا عن الغَزْو مع المسلمين)). فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزلت: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ (١) دلائل النبوة ٢٧٠/٥ - ٢٧١ . (٢) دلائل النبوة ٢٧١/٥. ٤٣٦ سَبِّئَا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾﴾ [التوبة]. و((عسى)) من الله واجب. فلما نزلت، أرسل إليهم فاطلقهم وعَذَرَهم. ونزلت؛ إذْ بذلوا أموالهم: ﴿خُذٌّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا ثَ﴾ [التوبة]. وروى نحوه عطية العَوْفيّ، عن ابن عباس(١). وقال عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أنّ أباه، قال: سمعت كعباً يحدّث حديثَه حين تخلّف عن رسولِ الله وَ* في غزوة تبوك. قال كعب: لم أَتخلّفْ عن رسولِ اللهِ وََّ في غزوةٍ غَزَاها قطّ، إلّ في غزوة تَبُوك، غير أنّي تخلّفتُ عن غزوة بَدْر، ولم يعاتب الله أحداً تخلّف عنها، إنّما خرج رسولُ الله ◌ِلّه يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدتُ مع رسول الله مَ ل ◌ٌ ليلةَ العَقَبَة، وما أُحِبُّ أَنَّ لي بها مَشْهَد بدر، وإن كانت بدر؛ يعني أَذْكَرَ في الناس منها. كان من خَبَري حين تخلّفتُ عن رسِولِ اللهِ مَ ◌َّ في غزوة تبوك، أنّي لم أَكُنْ قطّ أَقْوَى ولا أَيْسَر منّي حين تخلّفتُ عنه في تلك الغزوة. واللهِ ما اجتمعتْ عندي قبلها رَاحِلتان حتى جَمَعَتْهما تلك الغزوة. ولم يكن رسولُ الله وَلّه يريد غزوةً إلاَّ وَرَّى بغيرها. حتى كانت تلك الغزوة غزاها في حَرٍّ شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدوّاً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله وٌَّ كثيرٌ لا يجمعهم كتابٌ حافظ؛ يريد الديوان. قال كعب: فما رجلٌ يريد أنْ يتغيَّبَ إلاّ ظنّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ ما لم يَنْزِلْ فيه وَحْيٌّ. وغزا رسولُ الله وَّه تلك الغزوة حين طابت الثِّمارُ والظُّلالُ، فأنا إليها أصْعَر. فتجهّز والمسلمون معه . وطَفِقْتُ أغدو لكي أتجهّز معهم ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُه. فلم يزلْ يَتَمَادَى بي حتى استمرّ بالناس الجدُّ. فأصبح رسولُ الله ◌َّةَ والمسلمون معه، ولم أَقْضِ من جَهازي شيئاً. فقلتُ: أتجهّزُ بعده يوماً أو يومين ثم ألحقهم. فغدوتُ بعد أن فَصَلُوا لأتجهّز (١) دلائل النبوة ٢٧١/٥ - ٢٧٢ . ٤٣٧ فَرَجعتُ ولم أقْضِ شيئاً، ثم غدوتُ ثم رجَعتُ ولم أقْضٍ شيئاً. فلم يزل ذلك يَتَمادَى بي حتى أسرعوا وتَفَارَط الغزوُ وهَمَمتُ أن أَرْتَحِلِ فَأُدْرِكَهم، ولَيْتَني فعلتُ، فلم يُقَدَّر لي ذلك. فكنتُ إذا خَرَجتُ في الناسِ أَحْزَنَنِي أَنّي لا أرى إلا رجلاً مَغْمُوصً(١) من النفاق؛ أو رجلاً ممّن عَذَرَ اللهُ من الضُّعَفاء. فلم يَذْكُرْني رسولُ اللهِ ل ◌َ حتى بلغ تبوك، قال وهو جالسٌ في القوم: ((ما فَعَل كعب؟)) فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حَبَسَه بُرْدَاهُ ينظر في عِطْفه. فقال له مُعاذ بن جَبَل: بِتْس ما قلتَ، واللهِ يا رسول الله ما علمنا إلاّ خيراً. فلما بلغني أنّ رسول الله وَِّ قد توجّه قافِلاً من تَبُوك، حضرني هَمِّي فطفِقْتُ أتذكَّر الكَذِب وأقولُ: بماذا أخْرجُ من سَخَطه غداً؟ وأَسْتَعينُ على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي. فلما قيل إنّ رسول الله بِ ◌ٍّ قد أَظَلَّ قادماً زَاحَ عنّي الباطل، وعرفتُ أنّي لا أخرج مِنْه أبداً بشيءٍ فيه كَذِب، فأجمعتُ صِدْقَه. وأصبح قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلّى فيه ركعَتيْن ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المُخَلَّفون فَطفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بِضْعة وثمانين رجلاً. فَقَبِل منهم رسولُ الله ◌ِ﴾ عَلَاَنِيَتْهم، وبَايَعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سَرائِرهَم إلى الله. فجئتُه فلمّا سلّمتُ عليه تَبَسَّم تَبَشُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعالَ. فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه. فقال: ما خَلَّفك؟ ألم تكن ابْتَعْتَ ظَهْرك؟ فقلت: بَلَى، يا رسول الله، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أني سأخْرُج من سَخَطه بِعُذْرٍ، ولقد أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولكن والله لقد علمتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حديثاً كاذباً تَرْضَى به عنّى ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَسْخَط عليَّ، ولَئِن حدّثتُك حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَليَّ فِيه، إنّي لِأَرْجُو عَفْوَ الله. لا، واللهِ ما كان لي مِن عُذْرِ، وواللهِ ما كَنتُ قطْ أَقْوى ولَا أَيْسَر منّي حين تخلّفتُ عنكَ . قال رسول الله وَّ: أمّا هذا فقد صَدَق، قُمْ حتى يَقْضِي اللهُ فيك. فقمتُ، وثار رجالٌ من بني سَلِمة فقالوا: لا واللهِ ما عَلِمْناك كنتَ أذنبتَ ذَنْباً (١) أي: مُتَّهماً. ٤٣٨ قبل هذا، أَعَجَزْتَ أن لا تكون أعتذرتَ إلى رسولِ اللهِ مَّهِ بما أعتذر إليه المخلَّفون، قد كان كَافيكَ لِذَنْبِكَ اسْتَغْفارُ رسول الله ◌ِّم لك. فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبُونني حتى أردتُ أن أرْجع فأُكَذِّبَ نَفْسي. ثم قلتُ: هل لَقِيَ هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قَالا مثلَ ما قلتَ. وقِيلَ لهما مِثلَ ما قِيلَ لكَ. فقلتُ: مَنْ هُما؟ فقالوا: مُرَارَة بن الرَّبِيعِ العَمْرِيّ، وهِلالَ بن أُمَيَّةَ الوَاقِفيّ. فذكروا رجلَيْن صالِحَيْن قد شهد بدراً، فيهما أُسْوَةٌ، فمضيتُ حِينَ ذكرُوهما لي. ونَهَى رسولُ اللهِ وَ ◌َّ عِن كَلاَمِنا أيُّها الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تخلَّف عنه، واجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرُوا لنا، حتّى تَنَّكَّرَتْ في نفسي الأرْضُ فما هي التي أَعْرِف، فَلَبِثْنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحبايَ فاسْتَكانا وقعدا في بيتهما، وأَمّا أنا فكنتُ أَشَبَّ القوم وأَجْلَدَهم، فكنتُ أخرجُ فَأَشْهَد الصّلاة مع المسلمين وأَطُوفُ في الأسواقِ، ولا يُكَلِّمني أحدٌ. وآتي رسولَ الله وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلّم عليه فأقولُ في نفسي: هل حَرَّك شَفَتَيْه بِرَدِّ السلام عليَّ أَمْ لا؟ ثم أصلّي فَأُسَارِقِه النَّظَرِ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفتُّ نَحْوَه أَعْرَض عنّي. حتى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوَة المسلمين تسَوَّرْت جِدَار حائِطِ أبي قَتَادة؛ وهو ابنُ عَمِّي وأَحَبُّ الناس إليّ؛ فسلّمتُ عليه، فواللهِ ما رَدَّ. فقلتُ: يا أبا قتادة، أَنْشُدُكَ الله هل تعلم أَنّي أُحبّ الله ورسوله؟ قال: فَسَكَتَ، فعُدتُ له فسَكَت، فناشدتُه الثّالثةَ، فقال: الله ورسولُه أَعْلَمِ. ففاضَتْ عَيْناي، وتوَلَّيْتُ حتى تسوَّرتُ الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسُوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أنْبَاطِ الشام مِمّنْ قَدِم بالطَّعام يبيعه بالمدينة يقول: مَنْ يَدُلّ على كعب بن مالك؟ فطفِقِ الناسُ يشيرون له إليَّ. حتى إذا جاءني دَفَع إليّ كِتاباً من مَلِك غَسَّان؛ وكنت كاتباً؛ فإذا فيه: أمّا بعدُ، فقد بلغني أن صاحبك قد جَفاك، ولم يجعلك اللهُ بدارٍ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ. وهذا أيضاً من البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَ التَّنُّور فسَجَرْتُه به. حتى إذا مَضَى لنا أَرْبَعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللهِ وََّ فقال: إنّ رسول الله وَ لَه يأمُركَ أن تَعْتَزِلَ امرَأَتك. فقلتُ: أُطَلِّقْها أم ماذا أفعلُ بها؟ فقال: لا، بل اعْتَزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها. وأرسل إلى ٤٣٩ صاحبيَّ بمثل ذلك. فقلتُ لامرأتي: الْحِقِي بأهلك فكُوني عندهم حتى يَقْضِيَ الله هذا الأمْرَ. قال كعب: فجاءت امرأةُ هِلاَل رسولَ الله ◌ِّ، فقالت: إنّ هِلَالاً شيخٌ ضائِعٌ ليس له خَادِم، فهل تَكْرَهُ أن أَخْدُمَه؟ فقال: لا، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ. قالتْ: إنّه واللهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شيءٍ، واللهِ ما زال يَبْكي منْذُ كان من أمره ما كان إلى يَوْمِي هذَا. فقال لي بعضُ أهلي: لو استاذنتَ رسول الله في امرأتك؟ فقلتُ: لا والله، وما يُدْرِيني ما يقولُ لِي رسول اللهِ ◌ّ إن اسْتَأْذَنْتُهُ فيها، وأنا رجلٌ شابٌ. فلبثت بعدَ ذلك عَشْر لَيَالٍ حتى كَمُلَت لنا خمسون ليلةً. فلما أن صلّيتُ صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلة، وأنا على ظَهْر بيتٍ من بيوتنا، فبَيْنا أنا جالس على الحال التي ذَكَر الله منّا؛ قد ضَاقَتْ عَليَّ نَفْسي، وضَاقَتْ عَليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ؛ سمعتُ صَوْتٍ صَارِخِ أَوْفَى على جبل سَلْع: يا كعب بن مالك، أبْشِرْ. فَخَرَرْتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قد جاء الفَرَجُ. وآذَنَ رسول الله وَلّ بتَوْبة الله علينا، حين صَلَّى صلاة الفجر. فذهب الناس يُبَشِّرُوننا، وذهب قِبَلَ صاحِبِيَّ مبشِّرون. ورَكَضَ رَجُلٌ إليَّ فَرَساً، وسَعَى سَاعِ من أَسْلَمْ فَأَوْفَى على الجَبل، وكان الصَّوْتِ أَسْرعَ إليّ من الفَرَسِ. فَلَمّا جاءني الذي سَمِعتُ صَوْتَه يُبَشِّرُني، نَزَعتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهما إيّاهُ بِيُشْرَاهُ، وواللهِ ما أهْلِكُ غيرَهما يومئذٍ. واسْتَعَرتُ ثوبَيْنَ فَلْبِسْتُهما، وانطلَقتُ إلى رسولِ الله ◌َِّ، فتلقّاني الناسُ فَوْجاً فوجاً يُهَنَّتُونني بِالتَّوْبة؛ يقولون: لِيَهْنِكِ تَوْبةُ اللهِ عليك. حتى دخلتُ المسجد، فقام إليَّ طَلْحةُ بن عُبيد الله يُهَرْوِل حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيرُهُ، ولا أنْساها لِطَلْحة. وقال رسول الله وَ لَه وهو يَبْرُق وجْهُه بالسُّرور: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يوم مَرَّ عليكَ منذُ وَلَدَتْك أمُّك)). قلتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يا رسول الله أمْ من عندِ الله؟ قال: ((لا، بَلْ من عندِ الله)). وكان رسول الله وَلَه إذا بُشَّر بِبشارةٍ يَبْرُق وجهُه كأنّه قِطْعةَ قَمَرِ، وكنّا نعرف ذلك منه. فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسول الله: إنّ مِن تَوْبتي أن ٤٤٠