Indexed OCR Text

Pages 361-380

لم تنطقي في اللَّوم أدنى كلمه(١)
وكان دخولُ النَّبِيِّ بَّهَ مكةَ في رمضان. واستعار النَّبيُّ
من صفوان
صَلَى اللّه
سلم
عَالـ
فأعطاه فيما زعموا مئة درع وأداتها، وكان أكثر شيء سلاحاً.
وأقام النَّبيُّ بَّه بمكة بضع عشرة ليلة.
وقال ابن إسحاق (٢): مضى النَّبِيُّ ◌َ ثّلِ حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة
آلاف. فسبَّعَتْ(٣) سُلَيْم، وبعضهم يقول: ألَّفَتْ، وألَّفَتْ مُزَيْنة. ولم
يتخلّف أحدٌ من المهاجرين والأنصار.
وقد كان العبَّاسُ لقيَ رسولَ اللهِ وَ لَه ببعض الطريق. قال عبدالملك بن
هشام: لقيه بالجُحْفَة مهاجراً بعياله .
قال ابن إسحاق(٤): وقد كان أبو سُفيان بن الحارث بن عبدالمطّلب،
وعبدالله بن أبي أُميَّة بن المغيرة؛ قد لقيا رسولَ اللهِ بَّه بِنيق العُقاب - فيما
بين مكّة والمدينة - فالتمسا الدخولَ عليه، فكلَّمته أمُّ سُليم فيهما، فقالت:
يا رسولَ الله ابن عمّك وابن عَمَّتكَ وصِهْرك. قال: لا حاجةَ لي بهما، أمّا
ابنُ عَمِّي فِهتكَ عِرْضي، وأما ابنُ عَمَّتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلمّا
بلغهما قولُه قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذنّ بيد بُنَيّ هذا ثم
لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسولَ الله ◌ِله
رقّ لهما، وأذِن لهما، فدخلا وأسلما، وقال أبو سُفيان:
لِتَغْلِبَ خيلُ اللَّتِ خيلَ محمّدٍ
لَعَمْرُكَ إِنِّي يوم أحملُ رايةً
فهذا أواني حين أُهدَى وأهْتَدي
لَكَالمُدْلِج الحيرانِ أَظْلَمَ ليلُهُ
مع الله مَنْ طَرَّدْتُ كُلّ مُطَرَّدٍ
هدانيَ هادٍ غيرُ نفسي ونالني
وأُدْعَى وإنْ لم أَنتسِبْ من محمّدٍ
أصُدُّ وأنْأى جاهداً عن محمدٍ
فذكروا أنَّه حين أنشدَ النّبيَّ نَّ هذه ضرب في صدره، وقال: أنتَ
طردتني كلّ مطرد!
(١) ابن هشام ٤٠٨/٢ .
ابن هشام ٢ / ٤٠٠ .
(٢)
(٣) أي: كانوا سبع مئة.
(٤) ابن هشام ٢ / ٤٠٠ -٤٠١.
٣٦١

وقال سعيد بن عبدالعزيز، عن عطيّةً بن قيس، عن أبي سعيد الخُذْريّ،
قال: خرجنا لغزوة فتح مكة لليلتين خَلَتَا من شهر رمضان صُؤَّاماً، فلما كنّا
بالكَدِيد، أمَرَنَا رسولُ اللهِ مَّ بالفطر.
وقال الزُّهْرِي، عن عُبَيْد الله، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بَ لَّ صام في
مخرجه ذلك حتى بلغ الكَدِيد فأفطر وأفطر النّاس. أخرجه البخاري(١).
وقال الأوزاعيُّ: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سَلَمَة،
قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله مَل بمَرّ الظَّهْران، وهو يتغذّى
فقال: ((الغداء) فقالا: إنَّا صائمان، فقال: ((اعملوا لصاحبَيْكم، ارحلوا
لصاحبيكم، كُلا، كُلا)). مُرْسَلٌ(٢). وقولُه هذا مقدّر بالقول يعني: يقالُ هذا
لكونكما صائمين(٣).
وقال مَعْمَر: سمعتُ الزُّهْري يقول: أخبرني عُبَيْدالله، عن ابن عبّاس،
أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ خرج في رمضان من المدينةِ ومعه عشرةُ آلاف، وذلك على
رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدَمِه المدينةَ، فسار بمن معه من المسلمينَ
إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِيد؛ وهو بين عُسفان وقُدَيْد؛
فأفطر، وأفطر النّاس.
قال الزُّهْري: وكان الفِطْر آخر الأمرين. وإنّما يُؤخذ بالآخر فالآخر من
أمر رسول الله مَلِ﴾(٤) .
قال الزُّهْريّ: فصبَّح رسولُ الله ◌ِ لّهِ مكةَ لثلاث عشرة ليلةٍ خَلَتْ من
رمضان. أخرجه البخاري(٥)، ومسلم(٦) دون قول الزُّهْرِيّ. وكذا وَرَّخَه
يونس عن الزُّهْريّ(٧) .
(١) البخاري ٤٣/٣ و٦٠/٤ و١٨٥/٥، ودلائل النبوة ٢١/٥.
(٢)
كتب على هامش الأصل: ((يعني: يكرمهما رفقتهما لصومهما فيقال: اعملوا لهما
فإنهما صائمان، ارحلوا لهما فإنهما صائمان)).
(٣)
النسائي ٤ / ١٧٧ .
البخاري ١٨٥/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٦٤٣٢).
(٤)
(٥)
البخاري ١٨٥/٥ .
(٦)
مسلم ٣/ ١٤٠ و١٤١، ودلائل النبوة ٢١/٥ - ٢٢.
(٧) مسلم ٣/ ١٤١.
٣٦٢

وقال عبدالله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد بن
علي بن الحسين، وعَمْرو بن شُعَيْب، وعاصم بن عمر وغيرهم، قالوا: كان
فتح مكة في عشر بقين من رمضان .
وقال الواقديّ(١): خرج رسول الله مح لول يوم الأربعاء لعشر خَلَوْن من
رمضان بعد العصر، فما حلّ عُقْدَةً حتى انتهى إلى الصُّلْصُل. وخرج
المسلمون وقادوا الخيلَ وامتَطَوا الإبل. وكانوا عشرة آلاف.
وذكر عُرْوَةُ وموسى بن عُقْبَة أنّه ◌ِّهِ خرج في اثني عشر ألفاً.
وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْريّ، عن عُبَيْدالله، عن ابن
عبّاس أنّ رسول الله ◌َّ جاءه العبّاس بأبي سُفْيان فأسلم بمَرّ الظَّهْران.
فقال: يا رسول الله، إنّ أبا سُفْيان رجل يحبّ الفخر، فلو جعلت له شيئاً؟
قال: نعم، مَن دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمِن(٢).
زاد فيه الثقة، عن ابن إسحاق قال: نادِهِ، فقال أبو سُفْيان: وما تَسَعُ
داري؟ قال مَن دخل الكعبةَ فهو آمن، قال: وما تَسَعُ الكعبةُ؟ قال: مَن دخل
المسجدَ فهو آمن. قال: وما يَسَعُ المسجدُ؟ قال: مَن أغلق بابه فهو آمِن.
فقال: هذه واسعة(٣) .
وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن عِكْرِمة، قال: فلما نزل رسول الله
وَلَّهِ بِمَرّ الظَّهْران، قال العبّاس وقد خرج مع رسول الله ◌ِّل من المدينة: يا
صباح قريش، والله لِئِن بَغَتَها رسولُ الله ◌ِ ◌ّ فدخل عَنْوَةً، إنّه لَهَلاك قريش
آخر الدَّهْرِ. فجلس على بغلة رسول الله وَّل البيضاء، وقال: أخرجُ إلى
الأراك لَعَلّي أرى حطّاباً أو صاحب لبن، أو داخلاً يدخل مكة، فيخبرهم
بمكان رسول الله وَّ ليأتوه فيستأمنوه، فخرجتُ فَوَالله إنّي لأطوف بالأراك
إذ سمعتُ صوتَ أبي سُفيان وحكيم بن حِزام وبُدَيْل بن وَرْقاء وقد خرجوا
يتجسّسون الخبرَ عن رسول الله ◌َّ﴾، فسمعت صوت أبي سُفيان وهو يقول:
(١) المغازي ٢/ ٨٠١، ودلائل النبوة ٢٥/٥.
(٢) ودلائل النبوة ٣١/٥.
(٣) ودلائل النبوة ٣١/٥ - ٣٢.
٣٦٣

ما رأيت كاليوم قطّ نيراناً، فقال بُدَيْل: هذه نيرانُ خُزاعة حَمَشَتْها(١)
الحرب، فقال أبو سُفيان: خُزاعة ألأمُ من ذلك وأذلّ. فعرفت صوته،
فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لَبَّيكَ، فِدَاكَ
أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسولُ الله ◌َّلَ في النَّاس قد دلَفَ إليكم
بما لا قِبَلَ لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيفَ الحيلةُ، فداك
أبي وأمّي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فَأَسْتَأْمِنُ لكَ رسولَ الله ◌ِّ،
فإنّه والله لئن ظفِرَ بك ليضربنَّ عُنُقَك. فَرَدَفَني فخرجتُ أركض به نحو
رسولِ اللهِ وَ﴿، فكلّما مرَرْتُ بنارٍ من نيران المسلمين نظروا إليَّ وقالوا: عَمُّ
رسولِ الله على بغلةِ رسولِ الله. حتى مرَرَتُ بنار عمر فقال: أبو سُفْيان؟!
الحمدُ لله الذي أمكنَ منك بغير عهدٍ ولا عَقْد. ثم اشتدَّ نحو رسول الله ◌َِله .
وركَضتُ البغلةَ حتى اقتحمتُ بابَ القبّة وسبقتُ عمرَ بما تسبق به الدابّة
البطيئة الرجلَ البطيء.
ودخل عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سُفْيان عدوّ الله، قد أمْكَنَ اللهُ
منه بغير عهدٍ ولا عقدٍ، فَدَعْني أضرب عُنُقَه. فقلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي قد
آمنته. ثم جلست إلى رسول الله بَ ل﴿ فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه
اللّيلة أحدٌ دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلتُ: مهلاً يا عمر، فَوَالله ما تصنع
هذا إلّ لأنّه رجلٌ من بني عبد مَنَاف، ولو كان من بني عدِيّ بن كعب ما
قلت هذا. فقال: مهلاً يا عبّاس، فوالله لإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحب إليَّ
من إسلام الخطّابِ لو أسلم، وما ذاك إلاّ أني قد عرفت أنَّ إسلامَك كان
أحبّ إلى رسولِ اللهِ وَ له من إسلام الخطّابِ لو أسلم. فقال رسولُ اللهِ وَل :
اذهب به فقد آمنّاه، حتى تغدو به عليَّ الغداة، فرجع به العبّاس إلى منزله.
فلما أصبح غدا به على رسول الله مَّة، فلما رآه رسول اللّه ◌َل﴾ قال:
وَيْحك يا أبا سفيان، ألم يأنِ لك أن تعلم أنّه لا إله إلاّ الله؟ فقال: بأبي
وأمّي ما أوْصَلك وأكرمَكَ، والله لقد ظننتُ أنْ لو كان مع الله غيره لقد أغنى
شيئاً بعد. فقال: وَيْحك أوَ لم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟ قال: بأبي
أنت وأمّي ما أوْصَلَك وأحلمك وأكرَمَك، أمَّا هذه فإنَّ في النفس منها شيئاً.
(١) أي: جمعتها وأثارتها.
٣٦٤

قال العبّاس: فقلت: ويْلَكَ تَشَهّدْ شهادةَ الحقِّ قبلَ، واللهِ، أَنْ تُضْرَبَ
عُنُقُك. فَتَشْهَّد. فقال رسولُ الله ◌َِّ حين تَشْهَّدَ: ((انصرف به يا عبَّس
فاحبسْه عند حَطْم الجبل بمَضِيق الوادي، حتى تَمُزَّ عليه جنود الله)).
فقلت له: إنَّ أبا سُفيان يا رسول الله رجل يحبُّ الفخرَ، فاجعلْ له شيئاً
يكون له في قومك. فقال: ((نعم، مَنْ دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، ومَن
دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن)). فخرجتُ به حتى حَبَسْتُه
عند حَطْمِ الجبل بمضِيق الوادي، فمرّت عليهِ القبائل، فيقول: مَن هؤلاء
يا عبّاس؟ فأقول: سُلَيْمِ. فيقول: ما لي ولسُلَيْم. وتمرّ به القبيلةُ فيقول:
مَنْ هذه؟ فأقول: أسْلَم. فيقول ما لي ولأسْلَم. وتمر جُهَيْنَة. حتى مرّ
رسول الله ◌َي﴾ في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا
يُرَى منهم إلّ الحَدَق. فقال يا أبا الفضل، مَن هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول
الله ◌ِّ في المهاجرين والأنصار. فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابنٍ
أخيكَ عظيماً. فقلت: وَيْحَك، إنها الثُّبوَّةُ. قال: فنعم إذن. قلت: الْحَقِ
الآن بقومكَ فَحَذِّرْهُمْ. فخرج سريعاً حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد : يا
معشر قريش؛ هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به. فقالوا: فَمَه؟ قال :
مَن دخل داري فهو آمن. قالوا: وما دارُك، وما تُغني عنَّا؟ قال: مَنْ دخل
المسجد فهو آمن، ومن أغلق دارَه عليه فهو آمِن .
هكذا رواه بهذا اللّفظ ابن إسحاق، عن حسين بن عبدالله بن عُبَيْد الله
ابن عبّاس، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس موصولاً، وأمّا أيّوب السّخْتيانيّ
فأرسله. وقد رواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْريّ، عن عُبَيْد الله،
عن ابن عبّاس بمعناه(١).
وقال عُرْوة: أخبرني نافع بن جُبَيْر بن مُطعم، قال: سمعت العبّاس
يقول للُّبَيْر: يا أبا عبد الله، هاهنا أمرك رسولُ الله ◌ِِّ أنْ تَرْكُزَ الراية. قال:
وأمر رسول الله وَ* يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل مكةَ من كَدَاء. ودخل
(١) ودلائل النبوة ٣١/٥ - ٣٥.
٣٦٥

النّبِيُّ ◌َّهِ مِن كَدَاء، فقُتل من خَيْلِ خالد يومئذٍ رجلان: حُبَيْش بن الأشعر،
وكَرْز بن جابر الفِهْريّ(١) .
وقال الزُّهْري، وغيره: أخفى الله مسيرَ النَّبِيِّ بَلَّ على أهل مكة، حتى
نزل بِمَرِّ الظَّهْران.
وفي مغازي موسى بن عُقْبة(٢) أنَّ النَّبِيَّ بِّ قال لخالد بن الوليد: ((لِمَ
قاتلتَ، وقد نهيتُكَ عن القتال))؟ قال: هم بدؤونا بالقتال ووضعوا فينا
السّلاحَ وأشعرونا بالنَّبْل، وقد كَفَفْتُ يدي ما استطعتُ. فقال رسولُ الله
وَ ل﴾: ((قضاءُ الله خيرٌ)).
ويقال: قال أبو بكر يومئذٍ: يا رسولَ الله أُراني في المنام وأراك دَنَوْنا
من مكة، فخَرَجتْ إلينا كَلْبةٌ تھرُّ، فلما دنونا منها استلْقَتْ على ظهرها، فإذا
هي تشخبُ لَبَناً(٣). فقال: ذهبَ كلْبُهم وأقبل دَرُّهُم، وهم سائِلُوكم
بأرحامِكم وإنَّكم لاقون بعضَهم، فإنْ لقيتم أبا سُفيان فلا تقتلوه)). فلقوا أبا
سُفيان وحكيماً بمرّ.
وقال حسّان :
عِدِمْتُ بُنََّي إنْ لم تَرَوْهَا
ينازِعْنَ الأعِنَّةَ مُصْحبات
فإنْ أعرضْتُم عنّا اعْتَمَرْنا
وإلّ فاصْبِرُوا لِجِلادِ يومٍ
وجبريلٌ رسولُ الله فينا
هجوتَ محمَّداً فأجبتُ عنه
فمن يهجو رسولَ الله منكم
لساني صارمٌ لا عيبَ فيه
تُثِيرُ النَّقْعَ موعِدُها كَداءُ
تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النّسَاءُ
وكان الفتحُ وانكشفَ الغطاءُ
يُعِزّ اللهُ فيه مَن يشاءُ
ورُوحِ القُدْسِ ليس له كفاءُ
وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ
ويمدحهُ وينصرُهُ سَواءُ
وبحري ما تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ
البخاري ١٨٦/٥-١٨٧، ودلائل النبوة ٣٨/٥ - ٣٩.
(١)
(٢) ودلائل النبوة ٤٨/٥ - ٤٩ .
(٣) أي: خرج اللبن من الضرع مسموعاً صوتُه. وانشخب اللبن: نزل غزيراً، ويقال:
انشخب العِرقُ دماً: تفجَّرَ .
٣٦٦

فذكروا أنَّ رسول الله ◌َِّ تبسم إلى أبي بكرٍ حين رأى النِّساء يُلَطِّمْنَ
الخيلَ بالخُمُر؛ أي: ينفضن الغُبار عن الخيل(١).
وقال الليث: حدَّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن
عُمارة بنَ غَزِيَّة، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن عائشةَ أنَّ رسولَ
الله ◌ٌِّ قال: ((اهْجُوا قريشاً فإنّه أشدُّ عليها من رَشْقِ النَّبل)). وأرسل إلى ابن
رَوَاحة فقال: ((اهْجُهُم)). فهجاهم فلم يُرْضَ، فأرسل إلى كعب بن مالك،
ثم أرسل إلى حسَّان بن ثابت. فلما دخل قال: قد آنَ لكم أنْ ترسلوا إلى
هذا الأسدِ الضّارب بذَنَبِه (٢). ثم أدلع لسانه فجعل يُحَرِّكُه، فقال: والذي
بعثكَ بالحقّ لأفْرِيَنَّهُم فَزَيَ الأديم(٣). فقال رسول الله وَلَ: ((لا تَعْجَلْ فإنَّ
أبا بكرٍ أعلمُ قريشٍ بأنسابها وإنَّ لي فيهم نَسَبَاً، حتى يُخَلَّصَ لكَ نَسَبي)).
فأتاه حسَّانِ ثم رجع فقال: يا رسول الله قد أخلصَ لي نَسَبَكَ، فَوَالذي بعثك
بالحقّ لأَسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعرةُ من العجين .
قالت عائشة: فسمعتُ رسولَ الله وَله: يقول لحسَّان: ((إنَّ رُوحَ القُدُسِ
لا يزالُ يؤيّدُكَ ما نافحتَ عن الله ورسوله)). وقالت: سمعت رسول الله
يقول: هَجَاهُم حسّانُ فَشَفَى وأشفى(٤). وذكر الأبيات، وزاد فيها:
رسولَ الله شيمتُهُ الوفاءُ
هجَوْتَ محمّداً بَرَّاً حنيفاً
لِعِرْضِ مُحمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضِي
وكان الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطَاءُ
فإنْ أعْرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنا
يقول الحقَّ ليس به خَفَاءُ
وقال الله: قد أرسلتُ عَبْداً
: هم الأنصارُ عُرْضَتُها اللّقَاءُ
وقال الله: قد سَيَّرْتُ جُنْداً.
سِبابٌ أو قِتَالٌ أو هِجَاءُ
لنا في كلّ يومٍ من مَعَدٍّ
(١) ابن هشام ٤٢٣/٢ -٤٢٤.
(٢) أي: بلسانه.
(٣) أي: لأُمزقنهم تمزيق الجلد.
(٤) هكذا مجود في النسخ، وفي مسلم: ((واشتفى)).
٣٦٧

أخرجه مسلم (١) .
وقال سُليمان بن المُغِيرة وغيره: حدثنا ثابت البُناني، عن عبد الله بن
رَبَاح قال: وَفَدْنا إلى معاوية ومَعَنَا أبو هريرة، وكان بعضنا يصنع لبعضٍ
الطّعام. وكان أبو هريرة ممّن يصنع لنا فيُكْثِرِ، فيدعو إلى رَحْله. قلت: لَو
أمرتُ بطعامٍ فَصُنِعَ ودعوتهم إلى رَحْلي، ففعلت. ولقيت أبا هريرة بالعَشِيّ
فقلت: الدَّعوةُ عندي اللَّيلة. فقال: سَبَقْتَنِي يا أخا الأنصار. قال: فإنّهم
لَعِنْدي إذ قال أبو هريرة: ألا أُعلمكم بحديثٍ من حديثكم يا معشر الأنصار؟
فذكر فتح مكة. وقال: بعث رسول الله مَّ خالدَ بنَ الوليد على إحدى
المُجَنِّبَتَيْنِ (٢)، وبعث الزُّبَيْرِ على المُجَنِّة الأخرى، وبعث أبا عُبَيْدة على
الحُسَّرِ (٣). ثم رآني فقال: يا أبا هريرة. قلت: لبَّيْك وسَعْدَيْكَ يا رسول الله.
قال: اهتف لي بالأنصار ولا تأتني إلّ بأنصاري. قال: ففعلته. ثم قال:
انظروا قريشاً وأوباشهم(٤) فاحصدوهم حصداً.
فانطلقنا فما أحدٌ منهم يوجِّهُ إلينا شيئاً، وما مِنَّا أحدٌ يريدُ أحداً منهم إلاّ
أخذه. وجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله: أُبيدَتْ خضراءُ قريش لا
قريشَ بعد اليوم. فقال رسول الله بَّه: ((مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيان فهو آمن،
ومن ألقى السّلاح فهو آمن)) فألقوا سلاحهم.
ودخل رسولُ الله ◌َّ فبدأ بالحَجَر فاستلمه، ثمْ طافَ سَبْعاً وصلَّى
خلفَ المَقَامَ رَكْعَتَين. ثم جاء ومعه القوس آخذٌ بِسِيَتِها(٥)، فجعل يطعنُ بها
في عِينِ صنمٍ من أصنامهم، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
زَهُوقًا ◌َ﴾ [الإسراء]. ثم انطلق حتى أتى الصَّفا، فَعَلَاً منه حتى يرى
البيتَ، وجعلَ يَحْمَدُ الله ويدعوه، والأنصارُ عنده يقولون: أما الرجل
فَأَدْرَكَتْه رغبةٌ في قريته ورأفةٌ بعشيرته. وجاء الوحيُّ، وكان الوحي إذا جاء
(١) مسلم ٧/ ١٦٤، ودلائل النبوة ٥٠/٥ - ٥٤ .
(٢) هما: الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما.
(٣) أي: الذين لا دروع لهم.
(٤) كتب على هامش الأصل: ((الأوباش والأوشاب: الجموع)).
(٥) أي: طرفها .
٣٦٨

لم يَخْفَ علينا. فلما أنْ رُفعَ الوحيُّ، قال: يا معشرَ الأنصار قلتم كذا
وكذا، فما اسمي إذاً؟ كلّ، إنِّي عبدُالله ورسوله. المَحْيا مَحْياكم والمَمات
مَمَاتُكم. فأقبلوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ما قلنا إلّ الضِّنَّ بالله وبرسوله.
فقال: إنّ الله ورسوله يصدّقانکم ویعذرانكم.
أخرجه مسلم(١)، وعنده: كلّ إنِّي عبدُالله ورسوله، هاجرتُ إلى الله
وإلیکم .
وفي الحديث دلالةٌ على الإذن بالقتْلِ قبل عَقْدِ الأمان .
وقال سلّم بن مسكين: حدّثني ثابت البُنَاني، عن عبدالله بن رباح، عن
أبي هريرة، قال: ما قُتِلَ يوم الفتح إلاّ أربعة. ثم دخل صناديد قريش الكعبة
وهم يظنّون أنّ السيف لا يُرفع عنهم. ثم طاف رسولُ الله ◌ِ لّ وصلّى ثم أتى
الكعبةَ فأخذ بعضادَتَيْ الباب، فقال: ((ما تقولون وما تظنُّون))؟ قالوا: نقول
ابنُ أخٍ وابنُ عمِّ حليم رحيم. فقال: ((أقولُ كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اٌللَّهُ لَكُمْ ﴾ [يوسف])). قال: فخرجوا كما نُشِروا من
القبور، فدخلوا في الإسلام (٢).
وقال عُرْوة، عن عائشة: دخل رسول الله مح له يوم الفتح من كَداء من
أعلى مكة(٣).
وقال عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما دخل رسولُ
الله بَِّ عامَ الفتح رأى النِّساءَ يُلَطِّمْنَ وجوهَ الخيل بالخُمُر، فتبسّم رسولُ الله
وَّل إلى أبي بكر، وقال: ((كيف قال حسَّان)»؟ فأنشده أبو بكر :
عِدِمْتُ بُنَِّي إنْ لم تروها تُثِير النَّفْعَ من كنفي كَدَاء
يُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النّسَاءُ
ينازِعْنَ الأعنَّةَ مُسْرجات
فقال: ((ادخلوا من حيث قال حسّان)) (٤)
وقال الزُّهْريّ، عن أنَس: دخل رسول الله مَ له عامَ الفتح مكةً وعلى
(١) مسلم ٥/ ١٧٠، ودلائل النبوة ٥ /٥٥ - ٥٦.
(٢) ودلائل النبوة ٥/ ٥٧ - ٥٨ .
(٣)
البخاري ١٨٩/٥، ودلائل النبوة ٦٥/٥.
(٤) ودلائل النبوة ٦٦/٥ .
ريخ الإسلام ١/م٢٤
٣٦٩

رأسه المِغْفَر، فلما وضعه جاء رجل فقال: هذا ابن خَطَلَ متعلّق بأستار
الكعبة. فقال: اقتلوه. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وكان مَّ قد أهدر دَمَ ابنِ خَطَل وثلاثة غيره.
وقال منصور بن أبي مُزاحم: حدثنا أبو مَعْشَر، عن يوسف بن يعقوب،
عن السّائب بن يزيد، قال: رأيت النَّبيَّ مَلَّ قتل عبدَالله بنَ خَطَل يومَ أخرجوه
من تحتِ الأستارِ، فضرب عُنُقَهُ بين زمزم والمَقَام، ثم قال: ((لا يُقتل قُرَشيٍّ
بعدها صَبْراً)).
وقال معاوية بن عمّار الدُّهْنيّ، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر أنّ رسول الله
وَّ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء بغير إحرام. أخرجه مسلم(٢).
وفي مُسْنَد الطَّالِسيّ(٣): حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة،ً عن أبي الزُّبَيْر، عن
جابر أنّ رسول الله بََّ دخل يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء.
وقال مُسَاوِر الورَّاق: سمعتُ جعفر بن عَمْرو بن حُرَيْث، عن أبيه،
قال: كأنِّ أنظرُ إلى رسولِ اللهِ نَّه يوم فتح مكة، وعليه عمامةٌ سوداء
حُرقانية، قد أرخى طَرَفها بن كتفيه. أخرجه مسلم (٤).
وقال ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر، أنَّ عائشةَ قالت: كان لواءُ
رسولِ اللهِ وَّ يومَ الفتح أبيض، ورايتُه سوداء؛ قطعةُ مرطٍ لي مُرَخَّل،
وكانت الراية تُسمَّى العُقاب.
قال عبدالله بن أبي بكر: لما نزلَ رسولُ الله ◌ِ لَ بذي طُوَى ورأى ما
أكرمه الله به من الفتح جعلَ يتواضعُ اللهِ حتى إنَّكَ لَتَقُول قد كاد عُثْنُونُه أن
يُصيب واسطةَ الرَّحْل.
وقال ثابت، عن أنس: دخلَ رسولُ الله ◌ِ لّ يوم الفتح وذَقَنُه على رَحْله
مُتَخَشِّعاً. حديث صحيح .
(١) البخاري ١٨٨/٥، ومسلم ١٣٧٥، ودلائل النبوة ٦٦/٥.
(٢)
مسلم ١١١/٤ و١١٢، وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٠٥).
(٣) مسند الطيالسي (١٧٤٩)، وابن سعد ٢/ ١٤٠، ودلائل النبوة ٦٧/٥ - ٦٨.
(٤) مسلم ١١٢/٤، ودلائل النبوة ٦٨/٥.
٣٧٠

وقال شُعْبة، عن معاوية بن قُرّة، سمع عبد الله بن مُغَفَّل، قال: قرأ
رسولُ الله ◌ٌَّ يومَ الفتح سورةَ الفتح وهو على بعيرٍ، فَرَجَّعَ فيها. ثم قرأ
معاوية يحكي قراءة ابنّ مُغَفَّل عنِ النَّبِيِّ وََّ فِرِجَّع وقال: لولا أنْ يجتمعَ
الناسُ لرجَّعتُ كما رَجَّع ابن مغفَّل عن النبيِّ مَثّل. متفق عليه، ولفظه
للبخاري(١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مُجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عبدالله بن
مسعود، قال: دخلَ النَّبِيُّ بِّهَ مكةَ يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاث مئة
وَسِتُّون نُصُباً، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ
اَلْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ .. ﴾ [سبأ]. ﴿جَاءَ الْحَقُ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوفًا ﴾﴾
[الإسراء]. متَّفقٌ عليه(٢) .
وقال ابن إسحاق: حدثنا عبدالله بن أبي بكر، عن عليّ بن عبدالله بن
عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله مَله يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاث
مئة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يَهْوِي به إلى صَنَمٍ صَنَمٍ، وهو يهوي حتى مرَّ
عليها كلّها(٣). حديث حَسَن.
وقال القاسم بن عبدالله العُمَرِيّ - وهو ضعيف - عن عبدالله بن دینار،
عن ابن عمرٍ، أَنَّ النبيَّ مَّ لما دخَلَ مكةَ وجدَ بها ثلاث مئة وستين صنماً.
فأشار إلى كُلِّ صِنمٍ بعصاً من غير أنْ يمسَّها، وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ
إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًاجَ﴾ [الإسراء]، فكان لا يُشير إلى صنم إلاّ سقط (٤).
وقال عبدالوارث، عن أيوب، عن عِكْرِمة، عن ابنَ عبّاس: أنَّ النبيَّ
وَّه لما قدِمَ مكةَ، أبى أنْ يدخلَ البيتَ وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخْرِجت،
فأخرج صورةً إبراهيم وإسماعيلَ وفي أيديهما الأزْلام، فقال: ((قاتَلَهُمُ
(١) البخاري ١٨٧/٥ و١٦٩/٦ و٢٣٨ و٢٤١ و١٩٢/٩، ومسلم ١٩٣/٢، ودلائل النبوة
٧٠/٥.
(٢) البخاري ١٧٨/٣ و١٨٨/٥ و١٠٨/٦، ومسلم ١٧٣/٥، ودلائل النبوة ٧١/٥.
(٣) دلائل النبوة ٥/ ٧١ - ٧٢.
(٤) دلائل النبوة ٥/ ٧٢.
:
٣٧١

الله (١)، أما واللهِ لقد علِموا أنهما لم يَسْتَقْسِما بها قطَّ)). ودخل البيت وكبَّرَ
في نواحيه .
أخرجه البخاري (٢).
وقال مَعْمَر، عن أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أن النبي ◌َّ لما
رأى الصُّورَ في البيت لم يدخله حتى أمرَ بها فمُحِيتْ. ورأى إبراهيم
وإسماعيلَ بأيديهما الأزلام، فقال: ((قاتلهم الله، والله ما اسْتَقْسَما بها قطْ)).
صحیح(٣).
وروى أبو الزبير، عن جابر: أنّ رسول الله بِ لّ لم يدخل البيت حتى
مُحِيت الصّور. صحيح.
وقال هَوْذة: حدثنا عَوْف الأعرابيُّ، عن رجلٍ، قال: دعا رسولُ الله ◌ِ له
عام الفتح، شَيْبة بن عُثْمان فأعطاه المِفتاحَ، وقال له: ((دونكَ هذا، فأنتَ
أمين الله على بيته)).
قال الواقديّ: هذا غلطٌ، إنما أعطى المِفْتَاحَ عُثْمَانَ بنَ طَلْحة؛ ابنَ عمِّ
شَيْبَةٍ؛ يومَ الفتح، وشيبة يومئذٍ كافر. ولم يزل عثمان على البيت حتّى مات
ثم وُلِّي شيبة .
قلتُ: قولُ الواقديّ: لم يزلْ عثمان على البيتِ حتى مات، فيه نَظَرٌّ،
فإنْ أراد لم يزل مُنْفرداً بالحِجابة، فلا نُسَلِّم، وإنْ أراد مُشارِكاً لشَيْبةِ،
فقريبٌ، فإنَّ شيبةَ كان حاجِباً في خلافة عمر. ويُحْتَمل أنَّ النبيَّ ◌ِلّ وَلَّى
الحِجابة لشيبةَ لَمَّا أسلم، وكان إسلامه عامَ الفتح، لا يومَ الفتح .
وقال محمد بن حُمْران: حدثنا أبو بشر، عن مُسافِعٍ بن شَيْبة، عن أبيه،
قال: دخل النبيّ مَّ الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاويرُ، فقال: يا شَيْبة،
اكَفِني هذه. فاشْتَدَّ ذلك عليه. فقال له رجلٌ: طَيِّنْها ثم الْطَخْها بزَعْفَرَان .
ففعل .
تَفَرَّد به محمد، وهو مقاربٌ الأمر.
(١) كتب على هامش الأصل: ((يعني: قاتل الله المُصَوِّرين لهما)).
(٢)
البخاري ١٨٨/٥، ودلائل النبوة ٧٢/٥ - ٧٣.
(٣) أحمد ٣٦٥/١، والبخاري ١٨٨/٥ و١٦٠/٢، ودلائل النبوة ٧٣/٥.
٣٧٢

وقال يونس، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ◌ِّ أقبلِ يومَ الفتح
من أعلى مكة على راحلته مُرْدِفاً أُسامة، ومعه بلال وعثمان بن طَلْحة، منَ
الحَجَبَة، حتى أناخ في المسجد، فأمر عثمانَ أَنْ يأتي بمفتاح البيت، ففتح
ودخلَ رسولُ الله ◌َ لا مع أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهاراً طويلاً، ثم
خرج فاسْتَبَق النَّاسُ، وكان عبدالله بن عمر أوّل مَنْ دخلَ، فوجد بلالاً وراء
الباب، فسأله: أين صَلَّى رسول الله وَلَ؟ فأشار إلى المكان الذي صلَّى فيهِ.
قال ابن عمر: فَنَسِيتُ أن أسأله: كم صلّى من سَجْدةٍ؟. صحيح. عَلَّقه
البخاري مُحْتَجّاً به(١).
وقال ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُبيد الله
ابن عبد الله بن أبي ثَوْر، عن صفّية بنت شَيْبة، قالت: لما اطمأنّ رسول الله
وَّه بمكة، طاف على بعيره، يستلم [الحَجَر] بالمِحْجَن(٣). ثم دخل الكعبة
فوجد فيها جُمامة عِيدان فاكْتَسَرها، ثم قال بها على باب الكعبة - وأنا أنظرُ -
فَرَمَی بها .
وذكر أسْباط، عن الشُّدِّيّ، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه، قال: لما
كان يوم فتح مكة، آمنَ رسولُ اللهِ وَلَهَ الناسَ، إلاّ أربعة نَفَرٍ وامرأتين،
وقال: أَقْتُلُوهم، وإنْ وجدتموهم مُتَعلَّقين بأستار الكعبة: عِكْرمة بن أبي
جَهْل، وعبدالله بن خَطَلٍ، ومِقْيَس بنِ صُبَابَة، وعبدالله بن سعد بن أبي
سَرْح. فأمّا ابن خَطَل فأُدْرِك وهو متعلّق بالأستار، فاستبقَ إليه سعيد بن
حُرَيْث وعمّار بنِ يَاسِرٍ، فسبق سعيدٌ عمّاراً، فقتله. وأما مِقْيَس فقتلُوه في
السُّوق. وأمّا عِكْرمة فَرَكِبَ البحر، وذكر قصَّته، ثم أسْلَم. وأما ابن أبي
سَرْح فاختبأ عند عثمان، فلمّا دعا رسول الله ◌ِ ◌ّ الناس إلى البَيْعَة، جاء به
عثمان حتى أوْقَفَه على النّبِيّ بَّ فقال: يا رسول الله، بَايِعْ عبدَ الله. فرفع
رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كلّ ذلك يأْبَى، فبايعه بعد ثلاثٍ. ثم أقبل على
أصحابه فقال: ((أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا، حيثُ رآني كَفَفْتُ،
(١) البخاري ١٨٨/٥-١٨٩، وأحمد ١٥/٦، ودلائل النبوة ٧٣/٥ - ٧٤.
(٢) ودلائل النبوة ٧٤/٥.
(٣) في الأصل: ((يستلم المحجن)) وكتب البشتكي بخطه على الهامش: ((كذا بخطه،
وصوابه: يستلم الحجر بالمحجن)).
٣٧٣

فَيَقْتُلَه؟)). قالوا: ما يُدْرِينا يا رسول الله، ما في نفسك، هَلّ أوْمَأْتَ إلينا
بعَيْنِك؟ قال: ((إنّه لا يَنْبغي أن يكون لنَبِيِّ خَائِنَة الأعْيُن))(١).
وقال ابن إسحاق(٢): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، قال: قدِم مِقْيس ابن
صُبابة على رسول الله وَّ المدينة، وقد أظهر الإسلامَ، يطلُب بِدَم أخيهِ
هِشام، وكان قتله رجلٌ من المسلمين يَوْم بنيِ المُصْطَلِقِ ولا يحسَبه إلاّ
مُشْرِكاً، فقال رسول الله بَّهُ: إنّما قُتِل أخوك خَطَّأ. وأمرَ له بديَته، فأخذها،
فمَكَّث مع المسلمين شيئاً، ثم عَدَا على قاتل أخيه فقتله، ولحِق بمكّة
كافراً. فأمر رسول الله،بَ لهـ عامَ الفتح - بقَتْله، فقتله رجلٌ من قومه يقال له
نُمَيْلَة بن عبد الله؛ بين الصَّفَا والمَرْوَة.
وحدّثني عبدالله بن أبي بكر، وأبو عُبَيْدة بن محمد بن عمّار: أنّ رسول
الله ◌َي﴿ إنّما أمر بقتل ابن أبي سَرْح لأنه كان قد أسلم، وكتب لرسول الله مَله.
الوَحْيَ، فرجع مُشْرِكاً ولَحِقّ بمكّة(٣).
قال ابن إسحاق(٤): وإنّما أمر بقتل عبدالله بن خَطَل؛ أحد بني تَيْم ابن
غَالب؛ لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله مٍَّ مُصَدِّقاً(٥)، وبعث معه رجلاً
من الأنصار، وكان معه مَوْلىَ يخدمه وكان مسلماً. فنزل منزلاً، فأمر المَوْلى
أن يذبح تَيْساً ويصنع له طعاماً، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً فقتله
وارْتَدَّ. وكان له قَيْنَة وصاحبتُها تغنّيان بهجاء رسول الله بِّهِ، فأمر بقتلهما
معه، وكان ممّن يؤذي رسولَ الله مَله .
وقال يعقوب القُمّي: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزَى، قال:
لما افتتح رسول الله مَ﴿ مكة، جاءت عَجُوزٌ حَبَشِيّة شَمْطاء تَخْمِش وجهها
وتدعو بالوَيْل. فقيل: يا رسول الله، رَأَيْنا كذا وكذا. فقال: ((تلك نَائِلة
أيسَت أن تُعبد ببلدكم هذا أبداً» (٦). كأنه منقطع.
(١) وانظر المغازي للواقدي ٨٥٦/٢.
(٢) ابن هشام ٤١٠/٢ .
المغازي للواقدي ٨٥٥/٢، وابن هشام ٤٠٩/٢ .
(٣)
(٤) ابن هشام ٤٠٩/٢ - ٤١٠ .
(٥) أي: جابياً للصدقات، وهي الزكاة.
(٦) دلائل النبوة ٧٥/٥.
٣٧٤

وقال يونس بن بُكَيْر، عن زكريا، عن الشعبيّ، عن الحارث بن مالك؛
◌َى اللّه
هو ابن بَرْصاء؛ قال: سمعتُ رسول الله
يوم الفتح يقول: ((لا تُغْزَى مكّة
وَسَاء
بعد اليوم أبداً إلى يوم القيامة))(١).
وقال محمد بن فَضَيْل: حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطُّفَيل، قال:
لما فتح رسول الله وَل﴾ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نَخْلةَ، وكانت بها
العُزَّى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات، فقطع السَّمرات وهَدَم
البَيْتَ الذي كان عليها. ثم أتى النبيَّ بََّ فأخبره، فقال: ((ارجعْ، فإنَّكَ لم
تَصنعْ شيئاً). فرجع خالد، فلما نظرت إليه السَّدَنَة؛ وهم حُجَّابها؛ أمْعَنوا
في الجبل وهم يَقُولون: يا عُزَّى خَبِّلِيهِ، يا عُزَّى عَوِّرِيه، وإلاّ فَمُوتي بِرَغْمِ .
فأتاها خالد، فإذا امرأة عُرْيانة ناشِرةٌ شعرَها تَحْثُوَ التّراب على رَأْسِهاً،
فَعَمَّمَها بالسَّيف حتى قتلها. ثم رجع إلى النّبِيِّ بَّ فأخبره، فقال: ((تلك
العُزَّى))(٢). أبو الطُّفَيل له رؤية.
وقال ابن إسحاق: حدّثني أبي، قال: حدّثني بعض آل جُبير بن مُطْعِم
أنّ رسول الله بََّ لما دخل مكة، أمر بلالاً فعَلاً على ظهر الكعبة، فأذَّن
عليها، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم اللهُ سعيداً قبل أن يرى
هذا الأسْوَد على ظهر الكعبة(٣).
وقال عُروة: أمر رسول اللهمَ لَه بلالاً يومَ الفتح فأذَّن على الكعبة(٤).
وقال اللَّيْث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند: أنّ أبا
مرّة مَوْلى عَقِيل حدّثه، أنّ أمّ هانِىءٍ بنت أبي طالب حدّثته؛ أنه لما كان عام
الفتح فرّ إليها رجلان من بني مَخْزوم، فأجارَتْهما. قالت: فدخل عليَّ
عليٌّ، فقال: أقْتُلُهما. فأتيتُ رسولَ الله ◌ََّ، وهو بأعلى مكة، فلما رآني
رَحَّبَ بي، فقال: ((ما جاء بك يا أمّ هانىء؟)) قالت: يا نبيَّ الله، كنتُ قد
(١) دلائل النبوة ٧٥/٥.
(٢) المغازي للواقدي ٨٧٣/٣-٨٧٤، وابن هشام ٤٣٦/٢ -٤٣٧، وطبقات ابن سعد
١٤٥/٢-١٤٦، ودلائل النبوة ٧٧/٥.
(٣) دلائل النبوة ٧٨/٥.
(٤) دلائل النبوة ٧٨/٥.
٣٧٥

أمّنتُ رجلين من أحْمائي فأراد عليٍّ قَتْلَهما. فقال: ((قد أَجَرْنا من أجَرْتٍ)).
ثم قام إلى غُسْله، فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوباً فالْتَحَف به ثم صلّى
ثمان ركعات؛ سُبْحَة الضُّحى. أخرجه مسلم(١).
وقال الليث، عن المَقْبُرِيّ، عن أبيِ شُرَيْح العَدَوِيّ، أنه قال لعمرو بن
سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: اثْذَنْ لي أيّها الأمير، أُحَدِّث قَولاً قام
به رسول الله مَّ الغَدَ من يوم الفتح؟ سَمِعَتْه أُذُناي ووَعاه قلبي وأبْصَرَتْه
عَيْناي حين تكلّم به؛ أنَّه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إنّ الله حرَّم مكة
ولم يُحرِّمْها الناس، ولا يَحِلُّ لامْرِىءٍ يؤمن بالله واليوم الآخِرِ أن يَسْفِك بها
دماً، ولا يَعْضِد بها شجرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ بقتالِ رسول الله ◌َليل فيها،
فقولوا له: إنّ الله قد أذِنَ لرسوله ولم يَأْذَن لكم، وإنما أذِن لي فيها ساعةً من
نَهار. وقد عادت حُرْمَتها اليوم كحرمتها بالأمس. فلْيُبَلَّغِ الشّاهدُ الغائب)).
فقيل لأبي شُريح: ماذا قال لك عَمْرو؟ قال: قال: أنا أعْلَمُ بذاك منك يا أبا
شريح، إنّ الحرَم لا يُعِيذ عاصِياً ولا فَارّاً بَدَمٍ ولا فاراً بخَرْبَةِ. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وقال ابن عُيَيْنة، عن عليٍّ بن زيد، عمّن حدثه عن ابن عمر، قال: قال
النبيُّ مَّه يوم فتح مكة وهو على دَرَجة الكعبة: ((الحمدُ لله الذي صَدَقَ
وَعَدَهُ، ونصرَ عبده، وهزمَ الأحزابَ وحده. ألا إنَّ قَتِيلِ العَمْدِ الخَطَأِ
بالسَّوْط أو العَصَا فيه مئةٌ من الإبلِ، منها أربعون خِلْفَة في بُطونها أولادُها.
ألا إنَّ كلَّ مَأَثُرةٍ في الجاهلية ودمَ ومالٍ تحت قدميَّ هاتَيْن إلا ما كان من
سِدَانَة البيت وسِقَاية الحاجِّ، فقد أَنْضَيْتُها لأهلها))(٣). ضعيف الإسناد.
وقال ابن إسحاق: حدّثني عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه، قال:
خطب رسولُ الله ◌َّ النّاسَ عام الفتح، ثم قال: ((أيّها الناسُ؛ ألا إنه لا
حِلْف في الإسلام، وما كان من حلفٍ في الجاهلية فإنّ الإسلام لا يَزِيده إلاّ
(١) مسلم ١٨٢/١ و١٨٣ و١٥٧/٢ و١٥٨، والبخاري ٧٨/١ و١٠٠ و٤٦/٨،
ودلائل النبوة ٨٠/٥ - ٨١. وانظر المسند الجامع، حديث (١٧٣٦١).
(٢) البخاري ٣٧/١ و١٧/٣-١٨ و١٩٤/٥، ومسلم ١١٠/٤، ودلائل النبوة
٥/ ٨٢-٠٨٣
(٣) دلائل النبوة ٨٥/٥. وهو عند أحمد ١١/٢ و٤١٠/٣ .
٣٧٦

شدّة. والمؤمنون يَدٌ على مَنْ سِواهم، يُجيرُ عليهم أدْناهم، ويردُّ عليهم
أَقصاهم، تَرُدُّ سَرَاياهم علىِ فَعِيدتهم. لا يُقْتل مؤمنٌ بكافرٍ. دِيَةُ الكافر
نِصْفُ ديةِ المسلم. لا جَلَب ولا جَنَب. ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في
دُورهم))(١).
وقال أبو الزِّنَاد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النبيِ وَلِّ: ((مَنْزِلُنا،
إن شاء الله إذا فَتَح الله، الخَيْفُ؛ حيثُ تَقَاسموا على الكُفْر)). أخرجه
البخاري(٢) .
وقال أبو الأزهر النيسابوري: حدثنا محمد بن شُرَحْبِيل الأبناويّ، قال:
أخبرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرنا عبدالله بن عثمان، أنَّ محمدَ بن الأسود بن
خلف، أخبره أنَّ أباه الأسودَ حضرَ النبيَّ مَلَ يبايعُ الناسَ يومَ الفتح، وجلس
عند قَرْن مَسْقَلَة، فجاءه الصغار والكبار والرجال والنساء فبايعوه على
الإسلام والشهادة(٣).
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبدالله، عن
أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح ونزلَ رسولُ الله
وَلِّ ذا طُوىٍ، قال أبو قُحافة لابنةٍ له كانت من أصغرٍ ولده: أيّ بُنَية: أَشْرِفي
بي على أبي قُبَيْس، وقد كُفَّ بصره. فأشرفتْ به عليه. فقال: ماذا تَرَيْن؟
قالت: أرى سَوَاداً مُجْتَمِعاً، وأرى رجلاً يَشْتَدُّ بين ذلك السَّواد مُقبلاً
ومُدبراً. فقال: تلك الخيلُ يا بُنَية، وذلك الرَّجل الوازِعُ(٥). ثم قال: ماذا
تَريْن؟ قالت: أرى السوادَ انتشرَ. فقال: فقدْ واللهِ إذنْ دفعت الخيل،
فأسرعي بي إلى بيتي. فخرجت سريعاً، حتى إذا هبطت به إلى الأبْطَح،
لقيتها الخيلُ، وفي عنقها طَوْقٌ لها من وَرِقٍ، فاقتطعه إنسانٌ من عُنُقُها. فلما
دخل رسولُ الله ◌َّ المسجدَ، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه
(١) دلائل النبوة ٨٦/٥. وأخرجه أحمد ١٨٠/٢.
(٢) البخاري ١٨٨/٥، ودلائل النبوة ٩٣/٥.
(٣) أخرجه أحمد ٤١٥/٣ و١٦٨/٤، ودلائل النبوة ٩٤/٥ .
ابن هشام ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦، ودلائل النبوة ٩٥/٥ - ٩٦.
(٤)
(٥) هو الذي يرتب الجيش ويسوِّيه ويصفه ويدبرُ أموره.
٣٧٧

رسولُ الله ◌ِّ قال: ((هَلَّ تركتَ الشيخَ في بيته حتى أجِيئه)»؟ فقال: يمشي
هو إليكَ يا رسولَ الله أحقُّ من أنْ تمشي إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح
صدره وقال: ((أسْلِمْ تَسْلَم)). فأسْلَمَ. ثم قام أبو بكرٍ فأخذ بيدٍ أخته فقال:
أَنْشُد بالله والإسلام طَوْقَ أختي. فوالله ما أجابه أحدٌ، ثم قال الثانيةَ، فما
أجابه أحد، فقال: يا أُخَيَّة، احْتَسِبي طَوْقَكِ، فواللهِ إنَّ الأمانةَ اليومَ في
الناس لَقليل .
وقال أبو الزبير، عن جابر: أنّ عمر أَخذ بيدِ أبي قُحافة فأتى به النبيَّ
◌ِّ، فقال: ((غَيِّرُوا هذا الشَّيْب ولا تُقَرِّبوه سواداً)(١).
وقال زيد بن أسْلم: إنَّ رسولَ الله ◌ِِّ هَنََّ أبا بكرٍ بإسلام أبيه (٢).
مُرْسَل.
وقال مالك، عن ابن شهاب: أنه بلغه أنَّ رسولَ الله ◌َ ليه كان على عهده
نساء يُسْلِمْن بأرْضِهنَّ، منهنَّ ابنةُ الوليد بن المغيرة، وكانت تحتَ صَفْوان
ابن أُميّة، فاسلمتْ يومَ الفتح وهرب صفوان، فبعث إليه رسولُ الله ◌ِّ: ابنَ
عَمِّه عُمَيْر بن وهب برداءِ رسولِ اللهِ مَّه أماناً لصفوان، ودعاه إلى الإسلام،
وأن يَقْدَم عليه، فإنْ رَضِي أمراً قَبِله، وإلا سَيَّره شهرين. فقدِم فنادى على
رؤوس الناس: يا محمد، هذا عُمير بن وهب جاءني بردائك وزعم أنَّكَ
دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمراً قبلته، وإلاّ سيَّرتَني شهرين.
فقال رسولُ اللهِ بَلّه: انْزِلْ أبا وهب. فقال: لا واللهِ، لا أنزل حتى تُبَيِّنَ لي.
فقال: بل لك تَسْبِير أربعة أشهر. فخرج رسولُ الله بِّ قِبَلَ هَوازِن، فأرسل
إلى صفوان يستعيره أداةً وسلاحاً. فقال صفوان: أطَوْعاً أو كَرْهاً؟ فقال: بلْ
طوعاً. فأعاره الأداةَ والسلاحَ. وخرج مع رسولِ الله ◌َّ وهو كافر، فشهد
حُنيناً والطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يُفَرِّق رسولُ الله ◌َّ بينهما
حتى أسلم، واستقرَّتْ عنده بذلك النّكاح، وكان بين إسلامهما نَحْوٌ من
شهر .
(١) أحمد ٣١٦/٣ و٣٢٢ و٣٣٨، ومسلم ١٥٥/٦، ودلائل النبوة ٩٦/٥. وانظر
المسند الجامع، حديث (٢٧١٠).
(٢) دلائل النبوة ٥ / ٩٦.
٣٧٨

وكانت أمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عِكرمة بن أبي جهل،
فأسلمت يومَ الفتح، وهرب عِكرمةُ حتى قدِم اليمن، فارتحلت أم حكيم
حتى قدِمت عليه بَاليمن ودَعَته إلى الإسلام فأسلم. وقدِم على رسولِ الله
مَِّ، فلما رآه وثبَ فَرحاً به، ورمى عليه رداءه حتى بايعه. فثبتا على
نكاحهما ذلك(١).
وقال الواقدي(٢): حدّثني عبدالله بن يزيد الهُذَلَيّ، عن أبي حُصَيْن
الهُذليّ، قال: اسْتَقْرَض رسول الله وَ له من صفوان بن أُميّة خمسين ألف
درهم، ومن عبدالله بن أبي ربيعة أربعين ألفاً، ومن حُوَيْطِب بن عبد الغُزَّى
أربعين ألفاً، فقسمها بين أصحابه من أهل الضَّعْف. ومن ذلك المال بعث
إلى جَذِیمة .
وقال يونس، عن ابن شهاب، حدّثني عُروة، قال: قالت عائشة: إنّ
هِنْد بنت عُتْبة بن رَبيعة، قالت: يا رسولَ الله، ما كان مِمَّا على ظهرِ
الأرض (٣) أخباء أو خِباءٌ أحبَّ إليَّ أن يَذِلّوا من أهلِ خِبائكَ، ثم ما أصبح
اليومَ على ظهرِ الأرضِ أهلُ خباءٍ أحبَّ إليَّ أنْ يَعِزُّوَا من أهلِ خبائك. قال
رسول الله مٌَّ: ((وأيضاً، والذي نَفْسُ محمدٍ بيده)). قالت: يا رسول الله،
إنَّ أبا سفيان رجل مُمْسِكٌ - أو قالت: مِسِّيكٌ - فهل عليَّ من حَرَجِ أنْ أُطْعِم
مِنَ الذي له؟ قال: ((لا، إلا (٤) بالمَعْرُوف)». أخرجه البخاري(٥) .
وأخرجاه(٦)، من حديث شُعَيْب بن أبي حمزة، عن الزُّهري. وعنده:
فهل عليَّ حرجٌ أن أُطْعِم مِن الذي له عِيَالَنا. قال: لا عليك أنْ تُطعميهم
بالمعروف .
(١) مالك في الموطأ (١٥٦٥) و(١٥٦٨) برواية الليثي، ودلائل النبوة ٩٧/٥ - ٩٨.
(٢)
المغازي ٨٦٣/٢، ودلائل النبوة ٥ /٩٩.
ما هنا يوافق إحدى روايات مسلم .
(٣)
بياض في الأصل، وأثبتناه من هامش الأصل.
(٤)
البخاري ١٧٢/٣ و٤٩/٥ -٥٠ و٨٤/٧ و٨٢/٩، ومسلم ١٢٩/٥ ودلائل النبوة
(٥)
١٠٠/٥.
(٦) انظر الحديث السابق.
٣٧٩

وقال الفِرْيابي: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن أبي السَّفَر، عن ابن
عباس، قال: رأى أبو سفيان رسولَ الله ◌ِّ يمشي والناس يطؤون عَقِبه.
فقال في نفسه: لو عاودتُ هذا الرجلَ القتالَ. فجاءه رسول الله ◌ِّ حتى
ضربَ في صدره، فقال: إذاً يُخْزِيكَ اللهُ. قال: أتوبُ إلى الله وأستغفر
الله(١).
وروى نحوه، مُرْسلاً، أبو إسحاق السَّبيعي، وعبد الله بن أبي بكر بن
حزم.
وقال موسى بن أعْيَن، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهْري، عن ابن
المسيّب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة، لم يزالوا في تكبيرٍ وتَهْليلٍ
وطَوافٍ بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أتُريْ هذا من الله؟ ثم
أصبح فغدا إلى رسول الله مح له، فقال له: «قلتَ لهند أترين هذا من الله،
نعم، هذا من الله)). فقال: أشهد أنّك عبد الله ورسوله، والذي يَحْلِف به أبو
سفيان، ما سمعَ قولي هذا أحدٌ من الناسِ إلاّ الله وهند (٢).
وقال ابن المبارك: أخبرنا عاصم الأحْوَل، عن عكرمة، عن ابن
عباس: أقام رسول الله مَ لّه بمكة تسعة عشر يوماً، يصلّي ركعتين. أخرجه
البخاري
(٣) .
وقال حفص بن غياث، عن عاصم الأحول: سبعة عشر يوماً.
(٤)
صحیح (٤).
وقال ابن عُلَيّة: أخبرنا عليّ بن زيد، عن أبي نَضْرة، عن عِمْران بن
حُصَين: غزوتُ مع النبيّ ◌ِ ل#، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلّي إلا
ركعتين، يقول: يا أهلَ البلدِ صَلُّوا أربعاً، فإنّا سَفْرٌ. أخرجه أبو داود (٥).
عليّ ضعيف.
(١) ودلائل النبوة ١٠٢/٥.
(٢)
ودلائل النبوة ١٠٣/٥.
(٣)
البخاري ٥/ ١٩١، ودلائل النبوة ١٠٤/٥.
أخرجه أبو داود (١٢٣٢)، ودلائل النبوة ١٠٥/٥.
(٤)
أخرجه أبو داود (١٢٢٩)، ودلائل النبوة ١٠٥/٥ .
(٥)
٣٨٠