Indexed OCR Text

Pages 321-340

زيد بنَ حارثة. وقال: إنْ أصيب فجعفر، فإنْ أُصيب جعفر فعبدالله بن رَوَاحة،
فإنْ أصيب فلْيرتَضِ المسلمون رجلاً. فتهيّؤوا للخروج، وودّع النّاسُ أمراءَ
رسولِ الله ◌ِ ﴾. فبكى ابن رَواحة، فقالوا: ما يُبْكيكَ؟ فقال: أما والله ما بي
حبٌّ للدنيا، ولا صَبابةٌ إليها، ولكنّي سمعت الله يقول: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا ثَ﴾ [مريم]، فلستُ أدري كيف لي بالصَّدَرِ بعد الورود؟ فقال
المسلمون: صحِبَكُمُ الله وردّكم إلينا صالحين ودفع عنكم. فقال عبدالله بن
رواحة :
وضَربةً ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِف الزَّبَدَا(١)
لكنّني أسألُ الرّحمنَ مغفِرَةً
أو طَعْنَةً بَيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً
حتّى يقُولوا إذا مَرُوا على جَدَثي
بِحَرْبَة تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا
يا أرشدَ اللهُ مِنْ غازٍ وقد رَشَدَا
ثم إنَّه وَدَّعَ النَّبِيَّ وَّه وقال:
ثبّتَ(٢) اللهُ ما آتاكَ من حَسَنٍ
إنّي تَفرَّستُ فيك الخيرَ نَافِلةً
أنتَ الرسولُ فمن يُحْرَم نوافِلَهُ
تثبيتَ موسى، ونَصْرَأَ كالّذي نُصِرُوا
والله يعلمُ أنّي ثابت بَصِرُ
والوجْه منه فقد أزْرَى به القَدَرُ
ثم خرج القوم حتى نزلوا مَعَان (٣)، فبلغهم أنّ هِرَقْل قد نزل مآرب (٤) في
مئة ألفٍ من الروم، ومئة ألفٍ من المُسْتَعْرِبَة، فأقاموا بمَعَانَ يومين، وقالوا:
نبعث إلى رسول الله مَ﴿ بخبرهِ. فشجَّعَ النّاسَ عبدالله بن رواحة، فقال: يا
قوم، والله إنَّ التي تكرهون لَلَّتي خرجتم لها تَطلبون، الشَّهادة. وما نقاتل
النّاسَ بعدد ولا كَثْرَة، وإنّما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا اللهُ به، فإنْ يُظْهرُنا
الله به فربّما فعل، وإنْ تَكُنِ الأُخرى فهي الشهادة، وليست بِشَرِّ المنزلتين.
فقال النَّاسُ: والله لقد صدق فانشمر النّاسُ، وهم ثلاثة آلاف، حتى لقوا جموعَ
الرُّوم بقريةٍ من قُرى البَلْقاء يقال لها مشارف، ثم انحاز المسلمون إلى مُؤْتَة،
قرية فوق أحساء. وكانوا ثلاثة آلاف.
(١) أي: رغوة الدم. وذات فرع، أي: ذات سَعةٍ.
(٢)
في السيرة: ((فثبت)).
(٣) كتب على هامش الأصل: ((وأما مغان بالمعجمة فموضع قريب من المدينة)).
(٤) في الأصول: ((بمأرب)) وهو خطأ واضح.
تاريخ الإسلام ٢١٣/١
٣٢١

وقال الواقديّ(١): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن المَقْبُرِيّ، عن أبي هُريرة،
قال: شهدتُ مُؤْتَة، فلما رآنا المشركون(٢) رأينا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به من العدّة
والسلاح والكراع والدّيباج والذهب. فَبَرِق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: ما
لك يا أبا هريرة، كأنّك ترى جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم. قال: لم تشهد معنا
بدراً، إنّا لم نُنْصَر بالكَثْرة.
وقال المغيرة بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: أمَّرَ رسولُ اللهِ بَّهَ في غزوة مُؤْتَةَ زيدَ بنَ حارثة، فإنْ قُتِلَ
زيد فجعفر، وإنْ قُتِلَ جعفر فعبد الله بن رواحة. قال ابن عمر: كنتُ معهم،
ففتّشناه - يعني ابن رَواحة - فوجدنا فيما أقبلَ من جسده بضعاً وسبعين، بين
طعنةٍ ورَمْيَة .
وقال مُصْعَب الزُّبَيرِي وغيرُه، عن مُغِيرة: بضعاً وتسعين. أخرجه
البخاري(٣).
وقال الواقديّ (٤): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحَكَم، عن أبيه،
قال: جاء النُّعمان بن مَهْص (٥) اليهوديّ، فوقف مع النّاس. فقال النَّبيُّ ◌َّ:
((زيد بن حارثة أميرُ النّاس، فإنْ قُتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإنْ قُتِل
فعبد الله بن رَوَاحة، فإنْ قُتِلَ عبدالله فليرتضِ المسلمون رجلاً فليجعلوه
عليهم)). فقال النُّعمان: أبا القاسم، إنْ كنتَ نبيّاً، فسمَّيتَ من سَمَّيْت قليلاً أو
كثيراً أُصِيبوا جميعاً. إنّ الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجلَ على
القوم، فقالوا: إنْ أُصيب فلانٌ ففلان، فلو سمَّوا مئة أُصيبوا جميعاً. ثم جعل
اليهوديّ يقول لزيد: اعْهد، فلا ترجِعُ إنْ كان محمد نبيّاً. قال زيد: أشْهَد أنّه
نبيٌّ بارٌّ صادِق.
(١) المغازي ٢/ ٧٦٠، ودلائل النبوة ٤/ ٣٦٢.
هكذا في النسخ، وفي مغازي الواقدي: فلما رأينا المشركين.
(٢)
البخاري ١٨٢/٥، ودلائل النبوة ٣٦١/٤. وانظر المسند الجامع حديث (٨١٤٣).
(٣)
(٤)
المغازي ٧٥٦/٢، ودلائل النبوة ٣٦١/٤-٣٦٢.
(٥) هكذا في النسخ مجودة، وفي المطبوع من مغازي الواقدي: ((فنحص))، وإنما غيّر
محققه جونس الصواب بالخطأ، كما أشار في الحاشية .
٣٢٢

وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): كان على مَيْمَنة المسلمين قُطْبة بن قَتَادَة
العُذْريّ، وعلى الميسرة عَبَآيَة بن مالك الأنصاريّ. والتقى النّاس، فحدّثني
يحيى بن عَبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال: حدّثني أبي من الرّضاعة،
وكان أحد بني مُرَّة بن عَوْف، قال: والله لَكَأنّي أنظرُ إلى جعفر بن أبي طالب
يوم مُؤَّتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء فَعَقَرها ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِلَ .
قال ابن إسحاق: فهو أولَ من عقر في الإسلام، وقال جعفر:
يا حَبّذَا الجنَّةُ واقْترابُها
طيّبةً باردةً شَرابُها
عليَّ إنْ لاقيتُها ضِرابُها
والرّومُ روم قد دنا عذابُها
قلما قُتِلَ أخذ الرايةَ عبدالله بن رواحة.
حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر، عن عُرْوة، قال: أخذها عبدُالله بنُ
رَواحة فالتوى بها بعضَ الالتواءِ، ثم تقدّم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسَه
ویتردّد.
حدّثني عبد الله بن أبي بكر، أنّ ابن رَوَاحة قال عند ذلك:
طائعةً أو سوف تُكْرَهِنَّه
أقسمْتُ يا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ
ما لي أراك تَكْرَهين الجَنَّة
إنْ أجلبَ النّاسُ وشدّوا الرَّنَّهُ (٢)
هل أنتِ إلاّ نُطْفة في شَنَّهُ(٣)
يا طالما قد كنتِ مُطْمئِنَّهْ
ثم نزل فقاتل حتى قُتِل.
قال ابن إسحاق(٤): وقال أيضاً:
هذا حِمامُ الموتِ قد صلِيتِ
يا نفس إنْ لا تُقتلي تموتي
إِنْ تفعلي فِعلَهُما هُديتِ
وما تمنَّيتِ فقد أُعْطِتِ
وإنْ تأخّرتِ فقد شَقِيتِ
فلما نزل أتاه ابنُ عمِّ له بعَرْق لحم، فقال: شُدَّ بها صُلْبَك، فنهس منه
(١) ابن هشام ٣٧٨/٢، ودلائل النبوة ٣٦٢/٤ و ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) صوتُ ترجيع شبه البكاء.
(٣) أي: السقاء البالي.
(٤) ابن هشام ٣٧٩/٢ .
٣٢٣

نهسة، ثم سمع الحَطْمةَ(١) في ناحيةٍ، فقال: وأنتِ في الدنيا؟ فألقاهُ من يده.
ثم قاتل حتى قُتِل .
فحدّثني محمد بن جعفر، عن عُرْوة، قال: ثم أخذ الرايةَ ثابت بن أقرم،
فقال: اصطلحوا يا معشر المسلمين على رجل. قالوا: أنتَ لها. فقال: لا،
فاصطلحوا على خالد بن الوليد. فحاش (٢) بالنّاس، فدافع وانحاز وانْحِيزَ عنه،
ثم انصرف بالنّاس .
وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن حُمَيْد بن هلال، عن أنَس، قال:
نَعَى النّبِيّ ◌ِ﴾ جعفراً وزيدَ بنَ حارثة، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء
خبرهم، وعيناه تذرفان.
أخرجه البخاري(٣)، وزاد فيه: فَنَعَاهم، وقال: أخذ الراية زيد فأُصيب،
ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها ابن رَوَاحة فأُصيب. ثم أخذ الراية بعدَهم
سيفٌ من سيوف الله: خالد بن الوليد. قال: فجعل يحدّث النّاسَ وعيناه
تذرفان .
وقال سليمان بن حرب: حدثنا الأسود بن شَيْيان، عن خالد بن سُمَيْر،
قال: قدِم علينا عبدُالله بن رباح الأنصاريّ، وكانت الأنصار تُفَقّهه، فغشيه
النّاسُ، فغشيتُه فيمن غَشِيهُ من النّاسِ، فقال: حدثنا أبو قَتَادَة فارسُ رسولِ الله
وَثّر، قال: بعث رسولُ الله ◌َّ جيشَ الأمراء، وقال: ((عليكم زيد بن حارثة،
فإنْ أُصيب فجعفر، فإنْ أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة))، فوثب جعفر فقال:
يا رسولَ الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيداً عليَّ. قال: فامضٍ. فإنّك لا
تدري أيَّ ذلك خير. فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. فصعد رسول الله ◌َّ المنبرَ،
وأمر فَنُودي: الصلاةُ جامعة. فاجتمع النّاسُ إلى رسول الله بَّه فقال: ((أخبركم
عن جيشكم هذا: إنّهم انطلقوا فلقوا العدوَّ، فقُتِل زيدٌ شهيداً))، فاستغفر له.
ثم قال: ((أخذ اللواء جعفرٌ فشدَّ على القوم حتى قُتل شهيدا))، شهدَ له بالشهادةِ
واستغفر له. ((ثم أخذ اللواءَ عبدُالله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قُتِل شهيداً))،
أي: زحام الناس وحطم بعضهم بعضاً.
(١)
(٢)
حاش بهم: أحاز بهم.
البخاري ٥/ ١٨٢، ودلائل النبوة ٣٦٥/٤-٣٦٦.
(٣)
٣٢٤

فاستغفر له، ((ثم أخذ اللواءَ خالدُ بنُ الوليد، ولم يكن من الأمراء وهو أمَّر
نفسه))، ثم قال: اللَّهُمَّ إنّه سيفٌ من سيوفكَ، فأنت تنصُره)). فَمِنْ يومئذٍ سُمِّيَ
خالد ((سيف الله))(١).
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٢): بلغني أنّ رسول الله محل﴾ قال: ((أخذ
الرايةَ زيد فقاتل بها حتى قُتِل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قُتِل شهيداً))،
ثم صَمَتَ، حتى تغيَّرت وجوهُ الأنصار، وظنّوا أنه قد كان في عبد الله بعضُ ما
يكرهون. فقال: ((ثم أخذها عبدُالله بنُ رَوَاحة فقاتلَ بها حتى قُتِل شهيداً))، ثم
قال: ((لقد رُفِعُوا إلى الجنَّةِ فيما يَرى النَّائمُ على سُرُرٍ من ذهب. فرأيتُ في
سريرِ عبدالله ازْوٍراراً عن سريرَيْ صاحِبَيْهِ. فقلت: عَمَّ هذا؟ فقيل لي: مَضَيا
وتردَّد عبدُالله بعضَ الترُّدِ ثم مضى)).
وقال الواقديّ (٣): حدّثني عبدالله بن الحارث بن فُضَيْل، عن أبيه، قال:
لما أخذ خالد الراية: قال رسول الله وَله: ((الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ)).
قال(٤): فحدّثني العَطَّاف بن خالد، قال: لما قُتِلَ ابنُ رَوَاحة مساءً، بات
خالد، فلما أصبح غدا وقد جعل مُقدّمتَهُ سَاقَةً، وساقَتَه مقدِّمةً، وميمَنَتَه
مَيْسَرَةً، وميْسَرَتَهُ مَيْمَنَةً. فأنكروا ما كانوا يَعْرِفُونَ من راياتهم وهيئتهم، وقالوا :
قد جاءهم مَدَدٌ، فرُعِبُوا فانكشفوا منهزمين، فَقُتِلوا مَقْتَلةً لم يُقْتَلْها قومٌ .
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: سمعتُ خالد بن الوليد يقول:
لقد اندقَ في يدي يوم مُؤْتة تسعةُ أسيافٍ، فما بقيَ في يدي إلاّ صفيحةٌ يمانية.
(٥)
أخرجه البخاري
.
وقال الواقدي(٦): حدّثني محمد بن صالح التّمّار، عن عاصم بن عمر بن
قَتَادَة، أَنَّ النَّبيَّ نَّ قال: ((لمّا قُتِلَ زيدٌ أخذ الرايةَ جعفرٌ فجاءه الشيطان فحبَّبَ
إليه الحياةَ وكَرَّه إليه الموتَ ومَنَّهُ الدنيا، فقال: الآن حين استحكَمَ الإيمانُ في
(١) تاريخ الطبري ٤٠/٢-٤١، ودلائل النبوة ٣٦٧/٤-٣٦٨.
(٢)
ابن هشام ٢/ ٣٨٠.
المغازي ٧٦٤/٢، ودلائل النبوة ٣٦٩/٤-٣٧٠.
(٣)
(٤)
الواقدي في المغازي ٢ / ٧٦٤ .
البخاري ١٨٣/٥، ودلائل النبوة ٣٧٣/٤.
(٥)
(٦) المغازي ٧٦١/٢-٧٦٢، ودلائل النبوة ٣٦٩/٤.
٣٢٥

قلوب المؤمنين، تُمنِّيني الدنيا؟ ثم مضى قُدُماً(١) حتى استُشْهِدَ))، فصلّى عليه
ودعا له، وقال: ((استغفروا له، فإنَّه دخلَ الجنَّةَ وهو يطيرُ في الجنَّةِ بجناحين
من ياقوت حيث يشاءُ من الجنَّة)).
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعْبي أنّ ابن عمر كان إذا سلَّمَ على
عبدالله بن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجَنَاحَين. رواه البخاري(٢).
وقال عبدالوهاب الثقفي: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرتْني عَمْرة،
قالت: سمعتُ عائشة تقول: لما جاء قَتْلُ جعفر وابن حارثة وابنٍ رَوَاحة،
جلس رسولُ الله ◌َ ﴿ه في المسجد يُعرَف فيه الحُزْن، وأنا أطَّلِع من شَقّ الباب،
فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ نساء جعفر؛ وذكر بكاءهنَّ، فأمره أنْ
يَنْهاهنَّ. فذهب الرجلُ ثم أتى فقال: قد نَهيتُهنَّ. وذكر أنَّهُنَّ لم يُطِعْنَهُ، فأمره
الثانيةَ أنْ ينهاهُنّ، فذهب ثم أتى فقال: والله قد غَلَبْنَا. فزعمتْ أنّ رسولَ الله
وَّه قال: «فاحْثُ في أفواههنّ التُّراب». فقلت: أرغم اللهُ أنفَكَ، ما أنت
تفعل (٣)، وما تركتَ رسولَ اللهِ وَلَه من العَناء. أخرجاه عن محمد بن المثنّى،
عنه (٤).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٥): حدّثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم، عن
أم عيسى الجزّار، عن أمّ جعفر، عن جدّتها أسماء بنت عُمَيْس، قالت: لما
أُصيب جعفر وأصحابُه، دخل عليَّ رسولُ الله ◌ِ له وقد عجنت عجيني وغسلت
يَنِيَّ وَدَهَّنْتهم ونظّفتهم. فقال: ((ائتيني بيني جعفر)). فأتيتُهُ بهم، فشمَّهم،
فدمعت عيناه. فقلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي ما يُبْكيك؟ أَبَلَغَكَ عن
جعفر وأصحابه؟ فقال: ((نعم. أُصيبوا هذا اليوم)). فقمتُ أَصيحُ، واجتمع
(١) كتب على هامش الأصل: ((القُدُم بضمتين: الرجل الشجاع، ومضى قُدماً مثله لم
یعرج)).
(٢)
البخاري ١٨٣/٥، ودلائل النبوة ٣٧٢/٤ .
(٣)
ما هنا تعضده رواية البخاري .
البخاري ١٠٤/٢ و١٠٦ و١٨٢/٥، ومسلم ٤٥/٣ و٤٦، ودلائل النبوة ٤/ ٣٧٢.
(٤)
وانظر المسند الجامع حديث (١٦٣٧٦)، والسيرة لابن هشام ٣٨١/٢.
(٥) ابن هشام ٣٨٠/٢، ودلائل النبوة ٣٧٠/٤.
٣٢٦

الناسُ(١). فرجع رسولُ الله ◌ِّ إلى أهله، فقال: ((لا تُغْفِلوا آلَ جعفر أنْ
تصنعوا لهم طعاماً، فإنّهم قد شُغِلوا بأمر صاحبهم)).
قال ابن إسحاق: فسمعتُ عبدالله بنَ أبي بكر، يقول: لقد أدركتُ النّاسَ
بالمدينة إذا مات لهم مَيّتٌ؛ تكلّف جيرانُهم يومَهم ذلك طعامَهم؛ فَلَكَأنّي أنظر
إليهم قد خبزوا خُبزاً صِغاراً، وصنعوا لحماً، فيُجعل في جَفْنةٍ، ثم يأتون به
أهلَ الميّت، وهم يبكون على ميّتهم مُشتغلين فيأكلونه. ثم إنّ النّاس تركوا
ذلك .
فائدة: أخرج مسلم في صحيحه(٢)، من حديث عَوْف بن مالك، قال:
خرجتُ في غزوة مؤتة، فرافقني مَدَدِيٍّ من أهل اليمن، ليس معه غیر سیفه ..
فنحر رجلٌ جَزُوراً فسأله المَدَدِيّ(٣) طائفةً من جلده، فأعطاه فاتّخذه كهيئة
الدَّرَقة. ومضينا فلقينا جموعَ الروم، وفيهم رجلٌ على فَرَسٍ له أشقر وعليه
سرج مذهَّب وسلاح مُذهب، فجعل يَفْري بالمسلمين. وقعد لَّه المَدَدِيُّ خلف
صخرة، فمرَّ به الروميُّ فعرقبَ فرسه، فخرَّ وعلاه فقتله وحاز فَرَسَه وسلاحَه .
فأخذه منه خالد بن الوليد، فأتيتُهُ فقلت: أما عَلِمَتَ أَنَّ رسولَ الله ◌ِ لَ قضى
بالسَّلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكنّي استكثرتُه. قلت: لَتَرُدَنَّه أو لأُعَرِّفَنكَها عند
رسولِ الله ◌ِ له. قال: فاجتمعنا، فقصصتُ على رسولِ اللهِ مَّ القصَّةَ، فقال
لخالد: ((ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ))؟ قال: استكثرتُه. قال: ((رُدَّ عليه ذلك)).
فقلتُ: دونكَ يا خالد، ألم أقلْ لك؟ فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ما ذاك))؟ فأخبرتُه.
قال: فغضب وقال: ((يا خالد لا تَرُدَّه عليه. هل أنتم تاركو لي أُمرائي، لكم
صفوة أمرهم وعلیھم گَدْرُ)).
وقال الواقديّ (٤): حدّثني محمد بنٍ مسلم، عن يحيى بن أبي يَعْلَى، قال:
سمعت عبدالله بن جعفر يقول: أنا أحفظَ حين دخلَ رسولُ الله ◌َِّ على أُمِّي،
فَنَعَى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأسٍ أخي، وعيناه تهراقان
(١) في نسخة (ع): ((النساء)).
(٢) مسلم ١٤٩/٥، والمسند الجامع حديث (١٠٩٥٢).
(٣) المدديُّ والأمداد: هو الرجل أو الرجال أو الأعوان الذين جاؤوا يمدونهم بالمعونة .
(٤) المغازي ٧٦٦/٢-٧٦٧، ودلائل النبوة ٣٧١/٤ .
٣٢٧

الدموع، ثم قال: ((اللهم إنّ جعفراً قد قَدِمَ إليكَ إلى أحسن ثوابٍ، فاخلفه في
ذُرِّيته بأحسن ما خلفتَ أحداً من عبادك في ذُرِّيَّته)). ثم قال: ((يَا أسماء، ألا
أُبَشِّرُك))؟ قالت: بلى، بأبي أنتَ وأمي. قال: ((إنّ الله جعل لجعفر جناحَين
يطير بهما في الجنّة)). قالت: فأعلم النّاس ذلك. وذكر الحديث.
وقال الواقديّ(١): حدّثني سليمان بن بلال، قال: حدّثني عبدالله ابن
محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله، قال: أُصيب بها ناسٌ من المسلمين،
وَغَنِمَ المسلمون بعضَ أمتعة المشركين. فكان مما غنموا خاتمٌ جاء به رجلٌ
إلى رسولِ الله ◌َّه قال: قتلت صاحبه يومئذٍ، فَنَقَّلَه رسولُ الله ◌َلَه إيّاه.
وقال عَوْف بن مالك الأشجعيّ: لقيناهم في جماعةٍ من قُضَاعة وغيرهم
من نصارى العرب، فصافُّوا، فجعل رجلٌ من الروم يشتدّ على المسلمين،
فجعلتُ أقول في نفسي: مَن لهذا؟ وقد رافقني رجل من أمداد حِمْيَر، ليس
معه إلّ السيّق، إذ نحر رجلٌ جَزُوراً فسأله المَدِدِيُّ طائفةً من جِلْده، فوهبه
منه، فجعله في الشمس وأوتد في أطرافه أوتاداً، فلما جفَّ اتخذَ منه مقْبَضاً
وجعله دَرَقَةً. قال: فلما رأى ذلك المَدَدِيُّ فِعْلَ الرُّوميّ، كَمَنَ له خلف
صخرةٍ، فلما مَرَّ به خرج عليه فعرقب فرسه، فقعد الفرسُ على رِجليه وخرَّ عنه
العِلْجُ، فشدّ عليه فَعَلاه بالسيفِ فقتله.
قال: وحدّثني بُكَيْر بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه،
قال: حضرتُ مُؤْتَة فبارزني رجلٌ منهم، فأصبته وعليه بيضةٌ له فيها ياقوتة،
فأخذتها، فلما انكشفنا فانهزمنا رجعتُ إلى المدينة، فأتيتُ بها رسولَ الله
فَنَقَّلَنِيها، فبعتُها زمنَ عثمان بمئة دينار، فاشتريت بها حديقة نخلٍ .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن جعفر، عن
عُرْوة، قال: لما أقبل أصحاب مُوَّنة تلقّاهم رسولُ الله ◌َّ والمسلمون معه.
فجعلوا يحثون عليهم الثُّرابَ ويقولون: يا فُرَّار فَرَرْتُم في سبيلِ الله؟ فقال النّبيّ
وَه: (لَيْسُوا بالفُزَّار، ولكنّهم الكُرَّار إن شاء الله)).
فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، عن عامر بن عبدالله بن الزُّبَيْرِ، أنَّ أَمَّ سَلَمَة
(١) المغازي ٧٦٨/٢، ودلائل النبوة ٣٧٣/٤-٣٧٤.
(٢) ابن هشام٣٨٢/٢-٣٨٣، ودلائل النبوة ٣٧٤/٤-٣٧٥.
٣٢٨

قالت لامرأة سَلَمَةَ بن هشام بن المُغيرة: مالي لا أرى سَلَمَة يحضر الصّلاةَ مع
رسولِ الله وَ ل﴾؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلّما خرج صاح به النّاسُ:
يا فُرَّار، فَرَرْتُم في سبيل الله. وكان في غزوة مُؤْتّة .
وعن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيماً لعبدالله بن رَوَاحة في حِجْره، فخرج
بي في سَفَره ذلك، مُرْدِفي على حقيبة رَحْله، فَوَالله إنَّه لَيَسِيرُ إذْ سمعته ينشد
أبیاته هذه:
مَسِيرَة أربع بعد الحِسَاءِ
إذا أدْنَيْتِني وحملتِ رَحلي
ولا أرْجعْ إلَىّ أهلي وَرَائي
فشأنُكِ فانعمي وخَلاَكِ ذَمِّ
بأرضِ الشام مشهور الثَّواءِ
وآب المُسْلمونَ وغادرُوني
إلى الرحمن منقطع الإخاء
وردَّكِ كُّ ذِي نَسَبِ قريبٍ
ولا نَخْل، أسَافِلُها رِواءٍ
هنالك لا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ
فلما سمعتُهنّ بكيتٍ، فَخَفَقَنِي بِالدِّرَّة، وقال: ما عليك يا لُكَعِ أن يرزقني
الله الشهادةَ وترجع بين شُعْبَتَيْ الرَّحْلَ!
وقال عبدالملك بن هشام(١): حدّثني مَنْ أثق به أنّ جعفرًا أخذ اللواء
بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضُدَيْه حتى قُتل وهو ابن
ثلاثٍ وثلاثين سنة. فأثابه الله تعالى بذلك جناحَيْن في الجنّة يطيرُ بهما حيث
شاء. وروي أنّهم قتلوه بالرِّماح .
ترجمة جعفر بن أبي طالب(٢)
قلت: وكان جعفر من السّابقين الأوّلين، هاجر الهجرتين. قال له النَّبيُّ
وَله: (أشبهت خَلْقي وخُلُقي))(٣).
(١) ابن هشام ٣٧٨/٢.
(٢) كتبت على هامش الأصل.
(٣) أخرجه البخاري ٢١/٣ و٢٤١ و١٧٩/٥ وغيره من حديث البراء بن عازب، وأخرجه
أحمد ٢٣٠/١ من حديث ابن عباس، ومن حديث عبيدالله بن أسلم (٣٤٢/٤).
٣٢٩

وقال عِكْرِمة، عن أبي هريرة، قال: ما احْتَذى النِّعال ولا ركب
المطايا بعد رسولِ اللهِ يَّ أفضل من جعفر. وكُنَّا نُسمِّيه أبا
المساكين(١).
وقال مُجَالِد، عن الشَّعْبيّ، عن عبدالله بن جعفر، قال: ما سألتُ
عليّاً رضي الله عنه شيئاً بحقِّ جعفر إلاَّ أعطانيه .
وعن ابن عمر، قال: وجدت في مقدَّم جَسَد جعفر يوم مُؤْتَة
بضعاً وأربعين ضَرْبةً. ولما قَدِم جعفرٌ من الحَبَشَة عند فتح خيبر،
رُوي أنَّ النّبِيَّبَه اعتنقه وقال: ((ما أدري أنا أَسَرُّ بقدوم جعفر أو بفتح
خيبر؟))(٢).
وقال مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب،
عن الحَسَن بن سعد، عن عبدالله بن جعفر، قال: لما نعَى رسولُ الله
مَّ جعفراً أتانا فقال: أخْرِجوا إليَّ بني أخي. فأخرَجْنا أمّنا أُغَيْلِمَةً
ثلاثةً كأنّهم أَفْرُخ: عبدالله، وعَوْن، ومحمد.
ترجمة زيد بن حارثة (٣)
وأمَّا أبو أسامة زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكَلْبِيُّ حِبُّ رسولِ الله
وَّهُ وأوّل مَنْ آمن به من الموالي؛ فإنّه من كبار السابقين الأوّلين وكان
من الزُّماة المذكورين. آخى رسولُ الله ◌ِ لّ بينه وبين حمزة بن
عبدالمطّلب، وعاش خمساً وخمسين سنة، وهو الذي سمَّى اللهُ في
كتابه في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيِّدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب بنت
جَحْشِ: ﴿زَوَّجْتَكَهَا .. ﴾ [الأحزاب]. وكان المسلمون يدعونه زيد
ابن النّبِيِّ بَِّ حتى نزلت: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ .
[الأحزاب]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمَّ
(١) أخرجه أحمد ٤١٣/٢، والترمذي (٣٧٦٤)، والنسائي في فضائل الصحابة
(٥٤)، وانظر المسند الجامع حديث (١٤٨٣٢).
(٢) طبقات ابن سعد ٣٥/٤، والحاكم ٢١١/٣.
(٣) كتب على هامش الأصل.
٣٣٠

[الأحزاب]. وقال ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِنِ لَّمْ تَعْلَمُواْ
ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأَتُم بِهِ،
وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ جَ﴾ [الأحزاب].
روى عن زيدِ ابنُه أسامة وأخوه جَبَلَة .
واختلف في سِنِّه، فروى الواقديّ أنّ محمد بن الحَسَن بن أسامة
ابن زيد حدّثه، عن أبيه، قال: كان بين رسول الله ◌َ ﴾ه وبين زيد بن
حارثة عشْرُ سنين؛ رسول الله أكبر منه، وكان قصيراً شديد الأُدْمةِ(١)
أفْطَس .
قال محمد بن سعد (٢): كذا صِفَته في هذه الرواية، وجاءت من
وجهٍ آخر أنّه كان أبيض وكان ابنه أسود. ولذلك أُعجِب النّبيُّ
صَلى له
بقول مُجزِّز المُدلجي القائف: ((إنّ هذه الأقدام بعضُها من بعض)).
قلت: وعلى هذه الرواية أيضاً يكون عُمُرُه خمسين سنة أو
نحوها .
وقال أبو إسحاق السّبيعيّ: إنّ زيد بن حارثة أغارت عليه خيلٌ
من تِهامة، فوقع إلى خديجة فاشترته، ثم وَهَبَتْه للنّبِيّ ◌َّل. ويُروَى
أنّها اشترته بسبع مئة درهم.
وقال الزُّهْري: ما علمنا أحداً أسلم قبله .
وقال موسى بن عقبة: حدثنا سالم بن عبدالله، عن ابن عمر،
قال: ما كنّا ندعوا زيداً إلاّ زيدَ بن محمد. فنزلت: ﴿أَدْعُوهُمْ
لِأَّبَابِهِمْ ﴾ [الأحزاب](٣).
(١) الأدمة: السمرة الشديدة .
(٢) طبقات ابن سعد ٦٣/٤. وأخرجه الحميدي (٢٣٩) و(٢٤٠)، وأحمد ٣٨/٦
و٨٢ و٢٢٦، والبخاري ٢٢٩/٤ و٢٩/٢٥ و١٩٥/٨، ومسلم ١٧٢/٤،
وانظر المسند الجامع، حديث (١٧١٩٣).
(٣) أخرجه أحمد ٧٧/٢، والبخاري ١٤٥/٦، ومسلم ٧/ ١٣٠ و ١٣١، والترمذي
(٣٢٠٩) و(٣٨١٤)، وانظر المسند الجامع حديث (٨٢١١).
٣٣١

وقال يزيد بن أبي عُبَيْد عن سَلَمَةَ بن الأكْوَع قال: غزوتُ مع زيد
ابن حارثة سبع (١) غَزَوات، كان النّبيُّ بِّ يُؤَمِّره علينا. كذا رواه
الفسوي عن أبي عاصم عن یزید.
وقال ابن عُيَيْنَة: أخبرنا عبدالله بن دينار، سمع ابنَ عمر يقول:
إِنَّ رسول الله بَلَهُ أَمَّرَ أسامة على قوم، فطعن النَّاسُ في إمارته. فقال:
((إِنْ تَطْعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وأيْمُ الله إنْ كان
لَخَليقاً للإمارة، وإنْ كان لمن أحبِّ النّاس إليَّ وإنّ ابنه هذا لأحبّ
النّاسِ إليَّ بعده))(٢).
وقال ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن محمد بن
أسامة، عن أبيه، قال رسول الله وَ لَّ لأبي: ((يا زيد أنتَ مولاي ومنِّي
وإليَّ وأحبُّ القوم إليّ))(٣).
وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل، عن مجالد، عن عامر،
عن عائشة أنّها كانت تقول: ((لو أنّ زَيْداً كان حيّاً لاستخلفه رسولُ الله
(وَ ))(٤) .
ورواه محمد بن عُبَيْد مرَّةً أخرى، فقال: حدثنا وائل بن داود،
عن البَهيِّ، عن عائشة، قالت: ما بعث رسولُ اللهِ مَّل زيد بن حارثة
في جيشٍ قط إلّ أمَّره عليهم، ولو بقيَ بعده استخلفه(٥).
(١) يحتمل أنَّ الذهبي اختصره على عادته، وهو في البخاري ١٨٣/٥ و١٨٤
على الشكل الآتي: ((غزوت مع النبي بُ لّ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث
من البعوثات تسع غزوات، مَرَّةً علينا أبو بكر، ومرةً علينا أسامة))، وانظر
المسند الجامع (٤٩١٩).
(٢) أخرجه أحمد ٢٠/٢ و١١٠، والبخاري ٢٩/٥ و١٧٩ و١٩/٦ و١٦٠/٨
و٩١/٩، ومسلم ١٣١/٧، والترمذي (٣٨١٦). وانظر المسند الجامع حديث
(٨٢٠٨).
(٣)
أخرجه أحمد ٢٠٤/٥، وانظر المسند الجامع حديث (١٥٧).
أخرجه أحمد ٢٢٦/٦ و٢٥٤ و ٢٨١، وانظر المسند الجامع حديث
(٤)
(١٧٢٠٥).
(٥) تقدم تخريجه .
٣٣٢

وقال حسين بن واقد، عن عبدالله بن بُرَيْدة، عن أبيه، أنّ رسول
الله ◌ِّ، قال: ((دخلت الجنّة فاستقبلَتْني جارية شابة، فقلت: لمن
أنتِ؟ قالت: لزيد بن حارثة(١)).
إسنادَه حَسَن، رواه الرُّويَاني في مُسْنَدِه. ورواه حمّاد بن سَلَمَة
عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، يرفعه.
وقال حمّاد بن زيد، عن خالد بن سَلَمَة المخزومي، قال: أُصيب
زيد فَأَتَى النّبِيُّ ◌َّهِ منزلَهُ، فَجَهَشتْ بنتُ زيدٍ في وجهِ رسولِ الله ◌ِّ،
فبكى حتى انتحب. فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟
قال: ((شوقُ الحبيبِ إلى حبيبه))(٢).
[ترجمة ابن رَوَاحة](٣)
وأما عبدالله بن رَوَاحة بن ثعلبة الخَزْرَجيّ الأنصاريّ أبو عَمْرو،
أحد النُّقباء ليلة العَقَبَة، شهد بَدْراً والمشاهدَ، وكان شاعر النبي :
وأخا أبي الدَّرْداء لأُمِّه .
روى عنه أبو هُرَيرة، وابنُ أخته التُّعمان بن بشير، وزيد بن
أرقم، وأنَس قوله، وأرسل عنه جماعة من التّابعين. وقال الواقديّ:
كُنْيَتُه أبو محمد. وقيل: أبو رَوَاحة.
ورَوَتْ أمّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء قال: كُنَّا مع النَّبِّ ◌َ لَ في
السفر في يوم شديد الحَرّ، وما فينا صائمٌ إلّ رسول الله ◌َله وعبد الله
ابن رَوَاحة (٤).
وقال مَعْمَر، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال:
تزوَّج رجلٌ امرأةَ عبد الله بن رَوَاحة فقال لها: هل تدرين لِمَ تزوَّجْتك؟
(١) كنز العمال ٣٣٢٩٩ و٣٣٣٠٢.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٢/٣. كتب على هامش الأصل: ((هنيئاً له رضي الله عنه)).
(٣) إضافة مني للتوضيح.
(٤) البخاري ٤٣/٣ و٤٤، ومسلم ١٤٥/٣، وانظر المسند الجامع حديث
(١١٠٠٣).
٣٣٣

قالت: لا، قال: لتُخْبريني عن صنيع عبد الله في بيته. فذكرتْ له شيئاً
لا أحفظه، غيرَ أنّها قالت: كان إذا أراد أن يخرجَ من بيته صَلَّى
ركعتين، وإذا دخل بيته صلّى ركعتين، لا يَدَعُ ذلك أبداً.
وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَآءُ
يَشَبِعُهُمُ الْغَاؤُونَ ﴾﴾ [الشعراء]، قال ابن رَوَاحة: قد عَلِمَ اللهُ أَنِّي
منهم. فأُنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾﴾ [الشعراء] الآية .
وقيل هذا البيت لعبدالله بن رَوَاحة يخاطب زيد بن أرقم:
تطاوَلَ اللّيلُ هُدِيتَ فَانْزِلِ
يا زيدُ زِيدَ اليَعْمَلاتِ (١) الذُّبَّلِ
يعني : انزل فَسُقْ بالقوم.
وعن مُصْعَب بن شَيْبة، قال: لما نزل ابنُ رَوَاحة للقتال طُعِنَ
فاستقبل الدَّم بيده، فدلَكَ به وجهه. ثم صُرِعَ بين الصَّفَّيْن فجعل
يقول: يا معشر المسلمين ذُّوا عن لحم أخيكم. فكانوا يحملون حتى
يجوزونه. فلم یزالوا كذلك حتى مات مكانه.
وقال ابن وَهْب: حدّثني أسامة بن زيد اللَّيْئي، قال: حدّثني
نافع، قال: كانت لابن رَوَاحة امرأة وكان يَتَّقيها. وكانتْ له جاريةٌ
فوقعَ عليها، فقالت له وفَرِقَتْ أنْ يكونَ قد فعلَ فقال: سبحان الله .
قالت: اقرأ عليَّ إذاً، فإنَّكَ جُنُب. فقال:
شهدتُ بإذنِ الله أنَّ محمداً رسولُ الذي فوقَ السمواتِ من عَلُ
وإنّ أبا يحيى ويحيى كِلاهُما له عَمَلٌ من ربّه مُتَقَبَّلُ
وقد رُويا لحَسَّان.
وقال ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن سَلْمان، عن ابن الهاد، أنّ
امرأة عبدالله بن رَوَاحة رأته على جاريةٍ له فجحدها. فقالت له:
فاقرأ. فقال :
وأنَّ النَّار مَثْوَى الكافرينا
شهدتُ بأنَّ وَعْدَالله حقٌّ
وفوقَ العرشِ ربُّ العَالَمِينا
وأنَّ العرشَ فوق الماءِ طافٍ
(١) جمع يعملة، وهي الناقة السريعة القوية. والذبل: الضامرة.
٣٣٤

وتحمِلُهُ ملائكةٌ كِرامٌ ملائكةُ الإلهِ مُقَرَّبِينا
فقالت: آمنْتُ بالله وكذَّبتُ البصَرَ. فحدّث ابنُ رَوَاحَةَ النَّبِيَّ وَه
فضحك .
وقال موسى بن جعفر بن أبي كثير: حدثنا عبد العزيز الماجشُون،
عن الثّقة أنّ ابن رَوَاحة اتّهَمتْه امرأته. فذكر القصّة.
وقال ابن إسحاق: لم يُعْقِب ابن رواحة.
واسْتُشْهِدَ بموْتَةٍ (١) :
عبّاد بن قيس الخَزْرَجي؛ أحدُ من شهِد بدْراً، والحارث بن
الثُّعمان ابن أُساف النَّجاري، ومسعود بن سُوَيَّد بن حارثة الأنصاريّ،
ووهْب بن سعد بن أبي سرح العامريّ، وزيد بن عُبَيْد بن المُعَلَّى
الخَزْرَجيّ؛ الذي قُتِلَ أبوه يوم أُحُد، وعبد الله بن سعيد بن العاص بن
أُميّة الأموي، وقيل: قُتِل هذا يوم اليمامة، وأبو كلاب، وجابر ابنا
أبي صعصعة الخزرجيّ رضي الله عنهم.
ذكر رُسُل النَّبي
صلى الله
عالية
وسلم
ـتِـ
وفي هذه السنة كتب النّبيّ مَّة إلى ملوك النَّواحي يدعوهم إلى الله
تعالى .
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن أنس، أنّ رسول الله مَله
كتب قبل موته إلى كِسْرَى، وإلى قيصر، وكتب إلى النَّجاشيّ، يعني
الذي مَلَكَ الحبشةَ بعد النَّجاشيِّ المسلم، وإلى كلِّ جبّارٍ يدعوهم إلى
الله عَزَّ وجل. رواه مسلم(٢) .
وليس في هذا الحديث أنّ النّبيَّ بَّ كتب إلى النَّجاشيّ الثاني
(١) ابن هشام ٣٨٨/٢-٣٨٩.
(٢) مسلم ١٦٦/٥، ودلائل النبوة ٣٧٦/٤. وهو عند أحمد ١٣٣/٣، والترمذي
(٢٧١٦)، وانظر المسند الجامع ٢٨٤/٢، حديث (١٢٢٧).
٣٣٥

يدعوه إلى الله في هذه السنة. بل ذلك مَسْكوتٌ عنه، وإنّما كان ذلك
بعد النّجاشي الأول المسلم وموته، كما سيأتي في سنة تسع. والله
أعلم.
وقال إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب،
عن عُبَيْدالله بن عبدالله، عن ابن عبّاس أنّه أخبره أنّ رسول الله
كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام. وبعث بكتابه إليه مع دِحْية
الكَلْبِيّ، وأمره رسول الله بَّ أن يدفعه إلى عظيم بُصْرَى ليدفعه إلى
قيصر. فدفعه عظيم بُصْرَى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه
جنودَ فارس، مشى من حمص إلى إيلياء شُكْراً لما أبلاه الله تعالى .
فلما أنْ جاء قيصرَ كتابُ رسولِ الله ◌ِّ، قال حين قرأه: التمسوا لي
هاهنا أحداً من قومه لنسألهم.
قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سُفيان أنّه كان بالشام في رجالٍ من
قريش قَدِمُوا للتجّارة، في المدة التي كانت بين رسولِ اللهِ صَل وبين
كُفّار قريش .
قال أبو سُفيان: فَوَجَدَنا رسولُ قيصرَ ببعض الشام، فانطلق بنا
حتى قَدِمنا إيلياء، فأدخِلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلسه وعليه
التَّاجُ، وحوله عُظماء الروم، فقال لترْجُمَانه: سَلْهُمْ أَيُّهُم أقرب نَسَبَاً
من هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ؟ قلتُ: أنا أقربهم إليه نَسَباً. قال:
ما قرابةُ ما بينك وبينه؟ قلت: هو ابن عَمِّي. قال: وليس في الرَّكْب
يومئذٍ أحدٌ من بني عبدمَناف غيري، قال: أدْنُّوه مني. ثم أمر
بأصحابي فجعلهم خلف ظَهْري، عند كتفي، ثم قال لترْجُمانه: قل
لأصحابه إنّ سائلَه عن هذا الذي يزعم أنّه نبيٌّ، فإنْ كذب فكذِّبوه.
قال أبو سُفْيان: والله لولا الحياء يومئذٍ أن يأثر عنّي أصحابي
الكذِبَ لكذبته عنه. ثم قال لترجمانه: قل له كيفَ نَسَبُ هذا الرجل
فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نَسَب. قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ منكم
قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أنْ يقولَ ما
قال؟ قلت: لا. قال: فهل من آبائه مِنْ مَلَكَ؟ قلت: لا. قال:
٣٣٦

فأشرافُ الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال:
فيزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحدٌ سخطةً
لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يَغْدرُ؟ قلت: لا.
ونحن الآن منه في مدّة ونحن نخاف منه أن يغدر؛ ولم يُمْكِنِّي كلمةً
أُدخلُ فيها شيئاً أتَنَقصُه بها، لا أخاف أن تُؤثر عنّي غيرُها. قال: فهل
قاتلتموه وقاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قلت:
كانت دُوَلاً وسِجالاً، يُدالُ علينا المرّة ويُدال عليه الأخرى، قال:
فماذا يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبدالله وحده، ولا نُشرك به شيئاً،
وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصِّدْق والعَفَاف
والوفاء بالعهد وأداء الأمانة .
قال: فقال لترجُمانه قلْ له: إنّي سألتك عن نَسَبه فيكم، فزعمت
أنّه ذو نَسَبٍ، وكذلك الرُّسَلُ تُبعث في نَسَب قومها. وسألتك: هل
قال هذا القُولَ أحدٌ قبله، فزعمتَ أنْ لا، فقلت: لو كان أحدٌ منكم
قال هذا القولَ قبله لقلت: رجلٌ يأتمُّ بقولٍ قد قِيلَ قَبْلَه. وسألتك:
هل كنتم تتّهمونه بالكذِبِ قبل أنْ يقول ما قال، فزعمتَ أنْ لا،
فعرفت أنّه لم يكن لِيَدَعَ الكذِبَ على النّاس ويكذبَ على الله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فزعمت أنْ لا، فقلت: لو كان
من آبائه ملكٌ قلتُ: رجلٌ يطلب مُلْك آبائه. وسألتك: أشرافُ النّاس
يتبعونه أو ضعفاؤهم، فزعمت أنّ ضعفاءَهم اتّبعوه، وهم أتباع
الرُّسُل. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون، فزعمتَ أنّهم يزيدون،
وكذلك الإيمانُ حتى يتمّ. وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ سخطةً لدينه بعد
أن يدخلَ فيه، فزعمت أنْ لا، وكذلك الإيمانُ حين تخالط بشاشته
القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر، فزعمت أنْ لا،
وكذلك الرُّسُل لا يغدرون. وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم، فزعمت
أَنْ قد فعل، وأنّ حربكم وحربه يكون دُولاً، وكذلك الرسل تُبْتَلى
وتكون لها العاقبة. وسألتك ماذا يأمركم به، فزعمت أنّه يأمركم أنْ
تعبدوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئاً وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم
يخ الإسلام ١/م٢٢
٣٣٧

بالصّلاة والصِّدق والعَفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفةٌ
نبيّ، قد كنتُ أعلمُ أنّه خارج، ولكن لم أظنّ أنّه منكم؛ وإنْ يكن ما
قلتَ حقاً فيوشك أنْ يملكَ موضعٍ قَدَمَيَّ هاتين، ولو أرجوا أن أخلص
إليه لتَجِشَّمْتُ لُقِيَّهُ، ولو كنت عنده لَغَسَلْتُ قَدَمْيه. قال: ثم دعا
بكتاب رسول الله وَّل وأمر به فقُرىء فإذا فيه:
((بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبدالله ورسوله إلى
هِرَفْل عظيم الروم:
سلامٌ على منِ اتَّبع الهُدَى. أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية
الإسلام، أسلِم تَسْلَم، وأسْلِم يُؤْتِك الله أجْرَك مرَّتين. وإن تولَّيت
فعليك إثم الأَريسيِّينَ(١). و: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ
اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ جَ﴾ [آل عمران].
قال أبو سُفْيان: فلمّا أنْ قضى مقالَتَه عَلَتْ أصواتُ الذين حوله
من عظماء الروم وكَثُرَ لَغَطْهُمْ، فلا أدري ما قالوا، وأمر بنا فأُخْرِجنا.
فلما أنْ خرجتُ مع أصحابي وَخَلوْتُ بهم قلتُ لهم: لقد أَمِرَ(٢) أَمْرُ
ابن أبي كَبْشَة؛ هذا ملِك بني الأصفر يخافه .
قال أبو سُفْيان: ووالله ما زلت ذليلاً، مستيقناً بأنّ أمره سيظهر
حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كارِةٌ. أخرجاه(٣) من
حديث إبراهيم (٤).
وأخرجاه من حديث مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُبَيْد الله، عن ابن
عبّاس أنّ أبا سُفْيان حدَّثه، قال: انطلقتُ في المدّة التي كانت بيني
وبين رسول الله (وَ له؛ فبينا أنا بالشّام. فذكر كحديث إبراهيم(٥).
(١) الأريسيون: فرقة من فرق النصارى.
(٢) كتب على هامش الأصل: أمِرَ، أي: كَبُرَ.
(٣) البخاري ٤/١-٨ ٥٤/٤-٥٧، ومسلم ١٦٣/٥، ودلائل النبوة
٣٧٧/٤-٣٧٨ .
(٤) هو: إبراهيم بن حمزة .
(٥) البخاري ٤٣/٦، ومسلم ١٦٣/٥، ودلائل النبوة ٣٨٠/٤-٣٨١.
٣٣٨

ورواه يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١)، عن الزُّهري بسَنَدِه.
وفيه قال أبو سُفْيان: فلما كانت هدنة الحُدَيْبية بيننا وبين النّبِيِّ بَّه
خرجتُ تاجراً إلى الشام. فَوَالله ما علمت بمكةَ امرأةً ولا رجلاً إلّ قد
حمّلني بضاعةً. فقدِمْتُ غزّة، وذلك حين ظهر قَيْصر على مَن كان
ببلاده من الفرس، فأخرجهم منها. ورُدَّ عليه صليبهُ الأعظم، وكانٍ
منزله بحمص فخرج منها متشكراً إلى بيت المقدس، تُبْسَط له البُسُطُ
وتُطرح له عليها الرَّياحين. حتى انتهى إلى إيلياء، فصلّى بها. فأصبح
ذات غداة مهموماً يقلّب طَرْفَه إلى السماء، فقالت له بَطَارِقَتُه: أيّها
الملك، لقد أصبحت مهموماً. فقال: أجل. قالوا: وما ذاك؟ قال:
أُرِيتُ في هذه اللّيلةِ أنَّ مَلِكَ الخِتَان ظاهر. فقالوا: والله ما نعلم أمّةً
من الأمم تختتن إلاّ يهود، وهم تحت يدك وفي سلطانك، فإنْ كان
قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعثْ في مملكتك كلّها فلا يبقى
يهوديٌّ إلّ ضربت عنقه فتستريح من هذا الهمّ.
فبينما هم في ذلك؛ إذ أتاهم رسولُ صَاحب بُصْرَى برجلٍ من
العرب قد وقع إليهم. فقال: أيّها الملك هذا رجلٌ من العرب من أهل
الشاء والإبل، يحدّثك عن حَدَثٍ كان ببلاده، فَسَلَّه عنه. فلما انتهى
إليه قال لترجمانه: سَلَّه ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله
فقال: هو رجل من قريش خرج يزعمُ أنّه نبيٌّ، وقد تبعه أقوامٌ وخالفه
آخرون، فكانت بينهم ملاحم، فقال: جرِّدوه. فإذا هوٍ مختون فقال:
هذا والله الذي أُرِيت، لا ما تقولون. ثم دعا صاحب شرطته فقال له :
قلِّب لي الشامَ ظَهْراً وبطناً حتى تأتي برجلٍ من قوم هذا أسأله عن
شأنه. فوالله إنّ وأصحابي لَبِغَزَّةَ إذ هجم علينا فسألنا: ممّن أنتم؟
فأخبرناه. فساقنا إليه جميعاً. فلما انتهينا إليه - قال أبو سفيان: فوالله
ما رأيت من رجل قطّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف (٢) - يعني
هِرَقْل ـ فلما انتهينا إليه قال: أيّكُمْ أمَسُّ به رَحِماً؟ فقلت: أنا. قال:
(١) دلائل النبوة ٣٨١/٤-٣٨٣.
(٢) أي: الذي لم يُخْتَن.
٣٣٩

أدْنُوه. وساق الحديث، ولم يذكر فيه كتاباً. وفيه كما ترى أشياء
عجيبة ينفردُ بها ابن إسحاق دونَ مَعْمَر وصالح .
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني الزُّهْري، قال: حدّثني
أُسْقُفٌ من النَّصارَى قد أدرك ذلك الزمان، قال: لما قَدِمَ دِحْيَةُ بن
خليفة على هِرفْل بالكتاب، وفيه :
((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هِرَقْل عظيم
الروم: سلامٌ على من اتَّبع الهُدى. أمّا بعد؛ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ
يُؤْتَك الله أجرَك مرَّتين، فإنَّ أبيتَ فإنّ إثم الأكّارين(١) عليك)).
فلما قرأه وضعه بين فَخِذِه وخاصرته، ثم كتب إلى رجلٍ من أهل
رومية، كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يخبره عمّا جاءه من رسول الله
بَلَ فكتب إليه أنّه النّبيُّ الذي يُنتظر لا شكَّ فيه فاتّبعه. فأمر بعظماء
الروم فجُمِعوا له في دَسْكَرَة مُلْكه، ثم أمر بها فأُشْرِجت(٢) عليهم،
واطّلع عليهم من عِلَّيّةٍ له، وهو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنّه
قد جاءني كتاب أحمد، وإنّه والله للنَّبيُّ الذي كنّا ننتظرُ ونجدُ ذِكْرَهُ في
كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه. فأسْلِموا واتّبعوه تَسْلَم لكم دنياكم
وآخرتكم. فنخروا نخرة رجلٍ واحد، وابتدروا أبوابَ الدَّسْكَرة،
فوجدوها مُغْلَقَةً دونهم. فخافَهم، فقال: رُدُّوهم عليَّ. فكُّوهم
عليه، فقال: إنّما قلتُ لكم هذه المقالةَ أغمزكم بها لأنظر كيف
صلابتكم في دِينكم، فقد رأيتُ منكم ما سَرَّني. فوقعوا له سُجَّداً، ثم
فُتِحَت لهم الأبوابُ فخرجوا(٣).
وقال ابن ◌َهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوة، قال: خرج أبو
سفيان تاجراً وبلَغْ هِرَقْل شأنُ النّبِيّ بَّ. قال: فَأُدْخِل عليه أبو سُفيان
في ثلاثين رجلاً، وهو في كنيسة إيلياء. فسألهم فقالوا: ساحر
(١) جمع أكّار، وهو الريفي الذي يحرث الأرض ويزرعها.
(٢) كتب على هامش الأصل: ((أي: أُغلقت)).
(٣) دلائل النبوة ٣٨٤/٤. وانظر البخاري ٦/١-٨، وأحمد ٤٤١/١ و٤٤٢ و
٠٧٤/٤
٣٤٠