Indexed OCR Text
Pages 261-280
النّار إنْ شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتِها أحدٌ)). قالت: بلى
يا رسول الله، فانْتَهَرها، فقالَت: ﴿وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾﴾ [مريم]، فقال:
قد قال تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُنَّجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا جِئِيًّاجَ﴾ [مريم].
أخرجه مسلم(١).
قرأت على عبدالحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبدالقادر،
والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبدالأول بن عيسى، قال: أخبرنا
محمد ابن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شُرَيْح، قال: حدثنا
أبو القاسم البَغَوِي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاءً، سنة سبع وعشرين
ومئتين، قال: أخبرنا اللَّيْث بن سعد، عن أبي الزُّبَيْر المكّي، عن جابر بن
عبدالله قال: قال رسول الله مَله: ((لا يدخل أحدٌ ممّن بايع تحتَ الشجرة
النّار)). أخرجه النَّسائيّ(٢).
وقال قُتَيْبَة: حدثنا اللَّيْث، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، أنّ عبداً لحاطب
ابن أبي بَلْتَعَة جاء رسولَ الله ◌ِّ له يشكو حاطباً؛ قال: يا رسول الله ليدخلنّ
حاطب النّار. فقال رسول الله بَّه: ((كذبتَ لا يدخلها، فإنّه شهد بدراً
والحُدَيْبية))(٣) .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٤): حدّثني الزُّهْري، عن عُرْوَة،
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان في قصّة الحُدَيْبية؛ قالا: فدعت قريش
سُهَيْلِ بنَ عَمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تَكونَنَّ في
صُلْحِه إلّ أنْ يرجع عنّا عامَهُ هذا، لا تحدّث العربُ أنّه دخلها علينا عَنْوَةً.
فخرج سُهَيْل من عندهم، فلما رآه رسول الله ◌َّ مقبلاً، قال: ((قد أراد القوم
الصُّلْحَ حين بعثوا هذا الرجل)). فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما
(١) مسلم ١٦٩/٧، ودلائل النبوة ١٤٣/٤. وانظر المسند الجامع حديث (١٧٧٥١).
(٢) النسائي في فضائل الصحابة ١٩١، ومسلم ١٦٩/٧، وأحمد ٣٢٥/٣ و ٣٤٩
و٣٥٠، والترمذي (٣٨٦٠) و(٣٨٦٤)، وانظر المسند الجامع (٢٨٩٩) و(٢٩١٤).
(٣) دلائل النبوة ٤ / ١٤٤.
(٤) ابن هشام ٣١٦/٢، ودلائل النبوة ١٤٥/٤.
٢٦١
عشر سنين، وأنْ يخلُّوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثاً،
وأنه لا يدخلها إلاّ بسلاح الراكب والسيوف في القُرُب، وأنّه مَنْ أتانا من
أصحابك بغير إذْنِ ولِيِّه لم نردّه عليك، ومَن أتاك منّا بغير إذنٍ وليِّه ردَدْتَه
علينا، وأنّ بيننا وبينك عَيْبَةً مكفوفة، وأنه لا إسلالَ ولا إغلالَ. وذكر
الحديث(١).
الإسلال: الخفية، وقيل الغارة، وقيل: سلّ السيوف والإغلال:
الغارة .
وقال شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: لما صالح رسول الله
: مشركي مكّة كتب بينهم كتاباً: «هذا ما صالحَ عليه محمدٌ رسولُ الله)).
قالوا: لو علِمنا أنّك رسولُ الله لم نُقاتلْكَ. قال لعليٍّ: ((امْحُه)). فأبى،
فمحاه رسولُ الله مَّل بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله.
واشترطوا عليه أنْ يقيموا ثلاثاً، وأنْ لا يدخلوا مكة بسلاح إلاّ جُلُبّان
السلاح، يعني السيف بِقِرابه. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنَس نحوَه أو قريباً منه. أخرجه
(٣)
مسلم(٣).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق، حدّثني بريدة بن سُفيان، عن
محمد بن كعب أنّ كاتب رسول الله وَّيه للصلح كان عليّاً رضي الله عنه،
فقال رسول الله وَ ل﴿ اكتب: ((هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سُهَيْل بنَ
عَمْرو)). فجعل عليّ يتلكأ ويأبى أنْ يكتب إلاّ: محمد رسول الله. فقال
رسول الله مَّ: ((اكتب، فإنّ لك مثلها تُعطيها وأنت مُضْطهد))، فكتب: هذا
ما صالح عليه محمد بن عبدالله (٤).
(١) انظر طرق الحديث في المسند الجامع حديث (١١٤٢٥).
(٢) البخاري ٢٠٦/٢ و١١/٣ و٢٤١ و٢٤٦ و٢٥٢ و١٥٧/٥ و١٦١، ومسلم
١٧٤/٥، ودلائل النبوة ٤ / ١٤٦ .
(٣) مسلم ١٧٤/٥، ودلائل النبوة ١٤٦/٤ - ١٤٧.
(٤) دلائل النبوة ٤ / ١٤٧ .
٢٦٢
وقال عبدالعزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل،
قال: قام سهل بن حنيف يوم صِفِّين فقال: أيّها النّاس اتّهموا أنفسكم، لقد
كنّا مع رسول الله وَّه يوم الحُدَيْبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا. فأتى عمر فقال:
ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة
وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: ففيم نُعطي الدَّنِيَّة في أنفسنا ونرجع
ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب، إنّ رسول الله ولن
يضيّعني الله، فانطلق متغيّظاً إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله وَ الچ،
ونزل القرآن، فأرسل النّبيّ بَّه إلى عمر فأقرأه إيّاه. فقال: يا رسول الله، أوَ
فَتْحٌ هو؟ قال: نعم، فطابت نفسُه ورجع. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢)، عن الزُّهْرِي، عنِ عُرْوَة، عن
المِسْوَرَ، ومروان، قالا: خرج رسول الله مَّل من عند أمّ سَلَمَة فلم يكلّم
أحداً حتى أتى هَدْيَه فنحر وحَلَقَ. فلما رأى النّاس ذلك قاموا فنحروا وحلق
بعض وقصّر بعض. فقال رسول الله وَليّ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ للمحلِّقين)». فقيل : یا
رسول الله والمقصِّرين؟ فقال: ((اغفر للمحلّقين))، ثلاثاً. قيل يا رسول الله
وللمقصّرين؟ قال: ((وللمقصّرين)).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني عبدالله بن أبي نَجيح، عن
مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قيل له لِمَ ظاهر رسول الله ◌َّ للمحلّقين
ثلاثاً وللمقصّرين واحدة؟ فقال: إنّهم لم يشكُّوا.
وقال يونس - هو ابن بُكَيْر -، عن هشام الدَّسْتُوائيّ، عن يحيى بن أبي
كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حَلَقَ أصحاب رسول الله
مَ اللّه
يوم الحديبية كلّهم غير رجلَين؛ قصَّرا ولم يَحلِقا(٤).
أبو إبراهيم مجهول.
(١) البخاري ١٢٥/٤ و١٧٠/٦، ومسلم ١٧٥/٥، ودلائل النبوة ١٤٨/٤. وانظر المسند
الجامع حديث (٥٠٦٤) ..
(٢) دلائل النبوة ٤/ ١٥٠ - ١٥١.
(٣) دلائل النبوة ٤ /١٥١.
(٤) دلائل النبوة ٤ / ١٥١.
٢٦٣
وقال ابن عُيَيْنَة، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن وهب بن عبدالله بن قارب،
قال: كنت مع أبي، فرأيت رسولَ الله ◌ِّلل يقول: ((يرحم الله المحلّقين)). قال
رجل: والمقصّرين يارسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: ((والمقصّرين))(١).
وقال يحيى بن أبي بُكَيْر، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا
محمد بن عبدالرحمن، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: نُحِرَ
يوم الحُدَيْبية سبعون بَدَنَةً فيها جمل أبي جهل، فلما صُدَّتْ عن البيت حثَّت
كما تحنّ إلى أولادها(٢).
ويُرْوَى عن ابن عباس، أنّ النّبيّ ◌ِّ أهدى في عُمْرة الحُدَيْبية جملاً كان
لأبي جهل، في أنفه بُرَةٌ من ذَهَب أهداه ليغيظ به قريشاً(٣) .
وقال فُلَيْح بن سُليمان، عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله ◌ِصَ لّ خرج
مُعْتمراً، فحال كفَّارُ قريش بينه وبين البيت، فنحر هذْيَه وحلق رأسَه
بالخُدَيْبية، وقاضاهم على أن يعتمر العامَ المقبِل، ولا يحمل سلاحاً عليها
إلّ سيُوفاً، ولا يقيم بها إلاّ ما أحبّوا، فاعتمر من العَام المقبل، فدخلها كما
صالحهم. فلما أنْ أقام بها ثلاثاً، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه
(٤)
وقال مالك عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: نحرنا بالخُدَيْبية البَدَنَة عن
سبعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ. رواه مسلم (٥) .
البخاري (٤).
نزُولُ سُورَة الفَتْحِ
قال مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنّ رسولَ الله مَلٍ كان يسير في
بعض أسفاره، وعمر معه ليلاً. فسأله عمر عن شيءٍ فلم يُجِبْه، ثم سأله فلم
(١) دلائل النبوة ٤ / ١٥١.
(٢) دلائل النبوة ٤/ ١٥٢.
ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ودلائل النبوة ١٥٢/٤. والبرة: حلقة تكون في أنف البعير.
(٣)
(٤) البخاري ٢٤٣/٣ و١٨٠/٥، ودلائل النبوة ١٥٢/٤.
(٥) مسلم ٨٧/٤ و ٨٨، وانظر المسند الجامع حديث (٢٤٥٣).
٢٦٤
يُجِبْه، ثم سأله فلم يُجبه، فقال عمر: ثكِلَتْكَ أمّك، نَزَرْتَ(١) رسول الله
وَّهِ، قال: فحرّكتُ بعيري حتى تقدّمت أمامَ النّاسِ وخشيتُ أنْ ينزلَ فيَّ
قرآنٌ، فلم أنشب أنْ سمعتُ صارخاً يصرخ، قال: قلت: لقد خشيتُ أن
يكون نزِل فيَّ قُرْآن، فجئتُ رسولَ اللهِوَ لَ فَسلَّمتُ عليه، فقال: ((لقد أُنْزِلَتْ
عليَّ اللّيلة سورةٌ هي أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس))، ثم قرأ: ﴿إِنَا فَحْنَا
لَكَ فَتْحًا مُبِينًاثَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح]. أخرجه
البخاري(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن عبدالرحمن المسعودي، عن جامع بن شدّاد،
عن عبدالرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود؛ قال: لما أقبل رسول الله
وَّ من الحُدَيْبية، جعلتْ ناقتُه تثقل، فتقدّمنا، فأُنزِل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
◌ُبِينًاثَ﴾(٣).
وقال شُعْبة، عن قَتَادَة، عن أنسِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ٠َ﴾، قال:
فتح الحُدَيْبية، فقال رجل: هنيئاً مريئاً يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟
فَأُنْزِلَت: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍثَ﴾ [الفتح].
قال شعبة: فقدِمتُ الكوفةَ فحدَّثْتُهم عن قَتَادَة، عن أنس، ثم قدِمتُ
البصرةَ فذكرت ذلك لِقَتَادَة، فقال: أمّا الأول فعن أنَس، وأمّا الثاني:
﴿ لَيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾، فعن عِكْرِمة، أخرجه البخاري(٤).
وقال همّام: حدثنا قَتَادَة، عن أنس، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا﴾ إلى آخر الآية على رسول الله بَّه مرجعه من الحُدَيْبية، وأصحابه
مخالِطُو الحُزْن والكآبة، فقال: ((نزلت عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ من الدنيا)).
فلما تلاها قال رجل: قد بيّنَ اللهُ لكَ ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأُنزِلت
(١) كتب على هامش الأصل: ((أي: ألححت)).
(٢) البخاري ١٦٠/٥-١٦١ و٢٣٢/٦، ودلائل النبوة ١٥٤/٤ - ١٥٥. وانظر المسند
الجامع حديث (١٠٦٠٣).
(٣) دلائل النبوة ٤/ ١٥٥ .
(٤) البخاري ١٦٠/٥، ودلائل النبوة ٤ / ١٥٧ - ١٥٨.
٢٦٥
التي بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾. أخرجه
مسلم(١).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢)، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن
المِسْوَرَ، ومروان قالا في قصّة الحُدَيْبية: ثم انصرف رسول الله مَّ﴾ راجعاً،
فلما أنْ كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورةُ الفتح. فكانت القصة في
سورة الفتح وما ذكر الله من بيعه الرضوان تحت الشجرة. فلما أمِن النّاس
وتفاوضوا، لم يُكلّم أحدٌ بالإسلام إلاّ دخل فيه. فلقد دخل في تَينك
السنّتَيْن في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك. وكان صُلْح الحُدَيبية فتحاً
عظيماً .
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة؛ قالوا: وأقبل رسول الله
وَلخير من الحُدَيْبِيَةَ راجعاً. فقال رجال من أصحاب رسول الله محلّله: واللهِ ما
هذا بفتح؛ لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدَّ هَدْيُنا، وعكف رسول الله عَليه
بالحُدَيْبِيةً وردَّ رسولُ الله ◌ِّه رجلَين من المسلمين خرجا. فبلغ رسولَ الله
وَل﴿ل قولُ رجالٍ من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح، فقال: ((بئس الكلام، هذا
أعظمُ الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرَّاح عن بلادهم
ويسألونكم القضيّة ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا،
وقد أظفركم الله عليهم وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم
الفتوح. أنَسيْتُم يوم أُحُد، إذ تُصْعِدُون ولا تَلْوُون على أحدٍ وأنا أدعوكم في
أُخْراكم؟ أنَسِيتُم يومَ الأحزاب، إذْ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفَلَ منكم؟»،
فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هذا أعظم الفتوح والله يا نبيَّ الله(٣) .
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، قال: ظهرت الروم على فارس عند
مرجع المسلمين من الحُدَيْبية. وقال مثل ذلك عُقَيْل، عن ابن شهاب، عن
عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود.
وكانت بين الروم وبين فارس ملحمةٌ مشهودة نَصَرَ الله تعالى فيها
(١) مسلم ١٧٦/٥، ودلائل النبوة ١٨٥/٤.
(٢) ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ودلائل النبوة ٤ /١٥٩ - ١٦٠.
(٣) دلائل النبوة ٤/ ١٦٠.
٢٦٦
الروم، ففرح المسلمون بذلك، لكون أهل الكتاب في الجملة نُصِروا على
المجوس .
وقال مُغيرة، عن الشَّعبيّ في قوله: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ®َ﴾؛ قال:
فتح الحُدَيْبية، وبايعوا بيعةَ الْرضوان، وأُطْعِموا نخيل خَيبر، وظهرت الروم
على فارس. ففرح المؤمنون بتصديق كتابِ الله ونصرِ أهلِ الكتاب على
(١)
المجوس (١).
وقال شُعبة، عن الحَكَم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى: ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا ﴾ [الفتح]، قال: خيبر. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا ﴾ [الفتح]،
قال: فارس والروم(٢).
وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، قال: أُري رسولُ الله ◌َِل
وهو بالحُدَيْبية أنه يدخل مكةَ هو وأصحابه آمنين محلّقين رؤوسهم
ومُقَصِّرين، فقالوا له حين نحر بالحُدَيْبِية: أين رُؤْياك يا رسولَ الله؟ فأنزل
الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ
فَتْحًا قَرِيِبًا جَ﴾ [الفتح] يعني النَّحْرِ بالحُدَيْبية، ثم رجعوا ففتحوا خيبر،
فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة (٣).
وقال هُشَيْم: أخبرنا أبو بِشْر، عن سعيد بن جُبير، وعِكْرمة: ﴿سَنُدْعَوْنَ
إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ [الفتح]، قالا: هوازن يوم حُنَيْن. رواه سعيد بن
منصور في ((سُننه)) .
وقال بندار: حدثنا غُنْدَر، قال: حدثنا شعبة، عن هُشَيْم، فذكره،
وزاد: هوازن وبنو حنيفة.
وقال عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة،
عن ابن عبّاس، في قوله: ﴿أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾، قال: فارس. وقال:
﴿ السَّكِينَةَ﴾ هي الرحمة (٤).
(١) دلائل النبوة ٤/ ١٦٢.
(٢) دلائل النبوة ١٦٣/٤.
(٣) دلائل النبوة ٤/ ١٦٤ .
(٤) دلائل النبوة ٤ /١٦٨.
٢٦٧
وقال أبو حُذَيْفة النَّهْدِي: حدثنا سُفيان، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن أبي
الأحوص، عن عليّ ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِنَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ جَ﴾ [الفتح] قال:
السكينة لها وجهٌ كوجهِ الإنسان، ثم هي بَعْدُ ريحٌ هَقَّافة(١).
وقال وَرْقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، قال: السكينة كهيئة
الريح، لها رأس كرأس الهرّة وجناحان .
وقال المسعوديّ، عن قَتَادَة، عن سعيد بنٍ جُبَيْر، عن ابن عبّاس:
﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾، قال السريّة، ﴿ أَوْ تَحُلَّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾، قال: هو
محمد بنَالهِ. ﴿حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ الَّهَ﴾ [الرعد]، قال: فتح مكة(٢).
وعن مجاهد: ﴿أَوَ تَحُلَّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾، قال: الحُدَيْبية ونحوها. رواه
شریك، عن منصور، عنه.
وقال اللَّيْث، عن عُقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عُرْوَة أنّه سمع مروانَ
ابنَ الحَكَم، والمِسْوَر، يخبران عن أصحاب رسول الله مَ ل ◌َّ أن رسول الله ◌َله
لما كاتب سُهَيْل بن عَمْرو، فذكر الحديث، وفيه: وكانت أمّ كلثوم بنت
عُقْبة بن أبي مُعَيْط ممّن خرج إلى رسول الله بَ ◌ّهَ يومئذٍ وهي عاتق(٣)، فجاء
أهلها يسألون رسولَ اللهُ بَّه يُرْجِعُها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله
فيهن: ﴿إِذَا جَآَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَنِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَارِ .. ﴾ [الممتحنة].
قال عُرْوة: فأخبرتني عائشة أنّ رسول الله مَلّ كان يمتحنهنّ بهذه الآية:
إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَك٠٠َ﴾ [الممتحنة] الآية. قالت: فمن أقرّ بهذا
الشرط منهنّ قال لها: قد بايعتك، كلاماً يُكَلِّمها به، والله ما مسَّتْ يُدُه يدَ
امرأةٍ قطّ في المبايعة، ما بايَعَهُنَّ إلّ بقوله. أخرجه البخاري(٤).
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: ولما رجع رسول الله ◌ِ ال
(١) دلائل النبوة ٤/ ١٦٧.
(٢) دلائل النبوة ٤ / ١٦٨ - ١٦٩.
(٣) أي: الجارية أول ما أدركت، أو هي التي لم تتزوج.
(٤) البخاري ٢٤٦/٣-٢٤٧ و٢٥٢ و ١٦١/٥-١٦٢، ودلائل النبوة ١٧٠/٤ - ١٧١.
٢٦٨
إلى المدينة انفلت من ثقيف أبو بصير(١) بن أسيد بن جارية الثقفي من
المشركين، فذكر من أمره نحواً مما قدَّمْناه. وفيه زيادة وهي: فخرج أبو
بصير معه خمسةٌ كانوا قدِموا من مكة، ولم ترسل قريش في طلبهم كما
أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العِيص وذي المَرْوَة من أرض جُهَيْنَة
على طريق عِير قُريش ممّا يلي سِيف البحر، لا يمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلّ
أخذوها وقتلوا أصحابها. وانفلت أبو جَنْدَل في سبعين راكباً أسلموا
وهاجروا، فلحقوا بأبي بصير، وقطعوا مادَّةَ قريش من الشام، وكان أبو
بصير يصلّي بأصحابه، فلما قدِم عليه أبو جَنْدَل كان يَؤُمُّهم .
واجتمع إلى أبي جَنْدَل حين سمعوا بقدومه ناسٌ من بني غِفَار وأسْلَم
وجُهَيْنة وطوائف، حتى بلغوا ثلاث مئة مقاتل وهم مسلمون، فأرسلت
قريش إلى النّبيّ ◌َّ يسألونه أن يبعث إلى أبي بصير ومَنْ معه فيقدموا عليه،
وقالوا: مَنْ خرج منّا إليك فأمْسِكْه، قال: ومَرَّ بأبي بصير أبو العاص بن
الربيع من الشام فأخذوه، فقدِم على امرأته زينب سرّاً. وقد تقدَّم شأنُه.
وأرسل رسولُ الله ◌َلّ كتابه إلى أبي بصير أنْ لا يعترضوا لأحد. فقدِم
الكتابُ على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فماتَ وكتابُ
رسولِ الله ◌ِّ في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره
مسجداً(٢).
وقال يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو سَلَمَة، أنّ أبا هريرة حدّثه، أنّ
النّبيّ مَّه كان إذا صلّى العشاء الآخرة نصب(٣) في الركعة الآخرة بعدما
يقول: ((سمع الله لمن حمده))، ويقول: ((اللَّهُمَّ نَجِّ الوليدَ بنَ الوليد، اللهم
نجِّ سَلَمَةَ بن هشام، اللهم نجّ عيّاش بنَ أبي ربيعة، اللهم نَجّ المستَضْعَفين
من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشدُد وطأتك على مُضَر، اللَّهُمَّ اجعلها سِنِينَ مثلَ سِنيّ
(١) جاء في حواشي النسخ تعليق للمؤلف نصه: ((قال ابن إسحاق: اسم أبي بصير عتبة
ابن أسید)).
(٢) دلائل النبوة ٤/ ١٧٢ - ١٧٥.
(٣) أي: اجتهد في الدعاء.
٢٦٩
يوسف)). ثم لم يزل يدعو حتى نجّاهم الله تعالى، ثم ترك الدعاء لهم بعد
ذلك(١) .
وفي سنة ستّ:
صَلىالله
مات سعد بن خَوْلة رضي الله عنه في الأسر بمكة. ورثى له النّبيُّ
لكونه ماتَ بمكة .
وفيها قُتِلَ هشَام بن صُبابة أخو مِقْيَس، قتله رجلٌ من المسلمين وهو
يظنُّ أنّه كافر، فأعطى النّبيُّ بَّهَ مِقْيَساً دِيَتَه. ثم إنّ مِقْيَساً قتل قاتل أخيه،
وكفر وهرب إلى مكة .
وفي ذي الحِجّة: ماتت أمّ رُومان بنت عامر بن عُوَيْمر الكِنانية، أمّ
عائشة رضي الله عنهما، أخرج البخاري من رواية مسروق عنها حديثاً(٢) وهو
منقطع لأنّه لم يُدْرِكْها، أو قد أدركها فيكون تاريخُ موتِها هذا خطأ. والله
أعلم .
(١) دلائل النبوة ١٧٦/٤ - ١٧٧. وأخرجه البخاري ٤٧/٦ و٦١، ومسلم ١٣٤/٢،
وانظر المسند الجامع حديث (١٣٠٧٠).
(٢) البخاري ١٥٤/٥ .
٢٧٠
السَّنَةَ السَّابعة
((غزوة خيبر))
قال عبدالله بن إدريس، عن ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر،
قال: كان افتتاح خيبر في عقِب المحرَّم، وقدِم رسولُ الله ◌َّ في آخر
صفر .
قلت: وكذا رواه ابن إسحاق عن غير عبدالله بن أبي بكر(١).
وذكر الواقديّ (٢)، عن شيوخه، في خروج النّبيّ مَ ثّل إلى خيبر: في أول
سنة سبعٍ.
وشَذَّ الزُّهْري فقال، فيما رواه عنه موسى بن عُقْبة في مغازيه(٣)، قال:
ثم قاتل رسول الله {قَ﴾ يوم خيبر من سنة ستّ. وهذا لا يصح إلا إذا جعلنا
ذلك في السنة السادسة من ساعة قدومه المدينة، والله أعلم.
وخيبر: بُلَيْدَةٌ على ثمانية بُرُد من المدينة .
قال وُهَيْب: حدثنا خُثَيَّم بن عِرَاك، عن أبيه، عن نفر من بني غفار،
قالوا: إنّ أبا هريرة قدِم المدينة وقد خرج النبيُّ بِله إلى خيبر، واستخلف
على المدينة سباع بن عُرْفُطة الغِفَاري. قال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة
الصُّبح، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كَهِيعَصّ .. ﴾ [مريم]، وقرأ في الثانية
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين]. قال أبو هريرة: فأقول في صلاتي: ويلٌ
لأبي فلانٍ له مِكْيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالنّاقص.
قال: فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباعَ ابنَ عُرْفُطَة فزوّدنا شيئاً حتى قدِمْنا
(١) ابن هشام ٣٢٨/٢، ودلائل النبوة ١٩٦/٤ - ١٩٧.
(٢) المغازي ٢/ ٦٣٤، ودلائل النبوة ٤ / ١٩٧.
(٣) دلائل النبوة ١٩٥/٤.
٢٧١
على رسول الله وَّ﴾ وقد فتح خيبر، فكلّم المسلمين فأشركونا في
سُهمانهم(١).
(١)
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَيْر بن يسار: أخبرني سُوَيْد بن
الثُّعمان، أنّه خرج مع رسول الله بِّل عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصَّهُباء -
وهي أدنى خيبر - صلَّى العصرَ، ثم دعا بأزوادٍ فلم يُؤْتَ إلاّ بالسَّويق، فأمر
به فتُرِّي، فأكل رسول الله ◌ِ ﴾ وأكلنا. ثم قام إلى المغرب فمضمض
ومضمضنا، ثم صلّى ولم يتوضّأ. أخرجه البخاري(٢).
وقال حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عُبَيْد، عن سَلَمَة، قال:
خرجنا مع النّبِيّ بَّه إلى خيبر فسرنا ليلاً. فقال رجل من القوم لعامر بن
الأكْوَعِ: ألا تُسْمِعنا من هُنَيْهاتِك؟. وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو
بالقومِ ويقول :
ولا تصدَّقْنا ولا صلَّيْنا
اللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا
وثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقيْنا
فاغْفرْ فِداءً لك ما اقتفينا
إنّا إذا صِيحَ بنا أتينا
وألْقِيَنْ سكينةً علينا
وبالصّياح عَوَّلُوا علينا
فقال رسول الله مَ له: ((مَن هذا السائق))؟ قالوا: عامر. قال: ((يرحمه
الله)). قال رجل من القوم: وجَبَتْ يا رسولَ الله، لولا أمْتَعْتَنَا به. فأتينا خيبرَ
فحاصرهم، حتى أصابتنا مَخْمَصَةٌ شديدة. فلما أمسى النّاس مساءَ اليوم
الذي فُتِحَت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسولُ الله ◌ِّه: ((ما هذه النّيران
على أيّ شيء تُوقَد))؟ قالوا: على لحم حُمُرٍ إنسيّة. فقال: ((أَهْرِيقُوها
واكَسِرُوها)). فقال رجل: أو يهْرِيقُوها وَيغسلوها. قال: أو ذاك.
قال: فلما تصافَّ القومُ كان سيف عامر فيه قِصَر، فتناول به ساق
يهوديّ ليضربه، فيرجع ذُبابُ سيفه فأصاب عينَ رُكبةِ عامر، فمات منه.
(١) دلائل النبوة ٤ /١٩٨ - ١٩٩.
(٢) البخاري ٦٣/١ و٦٤ و٦٦/٤ و١٦٠/٥ و١٦٦ و٩٠/٧ و١٠٥، ودلائل النبوة
٢٠٠/٤. وانظر المسند الجامع حديث (٥١٦٤) لمزيد من التفصيل.
٢٧٢
فلما قفلوا قال سَلَمَة، وهو آخذ بيدي لما رآني رسول الله مح له ساكتاً، قال:
مالك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أنّ عامراً حَبِطَ عملُهُ. قال: مَن قاله؟
قلت: فلان وفلان وأُسَيْدُ بَنُ حُضَيْرٍ. فقال: كَذَبَ مَنْ قاله، له أجران،
وجمع بين أصبعيه، إنّه لجاهدٌ مجاهد قَلَّ عربيٌّ مشى بها مثله. مُتَّفقٌ
عليه(١).
وقال مالك، عن حُمَيْد، عن أنس، أنّ رسول الله بِ له حين خرج إلى
خيبر أتاها ليلاً. وكان إذا أتى قوماً بليل لم يُغِرْ حتى يُصْبح. فلما أصبح
خرجت يهود بمساحيهم ومَكَاتِلهم، فلما رأوه قالوا: محمدٌ والله، محمدٌ
والخميسُ(٢). فقال رسول الله وَّل: ((الله أكبر خربَتْ خيبر. إنّا إذا نزلنا
بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُنْذَرِين)). أخرجه البخاري(٣). وأخرجاه من
حديث ابنَ صُهَيْب، عن أنس (٤).
وقال غيرُ واحد: شُعبة، وابن فُضَيْل، عن مسلم المُلائي، عن أنس،
قال: كان رسول الله وَّ يَعُودُ المريضَ، ويتبعُ الجنازةَ، ويُجيب دعوةَ
المملوك، ويركب الحمار، ولقد رأيتُه يومَ خيبر على حمارٍ خطامُه لِيف (٥).
وقال يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم: أخبرني سهل بن سعد،
أنّ رسول اللهِ وَ لَّ قال يوم خيبر: لأَعْطِيَنَّ الرايةَ غداً رجلاً يفتح اللهُ على يديه
يحبُّ اللهَ ورسولَهُ ويحبُّه اللهُ ورسولُه. قال: فبات النّاس يدوكون ليلتهم
أَيُّهُمْ يُعطاها؟ فلما أصبح النّاس غَدَوا على رسول الله مَّةٍ، كلّهم يرجوا أن
يُعْطاها. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ قيل: هو يا رسول الله يشتكي
عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأُتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له، فبرأ
حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم
(١) البخاري ١٧٨/٣ و١٦٦/٥ و١١٧/٧ و٤٣/٨ و٩٠ و٩/٩، ومسلم ١٨٥/٥
و٦٥/٦، ودلائل النبوة ٢٠٠/٤ - ٢٠٢. وانظر المسند الجامع حديث (٤٩٠٣).
(٢)
أي: والجيش.
(٣)
البخاري ٥٨/٤ و ١٦٧/٥. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٩٤).
٩٠
(٤) البخاري ١٠٣/١ و١٩/٢، ومسلم ١٤٥/٤ و١٤٦ و١٨٥/٥، ودلائل النبوة
٢٠٣/٤.
(٥) دلائل النبوة ٤ / ٢٠٤ .
اريخ الإسلام ١/م١٨
٢٧٣
حتى يكونوا مثلنا؟ قال: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادْعُهُم
إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه، فَوَالله لأن يهدي الله
بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم)). أخرجاه عن قُتَيْية،
عن يعقوب (١).
وقال سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله
وَلّ: ((لِأُعْطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه)».
فقال عمر: فما أحببتُ الإمارةَ قطّ حتى يومئذٍ. فدعا عليّاً فبعثه، ثم قال:
((اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفتْ))، قال عليّ: عَلَاَمَ أقاتِلُ
النَّاس؟ قال: ((قاتِلْهم حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً عبده
ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقِّها،
وحسابُهمْ على الله)). أخرجه مسلم(٢)، وأخرجا نحوه من حديث سَلَمَةَ بن
الأكْوَع(٣).
وقال عِكْرِمة بن عمّار: حدّثني إياس بن سَلَمَة بن الأكْوَع، قال: حدّثني
أبي أنّ عمّه عامراً حدا بهم، فقال له النّبيّ بِّ: غَفَرَ لك ربُّك. قال: وما
خُصَّ بها أحدٌ إلّ استُشهِد. فقال عمر: هلّ مثَّعتَنَا بعامر؟ فقدِمنا خيبرَ،
فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه، ويقول:
شاكي السلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ
إذا الحُروبُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فبرز له عامر، وهو يقول:
شاكي السلاح بَطَلٌ مُغَامِرُ
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّ عامِرُ
قال: فاختلفا ضربتَين، فوقع سيف مَرْحَبٍ في ترس عامر، فذهب عامر
يسفُلُ له، فرجع بسيفه على نَفْسِهِ فقطع أكحلُه، وكانت فيها نَفْسُهُ. قال
(١) البخاري ٥٧/٤ و٧٣ و١٧١/٥، ومسلم ١٢١/٧، ودلائل النبوة ٢٠٥/٤. وانظر
المسند الجامع حديث (٥١٣٢).
(٢) مسلم ١٢١/٧، ودلائل النبوة ٢٠٦/٤. وهو عند أحمد ٣٨٤/٢. وانظر المسند
..
الجامع ١٨٦/١٨ حديث (١٤٨٢٨).
(٣) البخاري ٦٤/٤-٦٥ و٢٣/٥ و١٧١، ومسلم ١٢٢/٧. وانظر المسند الجامع
(حديث ٤٩١٦).
:
٢٧٤
سَلَمَة: فخرجت فإذا نفرٌ من أصحاب النّبيّ ◌ِّ يقولون: بَطَلَ عَمَلُ عامر،
قتل نَفْسَه. فأتيِتُ رسولَ الله ◌ِ له وأنا أبكي، قال: ((ما لك))؟ فقلت: قالوا إنّ
عامراً بَطْلَ عَمَلُه. قال: ((من قال ذلك))؟ قلت: نفرٌ من أصحابك. فقال:
((كذب أولئك بل له من الأجر مرّتين)) قال: فأرسل إلى عليّ يدعوه وهو
أرمد فقال: لأُعطِيَنَّ الرايةَ اليومَ رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله.
قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله مِل في عينيه فَبَرأ، فأعطاه
الراية. قال: فَبَرَزَ مَرْحَبُ وهو يقول:
قد عِلِمَتْ خیبرُ أنّي مَرْحَبُ
شاكي السلاح بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَبُ
قال: فبرز له عليّ رضي الله عنه وهو يقول:
كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيه المَنْظَرَهْ
أنا الذي سمَّتْني أمّي حَيْدَرَه
أُوْفِيهم بالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَه(١)
فضرب مَرْحَباً فَفَلَقَ رأسَه فقتله، وكان الفتح. أخرجه مسلم(٢) .
وقال البَكّائيّ: قال ابن إسحاق(٣): فحدّثني محمد بن إبراهيم التَّيْمي،
عن أبي الهَيْئَم بن نصر الأسلمي أنّ أباه حدّثه أنّه سمع رسولَ الله ◌َلَه يقول -
في مسيره لخيبر - لعامر بن الأكْوَع: خذ لنا من هَنَاتك فنزل يرتجز، فقال:
ولا تصدَّقنا ولا صَلَّينا
والله لولا الله ما اهتدينا
وإنْ أرادوا فتنةً أَبَيْنا
إنّا إذا قومٌ بغَوا علينا
وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنا
فأنْزِلَنْ سکینةً علینا
فقال رسول الله مَلو: يرحمُك الله. فقال عمر: وجَبَ والله يا رسول
الله، لو أمْتَعْتَنَا به. فقُتل يومَ خيبر شهيداً.
وقال يونس بن بُكَيْرِ عن ابن إسحاق(٤): حدّثني بُرَيْدةُ بن سُفْيان ابن
(١) السندرة: ضرب من الكيل واسع.
(٢) مسلم ١٨٩/٥ و١٩٥، ودلائل النبوة ٢٠٧/٤ - ٢٠٩. وانظر المسند الجامع حديث
(٤٩٠٨).
(٣) ابن هشام ٣٢٨/٢.
(٤) ابن هشام ٢/ ٣٣٤، ودلائل النبوة ٢٠٩/٤ - ٢١٠.
٢٧٥ ٪
فروة الأسلَمَيّ، عن أبيه، عن سَلَمَة بن الأكْوَعِ، قال: فخرج عليّ رضي الله
عنه بالراية يُهَرْوِل وإنَّا نخلفه حتى ركزها في رضْم من حجارة تحت
الحِصْن. فاطلع إليه يهوديٌّ من رأسِ الحِصْن فقال: مَنَّ أنتَ؟ قال: أنا عليّ
ابن أبي طالب فقال اليهوديُّ: غَلَبْتُم - وعند البكائي: عَلَوْتُم - وما أُنْزِلُ
على موسى. فما رجع حتى فتح الله علیه .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن المسيّب بن مسلم الأزدي: حدّثنا عبدالله بن
بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: كان رسول الله مَ له ربّما أخذته الشقيقة(١) فيلبث اليومَ
واليومين لا يخرج، ولما نزل خيبرَ أخذته الشقيقة فلم يخرجْ إلى النّاس،
وأنَّ أبا بكر أخذ رايةَ رسول الله مَ ﴿ ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثم رجع .
فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشدّ من القتال الأوّل، ثم رجع فأخبر
بذلك رسول الله بَ ﴿، فقال: ((لأُعْطِينَها غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه
الله ورسولُه يأخذها عَنْوَةً، وليس ثَمَّ عليٌّ. فتطاولتْ لها قريش، رجا كلّ
رجلٍ منهم أن يكون صاحبَ ذلك. فأصبح وجاء عليٍّ على بعيرٍ حتى أناخ
قريباً، وهو أرمد قد عصبَ عينه بشقِّ بُرْدٍ قِطْري. فقال رسول الله مَل: ((ما
لَكَ))؟ قال: رمدت بعدك، قال: ((أَدْنُ منّي))، فَتَفل في عينه، فما وجعها
حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جُبَّة أُرْجُوانِ حمراء
قد أخرج خَمْلَها، فأتى مدينةَ خيبر(٢) .
وخرج مَرْحَبُ صاحبُ الحصْن وعليه مِغْفَر مظهر(٣) يمانيّ وحَجَر قد
ثَقَبَهُ مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فارتجز عليٍّ واختلفا ضربتين،
فَبَدَره عليٌّ بضربة، فَقَدَّ الحجر والمِغْفَر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ
المدينة .
(١) صداعٌ يأخذ نصف الرأس والوجه .
(٢) أخرجه الطبري فى تاريخه (١٢/٣)، والحاكم (٣٧/٣) وصححه. وأخرجه البيهقى
في الدلائل (٢١٠/٤-٢١٢) ومن طريقه ابن كثير في البداية (١٨٨/٤)، والمسيب بن
مسلم الأزدي لم أقف له على ترجمة في كتب الرجال المعتبرة، فالحديث ضعيف،
والله أعلم.
(٣) المغفر: زرد من الدرع يُلبس تحت القلنسوة، ومظهر: صلب شديد.
٢٧٦
وقال عَوْف الأعرابيّ، عن ميمون أبي عبدالله الأزدي، عن ابن بُرَيْدة،
عن أبيه، قال: فاختلف مَرْحَب وعليّ ضربَتين، فضربه عليٍّ على هامته حتى
عضَّ السّيفُ بأضراسه. وسمع أهل العسكر صوتَ ضربته. وما تتامٌ آخرُ
النّاس مع عليّ حتى فتح الله له ولهم.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن الحسن، عن بعض
أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله بَّر، قال: خرجنا مع عليّ حين بعثه
النّبيُّ ◌َّ برايته. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل
من يهود فطرح تُرْسه من يده، فتناول عليٌّ باب الحِصْنَ فَتَرَّسَ به عن نفسه،
فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه. ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني
مع نفرٍ سبعة أنا ثامنهم، نجهدُ أنْ نقلب ذلك البابَ فما استطعنا أن نقلبه.
رواه البكّائيّ، عن ابن إسحاق، عن أبي رافع منقطعاً، وفيه: فتناول
عليٌّ باباً كان عند الحصن. والباقي بمعناه.
وقال إسماعيل بن موسى السُّدِّي: حدثنا مُطَّلِبُ بنُ زياد، عن لَيْث ابن
أبي سُلَيْم، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، قال: دخلت عليه، فقال: حدّثني
جابر بن عبدالله أنّ عليّاً حمل البابَ يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه،
فافتتحوها، وأنّه خَرِب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً .
تابعه فُضَيْلِ بن عبد الوهاب، عن مطَّلب(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى (٣)، عن
الحَكَم، والمِنْهال بن عَمْرو، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: كان عليّ
يلبس في الحَرّ والشتاء القباء المَحْشُوّ الثَّخين وما يبالي الحَرَّ، فأتاني
أصحابي فقالوا: إنّا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئاً فهل رأيتَه؟ فقلت: وما
هو؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحَرّ الشديد في القباء المحشُّوْ وما يبالي
الحَرَّ، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثَّوْبين الخفيفين وما يبالي البردَ،
فهل سمعتَ في ذلك شيئاً؟ فقلتُ: لا. فقالوا: سل لنا أباك فإنّه يسمُر معه.
(١) ابن هشام ٣٣٥/٢، ودلائل النبوة ٤/ ٢١٢.
(٢) دلائل النبوة ٤/ ٢١٢ .
(٣) ابن أبي ليلى هذا ضعيف، فالحديث لا يصح.
٢٧٧
فسألته فقال: ما سمعتُ في ذلك شيئاً. فدخل عليه فسمرَ معه فسأله فقال
عليٌّ: أوَ ما شهدتَ معنا خيبر؟ قال: بلى. قال: فما رأيتَ رسولَ الله ◌َِله
حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم، ثم جاء
بالنّاس وقد هُزِموا؟ فقال: بلى. قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له وبعثه إلى
القوم، فانطلقٍ فلقي القومَ فقاتلهم ثم رجع وقدٍ هُزِم، فقال رسول الله
عند ذلك: ((لأُعطِيَنَّ الرايةَ رجلاً يحبّه الله ورسولُه وَيحبُّ اللهَ ورسولَه يفتح
الله عليه غير فَرَّار))، فدعاني فأعطاني الراية، ثم قال: اللَّهُمَّ اكفِهِ الحَرَّ
والبَرْدَ، فما وجدتُ بعد ذلك حراً ولا بَرْداً(١).
وقال أبو عَوَانَة، عن مُغيرة الضّبيّ، عن أمّ موسى، قالت: سمعت عليّاً
يقول: ما رَمِدْتُ ولا صدعت مُذْ دَفَعَ إليّ رسولَ بََّ الرايةَ يوم خيبر.
رواه أبو داود الطيالسي في «مُسْنَدِه))(٢).
فصل
فيمن ذكر أنَّ مَرْحباً قَتَلَهُ محمَّد بن مَسْلَمَة
قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، أنَّ رسولَ الله مَ﴿ قام يوم خيبر
فوعظهم. وفيه: فخرج اليهود بعاديتها، فقُتِلَ صاحبُ عادية اليهود
فانقطعوا. وقتل محمدُ بنُ مَسْلَمَة الأشهليُّ مَرْحَباً اليهوديّ (٣) .
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة، نحوَه.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدّثني عبدالله بن سهل الحارثي، عن
جابر بن عبدالله، قال: خرجَ مَرْحَب اليهوديُّ من حِصْن خيبر، قد جمع
سلاحه وهو يرتجز ويقول: مَنْ يبارز؟ فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((مَنْ لهذا؟))
فقال محمد بن مَسْلَمَة: أنا له، أنا واللهِ الموتورُ الثائر، قتلوا أخي بالأمس.
(١) دلائل النبوة ٤ / ٢١٣ .
مسند الطيالسي (١٨٩)، ودلائل النبوة ٢١٣/٤.
(٢)
(٣)
دلائل النبوة ٤ / ٢١٤ - ٢١٥.
ابن هشام ٣٣٣/٢-٣٣٤، ودلائل النبوة ٢١٥/٤ - ٢١٦.
(٤)
٢٧٨
قال: ((قُمْ إليه، اللَّهُمَّ أعِنْه عليه)). فلما تَقَاربا دخلتْ بينهما شجرة
عُمْرِيَّةٌ(١)، فجعل كلّ واحدٍ منهما يلوذ بها من صاحبه، كلّما لاذ بها أحدُهما
اقتطع بسيفه مادونه، حتى برز كلّ واحدٍ منهما، وصارت بينهما كالرجل
القائم ما فيها فَنَزٌّ، ثم حمل على محمدٍ فضربه فاتَّقاهُ بالدَّرَقَة، فعضَّتْ
بسيفه فأمسكته، وضربه محمدٌ حتى قتله، فقيل: إنه ارتجز فقال:
حُلْوٌ إذا شئتُ وسُمّ قاضي
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي ماضي
وكان ارتجاز مرحب :
شاكي السّلاح بَطلٌ مُجَرَّب
قد عِلِمَتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ
واحجمتْ عن صَوْلَةِ المُغلَّب
إذا الليوثُ أقبلَتْ تَلَهَّبُ
إنّ حِماي للحِمَى لا يُقرَبُ
أطعنُ أحياناً وحيناً أضْرِبُ
وقال الواقدي(٢): حدّثني محمد بن الفَضْل بن عُبَيْد الله بن رافع بن
خَدِيج، عن أبيه، عن جابر، قال. وحدّثني زكريّا بن زيد، عن عبدالله ابن
أبي سفيان، عن أبيه، عن سَلَمَة بن سلامة، قال. وعن مجمّع بن يعقوب،
عن أبيه، عن مجمع بن جارية، قالوا جميعاً: إنّ محمد بن مَسْلَمَة قتل
مَرْحباً .
وذكر الواقديّ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة،
عن أبيه، أنّ عليّاً حمل على مَرْحَب فقطره(٣) على الباب، وفتح عليٌّ البابَ
الآخر، وكان للحصن بابان.
قال الواقدي(٤): وقيل إنّ محمد بن مَسْلَمَة ضرب ساقَيْ مَرْحَب
فقطعهما، فقال: أجْهِزْ عليَّ يا محمد. فقال: ذُق الموتَ كما ذاقه أخي
محمود، وجاوزه، ومرّ به عليٌّ فضرب عُنُقه وأخذ سَلَبَه. فاختصما إلى
رسولِ اللهِ وَّ فِي سَلَبِه، فأعطاه محمداً. وكان عند آل محمد بن مَسْلَمَة فيه
(١) جاء في هامش النسخة: ((أي: أتى عليها عُمُرٌ)).
(٢) المغازي ٦٥٦/٢، ودلائل النبوة ٢١٦/٤.
(٣) كتب على هامش الأصل: ((أي: ألقاه)).
(٤) المغازي ٦٥٦/٢، ودلائل النبوة ٢١٦/٤.
٢٧٩
كتابٌ لا يُدْرَى ما هو، حتى قرأه يهوديٌّ من يهود تَيْماء فإذا فيه: هذا سيفُ
مَرْحَب من يَذُقْه يَعْطَب.
قال الواقديّ(١): حدّثني محمد بن الفضل بن عُبَيْد الله بن رافع، عن
أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: برز عامر وكان طُوالاً جسيماً، فقال رسولُ
الله ◌َ ◌ّ حين برز وطلع: ((أَتَرَوْنَه خمسة أذرع))؟ وهو يدعو إلى البراز؛ فبرز
له عليٌّ فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئاً، حتى ضربَ ساقيه فبركَ،
ثم دَقََّ علیه وأخذ سلاحه.
قال ابن إسحاق(٢): ثم خرج بعد مَرْحَب أخوه ياسر، فبرز له الزُّبَيْر
فقتله .
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة. ورواه موسى بن عُقْبة
- واللفظ له ــ قالَ: ثم دخلوا حصناً لهم منيعاً يُدعى القَمُوص، فحاصرهم
النّبيُّ بَّه قريباً من عشرين ليلة. وكانت أرضاً وخمة شديدة الحَرَ، فجُهد
المسلمون جهداً شديداً، فوجدوا أحْمِرةً ليهود، فذكر قصَّتها، ونَهْي النّبيّ
﴿ عن أكلها. ثم قال: وجاء عبد حبشيٍّ من أهل خيبر كان في غنم لسيّده،
فلما رأى أهلَ خيبر قد أخذوا السّلاح، سألهم ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا
الذي يزعم أنّه نبيّ. فوقع في نفسه، فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله مَ ثية
فأسلم، وقال: ماذا لي؟ قال: ((الجنة)) فقال: يا رسول الله إنّ هذه الغنم
عندي أمانة. قال له رسول الله مَ ﴾: ((أخرِجْها من عسكرنا وارمِها بالحَصْباء
فإنَّ الله سيؤدِّي عنكَ أمانَتَك))، ففعل؛ فَرجعت الغنم إلى سيّدها. ووعظ
النّبِيُّ بِّهِ النّاسَ، إلى أنْ قال: وقُتِل من المسلمين العبد الأسود، فاحتملوه
فَأُدخِلَ في فُسْطاط، فزعموا أنّ رسول الله مَّيَ اطّلع في الفُسطاط، ثم أقبل
على أصحابه فقال: لقد أكرم الله هذا العبد، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من
(٣)
الحُورِ العِينَ(٣).
(١) المغازي ٢/ ٦٥٧، ودلائل النبوة ٢١٧/٤.
(٢) ابن هشام ٣٣٤/٢، ودلائل النبوة ٤/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) دلائل النبوة ٢١٩/٤ - ٢٢٠.
٢٨٠