Indexed OCR Text

Pages 201-220

وقال عِكْرمة بن عمّار، عن محمد بن عُبَيْد الحنفي، عن عبدالعزيز ابن
أخي حُذَيْفة، قال: ذكر حُذَيْفَة مشاهدَهم، فقال جلساؤه: أما والله لو كنّا
شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا. فقال حُذَيْفة: لا تَمَنَّوْا ذلك، فلقد رأيتُنا ليلةَ
الأحزاب. وساق الحديث مطوّلاً(١).
وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا ابن أبي أوفى، قال: دعا رسولُ الله
وَّر على الأحزاب فقال: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ سريعَ الحساب اهزِمِ
الأحزابَ، اللَّهُمَّ اهزمهم وزلزلهم)). مُتَّفَقٌ عليه(٢).
وقال اللَّيْث: حدّثني المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسولَ الله
حَ لّ كان يقول: ((لا إله إلاّ اللهَ وحده، أعَزَّ جُنْدَه، ونصر عبده، وغلبَ
الأحزابَ وحده فلا شيء بعده)). مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، قال:
قال رسولُ الله ◌َ له حين أجلى عنه الأحزاب: ((الآن نغزوهم ولا يغزونا؛
نسيرُ إليهم)). أخرجه البخاري (٤).
وقال خارجة بن مُصْعَب، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس:
عَسَى اَللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةٌ ﴾ [الممتحنة]،
قال: تزويج النّبيّ وَّ﴿ل أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أمّ المؤمنين،
وصار معاوية خال المؤمنين. كذا روى الكلبيّ وهو متروك.
وذهب العلماء في أُمّهات المؤمنين أنّ هذا حكم مختصٌّ بهنّ ولا
يتعدّى التحريمُ إلى بناتهنَّ ولا إلى إخوتهنَّ ولا أخَواتهنّ.
واستُشْهد يوم الأحزاب:
عبدالله بن سهل بن رافع الأشهلي، تَفَرَّدَ ابنُ هشام(٥) بأنّه شهد بدراً.
(١) دلائل النبوة ٤٥١/٣ - ٤٥٣.
(٢) البخاري ٥٣/٤ و١٤٢/٥ و١٠٤/٨ و١٧٤/٩، ومسلم ١٤٣/٥ و١٤٤، ودلائل
النبوة ٤٥٦/٣.
(٣)
البخاري ١٤٢/٥، ومسلم ٨/ ٨٣، ودلائل النبوة ٤٥٦/٣.
البخاري ١٤١/٥، ودلائل النبوة ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٤)
(٥) السيرة النبوية ٢/ ٢٥٢.
٢٠١

وأنَس بن أوْس بن عتيك الأشهلي، والطُّفَيْلِ بن الُّعمان بن خنساء،
وثعلبة بن عَنَمة؛ (١) كلاهما من بني جُشَم بن الخزرجِ.
وكعب بن زيد أحد بني النَّجَّار، أصابه سهمٌ غَرْبٌ، وقد شهد هؤلاء
الثلاثة بدراً.
ذكر ابن إسحاق(٢) أنّ هؤلاء الخمسة قُتِلوا يوم الأحزاب.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: قُتِل من المشركين
يوم الخندق: نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي؛ أقبل على فَرَسِ له
لِيُوثِبَهُ الخندقَ، فوقعَ في الخندق فقتله اللهُ، وكَبُر ذلك على المشركين
وأرسلوا إلى رسول الله مَ له: إنّا نعطيكم الدِّية على أنْ تدفعوه إلينا فندفنه.
فَردَّ إليهم رسولُ الله ◌ِّهِ: إنّه خبيثُ الدِّيةِ لعنه الله ولعن دِيَتَه ولا نمنعكم أنْ
تدفنوه، ولا أرَب لنا في دِیَتِهِ .
غزوَة بَنَيْ قُرَيْظَة
وكانوا قد ظاهروا قريشاً وأعانوهم على حرب رسول الله اَ لل. وفيهم
نزلت ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ [الأحزاب]
الآ یتین.
قال هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما رجع رسول الله مح له من
الخندق ووضع السّلاح واغتسل أتاه جبريل وقال: وضعتَ السّلاح؟ والله ما
وضعناه، اخرج إليهم. قال: فأين؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بني قُرَيْظة.
فخرج النّبيُّ نَّهَ. مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقال حُمَيْد بن هلال، عن أنس: كأنّي أنظر إلى الغُبار ساطعاً من سكّة
بني غَنْم، موكِبَ جبريل حين سار إلى بني قُرَيْظة. البخاري(٤).
بفتح المهملة والنون، قيده الحافظ ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٠١ .
(١)
(٢)
ابن هشام ٢/ ٢٥٢.
البخاري ١٤٢/٥، ومسلم ١٦٠/٥، ودلائل النبوة ٥/٤.
(٣)
البخاري ١٤٢/٥- ١٤٣، ودلائل النبوة ٤ /٦.
(٤)
٢٠٢

وقال جُوَيْرِية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نادى فينا رسولُ الله
يوم انصرف من الأحزاب أن لا يُصَلَّنَّ أحدٌ العصرَ إلّ في بني قُرَيْظة .
فتخوّف ناس فَوْت الوقت فصلَّوا دون قُرَيْظة. وقال آخرون: لا نصلّي إلا
حيث أمرَنَا رسولُ اللهِ وَّةٍ وإنْ فاتنا الوقت. فما عنّف واحداً من الفريقين.
مُتَّفقٌ عليه(١) .
وعند مسلم في بعض طُرُقه: الظُهر بدلَ العصر. وكأنّه وَهْم.
وقال بِشْر بن شُعَيْب، عن أبيه، قال: حدثنا الزُّهْري، قال: أخبرنا
عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، أنّ عمّه عُبَيْد الله بن كعب أخبره
أنّ رسول الله بِّ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأَّمة واغتسل
واستجمر، فتبدَّى له جبريل عليه السلام، فقال: عَذيرَكَ من محارب، ألا
أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعدُ. فوثب رسول الله صَ ل﴾ فَزِعًا فعزم
على النّاسِ أنْ لا يصلُّوا العصرَ حتى يأتوا بني قُرَيْظة. فلبسوا السلاح، فلم
يأتوا بني تُرَيْظة حتى غربت الشمس، فاختصم النّاس عند غروبها، فقال
بعضهم: إنّ رسول الله بَِّ عزم علينا أنْ لا نصلّي حتى نأتي بني قُرَيْظة،
وإنما نحن في عزيمة رسول الله مَّة، فليس علينا إثم. وصلى طائفة من
النّاس احتساباً، وتركت طائفة حتى غربت الشمس فصلّوا حين جاؤوا بني
قُرَيْظة. فلم يُعَنِّفْ رسولُ الله ◌َّلَه واحداً من الفريقين(٢).
وروى نحوَه عبدُالله بن عمر، عن أخيه عُبَيْد الله، عن القاسم، عن
عائشة، وفيه أنّ رجلاً سلّم علينا ونحن في البيت، فقام رسول الله مَ لّ فَزِعاً،
فقمت في إثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال رسول الله وَّر: هذا جبريلُ يأمرني
أنْ أذهبَ إلى بني قُرَيْظة، وقال: وضعتم السلاح، لكنّا لم نضع السلاح،
طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراءَ الأسَد. وفيه: فمرّ رسول الله ◌َلَه بمجالس
بينه وبين بني قُرَيْظة، فقال: هل مَرَّ بكم من أحدٍ؟ قالوا: مرّ علينا دِحْية
الكلْبِيّ على بغلةٍ شَهباء تحته قطيفة ديباج. قال: ليس ذاك بدِحْية الكلبي
(١) البخاري ١٩/٢ و١٤٣/٥، ومسلم ١٦٢/٥، ودلائل النبوة ٤ /٦.
(٢) دلائل النبوة ٧/٤ - ٨. وانظر المغازي للواقدي ٢/ ٤٩٧، وابن هشام
٢٣٣/٢-٢٣٤.
٢٠٣

ولكنّه جبريل أُرسِل إلى بني قُرَيْظة ليُزَلْزلهم ويقذف في قلوبهم الزُّعب.
فحاصرهم النّبيّ وََّ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحَجَفِ حتى يسمعَهم
كلامَهُ. فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا: يا أبا القاسم لم تك
فخَّاشاً. فحاصرهم حتى نزلوا على حُكم سعد بن مُعَاذ، وكانوا حلفاءه،
فحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبَى ذراريهم ونساؤهم(١) .
وقال محمد بن عَمْرو، عن أبيه، عن جدّه علقمة، عن عائشة، قالت :
جاء جبريل وعلى ثناياه النَّقْع، فقال: أوَضَعْتَ السّلاح؟ واللهِ ما وَضَعَتْهُ
الملائكةُ، اخْرُجْ إلى بني قُرَيْظة. فلبس رسول الله بِّ لأَمَتَه، وأَذّن
بالرحيل، ثم مرّ على بني عمرو (٢) فقال: مَنْ مرّ بكم؟ قالوا: دِحْية. وكان
دِخْية يشبه لحيتُه ووجهُه جبريل. فأتاهم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، ثم
نزلوا على حُكْم سعد، وذكر الحديث بطوله في مُسْنَد أحمد(٣).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): قَدَّمَ رسولُ الله علياً معه رايته
وابْتَدَرَها النّاسُ.
وقال موسى بن عُقْبة(٥): وخرج رسول الله بِله في أثر جبريل، فمرّ على
مجلس بني غَنْم وهم ينتظرون رسول الله بِّة، فسألهم: مَرَّ عليكم فارس
آنفاً؟ فقالوا: مرّ علينا دِحْية على فرسِ أبيض تحته نمط أو قطيفةٌ من ديباج
عليه اللأمة. قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله ◌ِ لِّ يُشَبِّه دِحيةَ بجبريل.
قال: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رسول الله بَ لَه مقبلاً تلقّاه. وقال: ارجع
يارسولَ الله، فإنَّ الله كافيكَ اليهودَ. وكان عليٌّ سمع منهم قولاً سَيِّاً لرسول
الله ◌ٍِّ وأزواجِه. فكره عليٍّ أنْ يسمع ذلك، فقالَ: لِمَ تأمرني بالرجوع؟
فكتمَهُ ما سمعَ منهم. فقال: أظنّك سمعت لي منهم أذىً؟ فامضٍ فإنَّ أعداءَ
الله لو قد رأوني لم يقولوا شيئاً ممّا سمعت.
(١) دلائل النبوة ٨/٤ - ١٠.
(٢) هكذا في النسخ وفي مسند أحمد: غَنْم.
(٣)
أحمد ٦ /١٤١-١٤٢.
ابن هشام ٢/ ٢٣٤، ودلائل النبوة ٤/ ١١ .
(٤)
(٥) نص موسى نقله البيهقي في الدلائل ٤/ ١٢ - ١٤.
٢٠٤

فلما نزل رسول الله مَل18 بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته
نفراً من أشرافها حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود يا إخوة القِرَدَة،
لقد نزل بكم خِزْي الله. فحاصرهم ## بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة،
وردّ الله حُيَّيَّ بنَ أخطب حتى دخل حصنَهُم، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب،
واشتدّ عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لُبابة بن عبدالمنذر وكانوا حلفاء
الأنصار. فقال: لا آتيهم حتى يأذنَ لي رسولُ الله ◌ِ﴾. فقال: قد أذِنْتُ لك.
فأتاهم، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لُبابة، ماذا ترى، فأشار بيده إلى حَلْقه،
يُريهم أنَّ ما يُراد بكم القتل. فلما انصرف سُقِط في يده ورأى أنّه قد أصابته
فتنةٌ عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله وَّل حتى أُحدِثَ لله توبةً
نَصُوحاً يعلمها اللهُ من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من
جذوع المسجد. فزعموا أنّه ارتبط قريباً من عشرين ليلة .
فقال رسول الله مَّه، كما ذُكِرَ، حين راث عليه(١) أبو لُبابة: أما فَرَغَ أبو
لُبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله، قد والله انصرف من عند الحصن وما
ندري أينَ سلكَ. فقال: قد حدث له أمرٌ. فأقبل رجلٌ فقال: يا رسولَ الله،
رأيت أبا لبابة ارتبط بحبلٍ إلى جِذْع من جذوع المسجد. فقال رسول الله
وَلَّ: لقد أصابته بعدي فتنةٌ، ولو جاءني لاستغفرتُ له. فإذْ فعلَ هذا فلن
أحرِّكه من مكانِه حتى يقضي اللهُ فيه ما شاء.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، فذكر نحو ما قصَّ موسى
ابن عقبة، وعنده: فلبس رسول الله بَ ﴿ لأمَتَه وأذَّن بالخروج، وأمرهم أن
يأخذوا السّلاح. ففزع النَّاسُ للحرب، وبعث عليّاً على المقدّمة ودفع إليه
اللواء. ثم خرج رسول الله مَ ليو على آثارهمٍ. ولم يقل بضع عشرة ليلة(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، والبكائي - واللَّفظ له - عن ابن إسحاق(٣)، قال:
حاصرهم رسول الله مَ ﴿ خمساً وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهُم الحصارُ، وقذف
الله في قلوبهم الرُّعب. وقد كان جُيَيُّ بنُ أخطب دخل مع بني قُرَيْظة في
أي: أبطأ عليه .
(١)
(٢) دلائل النبوة ٤ / ١٤.
(٣) ابن هشام ٢٣٥/٢ .
٢٠٥

حِصْنهم حين رجعت عنهم قُريش وغطفان، وفاءً لكعب ابن أسد بما كان
عاهده عليه، فلما أيقنوا بأنّ رسول الله ◌ِّ غير منصرفٍ عنهم حتى
يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزلَ بكم من الأمرِ ما
ترون، وإنّي عارضٌ عليكم خِلالاً ثلاثاً، فخُذوا أيَّها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: نُبايع هذا الرجل ونُصَدِّقُه، فَوالله لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لَنَبِيّ مُرْسَل، وأنّه
للَّذي تَجدونه في كتابكم، فتأمَنون على دمائكم وأموالكم. قالوا: لا نفارق
حُكمَ الثَّوراة أبداً ولا نستبدل به غيرَه. قال: فإذْ أبيتم عليَّ هذه، فهلُمَّ
فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمدٍ وأصحابه مُصْلِتين السُّيوف لم
نترك وراءنا ثَقَلاً، حتى يحكم اللهُ بيننا وبينِ محمد، فإنْ نَهْلِكْ نهلك ولم
نترك وراءنا نَسْلاً نخشى عليه، وإنْ نظهر فَلَعَمْري لَنَتَّخِذَنَّ النّساء والأبناء.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين، فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإنْ أبيتم هذه
فإنّ الليلة ليلة السبت وإنّه عسى أنْ يكون محمدٌ وأصحابه قد أمِنُوا فيها
فانزلوا لعلَّنا نُصيب من محمدٍ وأصحابه غِزَّة. قالوا: نُفسد سبْتَنَا ونُحدِث
فيه ما لم يُحْدِث مَن كان قَبلَنا، إلا مَن قد عِلِمْتَ فأصابَهُ ما لم يَخْفَ عليك
من المَسْخ؟ قال: ما باتَ رجلٌ منكم منذ ولدته أمُّهُ ليلةً واحدة من الدَّهر
حازماً .
رواه يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق، لكنّه قال عن أبيه، عن مَعْبَد ابن
كعب بن مالك، فذكره وزاد فيه: ثم بعثوا يطلبون أبا لُبابة، وذَكَرَ رَبْطَه
نفسه (١).
وزعم سعيد بن المسيّب: أنَّ ارتباطه بساريةِ الثَّوبة كان بعد تخلُّفه عن
غزوة تَبُوك حين أعرضَ عنه رسولُ الله ◌َِ ◌ّ وهو عليه عاتبٌ، بما فعل يوم
قُرَيْظة، ثم تخلّف عن غزوة تَبُوك فيمن تخلّف. والله أعلم.
وفي رواية عليّ بن أبي طلحة، وعطيّة العَوْفي، عن ابن عبّاس في
ارتباطه حين تخلّف عن تَبُوكَ ما يؤكِّدُ قولَ ابن المسيِّب(٢) .
(١) دلائل النبوة ١٥/٤ - ١٦. والزيادة ذكرها البكائي عن ابن إسحاق أيضًا كما في سيرة
ابن هشام ٢٣٦/٢ - ٢٣٧.
(٢) دلائل النبوة ٤ /١٦.
٢٠٦

وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ (٣٧)﴾ [الأنفال].
وقال البِكّائيّ، عن ابن إسحاق(١): حدّثني يزيد بن عبدالله بن قُسَيْط،
أنّ تَوْبة أبي لبابة نزلت على رسول الله وَ لّ وهو في بيت أمّ سَلَمَة، قالت أم
سلمة: فسمعتُ رسولَ الله وَ﴿ من السَّحَر وهو يضحك، فقلتُ: مِمَ
تضحك؟ قال: تِيْبَ على أبي لُبابة. قلتُ: أفلا أُبشِّرُه؟ قال: إنْ شئتِ.
قال: فقامت على باب حُجْرَتِها، وذلك قبل أن يُضْرَب عليهنّ الحجاب،
فقالت: يا أبا لُبابة، أبْشِر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار إليه النّاس
ليُطْلِقُوه. فقال: لا والله حتى يكون رسولُ الله ◌ِ ﴿ هو الذي يُطْلِقني بيده.
فلما مرّ عليه خارجاً إلى صلاة الصُّبح أطلقه .
قال عبد الملك بن هشام(٢): أقام أبو لُبابة مرتبطاً بالجذْع ستَّ ليالٍ:
تأتيه امرأتُهُ في وقتِ كلِّ صلاةٍ تحلُّه للصلاةِ، ثم يعود فيرتبط بالجذع، فيما
حدّثني بعضُ أهل العلم. والآية التي نزلت في توبته: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا ﴾﴾ [التوبة] الآية.
قال ابن إسحاق(٣): ثم إنّ ثعلبة بن سَعْيَة، وأسيد بن سعية، وأسد ابن
عُبَيْد، وهم نفر من هَذْل، أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قُرَيْظة على
حُكم رسول الله ◌َالله .
شُعْبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال: سمعتُ أبا أُمَامَة بن سهل
يحدّثُ عن أبي سعيد قال: نزل أهل قُرَيْظة على حُكم سعد بن مُعَاذ،
فأرسل إليه رسولُ الله ◌َّ ر، فأتاه على حمار. فلما دنا قريباً من المسجد قال
رسول الله بَّه: قوموا إلى سَيِّدكم، أو إلى خَيْرِكم فقال: إنّ هؤلاء قد نزلوا
على حُكمك، فقال: تقتل مُقَاتلتهم وتُسبى ذريتهم. فقال رسول الله مَاله:
لقد حكمتَ عليهم بحكم الله. وربّما قال: بحكم المَلِك. مُتَّفقٌ عليه (٤).
ابن هشام ٢/ ٢٣٧ .
(١)
ابن هشام ٢٣٨/٢.
(٢)
ابن هشام ٢٣٨/٢.
(٣)
(٤) البخاري ٨١/٤ و٤٤/٥ و ١٤٣ و٧٢/٨، ومسلم ١٦٠/٥، ودلائل النبوة ١٨/٤.
٢٠٧

وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١) قال: قاموا إليه فقالوا: يا أبا
عَمْرو، قد ولاّك رسولُ الله ◌ِّهِ أَمرَ مواليكَ لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم
بذلك عهدُ الله وميثاقُه؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَنْ ها هنا من النّاحية التي
فيها النّبيّ مََّ ومَن معه، وهو مُعرضٌ عن رسولِ اللهِ مَّ إجلالاً له؛ فقال
رسول الله وَّةٍ: نعم. فقال سعد: أحكمُ أنْ تُقتلَ الرجال وتقسم الأموال
وتسبي الذّراري.
شُعْبة وغيره: عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن عطيّة القرِيّ، قال: كنت
فِي سَبْي قُرَيْظة، فأمر رسول الله بِّهِ بمن أنبت(٢) أنْ يُقْتَل، فكنتُ فيمن لم
يُنْبِت (٣).
موسى بن عُقْبة(٤): قال رسول الله مَّ حين سألوه أن يُحَكُم فيهم
رجلاً: اختاروا مَنْ شئتم من أصحابي؟ فاختارو سعد بن معاذ، فرضيَ بذلك
رسولُ الله ◌َ﴾، فنزلوا على حُكْمه. فأمر عليه السلام بسلاحهم فجُعِل في
قُبَته، وأمر بهم فكُتِّفوا وأُوثقوا وجُعِلوا في دارِ أُسامة. وبعث رسول الله ◌ِ له
إلى سعدٍ، فأقبل على حمارِ أعرابيّ يزعمونَ أنّ وطاءَهُ بَرْذَعةٌ من ليف،
واتّبعه رجلٌ من بني عبدالأشهل، فجعل يمشي معه ويعظّم حقَّ بني قُرَيْظة
ويذكر حِلْفَهم والذي أبْلوه يومَ بُعاث، ويقول: اختاروك على مَنْ سواك
رجاءَ رحمتِكَ وتحتُّنْكَ عليهم، فاسْتَبْقِهِم فإنَّهم لك جمالٌ وعُدَد. فأكثرَ
ذلك الرجلُ، وسعدٌ لا يَرْجع إليه شيئاً، حتى دَنَوا، فقال الرجل : ألا تَرجعُ
إليَّ فيما أُكلِّمُكَ فيه؟ فقال سعد: قد آنَ لي أنْ لا تأخذني في اللهِ لومة لائم.
ففارقه الرجلُ، فأتى قومَهُ فقالوا: ما وراءكَ؟ فأخبرهم أنّه غير مُسْتَبْقيهم،
وأنَّ رسولَ اللهُ بَّه قتل مُقاتلتهُم، وكانوا فيما زعموا ست مئة مُقاتل قُتِلوا
عند دار أبي جَهْم بالبلاط، فزعموا أنَّ دماءهم بلغتْ أحجار الزَّيت التي
كانت بالسّوق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بين مَنْ حضر من
(١) ابن هشام ٢٣٩/٢ - ٢٤٠.
(٢) أي: بَلَغ الحلم.
(٣) دلائل النبوة ٢٥/٤.
(٤) دلائل النبوة ١٩/٤ - ٢١.
٢٠٨

المسلمين. وكانت خيلُ المسلمين ستة وثلاثين فرساً. وأُخْرِجَ حُبَيُّ بنُ
أخطب فقال له رسولُ الله ◌َّ: هل أخزاكَ الله؟ قال له: لقد ظهرتَ عليَّ وما
ألومُ إلاّ نفسي في جهادكَ والشّدّة عليك. فأمر به فضُرِبَتْ عُنُقُه. كلُّ ذلك
بعین سعد .
وكان عَمْرو بن سُعْدى اليهودي في الأسرى، فلما قدَّموه ليقتلوه فقدوه
فقيل: أين عَمْرو؟ قالوا: واللهِ ما نراهُ، وإنّ هذه لَرُمَّتُه(١) التي كان فيها، فما
ندري كيف انفلتَ؟ فقال رسول الله وَّ: أفلتَنا بما علمَ الله في نفسه. وأقبل
ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله وَ ﴾ فقال: هب لي الزَّبِير؛ يعني ابن
باطا وامرأته. فوهبهما له، فرجع ثابت إلى الزَّبِير، فقال: يا أبا عبدالرحمن
هل تعرفني - وكان الزبير يومئذٍ أعمى كبيراً - قال: هل ينكر الرجلُ أخاه؟
قال ثابت: أردتُ أن أجزيك اليوم بيدك، قال: افعل، فإنَّ الكريمَ يَجْزي
الكريمَ، فأطلقه. فقال: ليس لي قائد، وقد أخذتم امرأتي وبَنيَّ، فرجع
ثابت إلى رسولِ الله ◌َ ﴿ فسأله ذرية الزَّبِير وامرأته، فوهبهم له، فرجع إليه
فقال: قد ردَّ إليكَ رسولُ اللهِ وَّهِ امرأتكَ وبنيك. قال الزَّبِير: فحائطُ لي فيه
أعذق ليس لي ولأهلي عيشٌ إلّ به. فوهبه له رسولُ الله ◌َِهر. فقال له ثابت:
أسلم، قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالاً من قومه بأسمائهم. فقال
ثابت: قد قُتِلوا وفُرِغَ منهم، ولعلّ الله أنْ يَهديك. فقال الزَّبِير: أسألك بالله
وبيدي عندك إلاّ ما ألحقتني بهم، فما في العيشِ خيرٌ بعدهم. فذكر ذلك
ثابت لرسول الله وَّ، فأمر بالزَّبِير فَقُتِل.
قال الله تعالى في بني قُرَيْظة في سياق أمر الأحزاب: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ
ظَهَرُوهُمْ﴾ يعني: الذين ظاهروا قُرِيشاً: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ
وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب].
وقال عُرْوَة في قوله: ﴿ وَأَرْضَّا لَمْ تَطَعُوهَا ﴾﴾ [الأحزاب]. هي خَيْبَر.
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة،
عن عبدالرحمن بن عَمْرو بن سعد بن مُعَاذ، عن علقمة بن وقّاص اللَّيْثِي،
(١) أي: قطعة الحبل التي كان مربوطاً فيها .
(٢) ابن هشام ٢/ ٢٤٠.
يخ الإسلام ١/م١٤
٢٠٩

قال: قال رسول الله وَلِ لسعد: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوقِ سبعة
أرقعة(١).
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): فحبسهم رسولُ الله ◌ِّل في دار بنت
الحارث النَّجَّارية، وخرج إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادقَ، ثم بعثَ
إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق. وفيهم حُيَيّ بن أخطب، وكعب بن
أسد رأس القوم. وهم ست مئة أو سبع مئة، والمُكَثِّرُ يقول: كانوا بين
الثمان مئة والتسع مئة. وقد قالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى رسولِ الله ◌َِجيل
أرسالاً: يا كعبُ ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كلِّ موطنٍ لا تعقلون. أما
ترون الذَّاعي لا ينزع، وأنّهِ مَنْ ذهبَ منكم لا يرجع؟ هو والله القَتْلِ. وأُتِيَ
بحُيِّيّ بن أخطب وعليه حلّة فُقَّاحية(٣) قد شقّها من كل ناحية قدر أَنْمُلَة لئلاً
يُسْلَبها، مجموعةً يَدَاهُ إلى عُنُقه بحبل، فلما نظر إلى رسولِ اللهِ لَه قال: أمَا
والله ما لُمْتُ نفسي في عداوتك، ولكنّه من يَخْذل الله يُخْذَل. ثم أقبلٍ على
النّاس فقال: أيّها النّاس إنّه لا بأس بأمرِ الله. كتابٌ وقَدَرٌ ومَلْحمة كُتبت
على بني إسرائيل. ثم جلس فضُربتِ عُنُقُهُ.
وقال ابن إسحاق(٤)، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر، عن عمّه عُرْوة،
عن عائشة، قالت: لم يُقتل من نسائهم إلاّ امرأة واحدة، قالت: إنّها والله
لعندي تَحَدَّثُ معي وتَضحكُ ظهراً وبَطْناً، ورسولُ الله ◌ِلَه يقتل رجالَهم
بالسُّوق إذ هتف هاتفٌ: يابنتَ فُلانة. قالت: أنا والله. قلتُ: ويلكِ، ما
لكِ؟ قالت: أُقْتَل. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته. فَانْطُلِقَ بها فضُربت
عُثُقها .
قال عكرمة وغيره: صياصیهم: حصونهم.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٥): ثم بعث النّبيُّ مَثّ سعدَ بنَ زيد، أخا
بني عبدالأشهل بسبايا بني قُرَيْظة إلى نَجْدٍ، فابتاع له بهم خيلاً
هي السماوات.
(١)
(٢)
ابن هشام ٢/ ٢٤٠-٢٤١.
أي: تضرب إلى الحمرة، أي على لون الورد حين هَمَّ يتفتح.
(٣)
(٤)
ابن هشام ٢٤٢/٢.
(٥) ابن هشام ٢٤٥/٢، ودلائل النبوة ٢٤/٣ - ٢٥.
٢١٠

وسلاحاً. وكان مَ له قد اصطفى لنفسه رَيْحانة بنت عَمْرو بن خُنَافة، وكانت
عنده حتى تُوُفّي وهي في مِلْكه، وعرض عليها أن يتزوَّجها، ويضرب عليها
الحجابَ، فقالت: يا رسولَ الله بل تتركني في مالك فهو أخفُّ عليكَ
وعليَّ. فتركها. وقد كانت أوّلاً توقَّفتْ عن الإسلام ثم أسلمت، فَسُرَّ النّبيُّ
مَلّ بذلك، والله أعلم.
وفي ذي الحجة:
وفاة سعد بن معاذ من سنة خمس
هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُصيب سعد يوم
الخندق، رماه رجلٌ من قُرَيش يقال له حِبّان بن العَرِقَة، رماه في الأکحل،
فضرب عليه رسول الله وَّ خيمةً في المسجد ليعوده من قِرِيبٍ. فلما رجع
من الخندق؛ وذكر الحديث، وفيه قالت عائشة: ثم إنّ كَلْمَهُ تحجّر للبُزْء
فقال: اللَّهُمَّ إنّك تعلمٍ أنّه ليس أحدٌ أحبّ إليّ أن أُجاهد فيك من قوم كذَّبوا
رسولَك وأخرجوه، اللَّهُمَّ فإنّي أظنُّ أنّك قد وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم،
فإنْ كان بقي من حرب قريش شيء فَأَبْقِني لهم حتّى أُجاهدهم فيك، وإنْ
كنتَ وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فافجرْها واجعل موتي فيها. قال: فانفجر
من لَبَّتِهِ، فلم يَرُعْهُم - ومعهم في المسجد أهل خيمةٍ من بني غفار - إلّ
والدَّم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلكم؟
فإذا سعدٌ جُرْجُهُ يَغْذُو فمات منها. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال اللَّيث: حدّثني أبو الزُّبَيْر، عن جابر، قال: رُمي سعدٌ يوم
الأحزاب فقطعوا أكْحَلَه، فحسمه رسولُ الله ◌ِ لّه بالنّار، فانتفخت يده،
فتركه، فنزفه الدَّمُ فحسمه أخرى. فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللَّهُمَّ
لا تُخْرِجْ نفسي حتى تُقِرّ عيني من بني قُرَيْظة. فاستمسك عِرْقُه فما قطرت
منه قطرة، حتى نزلوا على حُكم سعد، فأرسل إليه رسولُ الله ◌ِّ، فحكم أن
(١) البخاري ١٤٤/٥، ومسلم ١٦٠/٥، ودلائل النبوة ٢٦/٤ - ٢٧.
٢١١

تُقتلَ رجالُهم وتُشْبى نساؤهم وذراريهم، قال: وكانوا أربع مئة. فلما فرغ
من قتلهم، انفتق عِرْقُه فمات. حديث صحيح(١). (٢).
وقال ابن راهوية: حدثنا عَمْرو بن محمد القُرَشي، قال: حدثنا عبد الله
ابن إدريس، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله
وَلَّى: إنّ هذا الذي تحرّك له العرشُ - يعني سعد بن معاذ - وشيَّع جنازَته
سبعون ألف مَلَك، لقد ضُمَّ ضَمَّةً ثم فُرِّجَ عنه(٣).
وقال سليمان التَّيْمي، عن الحسن: اهتزّ عرشُ الرحمن فرحاً
بروحه(٤) . (٥) .
وقال يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر، قال :
جاء جبريل إلى رسول الله وَلّ فقال: مَنْ هذا العبد الصالح الذي مات؛
فتحت له أبواب السماء وتحرّك له العرش؟ قال: فخرج رسول الله مح # فإذا
سعد بنُ مُعَاذ، فجلس رسولُ الله ◌ِ لَّ على قبره وهو يُدْفَن، فبينما هو جالس
قال: سبحان الله - مرّتين - فسبّح القوم. ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فكبَّرَ
القومُ. فقال: عجِبْتُ لهذا العبد الصالح شُدِّدَ عليه في قبره حتى كان هذا
حين فُرِّج له(٦).
روى بعضَه محمدُ بنُ إسحاق، عن معاذ بن رِفاعة، قال: أخبرني
محمود بن عبدالرحمن بن عَمْرو بن الجَمُوح، عن جابر .
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٧): حدّثني مُعَاذ بن رِفاعة الزُّرَقي، قال:
أخبرني من شئت من رجال قومي أنّ جبريل أتى النَّبِيّ ◌َّ في جوف اللّيل
(١) أحمد ٣٥٠/٣، والدارمي (٢٥١٢)، والترمذي (١٥٨٢) وصححه، والبيهقي في
الدلائل ٤/ ٢٧-٢٨.
(٢) كتب على هامش الأصل: ((هذا السند على شرط مسلم)).
(٣) دلائل النبوة ٢٨/٤.
(٤) انظر وفاة سعد بن معاذ في الطبقات الكبرى لابن سعد ٤٢٤/٣ -٤٣٤.
(٥) كتب على هامش الأصل: ((على شرط البخاري)).
(٦) طبقات ابن سعد ٤٣٢/٣، ودلائل النبوة ٢٩/٤. وانظر مسند أحمد ٣٢٧/٣ و٣٦٠
و ٣٧٧.
(٧) ابن هشام ٢/ ٢٥٠-٢٥١، ودلائل النبوة ٢٩/٤.
٢١٢

مُعْتَجراً بعمامة من إسْتَبْرَقَ، فقال: يا محمد مَنْ هذا الميت الذي فُتِحَت له
أبوابُ السماء واهتزّ له العرش؟ فقام رسول الله بَ لَه يجرّ ثوبه مُبادراً إلى سعد
ابن معاذ فوجده قد قُبض .
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(١): حدّثني من لا أتّهم، عن الحَسَن
البَصْرِي، قال: كان سعد رجلاً بادناً، فلما حمله النّاس وجدوا له خفّة .
فقال رجال من المنافقين: والله إنْ كان لَبَادِناً وما حملنا من جنازةٍ أخفّ
منه. فبلغ ذلك رسولَ الله ◌َّه فقال: إنّ له حَمَلَةً غيركم، والذي نفسي بيده
لقد استبشَرَت الملائكة بروح سعدٍ واهتزّ له العرش.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني أميّة بن عبدالله أنّه سأل بعضَ
أهل سعد: ما بَلَغَكم من قول رسول الله مِّ في هذا؟ فقالوا: ذُكِر لنا أنّ
رسول الله مَّ سُئل عن ذلك فقال: كان يقصّر في بعض الطُّهور من
البَوْل(٣).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عَمْرو بن علقمة، عن أبيه، عن
جدّه، عن عائشة، قالت: خرجتُ يوم الخندق أقفو آثار النّاس، فسمعت
وئيد الأرض، تعني حسّ الأرض، ورائي، فالتفتُّ فإذا أنا بسعد بن مُعاذ
ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَتَّه. فجلستُ، فمرّ سعدُ وهو
يقول :
لبِّثْ قليلاً يُدْرِكِ الهَيْجا حَمَلْ ما أحْسَنَ المَوْتَ إذا حانَ الأجَلْ
قالت: وعليه درع قد خرجتْ منها أطرافه، فتخوَّفْت على أطرافه،
وكان من أطول النّاس وأعظمهم. قالت: فاقتحمتُ حديقةً، فإذا فيها نفرٌ
فيهم عمر، وفيهم رجل عليه مغْفَر. فقال لي عمر: ما جاء بكِ؟ والله إنّكِ
الجريئة، وما يؤمنكِ أن يكون تَحَوُّراً وبَلاءً. فما زال يلومني حتى تمنّيت أنْ
الأرض انْشَقَّت ساعتئذٍ فدخلتُ فيها. قالت: فرفع الرجل المِغْفَر عن
وجهه، فإذا طلحة بن عُبَيْد الله، فقال: وَيْحَكَ، قد أكثرت وأين التحوّر
(١) ابن هشام ٢/ ٢٥١.
(٢) ابن هشام ٤٣٠/١، ودلائل النبوة ٣٠/٤.
(٣) كتب على هامش الأضل: ((من هنا إلى آخر الترجمة أُخذ من الطبقات لابن سعد)).
٢١٣

والفِرار إلاّ إلى الله؟ قالت: ويرمي سعداً رجلٌ من قُرَيْش، يقال له ابن
العَرِقَة، بسهم، فقال: خُذْها، وأنا ابن العَرِقَة. فأصاب أكْحَلَه. فدعا الله
سعدٌ فقال: اللَّهُمَّ لا تُمِثْني حتى تشفيني منَ قُرَيْظَة. وكانوا مواليه وحُلفَاءه
في الجاهلية. فرقا كَلِّمُه وبعث اللهُ الريحَ على المشركين. وساق الحديث
بطوله. وفيه قالت: فانفجر كَلْمُه وقد كان بَرِىء حتى ما يُرَى منه إلاّ مثل
الخُرْص(١). ورجع إلى قُبْته. قالت: وحضره رسول الله بَّه وأبو بكر
وعمر. فإنّي لأعرف بكاءَ أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حُجْرتي، وكانوا
كما قال الله تعالى ﴿رُجَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح]. قال: فقلت: ما كان رسولُ
الله ◌ِلّه يصنع؟ قالت: كانت عيناه لا تدمع على أحد ولكنّه إذا وَجَدَ فإنّما هو
آخذٌ بلحيته(٢).
وقال حمّاد بن سَلَمَةٍ، عن محمد بن زياد، عن عبدالرحمن بن عَمْرو بن
سعد بن مُعَاذ، أنّ بني قُرَيْظة نزلوا على حُكم رسول الله بَّر، فأرسل إلى
سعد بن مُعاذ فأُتي به محمولاً على حمار وهو مُضْنى من جرحه، فقال له :
أشِرْ عليّ في هؤلاء. فقال: إنّي أعلم أنّ الله قد أمرك فيهم بأمرٍ أنت فاعلُه.
قال: أجل، ولكنْ أشِرْ عليّ فيهم. فقال: لو وُلِّيتُ أمرَهم قتلتُ مُقاتلَتهم
وسبيتُ ذَراريهم وقسمتُ أموالَهم. فقال: والذي نفسي بيده لقد أشرتَ عليَّ
فيهم بالذي أمَرني الله به(٣) .
وقال محمد بن سعد: أخبرنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثني محمد ابن
صالح التمّار، عن سعد بن إبراهيم، سمع عامر بن سعد، عن أبيه، قال:
لما حكم سعد بنُ مُعاذ في قُرَيْظة أن يُقتل مَنْ جرت عليه الموسى، قال
رسول الله مَلو: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع
سماوات (٤) .
الخاتم أو حلقة القرط .
(١)
(٢) طبقات ابن سعد ٤٢٣/٣، وأحمد في المسند ٦/ ١٤١- ١٤٢.
(٣)
البخاري ٤/ ٨١ و٤٤/٥ و ١٤٣ و٧٢/٨، ومسلم ١٦٠/٥، وأحمد ٢٢/٣ و٧١،
والطبقات الكبرى ٤٢٥/٣.
(٤) الطبقات ٤٢٦/٣، والفتح ٤١٢/٧ ونسبه إلى النسائي.
٢١٤

وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن
رجل من الأنصار، قال: لما قضى سعد في قُرَيْظة ثمّ رجع انفجر جرحه،
فبلغ ذلك النّبِيّ بََّ، فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حِجْره، وسُجّي بثوبٍ
أبيض إذا مُدّ على وجهه بَدَتْ رِجْلاهُ، وكان رجلاً أبيضَ جسيماً، فقالَ
رسول الله بَّ: اللَّهُمَّ إنّ سعداً قدَ جاهد في سبيلك وصدَّق رسولك وقضی
الذي عليه، فتقبَّلْ روحَه بخير ما تقبَّتَ روح رجل. فلما سمع سعد كلامَ
رسولِ اللهِ مَّ فتح عينيه، فقال: السّلام عليك يا رسول الله، أشهد أنّك
رسول الله. قال: وأمّه تبكي وتقول:
حَزَامَةً وَجِدًا
وَيْلُ أُمّ سعدٍ سعدا
فقيل لها: أتقولين الشِّعْرَ على سعد؟ فقال رسول الله ◌ِّله: دعوها
فغيرها من الشعراء أكذب.
وقال عبدالرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قَتَادَة، عن محمود
ابن لبيد، قال: لما أُصيب أكْحَلُ سعدٍ حَوَّلوه عند امرأةٍ يقال لها رُفَيْدة،
وكانت تداوي الجَرْحَى، قال: وكان النّبِيّ ◌ِلَّ إذا مرّ به يقول: كيف
أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟ فيخبره، فذكر القصّة. وقال:
فأسرع النّبيّ مَّ المشي إلى سعد، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: إنّي
أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسّلتْ حنظلة. فانتهى رسول الله
وَلَه إلى البيت وهو يُغَسّل، وأمّه تبكيه وتقول:
وَيْلُ أَمّ سعدٍ سعدا . حَزَامَةً وجِدًا
فقال رسول الله وَ له: كلّ نائحة تكذبُ إلاّ أمّ سعد. ثم خُرِجَ به فقالوا:
ما حَمَلْنا ميتاً أخفَّ منه. فقال النّبيُّ بَله: ما يمنعكم أن يَخِفَّ عليكم وقد
هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط، قد حملوه معكم.
وقال شُعْبة: أخبرني سماك بن حرب، قال: سمعت عبدالله بنَ شدّاد
يقول: دخل رسول الله مَّل على سعد بن معاذ وَهوَ يكيد(١) بنفسه فقال:
جزاك الله خيراً من سيّد قوم، فقد أنجزت الله ما وعدْتَه وليُنْجزنَّك الله ما
وَعَدَكَ .
(١) أي: يجودُ بها.
٢١٥

وقال ابن نُمَيْر: حدّثنا عُبَيْد الله بن عمر، عن نافع، قال: بلغني أنّه شهد
سعداً سبعون ألف مَلَكِ لم ينزلوا إلى الأرض.
رواه غيره: عن عُبَيْدالله، عن نافع، فقال: عن ابن عمر .
وقال شَبابة: أخبرنا أبو معشر، عن المَقْبُري، قال: لما دفن رسولُ الله
◌ِّ سعداً قال: لو نجا أحدٌ من ضغطة القبر لنجا سعد ولقد ضُمَّ ضمَّةً
اختلفتْ منها أضلاعه من أثر البول(١).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عَمْرو، عن [محمد بن
المنكدر، عن](٢) محمد بن شُرَحبيل، أن رجلاً أخذ قبضةً من تراب قبر
سعد يوم دُفِن، ففتحها بعد فإذا هي مِسْك.
وقال محمد بن موسى الفِطْري: أخبرنا معاذ بن رِفاعة الزُّرَقي، قال:
دُفِن سعد بن معاذ إلى أُسّ دار عقيل بن أبي طالب.
قال محمد بن عَمْرو بن علقمة: حدّثني عاصِمٍ بن عمر بن قَتَادَة أنّ
رسول الله ◌ِّ استيقظ فجاءه جبريل، أو قال: مَلَكٌ فقال: مَن رجلٌ من
أُمَّتك مات الليلة استبشر بموته أهلُ السماء؟ قال: لا أعلمه، إلاّ أنّ سعد
ابن مُعاذ أمسى قريباً(٣)، ما فعل سعد؟ قالوا: يا رسول الله قُبض وجاء قومُه
فاحتملوه إلى دارهم. فصلّى رسول الله ◌ِ ﴾ بالنّاس الصُّبح، ثم خرج وخرج
النّاس مَشْياً حتى إنَّ شسوع نِعالهم تقطع من أرجلهم وإنّ أرْدِيتهم لتسقُط من
عواتقهم، فقال قائل: يا رسول الله قد بَثَّتَّ(٤) النّاسَ مَشْياً، قال: أخشى أن
تسبقنا إليه الملائكة كما سَبَقَتْنا إلى حنظلة(٥).
شُعبة: حدثنا سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، عن النّبيّ
،
قال: ((إنّ للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ)).
(١) طبقات ابن سعد ٤٣٠/٣.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة من ابن سعد (٤٣١/٣) كأن المؤلف ذهل عنها، وانظر
تهذيب الكمال ٢٦/ ٥٠٧ .
(٣) هكذا في نسخة البشتكي، وفي نسخة (ع): ((دَنِيّا)) وفي طبقات ابن سعد ٤٢٣/٣ :
((دنفاً)) وكلها بمعنى.
(٤) أي: أتعبتَ الناسَ مشياً.
(٥) طبقات ابن سعد ٣/ ٤٢٣ -٤٢٤.
٢١٦

شُعبة: حدّثني أبو إسحاق، عن عَمْرو بن شُرَحْبيل، قال: لما انفجر
جرح سعد بن مُعَاذ التزمه رسول الله مَّة، جعلتِ الدماءُ تَسيلُ على النّبيّ
وَلَه، فجاء أبو بكر فقال: واكَسْرَ ظهرناه، فقال: مَه يا أبا بكر. ثم جاء عمر
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
روى عُقْبة بن مُكْرَم: حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن شعبة، عن سعد بن
إبراهيم، عن نافع، عن صفيّة بنت أبي عُبَيْد، عن عائشة، مرفوعاً: لو نجا
أحدٌ من ضمّة القبر لنجا منها سعد. وقد تقدّم هذا، وما فيه صفيّة.
وليس هذا الضّغط من عذاب القبر في شيء، بل هو من رَوْعات
المؤمن كنَزْع روحه، وكَألمِه من بكاء حميمه عليه، وكَرَوْعته من هجوم
مَلَكَيْ الامتحانِ عليه، وكَرَوْعتِهِ يومَ الموقفِ وساعةَ وُرُودٍ جهنّم، ونحو
ذلك. نسأل الله أن يُؤَمِّنَ روعاتنا .
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عَمْرو، عن أبيه، عن جدّه، عن
عائشة، قالت: ما كان أحد أشدّ فَقْداً على المسلمين بعد رسول الله مَ له
وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ(١).
وقال الواقديّ(٢): أخبرنا عتبة بن جَبِيرة، عن الخُصَيْن بن عبدالرحمن
ابن عَمْرو بن سعد بن معاذ، قال: كان سعد بن معاذ أبيض طوالاً، جميلاً،
حَسَن الوجه، أعْيَن، حَسَن اللّخْية. فرُمي يوم الخندق سنة خمسٍ فمات
منها، وهو ابن سبع وثلاثين سنة. ودُفن بالبقيع .
وقال أبو معاويّة، عن الأعمش، عن أبي سُفْيان، عن جابر، قال رسول
الله ◌ٍِّ: ((اهتَزَّ عرشُ الله لموت سعد بن معاذ)).
وقال عَوْف، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال رسول الله ◌ِّ: ((اهتز
العرش لموت سعد بن معاذ» .
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن إسحاق ابن
راشد، عن امرأة من الأنصار يقال لها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، أنّ رسول
(١) طبقات ابن سعد ٤٣٣/٣.
(٢) المغازي ٥٢٥/٢ .
٢١٧

الله ◌َِّ قال لأمّ سعد بن مُعَاذ: ((ألا يَرْقُ دَمْعُكِ ويذهب حزنُك بأن ابنك أوّل
من ضحك الله له واهتزّ له العرش؟)).
وقال يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن فَتَادة، عن
جدّته رُمَيْئَة أنّها قالت: سمعت رسول الله مَليه - ولو أشاء أن أقبّل الخاتم
الذي بين كتفيه من قُربي منه لَفَعَلْتُ - يقول لسعد بن معاذ يوم مات: ((اهتزّ
له عرش الرحمن)»(١).
وقال محمد بن فُضَيْل، عن عطاء بن السّائب، عن مجاهد، عن ابن
عمر، قال: اهتزّ العرش لحبّ لقاء الله سعداً. قال: إنّما يعني السّرير. قال:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ .َ﴾ [يوسف] قال: تفسّختْ أعوادُه. قال: ودخل
رسول الله مَلّ قبرَه فاحتُبِس، فلما خرج قيل له: يا رسول الله: ما حبسكَ؟
قال: ضُمَّ سعدٌ في القبر ضمَّة فدعوت الله يكشف عنه(٢).
وقال الثَّوْرِي وغيره، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء أنَّ النّبيَّ ◌َ لَ أُتَّيَ بثوب
حرير، فجعل أَصحابُه يتعجّبون من لِينه فقال: ((إنّ مناديل سعد بن معاذ في
الجنّة ألْين من هذا)). مُتَّفقٌ على صحّته(٣).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عَمْرو، عن واقد بن عَمْرو ابن
سعد بن معاذ، قال: دخلت على أنس بن مالك؛ وكان واقدٌ من أعظم
النّاس وأطولهم؛ فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا واقد بن عَمْرو بن سعد بن
مُعاذ. فقال: إنّك بسعد لشبيه، ثم بكى فأكثَرَ البكاء. ثم قال: يرحم الله
سعداً، كان من أعظم النّاس وأطولهم. ثم قال: بعث رسول الله مَل جيشاً
إلى أُكَيْدر دُومة، فبعث إلى رسول الله بجُبّةٍ من دِيباج منسوج فيها الذَّهَب،
فلبسها رسول الله بِّهِ، فجعل النّاس يمسحونها وينظرون إليها، فقال:
أتعجبون من هذه الجُبَّة؟ قالوا: يا رسول الله ما رأينا ثوباً قط أحسن منه،
قال: فَوَالله لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن ممّا تَرون (٤).
طبقات ابن سعد ٤٣٥/٣ .
(١)
طبقات ابن سعد ٣/ ٤٣٣ .
(٢)
طبقات ابن سعد ٤٣٥/٣ .
(٣)
طبقات ابن سعد ٤٣٥/٣-٤٣٦.
(٤)
٢١٨

قلت: هو سعد بن معاذ بن النُّعمان بن أمرىء القَيْس بن زيد بن
عبدالأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عَمْرو، ولقبه النَّبَيْت، ابن
مالك بن الأوس؛ أخي الخَزْرج؛ وهما ابنا حارثة بن عَمْرو؛ ويُدعى حارثة
العنقاء؛ وإليه جماع الأوس والخزرج أنصار رسول الله مَ ثير. ويُكنى سعد أبا
عَمْرو، وأمّه كَبْشة بنت رافع الأنصاريِّ، من المُبايعات. أسلم هو وأَسَيْد بن
الحُضَير على يد مُصْعب بن عُمَيْر، وكان مُصْعب قَدِم المدينةَ قبل العقبة
الآخرة يدعو إلى الإسلام ويُقْرىء القرآن. فلما أسلم سعد لم يبق من بني
عبدالأشهل - عشيرة سعد - أحدٌ إلاّ أسلم يومئذٍ. ثم كان مُصْعَب في دار
سعد هو وأسعد بن زرارة، يدعوان إلى الله. وكان سعد وأسعد ابنَيْ خالة.
وآخِى النّبِيُّ بَّه بين سعد بن مُعاذ وأبي عُبَيْدة بن الجرّاح. قاله ابن
إسحاق(١).
وقال الواقديّ، عن عبدالله بن جعفر، عن سعد بن إبراهيم، وغيره:
آخى النّبيّ ◌َّ بينه وبين سعد بن أبي وقّاص(٢).
شهد سعد بَدْراً، وثبت مع رسول الله بَل﴿ يوم أُحُد حين ولّى النّاس.
وقال أبو نُعَيْم: حدثنا إسماعيل بن مُسلم العبدي: حدثنا أبو المتوكّل،
أنّ النّبيّ بِّهَ ذكر الحُمَّى، فقال: مَنْ كانت به فهي حظّه من النَّار. فسألها
سعد بن معاذ ربَّه، فلزِمَتْه فلم تفارقه حتى فارق الدنيا .
وكان لسعد من الولد: عَمْرو، وعبدالله، وأمُّهما: عمّة أُسَيْد بن
الخُضَير هند بنت سِماك من بني عبدالأشهل، صحابيّة . وكان تزوّجها أوس
ابن مُعاذ أخو سعد - وقُتلَ عبد الله بن عَمْرو بن سعد - يوم الحَرَّةِ(٣).
وكان لعمرو من الولد: واقد بن عَمْرٍو، وجماعة قيل إنّهم تسعة .
وقُتِلَ عَمْرو أخو سعد بن مُعاذ يوم أُحُد، وقُتِلَ ابن أخيهما الحارث ابن
أوس يومئذٍ شاباً، وقد شهدوا بَدْراً، والحارث أصَابه السَّيفُ ليلة قَتَلوا كعب
ابن الأشرف، واحتمله أصحابُه. وشهد بعد ذلك أُحُداً.
(١) وانظر طبقات ابن سعد ٣/ ٤٢٠-٤٢١ .
(٢)
طبقات ابن سعد ٣/ ٤٢١ .
(٣) طبقات ابن سعد ٣/ ٤٢٠ .
٢١٩

روى عن سعد بن معاذ: عبد الله بن مسعود قصّتة بمكة مع أُميَّة بن
خَلَف، وذلك في صحيح البخاري(١)
وحصن بني قُرَيْظة على أميالٍ من المدينة، حاصرهم النّبِيّ ◌ِلّ خمساً
وعشرين ليلة .
واستشهد من المسلمين: خلّد بن سُوَيد الأنصاري الخزرجي، طُرِحت
عليه رَحَى، فَشَدَخَتْه(٢).
ومات في مدّة الحصار أبو سِنان بن مِحْصَن، بدريّ مهاجري، وهو أخو
عكّاشة بن مِحْصَن الأسدي. شهد هو وابنه سِنان بَدْراً. ودُفن بمقبرة بني
قُرَيْظة التي يتدافن بها من نزل دُورهم من المسلمين، وعاش أربعين سنة،
ومنهم من قال: بقي إلى أن بايع تحت الشَّجرة.
إسلام ابني سَعْيَة
وأسد بن مُبَيْد
قال يونس بن بُكَيْر، وجرير بن حازم، عن ابن إسحاق: حدّثني عاصم
ابن عمر بِن قَتَادَة، عن شيخ من بني قُرَيْظة، أنه قال: هل تدري عَمَّ كان
إسلامُ تَعْبَلَة وأسد ابني سَعْيَة، وأسد بن عُبَيْد، نفر من هَدْل، لم يكونوا من
بني قُرَيْظة ولا نَضِير، كانوا فوق ذلك؟ قلت: لا. قال: إنّه قدِم علينا رجل
من الشام يهوديّ، يقال له ابن الهَيْبَان، ما رأينا خيراً منه. فكنّا نقول إذا
احتبس المطر: استسْقِ لنا. فيقول: لا والله، حتى تُخْرِجوا صدقةً صاعاً من
تمر أو مدّاً من شعير. فنفعل، فيخرج بنا إلى ظاهر حَرَّتنا. فَوَالله ما يبرح
مجلسه حتى تمرَّ بنا الشِّعابُ تَسِيلُ. قَد فعل ذلك غير مرّة ولا مرّتين. فلما
حَضَرَتْه الوفاة، قال: يا معشر يهود؛ ما ترونه أخرجني من أرض الخمر
والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: أخرجني نبيٌّ
(١) البخاري ٢٤٩/٤.
(٢) ابن هشام ٢٤٢/٢.
٢٢٠