Indexed OCR Text
Pages 161-180
له، فاشترى بسوق النَّبْط(١)، وقالوا: من أين جَلَبُك؟ قال: جئتُ به من نجد، وقد رأيت أنماراً وثعلبة قد جمعوا لكم جُمُوعاً، وأراكم هادين عنهم. فبلغ رسولَ الله ◌ََّ قولُه، فخرج في أربع مئة من أصحابه - وقيل سبع مئة - وسلك على المضيق، ثم أفضى إلى وادي الشُّقْرَة، فأقام بها يوماً، وبثّ السَّرايا، فرجعوا إليه مع اللّيل وأخبروه أنّهم لم يروا أحداً، وقد وطئوا آثاراً حديثة. ثم سار النّبِيُّ ◌َّ في أصحابهٍ، حتى أتى محالَّهم، فإذا ليس فيها أحدٌ، وهربوا إلى الجبالِ، فهم مُطِلُّون على النّبِيِّ بَّ. وَخاف النّاس بعضهم بعضاً. وفيها صلّى رسول الله ◌َله بأصحابه صلاةَ الخَوْفِ. وقال عبدالملك بن هشام(٢): وإنّما قيل لها ذات الرّقاع لأنّهم رقَّعوا فيها راياتهم. قال: ويقال ذات الرّقاع شجرة هناك. والظاهر أنّهما غزوتان(٣). وقَال شُعيب، عن الزُّهْري: حدّثني سِنان بن أبي سنان الدُّؤلي، وأبو سَلَمَة، عن جابر أنّه غزا مع رسول الله بِ لَّ قِبَل نجد، فلما قفل قفل معه، فأدركته القائلة في وادٍ كثير العِضَاهِ، فنزل وتفرَّقَ النَّاسُ في العِضَاهِ يستظلُّون بالشجر، وقَالَ هو تحت شجرةٍ فَعَلَّقَ بها سيفه، فنمنَا نومةً، فإذا رسولُ الله ﴿ ﴿ يَدْعونا فأجَبْناه، فإذا عنده أعرابيٌّ جالس، فقال رسولُ الله ◌ِلّ: إنّ هذا اخترطَ سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظتُ وهو في يده صَلْتاً، فقال: مَنْ يمنعك منّي؟ قلت: الله. فشَام السيفَ وَجلس. فلم يُعاقبْهُ رسولُ الله ◌َّة، وقد فعل ذلك. مُتَّفقٌ عليه (٤). وشام: أغمدَ. قال أبو عَوَانة، عن أبي بِشْر: اسم الأعرابي ((غورث بن الحارث)). ثم روى أبو بِشْر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: قاتل رسولُ (١) ذكر الفيروزآبادي في ((القاموس المحيط)» أنه واد بناحية المدينة. (٢) ابن هشام ٢٠٤/٢. (٣) كتب على هامش نسخة البشتكي تعليق لعله بخط السخاوي نصه: ((هذه الأولى، والثانية في سنة خمسٍ لعشرٍ خَلَوْنَ من المحرم كما سيأتي في كلامه». (٤) البخاري ٤٧/٤ و٤٨ و١٤٦/٥ و١٤٨، ومسلم ٢١٤/٢ و٢١٥ و٦٢/٧، ودلائل النبوة ٣٧٣/٣. وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٥٨) و (٢٩٥٩). تاريخ الإسلام ١/م١١ ١٦١ الله ◌َّ مُحارب (١) خَصَفة بنَخْل، فرأوا من المسلمين غرَّةً، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسولِ اللهِ وَلّ بالسيفِ، فقال: مَنْ يمنعك منّي؟ قال: الله. قال: فسقطَ السيف من يده، فأخذه رسولُ الله ◌ِ ◌ّ فقال: من يمنعك منّي؟ قال: كنْ خيرَ آَخِذٍ. قال: تشهد أنْ لا إله إلّ الله وأنّي رسولُ الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدُكَ على أنْ لا أقاتلكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك. فخلَّى سبيلَه. فأتى أصحابَه وقال: جئتكم من عند خيرِ النَّاس. ثم ذكر صلاةَ الخوف، وأنّه صلّى بكلّ طائفةٍ ركعتين. وهذا حديث صحيح إن شاء الله(٢). وقال البكائيّ، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني وَهْب بن كَيْسان، عن جابر بن عبدالله، قال: خرجت مع رسول الله مَ ل إلى غزوة ذات الرّقاع من نخلٍ على جملٍ لِي ضعيف، فلما قَفَلَ رسولُ الله بِّ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلّف، حتى أدركني رسول الله ◌ِ لّ فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنِخْه. وساق قصّةَ الجمل. غزوة بدر المَوْعِد قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، ورُوِيَ عن عُرْوَةٍ(٤): أنّ رسول الله ◌َّه استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بَدْراً. وكان أهلاً للصّدْق والوفاء وَ ثير، فاحتمل الشيطان أولياءه من النّاس، فمشوا في النّاس يخوّقونهم، وقالوا: قد أَخْبِرنا أن قد جمعوا لكم مثل الليل من النّاس، يرجون أنْ يوافقوكم فَيَتَنَهَّبُوكُم، فالحَذَرَ الحذر لا تغدوا. فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا لله ولرسوله وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إنْ لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإنْ لم نَلْقه ابتعنا ببضائعنا. وكان بدر متَّجراً يُوافَى في كل عام. فانطلقوا حتى أتوا موسَم بدر، فقضوا منه أي : بني محارب. (١) (٢) مسند أحمد ٣٩٠/٣، ودلائل النبوة ٣٧٥/٣-٣٧٦. (٣) ابن هشام ٢٠٦/٢. (٤) دلائل النبوة ٣٨٤/٣-٣٨٦. ١٦٢ حاجتهم، وأخلف أبو سُفيان الموعدَ، فلم يخرج هو ولا أصحابه. وأقبل رجل من بني ضَمْرَة، بينه وبين المسلمين حِلْفٌ، فقال: والله إنْ كنّا لقد أُخبِرنا أنّه لم يبقَ منكم أحدٌ، فما أعملكم إلى أهلِ هذا الموسم؟ فقال رسولَ اللهِ وَلَّ، وهو يريدُ أنْ يبلغَ ذلك عدوَّه من قريشَ: أعملنا (١) إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإن شئتَ مع ذلك نَبَذْنا إليك وإلى قومك حِلْفَهم ثم جالَدْناكم. فقال الضّمري: مَعَاذَ الله . قال: وذكروا أنّ ابنَ الحُمَام قدِم على قُرَيْش، فقال: هذا محمد وأصحابه ينتظرونكم لموعدكم. فقال أبو سُفيان: قد والله صدق. فنفروا وجمعوا الأموال، فمن نشط منهم قوُّوه، ولم يقبل من أحدٍ منهم دون أوْقِيّة. ثم سار حتى أقام بمَجَنَّة من عُسْفان ما شاء الله أنْ يقيمَ، ثم ائتمر هو وأصحابه، فقال أبو سفيان: ما يُصْلِحُكُمُ إلّ عامٌ خصْبٌ تَرْعونَ فيه السَّمُرَ وتشربون من اللّبنِ، ثم رجع إلى مكة، وانصرفَ رسولُ الله ◌ِ لَه إلى المدينة بنعمةٍ من الله وفَضْل، وكانت تلك الغزوة تُدْعَى غزوة جيش السَّويق. وكانت في شعبان سنة أربع(٢). وقال الواقديّ(٣): كانت بدر الموعد، وتسمَّى بدر الصُّغْرَى، لهلال ذي القعدة على رأس خمسةٍ وأربعين شهراً من مُهَاجَره عليه الصَّلاة والسَّلام، وأنّه خرج في ألفٍ وخمس مئة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبدالله بنَ رَوَاحة (٤)، وكان موسم بدر يجتمع فيه العرب لهلال ذي القعدة إلى ثامنه. فأقام بها المسلمون ثمانية أيّام وباعوا بضائع(٥)، فربح الدرهم درهماً، فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفَضْلٍ . (١) أعملنا إليه: عَنّانا إليه. (٢) ابن هشام ٢٠٩/٢ . (٣) المغازي ٣٨٤/١. (٤) كتب على هامش نسخة البشتكي، وبخط البشتكي، فكأنه نقله عن المؤلف: ((المحفوظ أنه عليه السلام إنما استخلف على المدينة عبدالله بن عبدالله بن أبيّ بن سلول الرجل الصالح ابن المنافق)). (٥) في نسخة (ع): ((بضائعهم)) وكلتاهما بمعنى. ١٦٣ غزوة الخندق قال موسى بن عُقْبة: كانت في شوّال سنة أربع. وقال(١) ابن إسحاق: كانت في شوّال سنة خمس(٢). فالله أعلم. ويقوّي الأوّلَ قولُ ابن عمر إنّه عُرِض يوم أُحُد وهو ابن أربع عشرة، فلم يُجِزْه النّبيّ بَِّ، وعُرِض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه. لكنّ هذه التقوية مردودة بما سنذكره في سنة خمسٍ، إن شاء الله تعالى(٣). وفيها تُوُفّي عبدالله ابن رُقَيّة بنت رسول الله بِّه، وأبوه عثمان رضي الله عنه عن ستّ سنين. ونزل أبوه في حُفْرَته . وفيها في شعبان وُلد الحسين بن عليّ رضي الله عنهما (٤). وفيها قُتِل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح(٥) وأصحابه. وقد ذُكِرُوا. وكنية عاصم: أبو سليمان، واسم جدّه أبي الأقلح: قيس بن عصمة من بني عَمْرو بن عَوْف، ومن ذُرِيّته الأحوص الشاعر ابن عبدالله بن محمد بن عاصم ابن ثابت . وكان عاصم من الزُّماة المذكورين، ثبت يوم أُحُد وَقَتَلَ غيرَ واحد، وشهد بَدْراً. وقُتل يوم بئرٍ مَعُونة من الصَّحابة: عامر بن فَهَيْرَة مولى الصِّدّيق رضي الله عنه، وكان من سادة المهاجرين . (١) دلائل النبوة ٣٩٣/٣. ابن هشام ٢١٤/٢، ودلائل النبوة ٣٩٥/٣. (٢) سيأتي ذكر غزوة الخندق مفصلاً في سنة خمس، وإنما ذكرها هنا استطراداً، وكان (٣) عليه أن لا يضع لها عنوانًا مستقلاً فأن ذلك يوهم أنه يتكلم عليها هنا بتفصيل، وليس الإمر كذلك. بينه وبين أخيه الحسن طهر واحد. (٤) (٥) بالقاف، قيدته كتب المشتبه . ١٦٤ ومن قُرَيش: الحَكَم بن كَيْسان المخزومي، ونافع بن بُدَيْل بن ورقاء السهمي . وقُتِلَ يومئذٍ من الأنصار: الحارث بن الصِّمَّة بن عَمْرو بن عتيك بن عَمْرو بن مبذول أبو سعد. فعن محمد بن إبراهيم التَّيْمي، أنَّ النّبيَّ بِّ آخى بين الحارث بن الصّمَّة وصُهَيْب. وقال الواقدي(١): شهد الحارثُ أُحُداً، وثبت مع رسول الله مَّ وبايعه على الموت، وقَتَلَ عثمان بنَ عبدالله بن المُغيرة. وعن المِسْوَر بن رفاعة أنّ الحارث خرج مع رسول الله مَ لَه إلى بدر، فكُسر بالرّوْحاء، فردّه رسول الله مَّ إلى المدينة وضرب له بسهمه وأجْرِه. قال ابن سعد (٢): وله ذُريّة بالمدينة وبغداد. حرام بن مِلْحان، واسم مِلْحان مالك بن خالد بن زيد بن حرامٍ بن جُنْدُب بن عامر بن غنم بن عَدِيّ بن النَّجَّار، شهد بدراً، وهو أخو أمّ سُلَيْم، قال لما طُعِنَ يوم بئر مَعُونة: فُزْتُ ورِّ الكعبة، رحمه الله ورضي عنه . عطيّة بن عَمْرو، من بني دينار. وهذا لم أره في الصحابة لابن الأثير. المنذر بن عَمْرو بن خُنَيْس بن حارثة بن لَوْذان بن عبد ودّ السّاعديّ، أحد النُّقباء ليلة العَقَبَة. شهد بَدْراً وأُحُداً. وخُنَيْس هو المعروفُ بالمُعْنِقِ ليموت . أنس بن معاوية بن أنس، أحد بني النَّجَّار. أبو شيخ بن ثابت بن المنذر، [و](٣) سهل بن عامر بن سعد، من بني النَّجَّار كلاهما. مُعاذ بن ناعض (٤) الزُّرْقي، بَدْرِي. عُرْوة بن الصَّلْت السُّلَمي حليف الأنصار. مالك بن ثابت، وأخوه: سفيان، كلاهما من بني النبيت . (١) طبقات ابن سعد ٥٠٩/٣ . (٢) الطبقات الكبرى ٥٠٨/٣ . (٣) إضافة مني للتوضيح حسب. (٤) كُتب على هامش الأصل: ((ماعض)) في نسخة أخرى. ١٦٥ فهؤلاء الذين حُفِظَت أسماؤهم من الشُّهداء السبعين الذين صحّ أنّه نزل فيهم ((بلَّغوا عنّا قومَنا أنّا لقينا ربَّنا فرضي عنّا وأرضانا)) ثم نُسِخَتْ. وقيل: بل كانوا اثنين وعشرين راكباً. ولعلّ الراوي عَدّ الركابَ دون الرَّجَّالة . أخبرنا إسماعيل بن أبي عَمْرو، قال: أخبرنا ابن البنّ، قال: أخبرنا جدّي، قال: أخبرنا ابن أبي العلاء، قال: أخبرنا ابن أبي نصر، قال: أخبرنا ابن أبي العقب، قال: أخبرنا أحمد ابن البُسْري، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: أخبرني حَجْوَة بن مُدْرَك الغسّاني، عن الحسن بن عمارة، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: بعث عامر بن مالك مُلاعب الأسِنّة إلى رسول الله بَّهَ ابعثْ إليَّ رهَطاً ممّن معك يبلّغوني عنك وهم في جواري. فأرسل إليه المنذرَ بنَ عَمْرو رضي الله عنه في اثنين وعشرين راكباً، فلما أتوا أداني أرض بني عامر بعث أربعةً ممّن معه إلى بعضٍ مياههِم، أو قال إلى بعضهم. قال: وسمع عامر بن الطَّفَيْل فأتاهم فقاتلَهم فقتلَهم. قال: ورجع الأربعة رَهَطِ الذين كان وجَّه بهم المنذر، فلما دنوا إذا هم بنُسُورٍ تحومُ، قالوا: إنّا لنرى نُسُوراً تحومُ، وإنَّا نُرَى أصحابنا قد قُتِلوا. فلما أتوهم قال رجلان منهم: لانطلبُ الشهادة بعد اليوم، فقاتلا حتى قُتِلا. ورجع الرَّجلانِ إلى رسولِ الله ◌ِصَلّه، فلقيا رجلين من بني عامر فسألاهما مِمَّنْ هما فأخبراهما فقتلاهما وأخَذَا ما معهما. وأتيا رسولَ الله وَلّ فأخبراه خبَرَ أصحابهمٍ وخبرَ الرجلين العامريين، وأتياه بما أصابا لهما. فعرف رسولُ الله ◌ِ لّ حلَّتين كان كساهما، فقال: قد كانا مِنَّ في عهدٍ. فَوَدَاهُما إلى قومهما دِيَة الحُرَّيْنِ المُسْلِمَيْن . وقال حسّان بعد موت عامر بن مالك يُحَرِّضُ ابنه ربيعة : *بَنِي أَمِّ البنين ألَمْ يَرُعْكم* فذكر الأبيات فقال ربيعة: هل يرضى منّي حسّان طعنةً أطعنها عامراً؟ قيل: نعم، فشدّ عليه فطعنه فعاش منها . وفيها تُوُقَِّتْ أمُّ المؤمنين زينب بنت خُزَيْمَة بن الحارث بن عبد الله بن عَمْرو بن عبد مَنَاف بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة القَيْسيّة الهَوَازِنيّة العامرية ١٦٦ الهلالية رضي الله عنها، وكانت تُسمَّى أمَّ المساكين لإحسانها إليهم، تزوّجت أوّلاً بالطُّفَيْلِ بن الحارث بن المطّلب بن عبد مَنَاف رضي الله عنه، ثم طلّقها فتزوّجها أخوه عُبَيْدة بن الحارث رضي الله عنه، فاستُشْهِدَ يوم بدر، ثم تزوّجها رسولُ اللهِ مَ ◌ّ في رمضان سنة ثلاثٍ، ومكثت عنده على الصّحيح ثمانية أشهر، وقيل: كانت وفاتها في آخر ربيع الآخر، وصلّى عليها النّبِيّ بََّ ودفنها بالبَقِيع، ولها نحو ثلاثين سنة. وفيها تزوَّجَ النّبِيُّ بَِّ أَمَّ سَلَمَة أمّ المؤمنين هندَ بنتَ أبي أُميَّة واسمه حُذَيفة، وقيل: سُهَيْل، ويُدْعَى زاد الراكب؛ ابن المُغِيرة بن عبد الله بن عمر ابنِ مخزوم القُرَشيّة المخزومية، وكانت قبله عند ابن عمة النّبِيِّ بَّ أبي سَلَمَة عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وأمّه بَرَّة بنت عبدالمطّلب، وهاجر بها إلى الحبشةِ فولدت له هناك زينب، وولدت له سَلَمَة وعمر ودرَّة، وكان أخا النّبِيِّ وَل ◌ّ من الرضاعة، أرضعتهما وحمزة تُوَيْبَةُ مولاةُ أبي لَهَب، ويقال: إنَّه كان أسلمَ بعد عشرة أنفُسٍ، وكان أوّل مَنْ هاجر إلى الحبشة، ثم كان أوَّل من هاجر إلى المدينة، ولما عبر إلى الله كان الذي أغمضه رسولُ اللهُ بَّ، ثم دعا له، وكان قد جُرِح بأُحُدٍ جِرحاً، ثم انتقضَ عليه، فماتِ منه في جُمادَى الآخرة سنة أربع. فلما تُوُفِي تزوّجها النّبِيُّ ◌َِّة، حين حلّت في شوّال، وكانت من أجملِ النّساء؛ وهي آخر نسائه وفاة . ثم تزوّج بعدها بأيام يسيرة، بنت عمّته أمّ الحَكَم؛ زينب بنت جحش ابن رئاب الأسدي، وكان اسمها بَرَّة فسمّاها زينب. وكانت هي وإخوتها من المهاجرين، وأمّهم أُمَيْمَة بنت عبدالمطّلب، وهي التي نزلت هذه الآية فيها: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا﴾﴾ [الأحزاب]. وكانت تفخرُ على نساءِ النّبِيِّ بَّه وتقول: زوَّجَكُنّ أهاليكُنَّ وزوَّجني اللهُ من السّماء. وفيها نزلت آية الحجاب(١)، وتزوّجها وهي بنت خمسٍ وثلاثين سنة . وفي هذه السنة رجم النّبيُّ ◌َّ﴿ اليهوديَّ واليهوديَّةَ اللَّذَيْنِ زَنَيَا . وفيها تُوُقِّيَتْ أمّ سعد بن عُبَادة، ورسول الله بِّ غائب في بعض (١) الأحزاب: ٥٣ . ١٦٧ مغازيه، ومعه ابنها سعد، قال قَتَادَة، عن سعيد بن المسيِّب: أنَّ النّبِيَّ لَّه صلَّى على قبر أمّ سعد بعد أشهُرٍ، والله أعلم. ١٦٨ السَّنَةَ الخَامِسَة ((غزوة ذات الرقاع)) خرج لها رسول الله بَّ لعشْرٍ خَلَون من المحرَّم. قاله الواقدي(١) كما تقدّم. وقال ابن إسحاق(٢): إنّها في جُمَادَى الأولى سنة أربع. غزوة دُومَة الجَنْدَل وهي بضمّ الدَّال قيل: سُمِّيَتْ بُدُومي بن إسماعيل عليه السلام، لكَوْتها كانت مَنْزِلَه. ودَوْمَة بالفتح موضعٌ آخر. وهذه الغزوة كانت في ربيع الأوّل. ورجع النّبيُّ مَ له قبل أن يصل إليها، ولم يلق كَيْدا(٣). وقال المدائنيّ: خرج ◌ََّ في المحرَّم، يريد أُكَيْدِرَ دُومة، فهرب أُكَيْدِر، وانصرف النّبِيّ ◌َِله . وقال الواقديّ (٤): حدّثني ابن أبي سبرة، عن عبدالله بن أبي لَبِيد، عن أبي سَلَمَة بن عبدالرحمن. وحدثّني عبدالرحمن بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن أبي بكر وغيرُهما، قالوا: أراد رسول الله مَّ أَنْ يَقْرِبَ إلى أدنى الشام ليُرْهِب قيصر، وذُكِرَ له أن بدُومَة الجَنْدَل جَمْعَاً عظيماً يَظْلِمون مِن مرَّ بهم. وكان بها سوق وتجّار، فخرج رسول الله بَّه في ألف يسيرُ اللَّيلَ ويكمُن (١) المغازي ٣٩٥/١. (٢) ابن هشام ٢٠٣/٢. (٣) ابن هشام ٢١٣/٢، ودلائل النبوة ٣٩٠/٣. (٤) المغازي ٤٠٣/١، ودلائل النبوة ٣٩٠/٣-٣٩١. ١٦٩ النّهار، ودليلُه مذكور العُذْرِيّ، فَنَكَّبَ عن طريقهم، فلما كان بينه وبين دُومة يوم قوي، قال له: يا رَسول الله إنَّ سوائمهم ترعى عندَك، فأقِمْ حتى أنظر. وسار مذكور حتّى وجدَ آثارَ النَّعَمِ، فرجع وقد عرف مواضعَهم، فهجم بالنبيِّ بَثّر على ماشيتهم ورعائهم فأصَابَ مَنْ أصاب، وجاء الخبرُ إلى دُومَة فتفرّقوا، ورجع النّبيُّ مَله . وهي عن المدينة ستّة عشر يوماً، وبينها وبين دمشق خمس ليالٍ للمُجدّ، وبينها وبين الكوفة سَبْعُ ليالٍ، وهي أرض ذات نخلٍ، يزرعون الشَّعَير وغيرَه، ويَسْقون على النَّواضِح، وبها عين ماء. غزوة المُرَيْسِيع وتُسَمّى غزوة بني المُصْطَلِقِ، كانت في شعبان سنة خمسٍ على الصحيح، بل المجزوم به . قال الواقدي(١): استخلف النّبيّ وَّ فيها على المدينة زيدَ بنَ حارثة. فحدّثني شُعَيْب بن عَبّاد عن المِسْوَر بن رِفاعة، قال: خرج رسول الله محمّ في سبع مئة . وقال يونس بن بُكَيْر: قال ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن يحيى ابن حَبّان، وعاصم بن عمر، وعبدالله بن أبي بكر، قالوا: خرج رسول الله مَ لّه وبلغه أنَّ بني المُصْطَلِقِ يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جُوَيْرية أمّ المؤمنين، فسار النّبِيُّ ◌َّ حتى نزل بالمُرَيْسِيع، ماء من مياههم؛ فَأَعَدُّوا لرسولِ اللهِ بَ ﴿َ فتزاحفَ النّاسُ فاقتتلوا، فهزم رسولُ الله ◌َّ بني المُصْطَلِقِ وقتلَ مَنْ قتلَ منهم ونفَّل نساءَهم وأبناءهم وأموالهم، وأقام عليهم من ناحية قُدَيْد والسّاحل. وقال الواقدي(٣)، عن معمر وغيره: أنّ بني المُصْطَلِقِ من خُزاعة كانوا ينزلون ناحية الفُرْع، وهم حُلفاء بني مُدْلِجٍ، وكان رأسَهم الحارث ابنُ أبي (١) المغازي ٤٠٤/١، ودلائل النبوة ٤ /٤٦ . (٢) ابن هشام ٢/ ٢٩٠، ودلائل النبوة ٤ / ٤٦. (٣) المغازي ١/ ٤٠٨، ودلائل النبوة ٤ /٤٦ -٤٧ . ١٧٠ ضرار، وكان قد سار في قومه ومَن قدِر عليه، وابتاعوا خيلاً وسلاحاً، وتهيؤوا للمسير إلى رسول الله مَآل . قال الواقديّ(١): وحدّثني سعيد بن عبدالله بن أبي الأبيض، عن أبيه، عن جدّته، وهي مولاة جُوَيْرية، سمعت جُوَيْرِية تقول: أتانا رسولُ الله ◌ِ ال ونحن على المُرَيْسِيع، فأسمع أبي يقول: أتَانا ما لا قِبَلَ لنا به، قالت: وكنت أرى من النّاس والخيل والعدة ما لا أصِف من الكَثْرَة، فلما أنْ أسلمتُ وتزوَّجني رسولُ اللهِ وَ﴾ ورجعنا جعلتُ أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنتُ أرى، فعرفت أنّه رُعْبٌ من الله. وكان رجل منهم قد أسلم يقول : . لقد كنّا نرى رجالاً بيضاً على خَيْلِ بُلقٍ، ما كنّا نراهم قَبْلُ ولا بعدُ . قال الواقديّ(٢): ونزل رسول الله وَ ◌ّ الماءَ، وضُرِبتْ له قُبَّةٌ من أدَم، ومعه عائشة وأمّ سَلَمَةٍ، وصفَّ رسولُ اللهِ وَِّ أصحابَهُ، ثمّ أمر عمر فنادى فيهم، قولوا: لا إله إلّ الله، تمنعوا بها أنفسَكم وأموالكم، ففعل عمر، فأبَوْا. فكان أوّل مَنْ رمى رجلٌ منهم بسهم، فرمى المسلمون ساعةً بالنَّبل، ثم إنَّ رسولَ الله وَلّ أمر أصحابه أنْ يحملوا، فحملوا، فما أفلتَ منهم إنسانٌ، فَقُتِلَ منهم عشرةٌ وأُسِرَ سائرُهم، وقُتِلَ من المسلمين رجل واحد. وقال ابن عَوْن: كتبتُ إلى نافع أسأله عن الدُّعاء قبلَ القتالِ، فكتب: إنّما كان ذلك في أوَّلِ الإسلام، قد أغار(٣) رسول الله بِ ◌ّ على بني المُصْطَلِقِ وهم غارُّون، وأنعامُهمَ تُسْقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسَبَى سَبْيهم، فأصاب يومئذٍ - أحْسبُهُ قال: جُوَيْرِية-، وحدّثني ابنُ عمر بذلك، وكان في ذلك الجيش. مُتَّفقٌ عليه (٤) . وقال إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة الرأي، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابنِ مُحَيْرِيز، سمع أبا سعيد يقول: غَزَوْنا مع رسول الله ◌َّه بني المُصْطَلِقِ فَسَبَينا كرائم العرب، وطالت علينا العُزْبَة، ورغِبْنا في الفِداء (١) المغازي ٤٠٨/١، ودلائل النبوة ٤ / ٤٧ . (٢) المغازي ١ / ٤٠٧، ودلائل النبوة ٤ /٤٧-٤٨ . (٣) في نسخة البشتكي: ((أشار)) وما هنا من النسخ ومصادر الحديث. (٤) البخاري ٣/ ١٩٤، ومسلم ١٣٩/٥، ودلائل النبوة ٤ / ٤٨ . ١٧١ فأردنا أنْ نستمتع ونَعْزِل، فسألنا رسول الله بِّ فقال: لا عليكم أنْ لا تفعلوا، ما كتب الله خلقَ نسمةٍ هي كائنة إلى يوم القيامة إلاّ ستكون. مُتَّفقٌ عليه، عن قُتَيبة عن إسماعيل(١). تَزويج رَسُولِ اللهِ وَ لَهُ بِجُويْرية وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢): حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر، عن عُرْوَة، عن عائشة، قالت: لمّا قَسَمَ رسولُ الله ◌ِّه سبايا بني المُصْطَلِقِ وقعت جُوَيْرِية في السهمِ لثابتِ بن قيس بن شماس، أو لابنِ عِمَّ له فكاتَبَتْه على نفسها، وكانت امرأةً حُلْوَةً مُلّحة، لا يراها أحدٌ إلاّ أخذَتْ بنفسه فأتتْ رسولَ اللهُ بَّهِ تَستعينُه في كتابتها، فَوَاللهِ ما هو إلاّ أنْ رأيتُهَا فكرهتها، وقلتُ: سيرى منها مِثْلَ ما رأيتُ. فلما دخلتْ على رسولِ الله ◌ِ لَّ قالت: أنا جُوَيْرِية بنتُ الحارث سيّد قومه، وقد أصابني من البلاءِ ما لم يَخْفَ عليك، وقد كاتبتُ فأعنِّي. فقال: أو خيرٌ من ذلك، أؤدِّي عنكِ كتابتَكِ وأتزوَّجُكِ. فقالت: نعم، ففعل رسولُ الله ◌َ ليل فبلغ الناسَ أنّه قد تزوّجها، فقالوا: أصهار رسولِ الله وَّر. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المُصْطَلِقِ فلقد أَعْتِقَ بها مئة أهلِ بيتٍ من بني المُصْطَلِقِ، فما أعلمُ امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها. وكان اسمها بَرَّة فسمّاها رسولُ الله ◌ِِّ جَوَيْرِية . وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان، وعبدالله ابن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قَتَادة، في قصّة بني المُصْطَلِقِ: فبينا النّبِيّ بِّ مقيم هناك، إذ اقتتل على الماء جَهْجَاه بن سعيد الغِفَاريّ أجير عمر، وسِنان بن زيد(٤). قال: فحدّثني محمد بن يحيى أنّهما ازدحما على الماءِ فاقتتلا، فقال سِنان: يا مَعْشَرَ الأنصار. وقال جَهْجَاهِ: يا مَعْشَرَ المهاجرين. وكان زيد بن أرقم ونفرٌ من الأنصار عند عبدالله بن أُبَّيّ، يعني: البخاري ٥/ ١٤٧-١٤٨، ومسلم ١٥٧/٤، ودلائل النبوة ٤٩/٤. (١) (٢) ابن هشام ٢٩٤/٢- ٢٩٦، ودلائل النبوة ٤٩/٤ -٥٠. (٣) ابن هشام ٢/ ٢٩٠-٢٩٣، ودلائل النبوة ٥٢/٤ -٥٣. (٤) هكذا في النسخ والدلائل، والمحفوظ أنه سنان بن وبر، كما في ابن هشام، والواقدي، وغيرهما. ١٧٢ ابن سَلُول، فلما سمعها قال: قد ثَاوَرُونا في بلادنا. واللهِ ما أعُدّنا وجَلابِيبَ قُريشٍ هذه إلاّ كما قال القائل: سَمِّنْ كَلْبكَ يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزّ منها الأذلَّ. ثم أقبل على مَنْ عنده من قومه، فقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحْلَلتُموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أمَا والله لو كففتم عنهم لتحوَّلوا عنكم من بلادكم. فسمعها زيد، فذهَب بها إلى رسولِ اللهِ وَلَّ وهو غُلَيِّمٌ، وعنده عمر فأخبره الخبر. فقال عمر: يا رسولَ الله مُرْ عَبّادَ بن بِشْرٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقه. فقال: كيف إذا تحدّث النّاس أنّ محمداً يقتل أصحابه؟ لا ولكنْ ناد يا عمر في الرحيل. فلما بلغ ذلك ابنَ أُبيّ أتى النّبِيَّ بِّهَ يعتذر، وحلفَ له باللهِ ما قالَ ذلك، وكان عند قومِه بمكانٍ. فقالوا: يا رسولَ الله عسى أنْ يكون هذا الغلامُ أوهم. وراح رسولُ الله ◌ِاله مهجراً في ساعةٍ كان لا يروحُ فيها. فَلَقِيَه أَسَيْد بن حُضَيْرٍ فَسلَّمَ عليه بتحية النُّبُوة ثم قال: والله لقد رُحْتَ في ساعةٍ مُنْكرة. فقال: أمَا بَلُغْكَ ما قال صاحبُك ابنُ أبيٍّ؟ فقال: يا رسولَ الله فأنتَ واللهِ العزيزُ وهو الذّليلُ. ثم قال: يا رسولَ الله ارفُق به، فَوَالله لقد جاء اللهُ بكَ وإنَّا لَنَنْظِمُ له الخَرَز النُتَوِّجَه فإنّه لَيَرَى أنْ قد استلبتَهُ مُلْكاً. فسار رسولُ اللهِ ﴿ٌ بِالنّاسِ بقيَّةَ يومهِ وليلته، حتى أصبحوا وحتّى اشتدّ الضُّحى. ثم نزل بالنّاس ليشَغلهم عمّا كانَ من الحديثِ، فلم يأمن النّاسُ أنْ وجدوا مَسَّ الأرضِ فناموا. ونزلت سورة المنافقين . وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا عَمْرو بن دينار، قال: سمعت جابراً يقول: كنّا مع النّبِيِّ بََّ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ(١) رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين. فقال رسول اللهِ وَّة: ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنّها مُنْتِنَة. فقال عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول: أوَ قد فعلوها؟ واللهِ لِئِن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزّ منها الأذلّ. قال: وكانت الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدِمِ النّبيّ وَّ ثم كثُر المهاجرون بعد ذلك. فقال عمر: دعني أضرب عُنُقَ هذا (١) أي: ضربه بيده أو برجله على دُبُره. ١٧٣ المنافق. فقال النَّبيُّ بِّهِ: دعه لا يتحدّث النّاسُ أنّ محمداً يقتل أصحابه. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال عُبَيْد الله بن موسى: أخبرنا إسرائيل، عن السُّدّي، عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم، قال: غَزَونا مع رسول الله بِّهِ، وكان معنا ناسٌ من الأعراب. فكنّا نبتدر الماءَ، وكانت الأعراب يسبقوننا، فيسبق الأعرابيُّ أصحابه، فيملأ الحوضَ ويجعل حوله حجارة، ويجعل النّطْعَ عليه حتى يجيء أصحابُه، فأتى أنصاريُّ فأرخى زمامَ ناقته لتشرب فمنعه، فانتزع حجراً فغاضَ الماء، فرفع الأعرابيُّ خشبةً فضرب بها رأسَ الأنصاريّ فَشَجَّه، فأتى عبد الله بن أُبِّيّ فأخبره فغضب وقال: لا تُنْفِقوا على مَنْ عندَ رسولِ الله حتى يَنْفَضُّوا من حوله؛ يعني الأعراب. وقال: لِئِنْ رجعنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأَعَزّ منها الأزلّ. قال زيد: فسمِعْتُه فأخبرتُ عمّي، وَالاله فانطلق فأخبَرَ رسولَ الله ◌ِّ، فحلفَ وجَحَدَ، فصدَّقَهُ رسولُ الله وكذَّبني. فجاء إليَّ عمّي فقال: ما أردَت أَنْ مَقَتَكَ رسولُ اللهِ مَِّ وكَذَّبك المسلمون. فوقع عليَّ من الغَمّ ما لم يقع على أحدٍ قَطْ. فبينا أنا أسيرُ مع رسولِ اللهِ ﴿ وقد خفقتُ برأسي من الهمِّ، إذ أتاني رسولُ اللهِ وََّ- فَعَرَكَّ أُذُني وضحكَ في وجهي، فما كانَ يَسُرُّني أنَّ لي بها الخُلْدَ أو الدنيا. ثم إنّ أبا بكر لحِقني فقال: ما قالَ لك رسولُ الله ◌ِّه؟ قلت: ما قال لي شيئاً. فقال أبْشِرْ. فلمّا أصبحنا قرأ رسولُ الله ◌ِ لَّه سورةَ المنافقين حتى بلغ منها: ﴿الأَذَلَّ﴾(٢) . وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرْقَم، قال: سمعت عبدالله بن أَبَيّ يقول لأصحابه: لا تُنْفِقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضُّوا من حوله. وقال: لِئِن رجَعْنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزّ منها الأذَلَّ . فذكرتُ ذلك لعمّي فذكره لرسول الله مَّة، فحلفوا ما قالوا، فصدّقهم وكذّبني، فأصابني هَمٌّ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ ﴾ ﴾ (١) البخاري ٦/ ١٩١-١٩٢، ومسلم ١٩/٨، ودلائل النبوة ٥٣/٤-٥٤. وانظر المسند الجامع حديث (٢٧٦٩). (٢) الترمذي (٣٣١٣)، ودلائل النبوة ٤/ ٥٤-٥٥ . ١٧٤ [المنافقون]، فأرسل إليَّ رسولُ الله مَله فقرأها عليَّ، وقال: إنّ الله صدّقك يا زيد. أخرجه البخاري(١). وقال أنس بن مالك: زيد بن أرقم هو الذي يقول له رسولُ الله مَلقوله : ((هذا الذي أوفى الله له بأُذنه)). أخرجه البخاري، من حديث عبدالله بن الفضل، عن أنس (٢) . وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، أنَّ النّبيَّ بَِّ قدِم من سَفَرِ، فلما كان قُرْبَ المدينة هاجتْ ريحٌ تكاد أنْ تدفنَ الرَّاكبَ، فزعم أنّ رسول الله ◌ِّ قال: بُعثت هذه الريحِ لموتِ مُنافق. قال: فقدِم المدينةَ فإذا منافقٌ عظيم قد مات. أخرجه مسلم (٣). وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: فلما نزل رسولُ الله إنَّ من طريق عُمان سَرَّحوا ظَهْرَهم، وأخذتهم ريحٌ شديدة، حتى أشفق النّاس منها، وقيل: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فقال: مات اليوم منافقٌ عظيمُ النِّفاق، ولذلك عصفت الريحُ وليس عليكم منها بأس إنْ شاء الله، وذلك في قصّة بني المُصْطَلِقِ (٤). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٥)، عن شيوخه الذين روى عنهم قصَّة بني المُصْطَلِقِ، قالوا: فانصرف رسول الله بَّة، حتى إذا كان ببقعاء من أرض الحجاز دون البقيع هبّت ريحٌ شديدة فخافها النّاس. فقال رسول الله وَ لّ : لا تخافوا فإنّها هبَّتْ لموت عظيمٍ من عُظماء الكُفْر. فوجدوا رِفاعةَ بنَ زيد بن الثّابوت قد ماتَ يومئذٍ، وكان من بني قَيْنُقَاعِ، وكان قد أظهر الإسلامَ وكان كهفاً للمنافقين . وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، قال: لما قدِمِ النّبيُّ مَّر المدينة من بني المُصْطَلِقِ، أتاه عبدُالله بن عبد الله بن أُبَيّ، فقال: يا رسول الله بلغني البخاري ١٨٩/٦، ودلائل النبوة ٤ /٥٥ - ٥٦ . (١) (٢) البخاري ٢/ ١٩٢. مسلم ١٢٤/٨، ودلائل النبوة ٦١/٤. وانظر المسند الجامع (٢٨١٨) و(٢٩٤٦). (٣) (٤) دلائل النبوة ٤ /٥٩ . (٥) ابن هشام ٢/ ٢٩٢، ودلائل النبوة ٤ / ٦١. ١٧٥ أنّك تريد قتْلَ أبي، فإنْ كنتَ فاعلاً فمرني به فأنا أحمِل إليك رأسَه فَوَالله لقد علمتْ الخزرجُ ما كان بها رجلٌ أَبَرَّ بوالده منّي، ولكنّ أخشى أن تأمر به رجلاً مسلماً فيقتله، فلا تَدَعُني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبدالله يمشي في الأرض حيّاً حتى أقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النّار. فقال النّبيُّ ◌َّ: بل نُحْسِنُ صُحْبَتَه ونترفَق به ما صَحِبَنا (١)، والله أعلم. حديث(٢) الإفك (وكان في هذه الغزوة)» قال سليمان بن حرب: حدثنا حمّاد بن زيد، عن مَعْمَر، والنُّعمان بن راشد، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة، أنَّ النّبيَّ ◌َِل ◌َوَ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه. قالت: فأقْرَعَ بيننا في غَزَاةِ المُرَيْسِيعِ، فخرج سَهْمي، فَهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَك(٣) . وكذلك قال ابن إسحاق(٤)، والواقديّ(٥) وغيرهما: أنَّ حديثَ الإفْكِ في غزوة المُرَيْسِيع . ورُوي عن عبّاد بن عبد الله، قال: قلت يا أمّاه حَدِّثيني حديثَك في غزوة المُرَيْسِيع . قرأتُ على أبي محمد عبدالخالق بن عبدالسلام، بَبَعْلَبَكّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو الحسين عبدالحقّ اليُوسفي، قال: أخبرنا أبو سعد بن خُشَيْش، قال: أخبرنا أبو عليّ الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا ميمون بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد ابن عبدالجبّار، قال: حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لقد (١) ابن هشام ٢/ ٢٩٢-٢٩٣، ودلائل النبوة ٤ / ٦٢. (٢) في نسخة (ع): ((قصة)). (٣) دلائل النبوة ٤ / ٦٣ . (٤) ابن هشام ٢/ ٢٩٧. (٥) المغازي ١/ ٤٠٤ . ١٧٦ تُحُدِّثَ بأمري في الإفْكِ واستُفيضَ فيه وما أشعر. وجاء رسولُ الله ◌َ﴾ ومعه أُناسٌ من أصحابه، فسألوا جاريةً لي سوداء كانت تخدمني، فقالوا: أخبرينا ما عِلْمُك بعائشة؟ فقالت: والله ما أعلمُ منها شيئاً أعْيَب من أنّها ترقدُ ضُحىّ حتى إنَّ الدّاجنَ (١) داجنَ أهلِ البيت تَأْكل خميرَها. فأداروها وسألوها حتى فطِنَتْ، فقالت: سبحان الله، والذي نفسي بيده ما أعلمُ على عائشةَ إلاّ ما يعلم الصّائغ على تِبْر الذَّهَبِ الأحمر. قالت: فكان هذا وما شَعَرْت. ثم قام رسولُ الله ◌َّ خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهْلُهُ، ثم قال: أمّا بعدُ، فأشِيروا عليَّ في أُنَاسِ أَبَنُوا(٢) أهلي، وايْمُ الله إنْ علمت على أهلي من سوءٍ قطّ، وأَبُنُوهم بِمَنَّ واللهِ إنْ علمتُ عليه سوء قطّ، ولا دَخَلَ على أهلي إلاّ وأنا شاهدٌ، ولاَ غبتُ في سَفَرٍ إلّ غابَ معي. فقال سعد بن معاذ: أرى يا رسولَ الله أنْ تضرِبَ أعناقهم. فقال رجلٌ من الخَزْرَج - وكانت أمُّ حسّان من رَهْطِه، وكان حَسّان منِ رَهطه -: واللهِ ما صَدَقْتَ، ولو كان من الأوس ما أشَرْتَ بهذا. فكاد يكونُ بين الأوسِ والخَزْرَج شَرٌّ في المسجد، ولا عِلِمْتُ بشيءٍ منه، ولا ذكره لي ذاكر، حتَى أمسيتُ من ذلك اليوم فخرجت في نِسْوةٍ لحاجتنا، وخَرَجَتْ معنا أمّ مِسْطَحِ - بنت خالة أبي بكر - فإنّا لَنَمْشِي ونحن عامدون لحاجتنا، عَثَرَتْ أمُّ مِسْطَح فقالت: تَعِسَ مِسْطَح. فقلت: أيْ أُمْ، أَتَسُبِّينَ ابنَكِ؟ فلم تُراجِعْني. فعادت ثم عثرت، فقالت: تَعِسَ مِسْطَح. فقلت: أيْ أُمْ أَتَسُبّين ابنَكَ صاحبَ رسول الله ◌ِّ؟ فلم تراجعني. ثم عَثَرَتْ الثالثَة، فقالت: تعِسَ مِسْطَح. فقلت: أيْ أُم، أَتَسُبّين ابنَك صاحبَ رسولِ الله ◌َّه؟ فقالت: والله ما أستُه إلّ من أجلك وفيك. فقلت: وفي أيّ شأني؟ قالت: وما علمتِ بما كان؟ فقلت: لا، ومَا الذي كان؟ قالت: أشهد أنّكِ مبرَّأَةٌ ممّا قيلَ فيكِ. ثم بَقَرَتْ لِيَ الحديثَ، فلأكرُّ راجعةً إلى البيت ما أجد ممّا خرجت له قليلاً ولا كثيراً. وركبتني الحُمَّى فَحُمِمْتُ. فدخل عليَّ رسول الله مل فسألني عن شأني، فقلت: أجدُني موعوكة، ائذن لي أذهب إلى أبَوَيّ. فأذن لي، وأرسل معي (١) أي: الشاة التي تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى .. (٢) أي: اتَّهموا. يخ الإسلام ١/ م١٢ ١٧٧ الغلام، فقال: امشِ معها. فجئت فوجدتُ أمّي في البيت الأسفل، ووجدت أبي يصلّ في العُلُوّ، فقلت لها: أي أمَه، ما الذي سمعتِ؟ فإذا هي لم ينزل بها من حيث نزل منّي، فقالت: أيْ بُنَيّة وما عليك، فما من امرأةٍ لها ضرائرُ تكون جميلةً يحبّها زوجُها إلاّ وهي يقال لها بعضُ ذلك. فقلت: وقد سمعه أبي؟ فقالت: نعم، فقلت: وسمعه رسولُ الله ◌ِ ﴿؟ فقالت: ورسولُ الله حَ لّ. فبكيت، فسمع أبي البكاءَ، فقال: ما شأنُها؟ فقالت: سمعت الذي تُحُدِّثَ به. ففاضت عيناهُ يبكي، فقال: أيْ بُنَيَّة، ارجعي إلى بيتك، فرجعتُ وأصبح أبواي عندي، حتى إذا صُلِّيْتِ العصر دخل رسولُ الله ◌ٍِّ وأنا بين أَبَوَيَّ، أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهلَه، ثم قال: أما بعد يا عائشة إنْ كنتِ ظلمتِ أو أخطاتِ أو أسأتِ فتوبي وراجعي أمرَ الله واستغفري، فوعظني، وبالبابِ امرأةٌ من الأنصار قد سلّمت، فهي جالسةٌ ببابِ البيت في الحُجْرة، وأنا أقول: ألا تَسْتَحيي أنْ تذكرَ هذا، والمرأةُ تسمعَ، حتى إذا قضى كلامَه قلتُ لأبي وغَمَزْتُه: ألا تكلّمه؟ فقال: وما أقولُ له؟ والتفتُّ إلى أمي فقلتُ: ألا تُكلِّمينه؟ فقالت: وماذا أقولُ له؟ فحمدتُ الله وأثنيتُ عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد فَوَالله لئنْ قلتُ لكم أنْ قد فعلتُ والله يشهدُ أنّي لَبَرِيئةٌ ما فعلت لتقولُنَّ قد باءت به على نفسها واعترفتْ به، ولئِنْ قلتُ لم أفعلْ والله يعلمُ أنّي لَصَادقٌ ما أنتم بمُصدِّقيَّ. لقد دخل هذا في أنفسكم واستفاض فيكم، وما أجدُ لي ولكم مثلاً إِلاَّ قولَ أبي يوسف العبد الصالح؛ وما أعرف يومئذٍ اسمَه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف]. ونزل الوحيُّ ساعةَ قضيتُ كلامي، فَعَرَفْتُ والله البِشْرَ في وجهِ رسولِ اللهِ مَّ قبل أنْ يتكلّمَ. فمسح جبهته وجبينه ثم قال: أبشِرِي يا عائشة، فقد أنزل الله عُذْرَك. وتلا القرآن. فكنت أشدّ ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إلى رسولِ الله وَل. فقلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه ولا أحمده ولا إيّاكما ولكنِّي أحمدُ اللهَ الذي بَرَّأني. لقد سمعتم فما أنكرتم ولا جادلتم ولا خاصمتم . فقال الرجل الذي قيل له ما قيل، حين بلغه نزولُ العُذْر: سبحانَ الله، ١٧٨ / : فَوَالذي نفسي بيده ما كشفتُ قطّ كنف أنثى. وكان مِسْطَح يتيماً في حِجْر أبي بكر ينفق عليه، فحلفَ لا ينفع مِسْطَحاً بنافعةِ أبداً. فأنزل الله ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمُّ .. ◌َ﴾ [النور]. فقال أبو بكر: بلى والله يا ربّ، إنّي أحبّ أن تغفر لي وفاضت عيناه فبكى، رضي الله عنه. وهذا عالٍ حَسَن الإسناد، أخرجه البخاري تعليقاً؛ فقال: وقال أبو أسامة، عن هشام بن عُرْوة. فذكره(١). وقال اللَّيْث - واللفظ له - وابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أخبرني عُرْوة، وابن المسيَّب، وعلقمة بن وقّاص، وعُبَيْد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة، حين قال لها أهلُ الإفْك ما قالوا، فبرّأها الله؛ وكلٌّ حدّثني بطائفةٍ من الحديث، وبعضُ حديثِهِم يصدِّق بعضاً، وإنْ كان بعضُهم أوعى له من بعض. قالت: كان رسول الله مَ ﴿ إذا أراد أن يخرج أقْرَع بين نسائه، فأيَتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجتُ معه بعدما نزل الحجاب، وأنا أَحْمَل في هَوْدَجي وأَنْزَلُ فيه. فسِرْنا حتى إذا فرغ رسول الله مَ ◌ّه من غزوته تلك، وقفل ودَنَوْنا من المدينة، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلت إلى رَحْلي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظَفار قد انقطع، فالتمستُه، وحبسني ابتغاؤُه، وأقبلَ الرَّهْط الذين كانوا يَرْحلونَ بي واحتملوا هودجي، فَرَحَلُوه على بعيري الذي كنتُ ركِبتُ. وهم يحسبون أنّي فيه. وكان النّساءُ إذْ ذاك خِفافاً لم يُثْقِلْهنَّ اللَّحْمُ، إنّما يأكلن العُلْقَةَ(٢) من الطعام، فلم يستنكروا خِفَّةَ الهَوْدَج حين رفعوه، وكنتُ جارية حديثة السِّنّ، فبعثوا الجملَ وساروا. فوجدتُ عِقْدي بعدما استمرَّ الجيش، فجئتُ منازلهم وليس بها داع ولا مُجيب. فأمَمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننت أنّهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسةٌ غَلَبَتْني عيني فنمت . وكان صَفْوان بن المُعَطَّل السُّلَميّ ثم الذّكْواني من وراء الجيش. فأدلج (١) البخاري ١٣٤/٦ -١٣٦. (٢) أي: ما يُتَلَّغ به من الطعام. ١٧٩ فأصبح عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفت، فخمَّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني كلمةً ولا سمعت منه كلمةً غيرَ استرجاعه. فأناخ راحلته فوطِيء على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيشَ بعدما نزلوا مُوغِرين في نحر الظَّهيرة، فَهَلَكَ مَن هَلَك. وكان الذي تولّى الإفْك عبدُالله بن أُبِيّ بن سَلُول. فقدِمْنا المدينةَ، فاشتكيتُ حين قدِمتُ شهراً، والنّاس يُفِيضون في قولِ أهلِ الإفْك، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك. وهو يَريبني في وَجَعي أنّي لا أعرفَ من رسول الله ◌ِّهِ اللَّطْف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنّما يدخل عليَّ فيُسَلّم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف. فذلك الذي يَريبني ولا أشعر بالشّرّ، حتى خرجت يوماً بعدما نَقَهْتُ. فخرجتُ مع أمّ مِسْطَح قِبَل المَنَاصِعِ - وهو مُتَبرَّزُنا - وكنّا لا نخرج إلّ ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكُنُفَ قريباً من بيوتنا، وأمْرُنا أمرُ العرب الأُوَل في التبرُّزِ قِبَل الغائط، وكنّا نتأذى بالكُنُفُ نتَّخِذُها عند بيوتنا . فانطلقتُ أنا وأُّ مِسْطَح وهي ابنة أبي رُهْم بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قِبَل بيتي، قد فَرَغْنا من شأننا، فعَثَرَت أمّ مِسْطَح في مِرْطِها فقالت: تَعِسَ مِسْطَحِ. فقلتُ لها: بئس ما قلتٍ، أتسُبّين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أيْ هَنْتَاهُ (١)، أوَ لم تسمعي ما قال؟ قلتُ: وماذا؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفْك. فازددتُ مَرَضاً على مرضي. فلما رجعتُ إلى بيتي ودخل عليَّ رسَولُ الله ◌ِّ فسلّم ثم قال: كيف تِيْكُم؟ فقلت: أتأذن لي أنْ آتي أبَوَيَّ؟ وأنا أريدُ أنْ أستيقنَ الخبرَ من قِبَلِهما، فأذن لي، فجئت أبَوَيَّ فقلتِ لأمّي: يا أمَّتَاه ما يتحدّث النّاس؟ قالت: يا بُنَيّة هوِّتي عليكِ، فَوَالله لَقَلَّما كانت امرأة قطّ وضيئةً عند رجلٍ يحبّها لها ضَرائر، إلاّ كَثَّرْن عليها. فقلت: سبحانَ الله، ولقد تحدّث النّاس بهذا؟ فبكيت الليلة حتى لا يَرْقأُ لي دمْعٌ ولا أَكْتَحِلِ بنَوْمِ. ثم أصبحتُ أبكي. فدعا رسول الله بَّ﴾ عليَّ بن أبي طالب وأُسامة بنَ زيد - حين اسْتَلْبَثَ (١) كلمة تقال بمعنى: يا هذه. ١٨٠