Indexed OCR Text

Pages 121-140

وكُلِمتْ شَفَتُه. وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص. فحدّثني حُمَيْد
الطويل، عن أنَس، قال: كُسِرَت رَبَاعِيَة النّبِيّ ◌ُِّ يوم أُحُد، وشُجَّ في
وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم
خَضَبُوا وجهَ نبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟ فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ ﴾﴾ [آل عمران].
وقال عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: جُرِح
رسول الله وَلّ، وكُسِرَت ربَاعيَتُه، وهُشِمتْ البَيْضَة على رأسه، فكانت
فاطمة بنت رسول الله مَ﴾ل تغسل الدم، وعليٍّ يسكب الماءَ عليه بالمِجَنّ.
فلما رأت فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدمَ إلاّ كثرة، أخذت قطعة حصيرٍ
أحرقته، حتى إذا صار رماداً ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم. أخرجاه(١).
ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل،
قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِ له يوم أُحُد أُصيبت رَبَاعيَتْه وَهُشِمت بيضته. وذكر
باقي الحديث .
وقال مَعْمَر، عن همّام، عن أبي هريرة، قال رسول الله مَلّ: اشتدّ
غضب الله على قوم فعلوا برسول الله، وَهو يشير إلى رَبَاعيته، اشتدّ غضب
الله على رجل يقتُلُهَ رسولُ الله في سبيل الله، مُتَّفقٌ عليه(٢).
وللبخاري مثله من حديث عِكْرِمة، عن ابن عبّاس. لكن فيه: دَمَّوا
وجهَ رسولِ الله، بَدَلِ ذِكْرِ رَبَاعيَتِه(٣).
وقال ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عُبَيْد الله: أخبرني
عيسى بن طلحة، عن عائشة، قالت: كان أبو بكر إذا ذُكِر يوم أُحُد بكى ثم
قال: ذاك يوم كان كلّه يوم طلحة. ثم أنشأ يحدّث، قال: كنت أوّلَ من فاء
(١) البخاري ٧٠/١ و٤٨/٤ و٧٩ و١٢٩/٥ - ١٣٠ و٥١/٧ و١٦٧، ومسلم ١٧٨/٥ ،
ودلائل النبوة ٢٦٠/٣. وانظر المسند الجامع حديث (٥١٢٢).
(٢) البخاري ١٢٩/٥، ومسلم ١٧٩/٥، ودلائل النبوة ٢٦١/٣. وانظر المسند الجامع
حدیث (١٤٦٢٥).
(٣) البخاري ١٢٩/٥ و١٣٠، ودلائل النبوة ٢٦٢/٣. وانظر المسند الجامع حديث
(٦٩٣٤) .
١٢١

يوم أُحُدٍ، فرأيتُ رجلاً يقاتلُ مع رسولِ الله مح له دونه. وأراه قال: يحميه،
فقلت: كُنْ طلحة، حيث فاتني ما فاتني، قلتُ: يكون رجلاً من قومي أحبّ
إليّ، وبَيني وبين المشرق رجل لا أعرفه، وأنا أقربُ إلى رسولِ الله ◌ِّ منه،
وهو يخطفُ المشي خطْفاً لا أخطفه. فإذا هو أبو عُبَيْدة. فانتهينا إلى رسولِ
الله ◌ٌِّ وقد كُسِرتَ رَبَاعيَتِه وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجهه حَلَقَتان من
حلق المِغْفر. قال رسولُ الله ◌ِّل: عليكما صاحبكما، يريدُ طلحةَ وقد نُزِفَ.
فلم نلتفتْ إلى قوله، وذهبتُ لأنزعَ ذلك من وجهه. فقال أبو عُبَيْدة:
أقسمتُ عليك بحقِّي لما تركتني. فتركته. فكره أن يتناولها بيده فيؤذي
النّبيَّ، فَأزمَّ عليهما بفِيه، فاستخرج إحدى الحلقتين. ووقعت ثنيَّتُه مع
الحلقة. وذهبتُ لأصنع ما صنع، فقال: أقسمتُ عليك بحقّي لما تركتني.
ففعل ما فعل في المرّة الأولى، فوقعت ثنيّتُه الأخرى مع الحلقة. فكان أبو
عُبَيْدة من أحسنِ النّاس هَتْماً، فأصلحنا من شأنِ النّبِيِّ مَّ، ثم أتينا طلحةَ
في بعض تلك الجِفار(١)، فإذا بضعٌ وسبعون، أقلّ أو أكثر، من بين طعنةٍ
ورميةٍ وضربة، وإذا قد قُطعت إصبعُه. فأصلحنا من شأنه(٢).
وروى الواقديُّ(٣) عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي
فروة، عن أبي الحُوَيْرِث، عن نافع بن جُبَيْر، قال: سمعت رجلاً من
المهاجرين يقول: شهدتُ أُحُداً، فنظرت إلى النَّبْل يأتي من كلّ ناحية،
ورسول الله مَ ﴾ وسطها، كل ذلك يُصْرَف عنه. ولقد رأيت عبد الله بنَ شهاب
الزُّهْريّ يقول يومئذٍ: دلّوني على محمدٍ، فلا نجوتُ إنْ نجا. ورسول الله
بَّ إلى جنبه ما معه أحدٌ، ثم تجاوزه فعاتبه في ذلك صَفوان، فقال: واللهِ
ما رأيتُه، أحلفُ باللهِ أنّه مِنَّا ممنوعٌ، خرجنا أربعةٌ فتعاهدْنا وتعاقدنا على
قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
قال الواقديّ: الثَّبَّتُ عندنا أنّ الذي رمى رسولَ اللهِ لّه في وجنتيه: ابن
قَمِنَة، والذي رمى شَفَتَيْه وأصابَ رَبَاعيَته: عُتْبة بن أبي وقّاص.
أي: الآبار الواسعة.
(١)
(٢)
دلائل النبوة ٢٦٣/٣ -٢٦٤.
(٣) المغازي ٢٣٧/١-٢٣٨، ودلائل النبوة ٢٦٤/٣-٢٦٥.
١٢٢

وقال ابن إسحاق(١): حدّثني صالح بن كَيْسان، عمّنٍ حدّثه، عن سعد
ابن أبيّ وقاص، قال: واللهِ ما حَرَصْت على قتْل أحدٍ قِطْ ما حَرَصْت على
قَتْل عُتْبَة بن أبي وقّاص، وإنْ كان ما علمته لسيّء الخُلُقِ مُبَغَّضاً في قومه،
ولقد كفاني منه قولُ رسول الله وَلَّ: ((اشتدّ غضبُ اللهِ على من دَمَّى وجهَ
رسولِ الله)).
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْريّ، وعن عثمان الجَزَرِي، عن مِقْسَم أنّ النّبيَّ
وَّ دعا على عُتْبة حين كسر رباعيته: اللَّهُمَّ لا تُحِلْ عليه الحَوْل حتى يموتَ
كافراً. فما حال عليه الحَوْلُ حتى مات كافراً إلى النّار(٢). مُرْسَل ..
ابن وهب: أخبرنا عَمْرو بن الحارث، قال: حدّثني عمر بنِ السّائب،
أنّه بلغه أنّ والد أبي سعيد الخُدْرِيّ لما جُرح النّبيّ ◌َِّ يوم أُحُد، مَصَّ
جرحَه حتى أنقاه ولاح أبيضَ، فقيل له: مُجَّه. فقال: لا واللهِ لا أمُجُّه أبداً.
ثم أدبر فقاتَل، فقال النّبِيّ ◌ِّ: ((مَنْ أراد أنْ ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنّة،
فلينظر إلى هذا)). فاستُشْهد (٣).
قال ابن إسحاق (٤): قال حسّان بن ثابت:
إذا اللهُ جازَى مَعْشَراً بفِعَالهمْ ونَصْرِهم الرَّحمنَ ربَّ المشارق
فأخزاك ربّ يا عُتَيْب بن مالك ولَقَّاك قبلَ الموتِ إحدى الصَّواعق
بَسَطْتَّ يميناً للنّبيّ تَعَمُّداً فادميْتَ فَاهُ، قُطّعَتْ بالبَوارق
فَهَلّا ذكرتَ اللهَ والمنزِلَ الذي تصيرُ إليه عند إحدى البَوَائق
قال ابن إسحاق(٥): وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ، أنّ عُتْبة كسر رَبَاعِيَةً
النّبِيّ بَّرَ اليمنى السُّفْلى، وجرح شَفَتَه السُّفْلى، وَأنّ عبد الله بن شهاب شجّه
في جبهته، وأنّ ابن قمئة جرح وجنَتَه، فدخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في
(١) ابن هشام ٧٩/٢، ودلائل النبوة ٢٦٥/٣.
(٢) دلائل النبوة ٢٦٥/٣.
(٣) دلائل النبوة ٢٦٦/٣.
(٤) ابن هشام ٢/ ٨١.
(٥) ابن هشام ٢/ ٨٠.
١٢٣

وجنته، ووقع مَثّ في حُفْرة من الحُفَر التي عمل أبو عامر ليقع فيها
المسلمون، فأخذ عليٌّ بيد رسول الله مَثّ، ورفعه طلحة حتى استوى قائماً.
ومصّ مالك بن سِنان، أبو أبي سعيد، الدَّمَ عن وجهه ثم ازْدَرَدَه، فقال
رسول الله بِّل﴾: مَنْ مسَّ دمَه دمي لم تمسّه النّار. مُنْقَطِع.
قال البكّائيّ: قال ابن إسحاق(١): وحدّثني عاصم بن عمر، أنّ رسول
الله اَّهُ رمى عن قوسه حتى اندقَّت سِيَتُها(٢)، فأخذها فَتَادة بن التُّعمان،
فكانت عنده. وأصيبتْ يومئذٍ عينُ قَتَادة، حتى وقعت على وجنته. فحدّثني
عاصم بن عمر أنّ رسول الله ◌ِ لّ ردّها بيده، وكانت أحسن عينيه وأحَدَّهما.
وقال الواقديّ(٣): حدثنا موسى بن يعقوب الزّمعي، عن عمّته، عن
أُمّها، عن المِقْداد بن عَمْرو قال: فربَّما رأيت رسول الله بِ لّ قائماً يوم أُحُد
يرمي عن قوسِهِ، ويرمي بالحجر، حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله محله كما
هو في عصابةٍ صبروا معه .
هذان الحديثان ضعيفان، وفيهما أنّه رمى بالقوس .
وقال سليمان بن أحمد نزيل واسط: حدثنا محمد بن شُعَيْب، قال:
سمعت إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، يحدّث عن عِياض بن عبدالله بن
سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُذْرِي، عن قَتَادَة بن النُّعمان، وكان
أخا أبي سعيد لأَمّه، أنّ عينه ذهبت يوم أُحُد، فجاء بها إلى النّبيّ مَّ فردّها،
فاستقامت (٤).
وقال يحيى الحِمّاني: حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن
عمر بن قتَادَة، عن أبيه، عن قَتَادَة بن النُّعمان، أنّه أصیبت عينُه يوم بدر،
فسالت حَدَقَتُه على وجنته، فأرادوا أنْ يقطعوها، فسألوا النّبِيَّ مَّ فقال:
لا. فدعا به فغمز حَدَقَتَه براحته. فكان لا يدري أيَّ عينيه أُصيبت(٥).
ابن هشام ٢/ ٨٢.
(١)
(٢)
أي : طرف القوس.
المغازي ٢٣٩/١-٢٤٠، ودلائل النبوة ٢٦٤/٣.
(٣)
(٤)
دلائل النبوة ٢٥٣/٣.
(٥) دلائل النبوة ٣/ ٢٥٢.
١٢٤

کذا قال ابن الغسیل : يوم بدر .
وَقال موسى بن عُقْبة: إنّ أبا حُذَيْفة بن اليمان، واسمه حُسَيل بن جُبَيْر
حليف للأنصار، أصابه المسلمون، زعموا، في المعركة لا يدرون من
أصابه. فتصدّق حُذَيْفة بدمه على من أصابه .
قال موسى: وجميع من استُشهد من المسلمين تسعة وأربعون رجلاً ..
وقُتِل من المشركين ستّة عشر رجلاً.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: حمل أُبُيُّ بن خَلَف
على النّبيّ بِّه يريد قتله، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَيْر، فقتل مصعباً. وأبصر
رسول الله بَ لِ تَرْقُوَةَ أَبِيٍّ فطعنه بحربتِه فوقع عن فرسِه، ولم يخرج منها دَمّ
فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور(١).
وروی نحوه الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيّب.
وذكره الواقدي، عن يونس بن محمد، عن عاصم بن عمر بن قَتَادة،
عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه .
قال الواقدي(٢): وكان ابن عمر يقول: مات أُبيِّ ببطنٍ رابغ، فإنّي
الأسير ببطن رابغ بعد هَوِيٍّ من الليل إذا نار تأجَّج لي فهِبْتُها، فإذا رجل
يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش. ورجل يقول: لا تَسْقِه،
فإنَّ هذا قتيل رسولِ اللهََِّ، هذا أُبيُّ بن خَلَف(٣) .
وقال عبدالرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عُبَيْد الله بن عبدالله بن
عُتبة، عن ابن عبّاس، قال: ما نُصِر النّبِيُّ مَ ﴿ في موطنٍ كما نُصِر يوم أُحُد.
فأنكرنا ذلك، فقال ابن عبّاس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ الله، إنّ الله
تعالى يقول في يوم أُحُد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم
بِإِذْنِهٌِ﴾ والحَسنُّ: القتلُ ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ﴾﴾ [آل عمران] الآية. وإنّما عنى
بهذا الزّماة. وذلك أنّ النّبيَّ بَّ أقامهم في موضع. وقال: احموا ظُهورَنا،
(١) دلائل النبوة ٢٥٨/٣-٢٥٩.
(٢) المغازي ١/ ٢٥٢، ودلائل النبوة ٢٥٩/٣.
(٣) كتب على هامش الأصل: ((تقدم قتل أُبي بأبسط مما هنا)).
١٢٥

فإنْ رأيتمونا نُقْتَل فلا تَنْصُرُونا، وإنْ رأيتمونا قد غِنِمْنا فلا تَشْرَكونا. فلما
غنم رسول الله مَ ﴿ وانكفأ عسكر المشركين، نزلت الرُّمَاة فدخلوا في
العسكر ينتهبون، وقد التقَّتْ صفوفُ أصحاب رسولِ الله ◌ِّ فهم هكذا،
وشبّك أصابعه، والتبسوا. فلما خلَّى الرُّماة تلك الخَلَّةَ(١) التي كانوا فيها،
دخلت الخيلُ من ذلك الموضع على أصحاب النّبيّ ◌َ ◌ّ، فضرب بعضهم
بعضاً، والتبسوا. وقُتِل من المسلمين ناسٌ كثير. وقد كان لرسولِ الله وَ ل
وأصحابه أوَّلُ النهار، حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعة،
وجال المسلمون جولةً نحو الجبل، وصاح الشَّيطان: قُتِلَ محمد. فلم يُشَكَّ
فيه أنّه حقٌّ. وساق الحديث(٢).
وقال سعيد بن أبي عَرُوبةٍ، عن قَتَادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال:
كنت ممّن تَغَشّاهُ النُّعاس يوم أُحُد، حتى سقط سيفي من يدي مِراراً. أخرجه
البخاري(٣).
وقال حمّاد بنِ سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال:
رفعت رأسي يوم أُحُد، فجعلت أنظر، وما منهم أحدٌ إلّ وهو يَمِيد تحت
حَجَفَتِهِ من النُّعَاس. فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا ثَ﴾
[آل عمران] الآية (٤).
وقال يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، عن جدّه، عن
الزُّبَير، قال: واللهِ لَكَأنّي أسمع قولَ مُعَتِّب بن قُشَيْر، وإنّ التُّعاسِ لَيَغْشاني ما
أسمعها منه إلّ كالخُلُم، وهو يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا
هَهُنَّاً ٣٠َ﴾ [آل عمران](٥) .
وروى الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن المِسْوَرَ بن مَخْرَمة، عن أبيه، عن
أي: الهضبة .
(١)
دلائل النبوة ٢٦٩/٣ -٢٧٠.
(٢)
(٣)
البخاري ١٢٦/٥-١٢٧، ودلائل النبوة ٢٧٢/٣.
(٤)
دلائل النبوة ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ .
(٥) دلائل النبوة ٢٧٣/٣ .
١٢٦

أبيه (١)، قال: أُلْقي علينا النَّومُ يومٍ أُحُد(٢).
وقال ابن إسحاق(٣)، عن عاصم بن عمر، والزُّهْري وجماعة، قالوا:
كان يوم أُحُد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومَحَقَ به المنافقين
ممّن كان يُظْهِر إسلامَه بلسانه، ويوم أكرم الله فيه بالشهادة غير واحد، وكان
ممّا نزل من القرآن في يوم أُحُد ستُّون آيةً من آل عمران.
وقال المدائني، عن سَلّم بن مسكين، عن قَتَادَة، عن سعيد بن
المسيّب، قال: كانت راية رسول الله مَ﴾ يوم أحد مرطاً أسود كان لعائشة،
وراية الأنصار يقال لها العُقاب، وعلى الميمنة عليّ، وعلى الميسرة المنذر
ابن عَمْرو السّاعِدِي، والزُّبَيْر بن العوّام على الرجال، ويقال المِقْداد بن
عَمْرو، وحمزة بن عبد المطّلب على القلب.
ولواء قريش مع طلحة بن أبي طلحة فقتله عليّ رضي الله عنه، فأخذ
اللواء سعد بن أبي طلحة فقتله سعدُ بن مالك، فأخذه عثمان بن أبي
طلحة(٤)، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فأخذه الجُلَاس بن طلحة،
فقتله ابن أبي الأقلح أيضاً، ثم كلاب والحارث ابنا طلحة، فقتلهما قُزْمان
حليف بني ظفر، وأرطاة بن عبد شُرَحْبِيل العَبْدَرِي قتله مُصْعَب بن عُمَيْرِ،
وأخذه أبو زيد بن عُمَير العبدري، وقيل عبد حبشيٍّ لبني عبدالدار، قتله
قُزْمان .
(١) قوله: ((عن أبيه)) الثانية حذفها بعض من نشر الكتاب، وهي ثابتة في الأصول، بل
صحح عليها البشتكي، والمسور بن مخرمة كان عمره ثماني سنوات عند وفاة رسول
الله ◌َلّ كما في تهذيب الكمال ٥٨٢/٢٧. فراوي الحديث هو مخرمة بن نوفل بن
أُهيب أبو المسور الزهري، من مسلمة الفتح، وكان مع المشركين يوم أحد (الإصابة
٥٠/٦).
(٢) على أن البيهقي قد أخرج هذا الحديث من طريق عبدالرحمن بن المسور بن مخرجة
عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف، به (دلائل النبوة ٣/ ٣٧٤).
(٣) ابن هشام ٢/ ١٠٥ .
(٤) كتب على هامش الأصل: ((اسم أبي طلحة أبيهم عبدالله بن عبدالعزى بن عثمان بن
عبدالدار)).
١٢٧

قال ابن إسحاق(١): وبقي اللواء ما يأخذه أحدٌ، وكانت الهزيمةُ على
قریش .
وقال مروان بن معاوية الفَزاري: حدثنا عبدالواحد بن أيمن، قال:
حدثنا عُبَيْد بن رفاعة الزُّرقي، عن أبيه، قال: لما كان يوم أُحُد انكفأ
المشركون، قال رسول الله بَله: استووا حتى أثني على ربّي. فصاروا خلفه
صفوفاً فقال: ((اللَّهُمَّ لك الحمد كلّه، اللَّهُمَّ لا قابضَ لِما بَسَطْتَ، ولا مُقَرِّبَ
لِما باعدْتَ، ولا مُباعد لِما قَرَّبْتَ، ولا مانعٍ لِما أعطيت، ولا مُعطي لِما
منعت. اللَّهُمَّ ابِسُطْ علينا من بركاتك، أسألكَ النَّعيمَ المُقيم الذي لا يحول
ولا يزول. اللَّهُمَّ عائذاً بك من سوء ما أعطيتنا وشرّ ما منعت منّا، اللَّهُمَّ
حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيَّتْه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكُفْرَ والفُسُوق والعِصْيان،
واجْعلنا من الراشدين، اللَّهُمَّ تَوَفَّنا مسلمين وأحْيِنا مسلمين وألحِقْنا
بالصَّالحين غيرَ خَزَايا ولا مفتونين. اللَّهُمَّ قاتل الكفرة الذين يَصدُّون عن
سبيلكَ، ويكذبون رسلك، واجعلْ عليهم رِجْزكَ وعذابك، اللهم قاتل
الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إلهَ الحقّ)).
هذا حديث غريب مُنْكر، رواه البخاري في الأدب (٢)، عن عليّ بن
المَدِيني، عن مروان.
عدد الشهداء
قد مرَّ أنَّ البخاريَّ أخرج من حديث البَرَاء، أنّ المشركين أصابوا منّا
سبعين .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، قال: ياربّ السّبعين من
الأنصار، سبعين يوم أُحُد، وسبعين يوم بئر مَعُونَة، وسبعين يوم مُؤْتَة،
وسبعين يوم اليمامة(٣).
(١) ابن هشام ٢/ ١٢٧.
(٢) الأدب المفرد (٦٩٩).
(٣) دلائل النبوة ٢٧٧/٣ .
١٢٨

وقال عبدالرحمن بن حَرْمَلَة، عن سعيد بن المسيَّب، قال: قُتِل من
الأنصار في ثلاثة مَوَاطِنَ سبعون سبعون: يوم أُحُد، ويوم اليمامة، ويوم
جسر أبي عُبَيْد(١).
وقال ابن جُرَيْج: أخبرني عمر بن عطاء، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس،
في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُ مِّثْلَيْهَا ﴾﴾ [آل عمران]، قال: قتل المسلمون
من المشريكن يوم بدرٍ سبعين وَأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أُحْد من
المسلمين سبعين (٢).
وأما ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، فقال: جميع من قُتِل مع
رسول الله مَلَّ يوم أُحُد، من قُريش والأنصار: أربعةٌ، أو قال: سبعة
وأربعون رجلاً. وجميع من قُتل يوم أُحُد، يعني من المشركين تسعة عشر
رجلاً(٣).
وقال موسى بن عقبة: جميع من استشهد من المسلمين، من قريش
والأنصار سبعة (٤) وأربعون رجلاً.
وقال ابن إسحاق(٥): جميع من استُشهد من المسلمين، من المهاجرين
والأنصار، يوم أُحُد، خمسةٌ وستّون رجلاً. وجميع قتلى المشركين اثنان
وعشرون .
قلت: قولُ مَن قال سبعين أصحٍّ. ويُحمل قولُ أصحابِ المغازي هذا
على عدد من عُرِف اسمُه من الشُّهداء، فإنّهم عدُّوا أسماءَ الشهداء
بأنسابهم .
قال ابن إسحاق(٦): استُشهد من المهاجرين:
(١) دلائل النبوة ٢٧٧/٣.
(٢) دلائل النبوة ٢٧٨/٣ - ٢٧٩.
(٣) كتب على هامش نسخة البشتكي: ((وتقدم قبل هذا أن المقتول من المشركين ستة عشر
فراجعه)».
(٤) كتب على هامش نسخة البشتكي: ((وتقدم عن موسى بدل سبعة تسعة، بتقديم التاء)).
(٥)
ابن هشام ١٢٨/٢، ودلائل النبوة ٢٨٠/٣.
(٦) ابن هشام ١٢٦/٢ .
تاريخ الإسلام ١/م٩
١٢٩

حمزة، وعبدالله بن جحش بن رئاب الأسَدي، حليف بني عبد شمس،
وهو ابن عمّة رسول الله بِ ◌َّ، وقد دُفن مع حمزة في قبرٍ واحد، ومُصْعَبٍ بن
عُمَيْر، وعثمان بن عثمان، ولقبه شماس، وهو عثمان بن عثمان بن الشَّريد
ابن سُوَيْد بن هرمي(١) بن عامر بن مخزوم القُرِشي المخزومي، ابن أخت
عُتْبة بن ربيعة، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً، ولُقّب شماساً لملاحته .
ومن الأنصار: عَمْرو بن معاذ بن النُّعمان الأوْسي، أخو سعد، وابن
أخيه الحارث بن أوس بن معاذ، والحارث بن أَنَيْس بن رافع، وعمارة بن
زياد بن السَّكَن، وسَلَمَة، وعَمْرو، ابنا ثابت بن وَقْش، وعمّهما: رفاعة بن
وَقْش، وصَيْفي بن قَيْظي، وأخوه: حُباب، وعَبّاد بن سهل، وعُبَيْد بن
التَّيْهان، وحبيب بن زيد، وإياس بن أوسٍ، الأشْهَليُّون، واليمان أبو
حُذَيْفة، حليفٌ لهم، ويزيد بن حاطب بن أُميَّةِ الظَّفَرِيّ، وَأبو سفيان بن
الحارث بن قيس، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الزّاهب، ومالك بن
أُميَّة؛ وعَوْف بن عَمْرو، وأبو حيّة بن عَمْرو بن ثابت، وعبدالله بن جُبَيْر بن
التُّعمان، أميرُ الزُّماة، وأنس بن فَتَادَة، وخَيْثَمة والد سعد بن خَيْثَمة،
وحليفه: عبدالله بن سَلَمَة العَجْلاني، وسُبيع بن حاطب بن الحارث،
وحليفه: مالك بن أوس، وعُمَيْر بن عدِيّ الخطمي. وكلَّهم من الأوْس.
واستُشهد من الخَزْرَج: عَمْرو بِن قيس النَّجَّاري، وابنه: قيس، وثابت
ابن عَمْرو بن زيد، وعامر بن مَخْلَد، وأبو هُبَيْرة بن الحارث بن علقمة،
وعَمْرو بن مُطَرِّف، وإياس بن عَدِيّ، وأوس، أخو حسّان بن ثابت، وهو
والد شدّاد بن أوس، وأنس بن النَّضر بن ضمضم، وقيس بن مَخْلَد،
وعَشَرَتُهُم من بني النَّجّار، وعبدٌ لهم اسمه: كَيْسان، وسليم بن الحارث،
ونعمان بن عبد عَمْرو، وهما من بني دينار بن الحارث.
ومن بني الحارث بن الخَزْرَج: خارجة بن زيد بن أبي زُهير، وسعد بن
الربيع بن عَمْرو بن أبي زُهير، وأوس بن أرقم بن زيد، أخو زيد بن أرقم.
ومن بني خُدْرَة: مالك بن سِنان، وسعيد بن سُوَيْد، وعُتْبة بن ربيع .
(١) في نسخة البشتكي ٢: ((هرمز)) خطأ.
١٣٠

ومن بني ساعدة: ثعلبة بن سعد بن مالك، وثقف بن فروة، وعبد الله بن
عَمْرو بن وهب، وضَمْرة، حليف لهم من جُهَيْنَة .
ومن بني عَوْف بن الخَزْرَج، ثم من بني سالم: عَمْرو بن إياس، ونَوْفل
ابن عبد الله، وعُبادة بن الحسحاس(١)، والعبّاس بن عُبادة بن نَضْلة،
والنُّعمان بن مالك، والمُجَذّر بن ذياد البَلَوِي، حليفٌ لهم.
ومن بني الحُبْلَى: رِفاعة بن عَمْرو .
ومن بني سواد بن مالك: مالك بن إياس .
ومن بني سَلِمة: عبدالله بن عَمْرو بن حرام، وعَمْرو بن الجَمُوح بن زيد
ابن حرام، وكانا متواخيين وصِهْرَيْن، فدُفِنا في قبرٍ واحد، وخَلَّد بن عَمْرو
ابن الجَمُوح، ومولاه أُسَيْرٍ، أبو أيمن، مولى عَمْروَ.
ومن بني سواد بن غُنْم: سُلَيْم بن عَمْرو بن حديدة، ومولاه عَنْتَرة،
وسُھیْل بن قیس .
ومن بني زُرَيْق: ذكوان بن عبد قَيْس، وعُبَيْد بن المُعَلَّى بن لوذان.
قال ابن إسحاق(٢): وَزعم عاصم بن عمر بن قَتَادَة أنّ ثابت بن وَقْش
قُتِل يومئذٍ مع ابنیه.
وذكر الواقديُّ جماعةً قُتِلوا سِوی مَن ذَكَرْنا .
وقال البكّائي: قال ابن إسحاق، عن محمود بن لَبيد، قال: لما خرج
رسول الله مَلّ إلى أُحُد رُفِعَ حُسَيْل بن جابر - والد حُذيفة بن اليمان - وثابت
ابن وَقْش في الآطام مع النّساء والصّبيان، فقال أحدُهما لصاحبه - وهما
شيخان كبيران -: ((لا أبالَك، ما ننتظر؟ فَوَالله ما بقيَ لواحدٍ منّا من عمره إلاّ
ظمء حمار (٣)، إنّما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق
برسول الله وَجّ لعلّ الله يرزقنا الشهادةَ مع رسوله؟ فخرجا حتى دخلا في
(١) بحاءين مهملتين بينهما سين مهملة .
(٢) ابن هشام ٢/ ١٢٢.
(٣) أي: ما بقي من عمره إلا مقدار يسير بقدر شربة أو شربتين.
١٣١

النّاس، ولَم يُعْلَم بهما. فأمّا ثابت فقتله المشركون، وأما حُسَيْل فقتله
المسلمون ولا يعرفونه(١).
قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة، قال: كان فينا رجلٍ أَتِيٌّ(٢) لا
يُدْرَى ممَّن هو، يقال له قُزْمان، وكان رسول الله بِ ليه يقول إذا ذُكِر له: إنّه
لمن أهل النّار. فلما كان يوم أُحُد قتل وحده ثمانيةً أو سبعةً من المشركين
وكَان ذا بأس، فأثْبَتَتْه الجراحةُ، فاحتُمل إلى دار بني ظَفَر، فجعلوا يقولون
له: والله لقد أبليتَ اليوم يا قُزْمان، فأبْشِر. قال: بماذا أبشر؟ والله إنْ قاتلتُ
إلاّ عن أحساب قومي، ولولا ذلك لما قاتَلْتُ. فلما اشتدّت عليه جراحتُه
أخذ سهماً فقتل به نفسه.
قال ابن إسحاق(٣): وكان ممّن قُتِل يومئذ مُخَيْرِيق، وكان أحدَ بني
ثعلبة بن العيطون(٤)، قال لما كان يوم أُحُد: يا معشر يهود، والله لقد علمتم
أنّ نصر محمدٍ عليكم لَحَقٌّ. قالوا: إنّ اليوم يوم السّبت. قال: لا سبْتَ.
فأخذ سيفه وعدَّتَه وقال: إنْ أُصِبْتُ فمالي لمحمدٍ يصنع فيه ما شاء. ثم غدا
إلى رسول الله بِّل فقاتل معه حتى قُتِل. فقال رسول الله مح لول فيما بلغنا:
مُخَيْرِیق خيرُ يهود.
ووقعتْ هند بنت عُتْبة والنِّسْوةُ اللّتي معها يمثِّلْنَ بالقتلى، يَجْدَعَنَ
الآذانَ والآنُفَ، حتى اتّخذت هند من آذان الرجال وآنُفِهم خَدَمَاً(٥)، وَبقرت
عن كبد حمزة فَلاَكَتْها، فلم تستطيع أن تُسيغها فَلَفَظَتْها. ثم علت على
صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها:
نحنُ جَزَيْناكم بيوم بدر والحربُ بعد الحربِ ذاتُ سُعْرٍ
ما كان عن عُتْبة لي من صبْر ولا أخي، وعمّه وبكري
شفيتُ صدري وقضيتُ نذْري شفَيْتَ وَحْشِيُّ غليلَ صَدْري
ابن هشام ٢/ ٨٧-٨٨.
(١)
أي: لا يُعرف من أين أتى .
(٢)
(٣)
ابن هشام ٨٨/٢.
هكذا في النسخ، وفي السيرة: الفِطْيون.
(٤)
(٥) اي: خلخالاً.
١٣٢

وقُتِل من المشركين - على ما ذكر ابن إسحاق ــ أحد عشر رجلاً من بني
عبد الدّار، وهم:
طلحة، وأبو سعيد، وعثمان: بنو أبي طلحة عبدالله بن عبدالغُزَّى.
ومولاهم: صُوَّاب(١)، وبنو طلحة المذكور: مُسافِعٍ، والحارث،
والجُلاس، وكلاب، وأبو زيد(٢) بن عُمَيْر أخو مُصْعَب بن عُمَيْر، وابن
عمّه: أرطاة بن شرَحْبِيل بن هاشم، وابن عمّهم: قاسط بن شُرَيْح.
ومن بني أسد: عبدالله بن حُمَيْد بن زُهير الأسدي، وسباع بن
عبدالعُزَّى الخُزاعيّ حليف بني أسد.
وأربعة من بني مخزوم: أخو أمّ سَلَمَة: هشام بِن أبي أُميَّة بن المُغِيرة،
والوليد بن العاص بن هشام بن المُغِيرة، وأبو أُميَّة بن أبي حُذَيْفة بن
المُغِيرة، وحليفهُم خالد بن الأعلم.
ومن بني زُهْرة: أبو الحَكَم بن الأخنس بن شريق، حليفٌ لهم.
ومن بني جُمَحٍ: أَبِيُّ بن خَلَف، وأبو عَزَّة عَمْرو بن عبدالله بن عُمَيْر،
أمر رسول الله بَّه بضَرْب عُنُقِه صبْراً، وذلك أنّه أُسِر يوم بدر، وأطلقة النّبيُّ
وَّ بلا فداء لفَقْره، وأخذ عليه أنْ لا يُعين عليه، فنقض العهدَ وأُسِر يوم
أُحُدٍ، فقال رسول الله مَّه: والله لا تمسح عارضَيْك بمكة تقول خدعتُ
محمداً مرَّتين. وأمر به فضُرِبت عُنُقُه. وقيل لم يؤسر سِواه.
ومن بني عامر بن لُؤَّيّ: عُبَيْد بن جابر، وشَيْبَة بن مالك.
وقال سُليمان بن بلال، عن عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فَرْوة، عن
قَطَن بن وَهْب، عن عُبَيْد بن عُمَيْر، عن أبي هريرة، ورواه حاتم بن
إسماعيل، عن عبدالأعلى - فأرسله مرَّةً وأسنده مرَّة - عن أبي ذَرٍّ عِوَض أبي
هريرة، أن النّبِيّ مَّ حين انصرف من أُحُدٍ مرّ على مُصْعَب بن عُمَيْر وهو
مقتول - على طريقه - فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا
◌َهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا جَ﴾
[الأحزاب]. ثم قال: ((أشْهد أنّ هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم
(١) غلام حبشي قتله قزمان.
(٢) انظر ابن هشام ١٢٨/٢.
١٣٣

وَزُورُوهم، والذي نفسي بيده لا يُسلِّمُ عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة إلاّ ردُّوا
عليه السَّلاَمَ)»(١) .
وقال ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَير، وحدّثنيه بُرَيْدَة
ابن سفيان، عن محمد بن كعب، قال: لما رأى رسول الله مح له ما بحمزةَ من
المَثْلِ - جِدِع أنفه ولُعِب به - قال: ((لولا أنْ تجزع صِفيّةُ وتكونَ سُنَّةً من
بعدي ما غُيِّبَ حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطَّر)).
وحدّثني بُرَيْدة، عن محمد بن كعب، قال: قال رسول الله مَله: لئن
ظفِرْتُ بقُرَيْشٍ لأَمثَّلَنَّ بثلاثين منهم. فلما رأى أصحابُ رسول الله ◌ِّ ما به
من الجَزَعِ قالوا: لئنْ ظِفِرْنا بهم لنمثّلنَّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها أحدٌ من العرب
بأحدٍ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوْقِبْتُم بِهِّ ◌َ﴾
[النحل]، إلى آخر السّورة. فعفا رسول الله صَلَله .
وروى ابن إسحاق(٣)، عن شيوخه الذين روى عنهم قصَّةً أُحُد، أنّ
صَفيَّة أقبلت لتنظر إلى حمزة - وهو أخوها لأبَوَيْها - فقال رسول الله مَل
لابنها الزُّبَيْرِ: الْقَها فأرْجِعْها، لا ترى ما بأخيها. فَلَقِيَها فقال: أي أمَّهْ، إنّ
رسول الله ◌َّ يأمرك أنَّ ترجعي. قالت: ولِمَ؟ فقد بلغني أنّه مُثَّلِ بأخي،
وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، فلأحتسبنّ وَلأَصْبِرَنَّ إنْ شاء
الله. فجاء الزُّبَيْرُ فأخبره قولَها، قال: فخلِّ سبيلَها. فأتته، فنظرت إليه
واسترجعتْ واستغفرتْ له ثم أمر به فدُفِن.
وقال أبو بكر بن عيّاش، عن يزيد بن أبي زياد(٤)، عن مِقْسَم، عن ابن
عبّاس، قال: لما قُتِل حمزة أقبلت صفيّة، فلقيتْ عليّاً والزُّبَير، فأرياها
أنّهما لا يدريان. فجاءت النَّبِيَّ وَلَّ فقال: فإنّي أخافُ على عقلها. فوضع
يده على صدرها ودَعَا لها، فاسترجعتْ وبكتْ. ثم جاء فقامَ عليه وقد مُثْلَ
به فقال: «لولا جَزَعُ النّساء لَتَرَكْتُه حتى يُحشرَ من حواصلِ الطيّر وبطونِ
(١) دلائل النبوة ٢٨٤/٣.
(٢) ابن هشام ٩٥/٢، ودلائل النبوة ٢٨٥/٣ - ٢٨٦.
(٣)
ابن هشام ٢/ ٩٧، ودلائل النبوة ٢٨٦/٣.
(٤) يزيد بن أبي زياد ضعيف وإن روى له مسلم.
:
١٣٤

السباع)). ثم أمر بالقتلى فجعل يصلّ عليهم سبعَ تكبيرات، ويُرفَعون ويُتْرِكُ
حمزة، ثم يجاء بسبعةٍ فيكبّر عليهم سَبْعاً، حتى فرغُ منهم.
وحديث جابر أنَّ النّبيَّ بََّ لم يصلِّ عليهم أصحُ(١).
وفي الصحيحين(٢) من حديث عُقْبة بن عامر أنَّ النّبيَّ بِّ صلّى على
قتلى أُحُد صلاتَه على الميت(٣). فالله أعلم.
عثمان بن عمر، ورَوْح بن عُبادة، بإسناد الحاكم في ((المستدرك))(٤)
إليهما: حدثنا أسامة بن زيد، عن الزُّهْري، عن أنس، قال: لما كان يوم
أُحُد، مرّ رسولُ اللهِ وَلَ بحمزة وقد جُدِعٍ ومُثّل به، فقال: لولا أن تجد
صفيّةُ تركته حتى يحشره الله من بطون الطيّرِ والسّباع. فكفَّتَه في نَمِرَةٍ، ولم
يصلّ على أحدٍ من الشهداء غيره ... الحديثَ.
وقال يحيى الحِماني: حدثنا قيس - هو ابن الربيع - عن ابن أبي ليلى،
عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، قال رسول الله مَ ◌ّلَه يوم قُتِل حمزة
ومُثّل به: ((لئن ظفرتُ بقُريشٍ لأمثّلنّ بسبعين منهم)) فنزلت: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِ ثَ﴾ [النحل] الآية. فقال رسول اللهمح لل: بل
نصبر یا رب(٥). إسناده ضعيف من قِبَل قَیْس.
وقد روَى نحوه حجّاج بن مِنْهال، وغيره، عن صالح المُرِّي - وهو
ضعيف - عن سُليمان التَّيْمي، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي هريرة،
وزاد: فنظر إلى منظرٍ لم ينظر إلى شيءٍ قطْ أوْجَعَ لقلبه منه .
أخبرنا محمد بن محمد بن صاعد القاضي، قال: أخبرنا الحسن بن
أحمد الزّاهد ببيت المقدس سنة تسع وعشرين وست مئة، قال: أخبرنا
(١) أخرجه البخاري ٢/ ١١٤ .
(٢) البخاري ١١٤/٢ و٢٤٠/٤ و١٢٠/٥ و١٣٢ و١١٢/٨ و١٥١، ومسلم ٧/ ٦٧،
وانظر المسند الجامع حديث (٩٩١٩).
(٣) عبارة الذهبي ملبسة، فالثالث من حديث عقبة بن عامر أنه لم يصل عليهم قبل دفنهم
وإنما صلى عليهم بعد ثماني سنين كالمودع الأحياء والأموات، كما في نص رواية
مسلم ٧ / ٦٧ .
(٤) المستدرك للحاكم ٣٦٥/١ و١٩٦/٣.
(٥) دلائل النبوة ٢٨٨/٣.
١٣٥

أحمد بن محمد السَّلَفي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ، قال: أخبرنا
الحسن بن أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر الفارسي، قال:
حدثنا يعقوب الفَسَوِي، قال: حدثنا عبدالله بن عثمان، قال: حدثنا عيسى
ابن عُبَيْد الكِنْدي، قال: حدّثني ربيع بن أنسٍ، قال: حدّثني أبو العالية، عن
أُبَّ بن كعب أنّه أُصيب من الأنصار يوم أُحُد أربعةٌ وستّون، وأُصيب من
المهاجرين ستّة، منهم حمزة، فمثَّلُوا بقَتلاهم، فقالت الأنصار: لئنْ أصبْنا
منهم يوماً من الدهر لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا
يُعرف: لا قريش بعد اليوم، مرّتين، فأنزل الله على نبيّه ◌َلّ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمبِةٍ﴾ [النحل) الآية. فقال النّبِيُّ بَل: كُفُوا عن
القوم(١).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، قال: جاءت صفيّة
يوم أُحُد ومعها ثوبان لحمزة، فلما رآها رسول الله مَلّ كره أن ترى حمزةً
على حاله، فبعث إليها الزُّبَير يحبسها وأخذ الثوبين. وكان إلى جنب حمزة
قتيل من الأنصار، فكرهوا أن يتخيّروا لحمزة، فقال: أسهموا بينهما،
فأيّهما طار له أجودُ الثوبين فهو له. فأسهموا بينهما، فكُفِّن حمزة في ثوبٍ
والأنصاريُّ في ثوب (٢).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني الزُّهْري، عن عبد الله بن ثعلبة
ابن صُعَيْر، قال: لما أشرف رسول الله وَ لَه على قتلى أُحُد، قال: أنا الشهيد
على هؤلاء، ما من جريح يُجرح في الله إلاّ بُعث يوم القيامة وجرحه يَثْعَب
دماً، اللّونُ لونُ الدم والريحُ رِيح المسك، انظرو أكثرهم جمعاً للقرآن
فاجعلوه أمام صاحبه في القبر. فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثةَ في القبر.
قال ابن إسحاق(٤): وحدّثني والدي، عن رجالٍ من بني سَلِمَة، أنّ
رسول الله مَّ﴾ قال حين أصيب عَمْرو بن الجَمُوح، وعبدالله بن عَمْرو بن
(١) دلائل النبوة ٢٨٩/٣. وينظر المستدرك للحاكم ٣٥٩/٢.
(٢) دلائل النبوة ٢٨٩/٣ - ٢٩٠.
(٣) ابن هشام ٩٨/٢، ودلائل النبوة ٢٩٠/٣.
(٤) ابن هشام ٩٨/٢، ودلائل النبوة ٢٩١/٣.
١٣٦

حرام: اجمعوا بينهما، فإنّهما كانا متصافيَيْن في الدنيا. قال أبي: فحدّثني
أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرّت على قبور
الشهداء، استُصْرِخنا عليهم وقد انفجرت عليهما في قبرهما، فأخرجناهما
وعليهما بُرْدَتان قد غُطَّي بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيءٌ من نبات
الأرض، فأخرجناهما كأنّهما يتئنّان تثنّياً كأنّما دُفِنا بالأمس.
وهذا هو عَمْرو بن الجَمُوحِ بن زيد بن حرام بن كعب بن غُنْم الأنصاري
السَّلَمي، سيّد بني سَلِمَة. قال ابن سعد(١) وغيره: شهد بدراً. وابنه مُعَاذ بِن
عَمْرو بن الجَمُوحِ هو الذي قطع رجْلَ أبي جهل، وقضى النّبِيُّ بَّه بِسَلَبه
لمُعَاذ. وكان عَمْرو بن الجَمُوح زوج أخت عبدالله بن عَمْرو بن حرام.
ثابت البناني، عن عِكْرِمة، قال: كان مَناف(٢) في بيت عَمْرو بن
الجَمُوحِ، فلما قدِمِ مُصْعَب بنُ عُمَيْر المدينةَ، بعث إليهم عَمْرو: ما هذا
الذي جئتمونا به؟ قالوا: إنْ شئتَ جئنا وأسمعناك، فواعدَهم فجاؤوا، فقرأ
عليه: ﴿الَرَتِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾ [يوسف]، فقرأ ما شاء الله أن يقرأ،
فقال: إنّ لنا مؤامرة في قومنا - وكان سيّدَ بني سَلِمَة - فخرجوا، فدخل على
مَناف، فقال: يا مَناف، تعلم والله ما يِرِيدُ القومُ غيرَك، فهل عندك من
نكير؟ قال: فقلّده سيفاً، وخرجَ فقام أهله فأخذوا السّيف، فجاء فوجدهم
أخذوا السيف، فقال: يا مَناف أين السيفُ وَيْحكَ، إنّ العَنْزَ لتمنعُ اسْتَها،
والله ما أرى في أبي جعار غداً من خير. ثم قال لهم: إنّ ذاهبٌ إلى مالي
فاستوصوا بمَنَافِ خَيْراً. فذهب فكسروا مَناف وربطوه مع كلب ميت. فلما
جاء رأى مَناف، فبعث إلى قومه فجاؤوه، فقال: ألستم على ما أنا عليه؟
قالوا: بلى، أنت سيّدنا، قال: فإنّي أُشْهِدُكم أنّ قد آمنتُ بمحمد. فلما كان
يوم أُحُد قال النّبِيُّ بَله: ((قوموا إلى جنّةٍ عرضها السموات والأرض)) فقام
وهو أعرج، فقاتل حتى قُتِل .
أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَله: نِعْم الرجل عَمْرو
ابن الجَمُوح.
(١) الطبقات الكبرى ٤٣/٢ .
(٢) كتب على هامش الأصل: ((اسم صنم)).
١٣٧

وروى محمد بن مسلم، عن عَمْرو بن دينار، وروى فِطْرُ بن خليفة،
عن حبيب بن أبي ثابت وغيرهما، أنّ النّبيّ بَّ قال: يا بني سَلِمَة مَن
سيّدكم؟ قالوا: الجدّ بن قيس، وإنّا لَنُبَخِّلُهُ، قال: وأيّ داءٍ أدوى من
البُخْل؟ بل سيّدكم الجَعْد الأبيض عَمْرو بن الجَمُوح.
وقد قال الواقديّ(١): لم يشهد بدراً، ولما أراد الخروج إلى أُحُد منعه
بنوه وقالوا: قد عذرك الله وبك عَرَج، فأتى النّبيَّ بِيَّ فأخبره فقال: أما أنت
فقد عَذَرَك الله. وقال لبنيه: لا تمنعوه لعلّ الله يرزُّقُه الشهادة. فخرج
فاسْتُشهد هو وابنه خلاد.
إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضُّحَى، أنّ عَمْرو بن
الجَمُوح قال لبنيه: منعتموني الجنَّةَ يوم بدر، والله لئن بقيتُ لأدخلنَّ الجنّة .
فكان يوم أُحُد في الرعيل الأول.
وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، قال:
استُصْرِخْنا إلى قتلانا يومٍ أُحُد، وذلك حين أجرى معاوية العَين، فأتيناهم
فأخرجناهم تتثنى أطرافُهم رِطَاباً، على رأس أربعين سنة. قال حمّاد:
وزادني صاحبٌ لي في الحديثُ: فأصاب قَدَمَ حمزة فانْشَعَب دماً(٢) .
وقال ابن عُيَيْنَة، عن الأسود، عن نُبَيْحِ العَنَزِي، عن جابر، أنّ رسول
الله ◌ِّ أمر بقتلى أُحُد أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم(٣) .
وقال أبو عَوَانة: حدثنا الأسود بن قيس، عن نُبَيْحِ العَنَزِي، عن جابر،
قال: خرج رسول الله مَ له إلى المشركين لقتالهم، فقال لي أبي: ما عليك أن
تكون في النَّظَّارة حتى تعلم إلى ما يصيرُ أمرُنا، فَوِ الله لولا أنّي أترك بناتٍ لي
بعدي لأحببتُ أن تُقتَل بين يديَّ. فبينما أنا في النَّظَّارين إذ جاءت عمّتي بأبي
وخالي عَادِلَتَهُما على ناضح، فدخلت بهما المدينة، لتدفنهما في مقابرنا،
فجاء رجل ينادي: ألا إنّ رسول الله بَ لّ يأمركم أن ترجعوا بالقَتْلَى فتدفنوها
(١) المغازي ٢٦٤/١-٢٦٥.
(٢) دلائل النبوة ٢٩١/٣.
(٣) دلائل النبوة ٢٩٢/٣.
١٣٨

في مصارعها. فبينما أنا في خلافة معاوية، إذْ جاءني رجلٌ فقال: يا جابر،
قد والله أثار أباك عُمّالُ معاوية فبدت طائفة منه. قال: فأتيته فوجدته على
النَّحْو الذي تركته، لم يتغيّر منه شيء إلاّ ما لم يَدَع القتيل، فواريته(١).
وقال حسين المعلّم، عن عطاء، عن جابر، قال: لما حضر أُحُد قال
أبي: ما أُراني إلاّ مقتولاً، وإنّي لا أتركُ بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفسٍ
رسولِ الله ◌ِّ، وإنّ عليَّ دَيْناً فاقضٍ واستَوْصِ بأخواتك خيراً. فأصبحنا
فكان أول قتيل، فدفنتُ معه آخَرَ في قبرٍ، ثم لم تَطبْ نفسي أنْ أتركِهِ مع
آخرَ، فاستخرجته بعد ستّة أشهر، فإذا هو كيوم وضعْتُه هُنَيَّةً غيرَ أُذنه.
أخرجه البخاري(٢) .
وقال الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، أنّ
رسول الله الج﴾ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد في ثوبٍ، ثم يقول:
أيُّهما أكثرُ أخْذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللَّحْد، وقال:
أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلِّ عليهم،
ولَم يُغَسَّلُوا. أخرجه البخاري(٣) عن قُتَيْبة، عن اللَّيْث، عنه.
وقال أيّوب، عن حُمَيْد بن هلال، عن هشام بن عامر، قال: قالوا يوم
أُحُد: يا رسول الله قد أصابنا قَرْحٌ وجَهْدٌ فكيف تأمر؟ قال: احفروا وأوسِعوا
وأعمِقوا وَاجعلوا الاثنين والثلاثةَ في القبر، وقدِّمُوا أكثرَهم قرآناً(٤).
ومنهم من يقول: حُمَيْد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن
أبيه .
وقال شُعبة، عن ابن المُنْكَدِر: سمعت جابراً يقول: لما قُتل أبي جعلتُ
أبكي وأكشفُ الثوبَ عنه، وجعل أصحاب النّبيّ ◌ِّل ينهوني، ورسولُ الله
مَلجه لا ينهاني، وقال: لا تبكيه، أو ما تبكيه، فما زالت الملائكة تُظِلُّه
بأجنحتها حتى رفعتموه. أخرجاه(٥).
(١) دلائل النبوة ٢٩٢/٣ - ٢٩٣.
(٢)
البخاري ١١٦/٢، ودلائل النبوة ٢٩٤/٣.
البخاري ٢/ ١١٤ و١٣١/٥، ودلائل النبوة ٢٩٥/٣.
(٣)
(٤) دلائل النبوة ٢٩٦/٣.
(٥) البخاري ١٣١/٥، ومسلم ١٥٢/٧، ودلائل النبوة ٢٩٧/٣.
١٣٩

وأخرج البخاري من حديث جابر أنّ رسول الله مَّ أمر بدفن قتلى أُحُد
في دمائهم ولم يُغَسَّلوا ولم يصلِّ عليهم. وكان يجمع بين الرجلين في
الثوب الواحد، ثم يقول: أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما
قدَّمه في اللَّحْد(١).
وقال عليُّ بن المَدِيني: حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري، سمع
طلحة بن خراش، قال: سمعت جابرَ بنَ عبدالله، قال: نظر إليّ رسولُ الله
وَلَه، فقال: ما لي أراك مهتمًّا؟ قلت: يا رسول الله قُتِل أبي وترك دَيْناً
وعيالاً، فقال: ألا أُخْبرُك؟ ما كلّم الله أحداً إلاّ من وراء حجاب، وإنّه كلّم
أباكَ كِفَاحاً، فقال له: يا عبدي سَلْني أُعطِك، فقال: أسألك أن تردّني إلى
الدنيا فأُقتلَ فيك ثانياً، فقال: إنّه قد سبق منّي أنّهم إليها لا يرجعون، قال:
يا ربِّ فأبلغْ مَن ورائي، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ ونَ﴾ [آل عمران] الآية(٢).
ويُرْوَى نحوه عن عُرْوة، عن عائشة.
وكان أبو جابر من سادة الأنصار شهد بدراً، وهو أحد النُّقباء ليلة
العَقَبَة، وَهو عبدالله بن عَمْرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غَنْمِ
ابن كعب بن سَلِمَة. وأُمُّه الرَّباب بنت قيس من بني سَلِمَة. شهد معه العَقَبَةَ
ولدُه جابر .
وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، قال: أُتي ابنُ عَوفٍ بطعام
فقال: قُتِل مُصْعَب بن عُمَيْر - وكان خيراً منّي - فلم يوجد له إلاّ بُرْدة يكفَّنَ
فيها، ما أَظُننا إلّ قد عُجِّلَتْ لنا طيّباتُنا في حياتنا الدنيا. أخرجه
البخاري(٣).
وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن خَبّاب، قال: هاجرنا مع رسول الله
وَّ نبتغي وجهَ الله، فوجبَ أجرُنا على الله، فمنّا مَن ذهب لم يأكل من
أجره، وكان منهم مُصْعَب بن عُمَيْر، قُتِل يوم أُحُد، ولم يكن له إلاّ نَمِرَةٌ،
(١) البخاري ١٣١/٥.
(٢) دلائل النبوة ٢٩٨/٣ - ٢٩٩.
(٣) البخاري ٩٨/٢ و١٢١/٥ و١٣١، ودلائل النبوة ٢٩٩/٣.
١٤٠