Indexed OCR Text
Pages 101-120
فأمر رسول الله وَ له سعد بن معاذ أنْ يبعثَ رَهْطاً ليقتلوا كعباً، فبعث إليه سَعْدٌ محمدَ بن مَسْلَمَة وأبا عَبْس، والحارث ابن أخي سعد بن مُعَاذ في خمسة رَهْطِ أتوه عشيَّةً، وهو في مجلسهم بالعوالي. فلما رآهم كعب أنكرهم وكاد يُذْعَر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءت بنا إليك حاجةٌ. قال: فليدْنُ إليَّ بعضُكم فليحدّثني بها. فدنا إليه بعضُهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعاً لنا لنستنفق أثمانها. فقال: والله لئن فعلتم ذلك لقد جُهِدْتُم، قد نزل بكم هذا الرجل. فواعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنهم النّاس. فجاؤوا فناداه رجل منهم، فقام ليخرج فقالت امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء تُحِبُّ. فقال: بل إنّهم قد حدّثوني حديثهم. فاعتنقه أبو عَبْس، وضربه محمدُ بن مَسْلَمة بالسَّيف، وطعنه بعضُهم بالسيفِ في خاصرته. فلما قتلوه فزعتِ اليهودُ ومَن كان معهم من المشركين. فَغَدَوْا على رسولِ الله وَله حين أصبحوا فقالوا: إنّهُ طُرِق صاحبُنا الليلة وهو سيّد من ساداتنا فقُتِل، فذَكر لهم رسولُ اللهِ وَّهِ الذي كان يقولُ في أشعاره، ودعاهم رسول الله ◌َّي إلى أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فكتب بينهم صحيفة. وكانت تلك الصحيفة بعده عند عليٍّ. أخرجه أبو داود(١). وذكر موسى بن عُقْبة وغيره أنَّ عَبّاد بن بِشْر كان معهم، فأصيب في وجهه بالسیف أو رِجْله. وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني ثور بن زيد، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: ومشى معهم رسول الله بَّةِ إلى بقيع الغَرْقَد، ثم وجَّههم وقال: انطلقوا على اسمِ الله، اللهُمَّ أَعِنْهم. وذكر البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٣) هذه القصّة بأطول ممّا هنا وَأحسن عبارة، وفيه: فاجتمع في قتله محمد، وسِلْكان بن سلامة بن وَقْش، وهو (١) أبو داود (٣٠٠٠)، ودلائل النبوة ١٩٦/٣-١٩٨. وانظر المسند الجامع حديث (١١٢٦٣). (٢) دلائل النبوة ٢٠٠/٣. (٣) ابن هشام ٢/ ٥٤-٥٨ . ١٠١ أبو نائلة الأشهليّ، وعَبَّاد بن بِشْر، وأبو عَبْس بن جبر الحارثي. فقدّموا إلى ابن الأشرف سِلْكان، فجاءه فتحدّث معه ساعةً وتناشدا شِعْراً، ثم قال: ويحكِ يا ابن الأشرف، إنّي قد جئت لحاجةٍ أريد ذِكْرَها لك فاكتم عنّي. قال: أَفْعَلُ. قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء، عادَتْنا العربُ ورمونا عن قوس واحدةٍ، وقُطِعَتْ عنا الشُّبُل حتى ضاع العِيال وجُهِدْنا. فقال: أنا ابنُ الأَشرف! أما والله لقد أخبرتُك يا ابنَ سلامة أنَّ الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال: إنّي أردت أن تبيعنا طعاماً ونَرْهَنُك ونُوثّق لك، وتُحسن في ذلك. فقال: أتَرْهُنُوني أبناءكم؟ قال: لقد أردتَ أن تفضحنا، إنَّ معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردتُ أن آتيك بهم فتبيعهم، وتُحسن في ذلك، ونَرْهَنُك من الحَلْقَة ما فيه وفاء. قال: فرجع سِلْكان إلى أصحابه فأخبرهم خَبَرَه، وأمرهم أن يأخذوا السّلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه. واجتمعوا، وساق القصّة. قال ابن إسحاق(١): وأطلق رسولُ اللهِ وَلَهَ قتلَ اليهود، وقال: مَنْ ظفرتم به من اليهود فاقتلوه. وحينئذٍ أسلم حُوَيّصة بن مسعود، وكان قد أسلم قبله أخوه مُحَيِّصة. فقتل مُحَيِّصَة ابنَ سُنَيْنَة اليهودي التّاجرِ، فقال حويصة قبل أن يُسلم وجعل يضرب أخاه ويقول: أيْ عدُوَّ الله قَتَلْتَه؟ أما والله لَرُبَّ شَخْمٍ في بطنك من ماله. فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلكَ لضَّربتُ عنقك. قال: والله إنَّ دِيناً بلغ بك هذا لَعَجب. فأسلم حُوَيِّصة . وفي رمضان: وُلد السيد أبو محمد الحسن بن عليّ، رضي الله عنهما. وتزوج النّبيُّ مَّل بحفصة بنت عمر. وفي هذه السنة: تزوّج أيضاً بزينب بنت خُزَيْمة، من بني عامر بن صَعْصَعَة، وهي أمُّ المساكين، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة، وتُوُفِّيَتْ. وقيل: أقامت عنده ثمانية أشهر، فالله أعلم. (١) ابن هشام ٥٨/٢-٥٩، ودلائل النبوة ٢٠٠/٣. ١٠٢ غَزْوة أُحُد ((وكانت في شوال)» قال شَيْبان، عن قَتَادَة: واقَعَ نبِيُّ الله ◌َّهَ يومَ أُحُدٍ من العام المقبل بعد بدر في شوّال، يوم السبت لإحدى عشرة ليلةً مضت من شوّال. وكان أصحابه يومئذٍ سبع مئة، والمشركون ألفَيْن أو ما شاء الله من ذلك(١). وقال ابن إسحاق: للنصف من شوّال. وقال مالك: كان القتال يومئذٍ في أول النّهار(٢). وقال بُرَيْد بن عبدالله، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى، عن النّبِيِ وَّ، قال: رأيت أنّي قد هززت سيفاً فانقطع صدرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززته أخرى فعاد أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت في رؤياي بقراً، واللهُ خيرٌ، فإذا هم النَّفر من المؤمنين يوم أُحُد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصِّدق الذي آتانا يوم بدر. أخرجاه(٣). وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عُبَيْدالله بن عبد الله، عن ابن عبّاس قال: تنقّل رسولُ اللهَ وَّل سيفه ذا الفَقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرُّؤْيا يوم أُحُد. وذلك أنَّه لما جاءه المشركون يوم أُحُد كان رأيُ رسولِ الله ◌َلر أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدراً: تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأُحُد، ورجوا من الفضيلة أنْ يصيبوا ما أصاب أهلُ بدر. فما زالوا برسول الله بَ ل حتى لبس أداته، ثم ندِموا وقالوا: يا رسول الله، أقم فالرأيُ رأيُك. فقال لهم رسول الله وَير: ما ينبغي لنبيِّ أنْ يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين (١) دلائل النبوة ٣/ ٢٠١. (٢) دلائل النبوة ٢٠٢/٣. (٣) البخاري ٢٤٧/٤ و١٠٠/٥ و١٣١ و٥٢/٩ و ٥٣، ومسلم ٥٧/٧، ودلائل النبوة ٢٠٣/٣-٢٠٤. وانظر المسند الجامع حديث (٨٨٨٨). ١٠٣ عدوِّه. قالوا: وكان ما قال لهم رسول الله بَّله قبل أنْ يلبس أداته: إنّي رأيت أنّي في دِرْع حصينةٍ فأوّلْتُها المدينة، وأنّي مُرْدِفٌ كَبْشاً فأوّلته کَبْش الكتيبة، ورأيت أنّ سيفي ذا الفَقَار فُلَّ فأوَّلتُه فَلَّ فيكم، ورأيت بقراً تُذْبح، فَبَقْرٌ واللهُ خيرٌ، فَبَقْرٌ واللهُ خيرٌ(١). • وقال يونس، عن الزُّهْريّ في خروج النّبي ◌َّهِ إلى أحُد، قال: حتى إذا كان بالشوط من الجنانة، انخزل عبدالله بن أُبِّيّ بقريبٍ من ثُلُث الجيش. ومضى النّبي ◌َلير وأصحابه وهم في سبع مئة. وتعبَّأَت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مئتا فَرَس قد جنّبوها، وجعلوا على ميمنة الخيل خالدَ بنَ الوليد، وعلى مَيْسَرَتها عِكْرِمة بن أبي جَهْل(٢). وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة قال: فخرج رسول الله وَل والمسلمون وهم ألف، والمشركون ثلاثة آلاف. فنزل رسول الله وَ ليل أحداً، ورجع عنه عبدالله بن أُبَّيّ في ثلاث مئة، فسُقِط في أيدي الطائفتين، وهمَّا أنْ تفشلا، والطائفتان: بنو سَلِمَة وبنو حارثة(٣). وقال ابن عُيَيْنَة، عن عَمْرو، عن جابر: ﴿إِذْهَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ [آل عمران]، بنو سَلِمَةَ وبنو حارثة، ما أحبُّ أنّها لم تنزل لقوله [آل عمران]. مُتَّفقٌ عليه (٤). (٢٢ ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا إِ تَفْشَلَأ ١٢٢) وقال شُعبة، عن عدي بن ثابت، سمع عبدالله بن یزید یحدّث، عن زيد ابن ثابت، قال: لما خرج رسول الله وٍَّ إلى أُحُد، رجع ناسٌ خرجوا معه. فكان أصحابُ رسول الله وَّه فِرْقَتين، فِرْقة تقول: نقاتلهم، وفِرقة تقول: لا ﴾ [النساء]، فقال رسول الله (٨٨ ﴿ فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِئَتَيِنِ نقاتلهم. فنزلت (١) دلائل النبوة ٢٠٤/٣-٢٠٥. وأخرجه أحمد ٢٧١/١، وابن ماجة (٢٨٠٨)، والترمذي (١٥٦١)، وانظر المسند الجامع ٤٩٩/٩ (٦٩٤١)، وانظر الفتح ٣٧٧/٧ في ضبط ((فبقر واللهُ خيرٌ)) . (٢) دلائل النبوة ٣/ ٢٢٠. (٣) دلائل النبوة ٢٢١/٣. (٤) البخاري ١٢٣/٥ و٤٧/٦، ومسلم ١٧٣/٧، ودلائل النبوة ٢٢١/٣. وانظر المسند الجامع حديث (٢٨٧٣). ١٠٤ وَّه: إنّها طَيْبَةُ تنفي الخَبَثَ كما تنفي النّار خَبَثَ الفِضَّة. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿ مَا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اُلْطَيِّبِ(﴾﴾ [آل عمران]، قال ميَّزهم يوم أُحُد. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢) قال: كان من حديث أُحُد، كما حدّثني الزُّهري، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعاصم بن عمر، والخُصَيْن ابن عبدالرحمن، وغيرهم، كلٌّ قد حدّث بعضَ الحديث، وقد اجتمع حديثُهم كلَّه فيما سُقت من هذا الحديث عن يوم أُحُد، أنَّ كُفَّار قريش لما أصيب منهم أصحاب القَلِيب، ورجع فَلَّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حربٍ بالعِير، مشى عبدالله بن أبي ربيعة، وعِكْرِمة بن أبي جهل، وصَفْوان ابنِ أُميَّة، في رجالٍ من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلّموا أبا سُفيان ومَن كان له في تلك العِير تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلّنا ندرك منه ثأراً بمن أصابَ منّا. فاجتمعوا لحرب رسول الله وَل حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحابُ العِير بأحابيشها ومَن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تهامة . وكان أبو عَزَّة الجُمَحِي قد منَّ عليه رسول الله وَّهِ، وكان ذا عيال وحاجة، فقال: يا رسول الله، إنّي فقيرٌ ذو عيالٍ وحاجة، فامنُنْ عليّ. فقال له صَفْوان: يا أبا عزَّة، إنّك أمرؤٌ شاعر، فأعِنّا بلسانك فاخرج معنا، فقال: إنَّ محمداً قد مَنَّ عليَّ فلا أريدُ أنْ أظاهر عليه. قالوا: بلى، فأعِنّا بنفسك، فلك الله عليّ إنْ رجعتُ أن أُعينك، وإن أُصِبتَ أن أجعل بناتَكَ مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عُسْر ويُسْر. فخرج أبو عَزَّة يسير في تِهامة ويدعو بني كنانة، ويقول: إِيهاً بني عبد مَناة الرِّزام(٣) أنتم حُماةٌ وأبوكم حامْ (١) البخاري ٢٩/٣ و١٢٢/٥-١٢٣ و٥٩/٦، ومسلم ١٢١/٤ و١٢١/٨، ودلائل النبوة ٢٢٢/٣، وانظر المسند الجامع حديث (٣٨٨٠). (٢) ابن هشام ٢/ ٦٠ . الرزام من الرجال: الصعب المتشدد، وساق ابن منظور البيتين في ((اللسان)) (٣) باختلاف، ولم ینسبهما . ١٠٥ لا تَعِدُوني نصركم بعد العام لا تُسْلِموني لا يحلّ إسلامْ وخرج مُسافع بن عبد مَنَاف الجُمَحِي إلى بني مالك بن كِنانة يدعوهم إلى حرب رسول الله بَّه، ويقول شِعراً. ودعا جُبَيْرٍ بن مُطْعم غلاماً له حبشياً يقال له وَحْشيّ، يقذف بِحَرْبة لَه قَذْفَ الحبشة قلَّما يُخطىء بها، فقال له: اخرج مع النّاسِ فإنْ أنتَّ قتلت حمزَة بعمّي طُعيْمَة بن عَدِيّ فأنت عتيق. فخرجت قريشٌ بحدّها وحديدها وأحابيشها ومَن تابعها، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة وأنْ لا يفِرّوا. وخرج أبو سفيان، وهو قائد النّاس، بهند بنت عُتْبة، وخرج ◌ِكْرِمة بأمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، حتى نزلوا بعَيْنَيْن بجبلٍ أُحُد ببطنِ السَّبخة من قناةٍ على شفير الوادي مقابل المدينة. فقال رسول الله وَ له: إنّ رأيتم أنْ تقيموا بالمدينة وَتَدَعَوهم حيث نزلوا، فإنْ أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإنْ هُمْ دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان يكره الخروجَ إليهم. فقال رجال ممّن فاته يومُ بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إليهم لا يرون أنّا جَبَّنَّا عنهم. فلم يزالوا برسول الله وَّ حتى دخل فلبس لأمَتَه، وذلك يوم الجمعة حين فرغ النّاسُ من الصّلاة. فذكر خروجه وانخزال ابن أُبَيّ بثُلُث النّاس، فاتَّبعهم عبدُالله والدُ جابر، يقول: أذكركم الله أنْ تَخْذلوا قومَكم ونبيَّكم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لمَا أسلمناكم، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال. وقالت الأنصار: يا رسول الله، ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ قال: لا حاجة لنا فيهم. ومضى حتى نزل الشِّعْبَ من أُحُد في عُدْوَة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحُد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال. وتعبّأ للقتال وهو في سبع مئة، وأمَّر على الزُّماة عبدالله بن جُبَيْر وهم خمسون رجلاً، فقال: انضحوا عنّا الخيل بالنَّبل، لا يأتونا من خلفنا، إنْ كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نُؤْتَينَّ من قِبَلِك وظاهرٍ رسول الله بََّ بين درعين، ودفع اللواء إلى مُصْعَب بن عُمَيْر. وتعبَّأَت قُرَيش وهم ثلاثة آلاف معهم مئتا فرس قد جَنَّبوها فجعلوا على الميمنة خالداً، وعلى الميسرة عِكْرِمة(١). (١) ابن هشام ٦٢/٢-٦٣. ١٠٦ وقال سلّم بن مِسكين، عن قَتَادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: كانت راية رسول الله وَله يوم أُحُد مِرْطاً أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العُقاب، وعلى ميمنته عليّ، وعلى مَيْسَرته المنذر بن عَمْرو السَّاعديّ، والزُّبير بن العوّام كان على الرجال، ويقال المقداد بن الأسود، وكان حمزة على القلب، واللواء مع مُصْعَب بن عُمَيْر، فقُتِلَ، فأعطاه النّبيُّ وَّ عليّاً، قال: ويقال: كانت له ثلاثة ألوية، لواء إلى مُصْعَب بن عُمَيْر للمهاجرين، ولواء إلى عليّ، ولواء إلى المنذر. وقال ثابت، عن أنَس أنّ رسول الله وَ ل ◌َه أخذ سيفاً يوم أُحُد فقال: من يأخذ مني هذا السيف بحقّه؟ فبسطوا أيديهم كلّ إنسانٍ منهم يقول: أنا، أنا. فقال: مَنْ يأخذه بحقّهِ؟ فأحجم القومُ، فقال له أبو دجانة سِمَاك: أنا آخذه بحقِّه. قال: فأخذه ففَلَق به هامَ المشركين. أخرجه مسلم (١). وقال ابن إسحاق: حتى قام إليه أبو دُجانة سِماك بن خَرَشَة، أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُه؟ قال: أنْ تضرب به في العدوّ حتى ينحني. قال: فأنا آخذه يا رسول الله. فأعطاه إيّاه، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكان إذا قاتل علَّم بعصابة له حمراء فاعتصب بها على رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصَّفَّين. فبلغنا أنّ رسولَ الله وَلّ قال حين رآه يتبختر: إنّها لِمِشْيَة يُبغضها الله إلاّ في مثل هذا الموطن(٢). وقال عَمْرو بن عاصم الكِلابيّ: حدّثني عُبَيْدالله بن الوازع، قال: حدّثني هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن الزُّبير بن العوّام، قال: عرض رسول اللهِ وَلّ سيفاً يوم أُحُد فقال: من يأخذه بحقّه؟ فقمتُ فقلت: أنا يا رسول الله. فأعرض عنّي، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشَة فقال: أنا يا رسول الله، فما حقّه؟ قال: أنْ لا تقتل به مسلماً ولا تفرّ به عن كافر. قال: فدفعه إليه، وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة، فقلت: لأنظرنّ إليه كيف يصنع. قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلا (١) مسلم ١٥١/٧، ودلائل النبوة ٢٣٢/٣. وانظر المسند الجامع حديث (١٤٧٩). (٢) ابن هشام ٦٦/٢ -٦٧ . ١٠٧ هتكه وأفراه، حتى انتهى إلى نِسْوةٍ في سفح جبل معهنّ دفوف لهنّ، فيهنّ امرأة وهي تقول: نمشي على النَّمارِقُ(١) نحنُ بناتُ طارقْ أو تُذْبِرُوا نُفارقْ إنْ تُقْبِلوا نُعانِقْ فِراق غيرِ وامِقْ(٢) قال: فأهوى بالسّيف إلى امرأةٍ ليضربها، ثم كفَّ عنها. فلما انكشف القتال قلت له: كلّ عملكَ قد رأيتُ ما خلا رفْعَك السّيف على المرأة ثم لم تضربها. قال أكرمتُ سيفَ رسول الله وَلي أن أقتل به امرأة(٣). وروى جعفر بن عبدالله بن أسلم، مولى عمر، عن معاوية بن مَعْبَد بن كعب بن مالك أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال حين رأى أبا دُجانة يتبختر: إنّها لِمِشْيَةٌ يبغضُها الله إلّ في مثل هذا الموطن (٤). وقال ابن إسحاق، عن الزُّهري وغيره: إنّ رجلاً من المشركين خرج يوم أُحُد، فدعا إلى البراز، فأحجم النّاس عنه حتى دعا ثلاثاً، وهو على جَمَلٍ له، فقام إليه الزُّبير فوثب حتى استوى معه على بعِيره، ثم عانقه فاقتتلا فوق البعير جميعاً، فقال رسول الله وَلير: الذي يلي حضيضَ الأرض مقتولٌ. فوقع المشرك ووقع عليه الزُّبير فذبحه. ثم إنَّ النّبيَّ نَ ﴿ قَرَّب الزُبير فأجلسه على فخذه وقال: إنَّ لكلّ نبيٍّ حواريّاً والزُّبير حَوَارِيَّ(٥) . قال ابن إسحاق(٦): واقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دُجانة حتى أمعن في النّاس، وحمزة بن عبدالمطّلب، وعليّ بن أبي طالب، وآخرون. وقال زُهير بن معاوية: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يحدّث، (١) جمع نمرقة وهي الوسادة أو الطُّنْفُسة. (٢) أي: المُحِبُّ. دلائل النبوة ٢٣٣/٣ . (٣) ابن هشام ٦٧/٢-٦٩، ودلائل النبوة ٢٣٣/٣-٢٣٤. (٤) (٥) المغازي ٤٥٧/٢، والبخاري ٢٧/٥ . ابن هشام ٦٨/٢ . (٦) ١٠٨ قال: جعل رسول الله به له على الرُّماة يوم أُحُد، وكانوا خمسين - عبد الله بن جُبَيْر، وقال: إذا رأيتمونا تخطّفنا الطَّيرُ فلا تبرحُوا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هزمنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسلَ إليكم، قال: فهزمهم. فأنا واللهِ رأيت النّساءَ يشتددْنَ على الجبل قد بدت خلاخيلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد الله بن جُبَيْر: الغنيمة، أيْ قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكُم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله لهم: أنَسيتم ما قال لكم رسول الله ◌َ ﴾؟ فقالوا: لنأتينّ النّاسَ فلنصيبنّ من الغنيمة: فأتوهم فصُرِفَتْ وجوهُهُم فأقبلوا منهزمين. فذلك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم. فلم يبق مع رسول الله مَ له إلاّ اثنا عشر رجلاً. فأصابوا منّا سبعين. فقال أبو سُفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرّات. فنهاهم رسول الله وَال أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحَافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثم قال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ ثلاثاً. ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتِلوا. فما ملك عمرُ نفسَه أن قال: كذبْتَ يا عدوَّ الله، إنّ الذين عَدَدْتَ الأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك. فقال: يومٌ بيوم بدر والحرب سِجال، إنَّكم ستجدون مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤُّني. ثم أخذ يرتجز: أَعْلُ هُبَل، أَعْلُ هُبَل. فقال رسول الله وَالٌ: ألا تجيبوه؟ قالوا : ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُّ . ثم قال: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله مَلّ. ألا تجيبوه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. أخرجه البخاري(١). وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: فحدّثني الحُصَيْن بن عبدالرحمن، عن محمود بن عَمْرو بن يزيد بن السَّكَن، أنّ رسول الله ◌َِلَّ قال يوم أُحُد حين غَشِيه القوم: من رجل يشري لنا نفسه؟ فقام زياد بن السَّكَن في خمسةٍ من الأنصار، وبعض النّاس يقول: هو عمارة بن زياد بن (١) البخاري ٧٩/٤ و١٠٠/٥ و١٢٠ و١٢٦ و٤٨/٦، ودلائل النبوة ٢٢٩/٣-٢٣٠. وهو عند أحمد ٢٩٣/٤ و٢٩٤، وأبي داود (٢٦٦٢). ١٠٩ السَّكَن، فقاتلوا دون رسول الله وَلَه رجلٌ ثم رجلٌ يُقْتَلون دونه، حتى كان آخرهم زياداً أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءِت من المسلمين فئةٌ فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله وَّرَ: أَدْنُوه منّي. فأدنوه منه، فوسَّده قَدَمَه، فمات وخدُّه على قدم رسول الله بَ ل. وَتَرَّس دونَ رسولِ الله ◌َيَ أَبو دُجَانة بنفسه، يقع النَّبْلُ في ظهرِهِ، وهو مُنْحَنٍ على رسول الله ◌َِّله حتى كثُرت فيه النَّبل(١) . وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، وغيره، عن أنس، أنّ رسول الله وَل أُفرد يوم أُحُدٍ في سبعةٍ من الأنصار ورجُلَين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: مَنْ يَردُّهم عنَّا وله الجنّة، أو هو رفيقي في الجنّة؟ فتقدّم رجلٌ من الأنصار فقاتل حتى قُتل، وتقدّم آخر فقاتل حتى قُتِل. فلم يزل كذلك حتى قُتِل السَّبعة، فقال لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. رواه مسلم(٢). وقال سُليمان التَّيْمي، عن أبي عثمان، قال: لم يبق مع رسول الله اَثار، في بعض تلك الأيام التي قاتَلَ فيهن غير طلحة بن عُبَيْد الله وسعد، عن حديثهما. مُتَّفقٌ عليه(٣) . وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شلّء وَقَى بها النّبيَّ يعني يوم أُحُد. أخرجه البخاري (٤). وقال عبدالله بن صالح: حدّثني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غَزِيّة، عن أبي الزُّبَيْر مولى حكيم بن حزام، عن جابر قال: انهزم النّاس عن رسول الله ◌َّ يوم أُحُد، فبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، وطلحة بن عُبَيْد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون. فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا يارسول الله. قال: كما أنت يا طلحة. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه، وصَعِد رسول الله آل﴾ ومن معه، ثم قُتِل الأنصاريّ فلحقوه فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، (١) ابن هشام ٢/ ٨١ و٨٢، ودلائل النبوة ٢٣٤/٣ . (٢) مسلم ١٧٨/٥، ودلائل النبوة ٢٣٤/٣ . (٣) البخاري ٢٧/٥ و١٢٤، ومسلم (٢٤١٤)، ودلائل النبوة ٢٣٥/٣. (٤) البخاري ١٢٥/٥، ودلائل النبوة ٢٣٦/٣. ١١٠ وقال رسول الله مَ ل# مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فأذن له فقاتل ورسول الله مَّ وأصحابه يصعدون، ثم قُتِل فلحقوه. فلم يزل رسول الله ◌َ لا يقول مثل قوله ويقول طلحة: أنا فيحبسه. ويستأذنه رجل من الأنصار فيأذن له، حتى لم يبق معه إلاّ طلحة، فغشوهما، فقال النّبيُّ وَلَّ: مَن لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال: حَسِّ (١). فقال رسول الله مَ ل﴿ل: لو قلتَ بسم الله أو ذكرتَ اسمَ الله لَرَفَعَتْكَ الملائكةُ والنّاس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء. ثم صَعِد رسولُ الله ◌ِّل إلى أصحابه وهم مجتمعون(٢). وقال عبدالوارث، عن عبدالعزيز، عن أنَس، قال: لما كان يوم أُحُد انهزم النّاس عن رسول الله مَل، وأبو طلحة بين يدي رسول الله له يُجَوِّب(٣) عنه بحَجَفَةٍ معه. وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النَّزْع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة. وكان الرجل يمرّ بالجَعْبة فيها النَّل فينثرها لأبي طلحة. ويشرفُ نبيّ الله ◌َ﴾ فينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبيَّ الله، بأبي أنتَ وأمّي، لا تُشْرِفْ يُصيبُك (٤) سهمٌ من سِهام القوم، نحري دون نَحْركَ. ولقد رأيتُ عائشَةَ بنتَ أبي بكر، وأمَّ سُلَيْم وإنّهما مشمِّرتان أرى خَدَمَ سوقهما، تنقلان القِرَبَ على متونهما ثم تُفْرِغانه في أفواه القوم(٥) . ولقد وقع السيف من يَدِ أبي طلحة من النُّعاس إمّا مرّتين أو ثلاثةً. مُتَّفقٌ عليه(٦). وقال ابن إسحاق(٧): وقاتل مُصْعَب بن عُمَيْر دون رسول الله ◌ِ ◌ّل حتى (١) كلمة تقال عند الألم. دلائل النبوة ٢٣٦/٣-٢٣٧. (٢) (٣) أي : يُتَرِّسُ علیه. هكذا فى الأصول والبخاري في رواية، وهو جائز على تقدير: كأنه قال مثلاً لا تشرف (٤) فإنه يصيبك، وإلا فإن الجادة ((يُصبْك)) بسكون الموحدة على أنه جواب النهى، كما في رواية أبي ذر للبخاري . (٥) على هامش الأصل: ((كان عمر عائشة حينئذ عشر سنين)). (٦) البخاري ٤ /٤٠و ١٢٥/٥، ومسلم ١٩٦/٥، ودلائل النبوة ٢٣٩/٣ -٢٤٠ وانظر المسند الجامع ٣١٥/٢ حديث (١٢٧٦). (٧) ابن هشام ٢/ ٧٣، ودلائل النبوة ٢٣٨/٣. ١١١ قُتِل، قتله ابن قميئة اللَّيْثي، وهو يظنّه رسولَ الله ◌ِصَلّ. فرجع إلى قريش فقال: قتلتُ محمداً. ولما قُتِلِ مُصْعَب أعطى رسولُ الله ◌ِ لّ اللواءَ عليَّ بن أبي طالب ورجالاً من المسلمين . وقال موسى بن عُقْبة(١): واستجلبتْ قُريشُ من شاؤوا من مشركي العرب، وسار أبو سُفيان في جَمْع قُريش. ثم ذكر نحو ما تقدّم، وفيه: فأصابوا وجهه، يعني النّبِيَّ بِ ◌َّ وقصموا رَبَاعِيَتَه، وخرقوا شَفَتَه. يزعمون أنّ الذي رماه عُتْبة بن أبي وقّاص . وعنده - يعني عند ابن عقبة - المنام، وفيه: فأوّلتُ الدّرْعَ الحصينة المدينة، فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام، فإنْ دخلوا علينا في الأزقّة قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت. وكانوا قد سكُوا أزقَّة المدينة بالبنيان حتى كانت كالحصن. فأبى كثير من النّاس إلاّ الخروج، وعامّتهم لم يشهدوا بدراً. قال: وليس مع المسلمين فَرَسٍ . وكان حامل لواء المشركين طَلْحة بن عثمان، أخو شَيْبة العَبْدَرِي، وحامل لواء المسلمين رجل من المهاجرين، فقال: أنا عاصم إنْ شاء الله لِما معي، فقال له طلحة بن عثمان: هل لك في المبارزة؟ فقال: نعم فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأسه حتى وقع السيف في لحيته . فكان قَتْلُ صاحبِ المشركين تصديقاً لرؤيا رسول الله مح ليه: أراني أنّي مُرْدِفٌ كَبْشاً. فلما صُرِع انتشر النّبِيّ بَلَ وأصحابه، وصاروا كتائب متفرّقة، فجاسوا(٢) العدو ضرباً حتى أجهضوهم عن أثقالهم. وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرّات، كلّ ذلك تُنْضَحُ بالنّبل فترجع مغلولة. وحمل المسلمون فنهكوهم قتلاً، فلما أبصر الرُّماةُ الخمسون أنّ الله قد فتح، قالوا: واللهِ ما نجلس ها هنا لشيء. فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النّبِيّ ◌َّرَ أَنْ لا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول وَليه، فَأوجفت (١) دلائل النبوة ٢٠٦/٣ فما بعد. (٢) جوّد النُّسّاخ الجيم عن المؤلف. ١١٢ الخيل فيهم قتلاً، وَكان عامّتهم في العسكر. فلما أبصر ذلك المسلمون اجتمعوا، وصرخ صارخ: أُخْراكم أُخْراكم، قُتِل رسول الله ◌ِّله. فسُقِط في أيديهم، فقُتِل منهم من قُتِل، وأكرمهم الله بالشهادة. وأصعد النّاس في الشِّعْب لا يلوون على أحدٍ، وثبَّت الله نبيَّه، وأقبل يدعو أصحابه مُصَعِّداً في الشِّعْب، والمشركون على طريقه، ومعه عصابة منهم طلحة بن عُبَيْد الله والزُّبَيْرِ، وَجعلوا يسترونه حتى قُتِلوا إلاّ ستة أو سبعة . ويقال: كان كعب بن مالك أول مَن عرف عينيْ رسول الله بَّ، حين فُقِد، من وراء المِغْفَر. فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول الله، فأشار إليه - زعموا - رسول الله بَّرَ أنِ اسكتْ. وجُرح رسول الله اح له في وجهه وكُسِرِت رَبَاعِيَتْهُ. وكان أُبِيُّ بِنُ خَلَف قال حين افتُدِي: واللهِ إنّ عندي لَفَرَساً أعلِفها كلّ يوم فَرْقَ ذرَة، ولأقتلنّ عليها محمداً. فبلغ قولُه رسولَ اللهِ له فقال: بل أنا أقتَلَّه إنْ شاء الله. فأقبل أَبيِّ مقنَّعاً في الحديد على فرسه تلك يقول: لا نجوتُ إنْ نجا محمد. فحمل على رسول الله بِّ. قال موسى: قال سعيد ابن المسيّب: فاعترض له رجالٌ، فأمرهم رسول الله وَّ فخلَّوا طريقه، واستقبله مُصْعَب بن عُمَيْر يقي رسولَ الله مَّر، فقتل مصعباً. وأبصر رسول اللهِ وَلِّ تَرِقُوَةَ أُبَيّ من فُرْجَةٍ بين سابغة البَيْضة والدّرْع، فطعنه فيها بحربته، فوقع أُبُيُّ عن فَرَسَه، ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد(١): فكُسِر ضِلْعٌ من أضلاعه، ففي ذلك نزلت ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ٠٠﴾ [الأنفال]. فأتاه أصحابه وهو يخور خُوار الثَّور فقالوا: ما جَزَعُكَ؟ إنّما هو خَدْش. فذكر لهم قولَ رسول الله ◌َّةٍ: بل أنا أقتُلُ أُبيّاً. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل المجاز لماتوا أجمعون. فمات قبل أن يقدم مكة (٢) . وقال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بنُ عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، عن أبيه، عن جدّه، أنّ الزُّبَير قال: واللهِ لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم سوق هندٍ (١) لا يزال الكلام لموسى بن عقبة، كما في دلائل النبوة ٢١٢/٣. (٢) كتب على هامش الأصل: ((في رابغ كما سيأتي مصرحاً به)). ـاريخ الإسلام ٨٥/١ ١١٣ وصواحباتها مشمِّراتٍ هَوَارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرُّماةُ إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النَّهُبَ، وخَلَّوا ظهورَنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمداً قد قُتِل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحابَ لوائهم، حتى ما يدنو منه أحد من القوم (١). قال ابن إسحاق: لم يزل لواؤهم صريعاً حتى أخذَتْه عَمْرةُ بنتُ علقمة الحارثيّة، فرفعته لقُریش فلاذوا به . وقال ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، وَ﴾ أي: تقتلونهم، ﴿ حَتَّى إِذَا فَسِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى اُلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم ◌ِثَ﴾ يعني: إقبالُ مَن أقبل منهم على الغنيمة، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أَخْرَكُمْ ثَ﴾، ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ خَ﴾ [آل عمران] يعني النصر. ثم أُديل للمشركين عليهم بمعصيتهم الرسولَ حتى حصبهم النّبِيُّ ◌َلِ﴾(٢). وروى السُّدّيّ، عن عبد خير، عن عبدالله، قال: ما كنت أرى أنّ أحداً من أصحاب رسول الله وَ لَّه يريد الدنيا حتى نَزَلَتْ فينا: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَّ ◌ِ﴾﴾ [آل عمران]. وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة: هُزِم المشركون يوم أُحُد هزيمة بيِّنَة، فصرخ إبليس: أي عبادَ الله أخراكم، فرجعت أُولاهم واجتلدوا هم وأخراهم. فنظر حُذَيْفَة فإذا هو بأبيه اليَمَان، فقال: أبي، أبي، فَوَالله ما انحجزوا عنه حتى قتلوه. فقال حُذيفة: غفر الله لكم. قال عُرْوة: فَوَالله ما زالتْ في حُذَيفة بقيّةُ خيرٍ حتى لقي الله. أخرجه البخاري(٣). وقال ابن عَوْن، عن عُمَير بن إسحاق، عن سعد بن أبي وقّاص، قال: كان حمزة يقاتل يوم أُحُد بين يدي رسول الله مَ ل بسيفين، ويقول: أنا أسد الله. رواه يونس بن بُكَيْر، عن ابن عَوْن، عن عُمَيْر مُرْسلاً، وزاد: فعثر (١) دلائل النبوة ٢٢٨/٣. (٢) دلائل النبوة ٢٢٨/٣. البخاري ١٢٥/٥، ودلائل النبوة للبيهقى ٢٣٠/٣ - ٢٣١. (٣) ١١٤ فصُرِع مستلقياً وانكشفت الدّرع عن بطنه، فزرقه الحَبَشِيُّ العبدُ، فَبَقَرَهُ(١). وقال عبدالعزيز بن أبي سَلَمَةَ، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن سليمان بن يَسار، عن جعفر بن عمرو بن أُميَّةَ الضَّمري، قال: خرجت مع عُبَيْد الله بن عدِيّ بن الخيار إلى الشَّام. فلما أن قدِمنا حمصَ قال لي عُبَيْد الله: هل لك في وحشيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم. وكان وحشيٍّ يسكن حمصَ، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظلِّ قصره كأنّه حَمِيت(٢). فجئنا حتى وقفنا عليه يسيراً فسلَّمنا، فردّ علينا السلام. وكان عُبَيْد الله معتجراً بعمامته، ما يرى وحشيٍّ إلاّ عينيه ورِجْليه. فقال عُبَيْد الله: يا وحشيّ، تعرفني؟ فنظر إليه فقال: لا واللهِ إلا أنّي أعلم أنّ عدِيَّ بن الخيار تزوّج امرأةً يقال لها أمّ فِثال(٣) بنت أبي العيص، فولدت غلاماً بمكّةً فاسترضعته، فحملتُ ذلك الغلامَ مع أمّه فناولتُها إيّاه، لكأنّي نظرتُ إلى قَدَميك. قال: فكشف عُبَيْدِ الله عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم. إنّ حمزة قتل طُعَيْمَة بن عَدِيّ ابن الخيار ببدر. فقال لي مولاي جُبَيْر بن مُطْعم: إنْ قتلت حمزةَ بعمّي فأنت حرّ. فلمّا خرج الناس عن عَيْنَيْن - وعينون(٤) جبل تحت أُحُد، بينه وبين أُحُد وادٍ - خرجتُ مع النّاس إلى القتال. فلما أنِ اصْطقُوا للقتال خرج سباعٍ، فقال: هل من مبارِزٍ؟ فخرج إليه حمزة، فقال: ياسباع يا ابن مُقَطَّعة البُظُور، تُحادّ اللهَ ورسولَه؟ ثم شدّ عليه، فكان كأمس الذاهب. قال فَكَمَنْتُ لحمزة تحت صخرةٍ حتى مرّ عليَّ، فرميته بحربتي فأضعها في ثُنَتِهِ حتى خرجت من وَرِكِه، فكان ذاك العهدَ به. فلما رجع النّاسِ رجعت معهم، فأقمتُ بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجتُ إلى الطّائف. قال: وأرسلوا إلى رسولِ اللهِ مَ رُسُلاً، وقيل: إنّه لا يَهِيجُ الرُّسُل، فخرجتُ معهم. فلما رآني قال: أنت وَحْشِيٌّ؟ (١) دلائل النبوة ٢٤٣/٣. (٢) الحميت: الزق الصغير. (٣) جَوّد البشتكي الضبط عن المؤلف، وهي كذلك في رواية البخاري، انظر الفتح ٤٦٨/٧ . (٤) هكذا في النسخ، وفي البخاري: عينين. ١١٥ قلت: نعم. قال: الذي قتل حمزة؟ قلت: نعم، قد كان الأمر الذي بَلَغَك. قال: ما تستطيع أنْ تغيِّب عنّي وجهَك؟ قال: فرجعت. فلما تُوُفّي رسولُ الله بَّه وخرج مُسَيْلمة، قلت: لأخرجنّ إليه لعلّ أقتله فأكافىءَ به حمزة. فخرجت مع النّاس وكان من أمرهم ما كان، فإذا رجلٌ قائم في ثَلْمة جدارٍ كأنّه جَمَل أورق ثائرٌ رأسُه. قال: فأرميه بحربتي فأضعها بين ثذْيَيْه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسّف على هامته . قال سليمان بن يَسار: فسمعتُ ابنَ عمر يقول: قالت جارية على ظهر بيت: وا أميرَ المؤمنين، قتله العبدُ الأسود. أخرجه البخاري(١). وقال ابن إسحاق(٢): ذكر الزُّهري، قال: كان أوّل من عرف رسولَ الله بَّه بعد الهزيمة وقول النّاس: قُتل رسول الله مَّر، كعب بن مالك. قال: عرفت عينيه تزْهَران من تحت المِغْفَر، فنَاديت: يا معشر المسلمين. أبشِروا، هذا رسول الله بِّهِ. فأشار إليّ أن انصتْ، ومَعه جماعة. فلما أسند في الشِّعْب أدركه أُبَيُّ بنُ خلف وَهو يقول: يا محمد، لا نجوتُ إنْ نجوتَ ... الحديثَ. وقال هاشم بن هاشم الزُّهْري: سمعت سعيد بن المسيّب، سمع سعداً يقول: نثل لي رسولُ الله ◌ِ ﴿ كنانته يوم أُحُد، وقال: ارم، فداك أبي وأمّي. أخرجه البخاري (٣). وقال ابن إسحاق(٤): حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبدالله، عن أبيه، عن جدّه، عن الزُّبَيْر، قال: فرأيتُ رسولَ الله ◌ِّ قد ظاهر بين درعين يومئذٍ، فلم يستطع أن ينهض إليها، يعني إلى صخرةٍ في الجبل، فجلس تحته طلحة ابن عُبَيْد الله فنهض رسول الله مَّ حتى استوى عليها. فقال رسول الله مالية : أوجب طلحة . (١) البخاري ١٢٨/٥-١٢٩، ودلائل النبوة ٢٤١/٣-٢٤٢. (٢) ابن هشام ٢/ ٨٣، ودلائل النبوة ٣/ ٢٣٧. (٣) البخاري ٥/ ١٢٤، ودلائل النبوة ٢٣٩/٣. (٤) ابن هشام ٨٦/٢، ودلائل النبوة ٢٣٨/٣. ١١٦ وقال حُمَيْد وغيره، عن أنَس، قال: غاب أنَس بن النَّضْر، عمُّ أنَس بن مالك، عن قتال بدر، فقال: غبتُ عن أوّل قتال رسولِ الله ◌ِّر المشركين، لِئِنِ اللهُ أشهدَني قتِلاً لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أُحُد انكشف المسلمون فقال: اللَّهُمَّ إنّي أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين من الهزيمة. فمشى بسيفه فلقيه سعد بن مُعاذ، فقال: أي سعد، إنّي لأجِدُ ريحَ الجنة دون أُحُد، واهاً . الريح الجنّة! فقال سعد: يا رسول الله فما استطعتُ أن أصنعَ كما صنع. قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى، به بضْعٌ وثمانون جراحةً من ضربةٍ بسيفٍ وطعنةٍ برُمْحِ ورَمْيةٍ بسهم، فما عرفناه، حتى عرفَتْهُ أختُهُ بِبَنَانِه، فكنّا نتحدث أن هذه الآية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ ◌َ﴾ [الأحزاب]، نزلت فيه وفي أصحابه. مُتّفقٌ عليه(١)، لكنْ مسلم من حديث ثابت البُناني، عن أنس. وقال محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، أنّ عَمْرو بن أُقَيْش كان له رِباً في الجاهلية، فكره أن يُسْلِم حتى يأخذه. فجاء يوم أُحُد فقال: أين بنو عمّي؟ قالوا: بأُحُد. فلبس لأمته وركب فرسَه ثم توجّه قِبَلَهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنّا. قال: إنّ قد آمنت. فقاتل حتى جُرح، فحُمل جريحاً، فجاءه سعد بن مُعاذ فقال لأخته: سَلِيه، حَمِيَّةً لقومك أو غَضَباً لله؟ قال: بل غَضَباً لله ورسوله. فمات فدخل الجنة وما صلّى صلاةً. أخرجه أبو داود(٢). وقال حَيوَة بن شُرَيْح المصري: حدّثني أبو صخر حُمَيْد بن زياد، أنّ يحيى ابن النَّضْر حدّثه عن أبي قَتَادة، قال: أتى عَمْرو بن الجَمُوحِ إلى رسول الله ◌َّ فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ قاتلتُ في سبيل الله حتى أَقْتَل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنّة؟ وكان أعرج، فقال رسول الله مَ ثّر: نعم، (١) البخاري ٢٣/٤ و١٢٢/٥، ومسلم ٤٥/٦، ودلائل النبوة ٢٤٤/٣ - ٢٤٥ وانظر المسند الجامع حديث (١٢٧٢) و(١٢٧٣). (٢) أبو داود (٢٥٣٧)، ودلائل النبوة ٢٤٧/٣-٢٤٨. ١١٧ فَقُتِل يوم أُحُد هو وابنُ أخيه ومولىَ لهم، فمرّ رسول الله ◌ِلَه فقال: كأنّي أراك تمشي برِجْلك هذه صحيحة في الجنة. وأمر بهما وبمولاهما فَجُعِلُوا في قبرٍ واحد. وقال ابن عُيَيْنَة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيّب قال: قال عبدالله ابن جَحش: اللهمَّ إنّي أُقسم عليك أنْ ألقى العدوَّ غداً فيقتلوني ثم يبقروا بَطْني ويجدعوا أنفي وأُذُني، ثم تسألني بمَ ذاك، فأقول: فيك. قال سعيد ابن المسيّب: إنّي لأرجو أنْ يبزَّ الله آخر قَسَمه كما أبرَّ أوله(١). وروى الزُّبَيْرِ بن بكّار في ((المُوَفَّقِيّات))(٢)، أنَّ عبدالله بن جَحْش، انقطع سيفه، قال: فأعطاه النّبيُّ بِّهِ عُرْجوناً فصار في يده سيفاً. فكان يُسمَّى العُرْجون، ولم يزل يُتَنَاوَل حتى بِيع من بُغَا التُّركي بمئتي دینار. وكان عبدالله من السابقين، أسلم قبل دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة هو وإخوتُه وشَهِد بَدْراً. وقال مَعْمَر، عن سعيد بن عبدالرحمن الجَحْشِي: حدثنا أشياخنا أنّ عبد الله بن جَحْش جاء إلى رسول الله وَل﴿ل يوم أُحُد وقد ذهب سيفُه، فأعطاه النّبِيُّ بَِّ عسيباً من نَخْلٍ، فرجع في يد عبدالله سيفاً. مُرْسَل(٣). عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: بعثني النّبيُّ ◌َلّه يوم أُحُد لطلبٍ سعِدِ بن الربيع، وقال لي: إنْ رأيتَه فأقرِهِ مِنِّي السَّلامَ وقُلْ له: يقولُ لكَ رَسولُ الله كيف تجدُك؟ فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبتُه وهو في آخر رَمَقٍ وبه سبعون ضربة، فقلت: إنّ رسول الله ◌َيّ يقرأ عليك السّلامَ ويقول لك: خبّرني كيف تجدُكَ؟ قال: على رسول الله السّلام وعليك، قل له: يا رسول الله أجدُ رِيحَ الجنّة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذْر لكم عند الله إنْ خُلِصَ إلى رسولِ اللهِ وَّ وفيكم شُفْرٌ يَطْرِفُ(٤). قال: وفاضت نفسُه. (١) دلائل النبوة ٢٥٠/٣. (٢) الأخبار الموفقيات ص ٣٩٠ و ٦٢٣. (٣) دلائل النبوة ٣/ ٢٥٠. (٤) الشفر: أصل منبت الشعر في الجفن. ١١٨ أخرجه البيهقي (١)، ثم ساقه فيما بعد من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن المازني، منقطِعاً، فهو شاهدٌ لِما رواه خارجة . وقال موسى بن عُقْبة(٢): ثم انكفأ المشركون إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون. فقال النّبيُّ بَ له: إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل، فهم يريدون أن يدنوا من البيوتِ والآطام التي فيها الذَّراري، وأَقْسِمُ بالله لِئِنْ فعلوا لأواقعنَّهم في جوفها، وإنْ كانوا ركبوا الأثقالَ وجَنَّبوا الخيلَ فهم يُريدون الفرارَ. فلما أدبروا بعث رسول الله ◌ِالخيال سعدَ بنَ أبي وقَّاص في آثارهم. فلما رجع قال: رأيتهم سائرين على أثقالهم والخيل مجنوبة. قال: فطابت أنفُسُ القوم، وانتشروا يبتغون قَتْلاهم. فلم يجدوا قتيلاً إلاّ وقد مَثَّلُوا به، إلاّ حنظلة بن أبي عامر، وكان أبوه مع المشركين فتُرك لأجله. وزعموا أنّ أباه وَقف عليه قتيلاً فدفع صدره برِجْله ثم قال: ذَنْبان أصبْتَهُما، قد تقدَّمتُ إليك في مصرعك هذا يا دُبيس(٣)، ولَعَمْرِ اللهِ إنْ كنتَ لواصلاً للرَّحِمِ برَّاً بالوالد. ووجدوا حمزةَ بنَ عبدالمطّلب قد بُقر بطنُه وحُمِلَت كبدهُ، احتملها وحْشِيٌّ وهو قتله، فذهب بكَبِدِه إلى هند بنت عتبة في نَذْرِ نَذَّرَتْه حين قتل أباها يوم بدر. فدُفن في نَمِرَةٍ كانت عليه، إذا رُفعت إلى رأسه بَدَتْ قَدَماه، فغطّوا قدمَيَّة بشيءٍ من الشجر. وقال الزُّهْري: فقال النّبِيُّ بَّهِ: زمِّلُوهم بدمائهم، فإنَّه ليس أحدٌ يُكْلَمُ في الله إلاّ وهو يأتي يومَ القيامةِ وجرحه يَدْمَى، لونُّه لونُ الدّم ورِيحه ريحُ المِسْك . وقال: إنَّ المشركين لن يصيبوا منّا مثلَها. وقد كان أبو سُفيان ناداهم حين ارتحل المشركون: إنَّ موعدكمُ الموسمُ، موسم بدر. وهي سوقٌ كانت تقوم ببدرِ كلّ عام. فقال رسول الله مَ له: قولوا له: نعم. (١) دلائل النبوة ٢٤٨/٣. (٢) دلائل النبوة ٢١٥/٣. (٣) الدبيس: عسل التمر. ١١٩ قال(١): وَدخل النّبيُّ بَه المدينة، وإذَا النَّوْحُ في الدُّور. قال: ما هذا؟ قالوا: نساءُ الأنصار يَبكينَ قتلاهم. وأقبلت امرأةٌ تحملُ ابنَها وزوجَها على بعير، قد ربطتهما بحبلِ ثم ركبتْ بينهما، وحُمِلَ قتلى، فدُفِنوا في مقابر المدينة، فنهاهم عن ذلكَ وقال: وَارُوهُمْ حيث أُصيبوا. وقال لما سمع البُكاء: لكنَّ حمزةَ لا بواكي له. واستغفرَ له، فسمع ذلك سعدُ بن مُعاذ وابنُ رَوَاحة وغيرُهما، فجمعوا كلَّ نائحةٍ وباكيةٍ بالمدينة، فقالوا: واللهِ لا تبكين قتلى الأنصارِ حتى تبكينَ عمَّ رسولِ الله بِ*، فلما سمع رسول الله بالبكاء، قال: ما هذا؟ قال: فأُخبر، فاستغفر لهم وقال لهم خيراً، وقال: ما هذا أردت وما أحبّ البكاء، ونهى عنه . وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني القاسم بن عبدالرحمن ابن نافع الأنصاريّ، قال: انتهى أنَس بن النَّضْرِ إلى عمر، وطلحة، ورجال قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يُجْلِسكُم؟ فقالوا: قُتِل رسول الله ◌ِ له. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله مح له، ثم استقبل القومَ فقاتل حتى قُتِل . قال ابن إسحاق(٣): وقد كان حنظلة بن أبي عامر التَّقَى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلةٌ رآه شداد بن الأسود. فضرب حنظلةَ بالسيف فقتله. وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، أنّ رسول الله ◌ِ ◌ّل قال: إنّ صاحبكم لَتُغَسِّلَهُ الملائكةُ، يعني حنظلة، فسألوا أهلَه ما شأنه؟ فسُئلت صاحبتُه قالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهَيْعَة. فقال النّبيُّ بَلّ: لذلك غَسَّلته الملائكة . وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٤): وخَلَصَ العدوُّ إلى رسول الله ◌ِّل فدُثَّ(٥) بالحجارة حتى وقع لشقّه فَأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشَجَّ في وجهه، (١) لا يزال الكلام لموسى بن عقبة، وهو في دلائل النبوة ٢١٦/٣. (٢) ابن هشام ٢/ ٨٣، ودلائل النبوة ٢٤٥/٣. (٣) ابن هشام ٢/ ٧٥، ودلائل النبوة ٢٤٦/٣. (٤) ابن هشام ٧٩/٢ -٨٠. (٥) أي: رُمي بالحجارة من قريب. ١٢٠