Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
يوسف بن قِزُغلي
ابن القاسم
١٣٧ - ((قاضي دمشق))(١) يوسف بن القاسم بن يوسف بن فارس بن سوّار المَيَانجي
الشافعي، ناب في القضاء بدمشق عن قاضي مصر والشام أبي الحسن علي بن النعمان،
وكان مسند الشّام في زمانه، وتوفي سنة خمس وسبعين وثلاث مائة.
١٣٨ - ((أبو القاسم الكاتب)) (٢) يوسف بن القاسم بن صبيح، أبو القاسم الكاتب، والد
أحمد وزير المأمون. كان كاتباً بليغاً، وله رسائل مدونة وشعر. وكان يكتب في ديوان
الكوفة لبني أمية، ثم إنه كتب للسفاح وللمنصور وللرشید واختصَ بیحیی بن خالد بن برمك،
فكان يكتب بين يديه ويخلفه على التوقيع، وعلى دواوين الأزمة.
ومن شعره: [من الطويل]
وصادفتُ منك الودّ غيرَ قريبٍ
هجرتُك لمّا لم أجد فيك مسكةً
على جَنْبِ خوّانِ الصَّديق مريبٍ
وما كنت أدري أنَّ مثلَك ينثني
أضرُّ وأبلى من فراقٍ حبيبٍ
فراقُ أخٍ يعطي المودَّةَ حَقّها
١٣٩ - ((سِبْط ابن الجوزي)(٣) يوسف بن قِزُغْلي - بالقاف والزاي والغين المعجمة
واللام - ابن عبد الله، الإمام المؤرِّخ الواعظ، شمس الدين أبو المظفر التركي ثم البغدادي
العوني الحنفي، سِبْط الإمام جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي. نزيل دمشق، ولد سنة
ثلاث وثمانين وخمس مائة، وتوفي رحمه الله تعالى، سنة أربع وخمسين وست مائة.
سمع من جدّه، وسمع بالموصل ودمشق من جماعة. وكان إماماً فقيهاً واعظاً وحيداً
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٦١/١٦)، ((معجم البلدان)) (٢٣٨/٥)، ((اللباب)) (٢٧٨/٣)، ((العبر)»
(٢/ ٣٧١)، ((تاريخ الإسلام)» (٤) الورقة (٢٠/أ)، ((طبقات السبكي)) (٤٨٨/٣)، ٤٨٩)، ((النجوم الزاهرة)»
(١٤٨/٤٠)، ((قضاة دمشق)) لابن طولون (٣٧)، ((شذرات الذهب)) (٨٦/٣)، ((تاج العروس)) مادة (منيح)،
((هدية العارفين)) (٥٤٩/٢).
(٢) انظر ترجمته في ((تاريخ الطبري)» (٢٣٠/٨).
(٣) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٩٦/٢٣)، ((ذيل الروضتين)) لأبي شامة (١٩٥)، ((وفيات الأعيان))
(١٤٢/٣)، ((صلة التكملة)) للحسني المجلد الثاني الورقة (٢٥)، ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (١/ ٣٩ - ٤٣)
(تاريخ الإسلام)) للذهبي (أيا صوفيا ٣٠١٣) ج ٢٠ الورقة (١٣٥)، ((العبر)) (٢٢٠/٥)، ((ميزان الاعتدال)) (٤/
٤٧١)، ((فوات الوفيات)) (٤ / ٣٥٦ - ٣٥٧)، ((الترجمة)) (٥٩٢)، (عيون التواريخ)) لابن شاكر (٢٠/ ١٠٣-
١٠٤)، ((مرآة الجنان)) (١٣٦/٤)، ((منتخب المختار)) لابن رافع (٢٣٦ -٢٣٩)، ((الترجمة (١٩٦)، ((الجواهر
المضية)) (٢/ ٢٣٠ -٢٣٢)، ((الترجمة)) (٧١٩)، ((البداية والنهاية)) (١٩٤/١٣)، ((العسجد المسبوك)) (٦٢٣)،
((لسان الميزان)) (٣٢٨/٦)، ((الترجمة)) (١٩٦٨)، ((النجوم الزاهرة)) (٣٩/٧)، ((الدارس)) للنعيمي (٤٧٨/١)،
(شذرات الذهب)) (٢٦٦/٥)، ((الفوائد البهية)) (١٨٣).

١٢٢
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
في الوعظ، علامة في التاريخ والسِّيَر، وافرَ الحُرْمة، محبّباً إلى الناس، حلو الوعظ. قدم
دمشق وهو ابن نيف وعشرين سنة ونفق على أهلها وأقبل عليه أولاد العادل، وصنف في
الوعظ والتاريخ وكان والده قِزُغْلي من موالي الوزير عون الدين بن هبيرة، وروى عنه
الدمياطي - ويقال في والده: زُغلي، بحذف القاف.
وهو صاحب ((مرآة الناس))، وأنا ممّن حسده على هذه التَّسمية، وهي لائقة بالتاريخ،
كأن الناظر في التاريخ يعاين من ذُكر فيه في مرآة، إلاّ أنّ في المرآة صدأ المجازفة منه،
رحمه الله تعالى، في أماكن معروفة.
قال الشيخ شمس الدين: وقد اختصره شيخُنا قطب الدين اليونيني وذَيَّل عليه إلى وقتنا
هذا. ولما مات حضر جنازته السلطان ومن دونه. ودرَّس بالشِّبْلية مدةً، وبالمدرسة البدرية؛
وقرأ الأدب على أبي البقاء، والفقه على الحصيري، ولبس الخرقة من عبد الوهاب بن
سكينة، وكان حنبلياً فانتقل وصار حنفياً، للدُّنيا. وصنَّف في ((مناقب أبي حنيفة)) جزءاً،
و((معادن الإبريز)) في التفسير تسعة وعشرون مجلداً، وشرح ((الجامع الكبير)) في مجلدين.
١٤٠ - ((الذّهبي الشّاعر))(١) يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب بدر الدين الدمشقي
الشاعر، كان والده لؤلؤ عتيقَ دلدرم صاحب تل باشر.
له نظم يروق الأسماع، ويعقد على فضله الإجماع، مدح النَّاصر بن العزيز والكبار.
وكان له بيت في الجاروخية. عاش ثلاثاً وسبعين سنة، وتوفي - رحمه الله - في شعبان سنة
ثمانين وست مائة. يقال: إنه كانت له دكان باللّبادين له فيها قفص على العادة فيه خواتم
وغيرها، فجاءه مملوك من مماليك النّاصر صاحب الشام، فقال له: ((عندك خاتم على قدر
إصبعي))؟ فقال: ((بل عندي إصبع على قدر خاتمك))، فبلغت الواقعة الناصر فاستظرفه وكان
ذلك سبب اتصاله به .
ومن شعره ما أنشدنيه من لفظه الحاج لاجين الذهبي، قال: أنشدني من لفظه لنفسه
وقد توالت الأمطار بدمشق: [من الرمل]
جاءَ بالظُوفان والبحر المحيط
إن أقام الغيثُ شهراً هكذا
أقلعي عنهم فهم من قوم لوطِ
ما هُمُ من قوم نوحٍ يا سما
وقال لي لاجين: هذا هو الذي أوّل من علَّم الناس المجنّس بدمشق، وهو تلبيس
الذهب الفضة وجعله شريطاً، يعني يوسف الذهبي هذا.
(١) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (٣٦٩/٥)، و((ذيل الزمان)) (١٣٤/٤).

١٢٣
يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب بدر الدين الدمشقي
ومن شعره في غلام بوجهه حَبُّ الشباب: [من الطويل]
شهيّ اللّمى أحوى المراشفِ أشنبا
تعشّفْتُه لَذْنَ القّوامِ مُهفهفاً
فيا حُسْنَهُ وجهاً إليَّ مُحَبَّبا
وقالوا: بدا حبُّ الشّباب بوجهه
وذكرت هنا ما نظمته أنا في مثله: [من مجزوء الرَّمل]
حُبُّه زاد اكتــابـي
إنّ حبَّ الخدّ ممن
شابَ في حبِّ الشَّبابِ
أتعبَ القلبَ إلى أنْ
ونظمت فيه أيضاً: [من مخلع البسيط]
فقلت لا يُنكر الضّوابُ
بدا وحبُّ الشّباب بادٍ
والحبُّ من فوقها حبابُ
حُمرةُ خَدَّيه في احمرارٍ
وقال الذهبي المذكور في النّجم العبادي وقد كحّل غلاماً حسناً غدوةً، فمات النّجْم
في العشية المذكورة: [من الكامل]
في كَخْلِهِ الرشأ الغرير بطبّه
يا قومُ قد غلط الحكيمُ وما درى
ويحدّها لتصيبنا فبدت به
وأراد أن يُمضي نِصالَ جُفُونه
وقال أيضاً: [من الطويل]
فحيرني لما التوى وتعقربا
بدا صُذْغُ من أهواه في ماء هذه
وقالوا: يصير الشَّعْرُ في الماء حيّة
فكيف غدا في ذلك الخد عقربا
قلت، وقوله: تعقربا وعقربا قبيح، وقد رأيت كثيراً من الفضلاء استعمل مثل هذا وأنا
أراه قبيحاً لأن المادة واحدة.
وقال بدر الدين الذهبي: [من السريع]
هَلُمّ يا صاحٍ إلى روضةٍ
يجلو بها العاني صدا هَمِّهِ
وزهرُها يرقُصُ في كُمِّهِ
نسيمُها يعثُر في ذيلهِ
وقال: [من السريع]
أَدِرْ كؤوسَ الرّاح في روضةٍ قد نمَّقَت أبرادَها السُحْبُ
وجدولُ الماءِ بها صَبُّ
الظَّيرُ فيها شيقٌ مُغْرم
وقال: [من الكامل]
أرأيتَ وادي النّيرين وماؤه
يبدي لناظرك العجِيبَ الأعجبا

١٢٤
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يتكسّر الماءُ الزُلالُ على الحصى
وقال: [من الكامل]
رفقاً أذبتَ حُشاشَةَ المشتاقِ
وأَحَلْته من بعد تسويفٍ على الـ
وطلبتَ منّي في هواك مواثقاً
قلبٌ بعين قد أُصيب وعارضٌ
ألقى الدموع على الدموع وليلتي
لا تلتقي فيها الجفونُ وإنّني
أشقيق بَذْرِ التّم طال تلهُّفي
أنفقتُ من صبري عليك وإنّه
فازفق بقلبٍ فيه ما يكفيه
فحرارة الأنفاس قد دلّت على
وصبا بعثتُ به إليك فلم تعد
وتشوّقٌ سطّرتُه في مهرق
وبمهجتي المتحمِّلون عشيةً
وحداتُهم أخذت حجازاً بعدما
وتنبّهت ذاتُ الجناحِ بِسَحْرَةٍ
ورقاء قد أخذت فنونَ الحُزْنِ عن
قامت على ساقٍ تطارحني الهوى
أنّى تباريني جوى وصبابةً
وأنا الذي أُغْلي الهوى من خاطري
وقال في دولاب: [من مجزوء الرجز]
وروضةٍ دولابـهــ
من حيث ضاع زهرُها
وقال أيضاً: [من مجزوء الرمل]
ربَّ نا عورة روضٍ
فإذا غدا بين الرّياضِ تشعَبا
وأَسَلْتها دمعاً من الآماقِ
ـصَّبر الذي لم تُبْقِ منه بَواقي
والقلبُ عندك في أَشَدِّ وثاقٍ
فأعده لي فالدَّمع ليس براقي
أدرى بما ألقى بها وألاقي
لا أرتجي منها ومنك تلاقي
وأطال فيك العاذلون شقاقي
لرضاك لا لتمثّق ونفاق
من فَرَقِ الصُّدود فلا تُرِع بفراقي
ما في الحشا من لاعِجِ الأحراق
وأظنُّها حالت عن الميثاق
فمحاه واكفُ دمعيَ المهراق
والركبُ بين تلازُمِ وعِناقٍ
غَّت وراء الرَّكب في عشاق
في الواديين فنبَّهت أشواقي
يعقوبَ والألحانَ عن إسحاق
من دون صحبي بالحمى ورفاقي
وكآبةً وهوى وفيضَ مآقي
وهي التي تُملي من الأوراق
إلى الغُصونِ قدشكا
دارَ عليه وبكى
ـموخ
باتَ تندى وتفـ

١٢٥
يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب بدر الدين الدمشقي
تضحك الأزهارُ منهـا
وقال أيضاً: [من السريع]
باكِرْ إلى الروضةِ تَسْتَجْلِها
والنَّرجسُ الغضُّ اعتراه الحيا
وبلبل الدّوحِ فصيحٌ على الـ
ونسمةُ الرِّيح على ضعفها
فعاطني الصَّهباءَ مشمولةٌ
وأكتم أحاديثَ الهوى بيننا
وقال في مليح في الجيش: [من الكامل]
يا حُسنَه في الجيشِ حين غدا
لم ألقَ أحلى من شمائِلِه
وقال: [من الطويل]
وأَخْوى ثنى من قدِّه اللدنِ ذابلاً
على الوجنة الخضراء دار عذارُه
وقال: [من الكامل]
صدّوا وقد دبّ العذارُ بخدِّه
هل ذاك غیرُ نباتٍ روضِ قد حلا
وقال وقد أُحيل على ديوان الحشر: [من الطويل]
أمولايَ محيي الدين طال تردّدي
وقد كنت قبلَ الحَشْر أرجو نجازها
وقال: [من مجزوء الكامل]
رِفقاً بصبِّ مغرمٍ
وافاكَ سائل دمـعـه
وقال: [من المجتثّ]
يا عاذلي في هواه
يمرُّ بي كلّ وقت
وهي تبكي وتنوح
فثغرُها في الصُّبْح بسّامُ
فَغَضَّ طرفاً فيه أسقام
أَيْكَة والشحرورُ تمتام
لها بنا مَرِّ وإلمامُ
عذراءَ فالواشون نُوّام
ففي خلال الروض نمّامُ
يختالُ في السّمر والقضبِ
في العين لمّا سار في القَلْبِ
فاخجل غُصْنَ البان وهو نضيرُ
على مثلِها كان الخصيبُ يدورُ
ما ضرَّهم لو أنّهم جبروه
لكنهم لما حلا هجروه
لجائزة قد عيل من دونها صبري
فكيف وقد صيّرتموها إلى الحشر
أبليتَه صدّاً وهجرا
فرددتّه في الحال نهرا
إذا بدا كيف أسلو
وكلما مرَّ يحلو

١٢٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقال: [من الكامل المجزوء]
نزلوا بعيني الناظِرَة
إنَّ الذين ترحّلوا
فإذا هُمُ بالسَّاهِرَة
أسْكَنْتُهم في مُهْجتي
وقال: [من مخلع البسيط]
يخفقُ قلبي له ويضطربُ
يا رشاً كلَّما مررت به
وأنا قمتُ بالذي يجبُ
قد قمتَ بالقلب في هواك ضنىّ
وقال في نجم الدين بن إسرائيل لمّا هوى مَليحاً يُدْعى الحُوَيْرِح: [من المجتثّ]
عنك أم في الجوارحِ
قلبُك اليومَ طائرٌ
وهو في كّفّ جَـارِحٍ
كيف يُرجى خلاصُه
فلما سمع ذلك قال: خلص الطائر، فقال: [من الكامل]
من جارح يغدو به ويروح
خلّصت طائر قلبك العاني ترى
خلصته منه وفيه الروح
ولقد يسر خلاصه إن كنت قد
وقال: [من الوافر]
تحيِّرنا على مرِّ الليالي
وكيف اعتلّت النسماتُ فيها
وقال في مليح ورّاق: [من الطويل]
خليليّ جدّ الجدّ واتّصل الأسى
وقد أصبح القلبُ المعنّى كما ترى
ذكرت هنا ما قلته في ورّاق: [من السريع]
يا حسْنَ ورّاق أرى خدَّه
تميسُ في الدُّكان أعطافُه
وقال في زهر اللوز: [من مخلع البسيط]
اللوزُ أشجارُه نشـاوى
مشتبكٌ زهرُه علينا
ونحن من سكرنا نراه
وقال: [من مخلع البسيط]
جنانُ الثّيرَيْنِ العالياتُ
وشاخَ البانُ واكتهل النباتُ
وضاقتْ على المشتاقِ في قصده السُّبْلُ
معنّىَّ بورّاقٍ وما عنده وَضْلُ
قد راق في الثَّقْبيل عندي ورقّ
ما أحسنَ الأغصان بين الورق
بِمَيْلَ أَغْصَانِه الرِّطاب
وظلُّ الرطب مُسْتطاب
كأنّه فوقنا ضَباب

١٢٧
يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب بدر الدين الدمشقي
عرِّج على الزَّهرِ يا نديمي
فالغُصْنُ يلقاك بابتسام
وقال: [من مجزوء الكامل]
الزَّهر ألطفُ ما رأيـ
تحنو عليَّ غصونُه
وقال يصف غرفة: [من الكامل]
مولاي أشكو غرفةً في ناجرٍ
عزَّ النسيم بها فليس بسانحٍ
وقال ملغزاً في السَّرطان: [من السريع]
ما اسمٌ إذا ما أنت صحّفته
في الرّاس والعين يُرى دائماً
وقال: [من الكامل]
ومُنْعَذَّرٍ قد بَيَّتَنْهُ جماعةٌ
واكتاله كلٌ هناك وما رأى
وقال: [من السريع]
حلا نباتُ الخدِّ يا عاذلي
فَشَاقَني ذاك العذارُ الذي
وقال في شمعة: [من السريع]
وشمعةٍ أودى هواها بها
قد مثّلت منهالنا نخلة
وقال: [من المجتث]
وبِنْت ليلٍ بَكّتْنا
كأنّما هي غصنٌ
وقال: [من مجزوء الرجز]
وذات قدِّ أهيف
كصعْدَةٍ من فضة
ومِلْ إلى ظلِّه الظليل
والرِّيح تلقاك بالقَبولِ
ـت إذا تكاثرتِ الهمومُ
ويرقُّ لي فيه النسيمُ
كالثَّارِ تلفح بالهجير اللاّفح
وخلا الذّبابُ بها فليس ببارحٍ
صار مثنّى باعتبارين
وهو بلا رأس ولا عينِ
ولووا بما وعدوه طولَ الليلِ
منهم سوى حشَفٍ وسوء الكيلِ
لمّا بدى في خدِّه الأحمرِ
نباتُه أحلى من السُّكَّرِ
وشفّها التسهيدُ والدمعُ
وسال من ذائـبها طلعُ
بدفمعة مدرارة
في رأسه جلّناره
فؤادها قدِ التهبْ
لها سِنانٌ من ذهب

١٢٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقال: [من البسيط]
وأدمعاً لم تزل تهمي سواكبها
وشمعة وقفت تشكولنا حرقا
تكابد الليل قد شابت ذوائبها
وحيدة في الدجى من طول ما مكثت
وكتب إلى فخر الدين بن الصيرفي وقد بلغه أنّه يوردُ شعره: [من المجتث]
ــدا
وزادك الله سـ
قد زدت شِعْرِيَ حُشْناً
فـصـار وأحــى وأندى
أوردته ببيانٍ
طلا ويلقيه شهدا
كالنَّحلِ يَجْني بفيه
وقال: [من الكامل]
شوقي إليك على البعاد تقاصرت
واعتلت النسمات فيما بيننا
وقال: [من الرجز]
يا حسن جنات لنا بجلّق
يبكي بها غمامها، وزهرها
عنه خطاي وقصّرت أقلامي
مما أحملها إليك سلامي
وقد ثنت أغصانَها ريحُ الصبا
يضحك في أكمامه على الربى
وقال في غلام يعرف بالشقيق: [من الكامل]
ولوى معاطفَه نسيمُ الريحِ
يا قامةَ الغصن الرَّطيب إذا انثنى
بالله قل لي أم شقيقُ الروحِ
أشقيقُ روضٍ أنت يا بدرَ الدُّجى
وقال في مليح رفاء: [من مجزوء الكامل]
فضحَ الذوابلَ لينُهُ
وبمهجتي الرفا الذي
قد مزّقته جفونُهُ
لم يرفُ قلب مُتَيَّمِ
وذكرت أنا هنا ما قلته في مليح رفاء وهو: [من الوافر]
محاسنه المليحة ليس تخفى
ورفاء له وجه مليح
أرى بيت الفؤاد بعوز رفّا
شغلت به الفؤاد ولي زمانٌ
وقال بدر الدين وقد جهز إليه دراهم عليها أسود: [من المتقارب]
وهتني كتائبُها والجنود
رددت الحوادث عني وقد
بعثت بها وعليها الأسود
وأَنْجدتني بالجياد التي
وقال وقد وقع به فرس في نهر بردى: [من السريع]

١٢٩
يوسف بن لؤلؤ الذهبي الأديب بدر الدين الدمشقي
أمطيتني يا سيّدي سابحاً
أقرح لكن كبدي إن مشى
وسابحاً يدعى فما باله في الما
وقال في ملیح اسمه داوود: [من الکامل]
قد كنت جَلْداً في الخطوب إذا عرت
وعهدت قلبي من حديد في الحشا
وقال في الذهبيات: [من الكامل]
انظر إلى الأغصان كيف تذهَّبت
تحلو شمائلها إذا ما أدبرت
وقال: [من الكامل]
فصل الخريف أتى على الشجر التي
فعجبت للأشجار كيف تخلّقت
وقال في الكأس المصوّرة: [من الكامل]
انظر إلى صُوَرِ الفوارس إذْ بدت
ما بين طافٍ في المدام وراسب
وقال في زهر اللوز: [من السريع]
انظر إلى اللوزِ تجد غصنه
شبية سرحانٍ فلم يسرح
فهو بلا شكٍ من القرح
ألقى بي ولم يسبح
لا تزدهيني الغانيات الغيدُ
فألانَّه بجفونِه داوودُ
وأتى الخريفُ بحمرها وبصفُرِها
وتزيد حسناً في أواخر عمرها
أبدت لنا أوراقُها ألوانا
أوراقُها لفراقها أغصانا
بالخيل في كأس المدامة ترتمي
كفوارسِ الهيجاء تسبحُ في الدَّمِ
أحوى رشيقَ القَدِّ ميّاسَةْ
وقصدها تأخذُ أنفاسَهْ
بزهره تعبث ريحُ الصّبا
وقال وقد أعطى الممدوح بعض الشعراء نطعاً: [من السريع]
فذا خـيـر مـن الـمنع
لا تلم الممدوح في بذله نطعاً
فلا غرو إذا جازاك بالنطع
صفعته بالمدح نظماً
· وقال في أمير أصيب بسهم: [من الطويل]
يخوض العوالي والرّدى وجهُه جھمُ
أمولاي نجمَ الدين والباسلَ الذي
فلا غرو إن وافاك من ضربها سهم
أجلت قداح الحرب في حومة الوغى
وقال في غلام خصي: [من مجزوء الكامل]
كالظبي لكن لا يصاد
وأغنَّ مهضوم الحشا

١٣٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
من أن يكون به سواد
أمن البياضُ بخده
وقال: [من السريع]
هويت طرفاً منه سحّارا
يحسده النجم لما غارا
لا تعـذلـوني في هوى شادن
لو لم يكن حبي من حسنه
وقال: [من الكامل]
وتمشتْ نسمةُ الصبح إليها
بعد أن وقّعتِ الورقُ عليها
حولها الورق بكرة وأصيلا
في رباها الصبا قليلاً قليلا
تراه كنجم الرجم يهوى شهابه
وطار مع الهام المطارد نابه
وقال في غلام كان عند القاضي بلا خُصىّ: [من الكامل]
يا شادناً أخطى السبيل بقصده
قد كنت عندي بلا خُصىّ في نِعْمة
وقال: [من الكامل]
وعصى النجصيح جهالةً في من عصى
فتركته بَطراً وجئت بلا خُصَى
تغترُّ عن دمعِ الغمام الواكِفِ
ورد الكتابُ فقلت زهرُ خميلةٍ
فيه القوافي كالحمام الهاتف
مَثَّلْت أسطُرَه غصوناً فانبرت
وقال في مليح يلقَّبُ بالشِّهاب: [من الخفيف]
هزّ عطفيه حين ماس الشبابُ
يا قضيبَ الأراك عند التثني
ن بليلِ الأسى وأنت شهابُ
عجباً كيف ضلَّ فيك المحبو
وقال: [من البسيط]
أظنّه ناسيَ العهد الذي ذكرا
إنّي أُذَكِّر مولاي الأميرَ وما
لو لم تُهزّ لما ألقت لنا الثمرا
والدوحُ يبدي الجنى لكنّ أغصُنَه
ورياض وقفت أشجارها
طالعتْ أوراقَها شمسُ الضحى
وقال: [من الخفيف]
وجنان ألفتها إذا تغنت
نهرها مسرعاً جرى وتمشّت
وقال يصف سيفاً: [من الطويل]
وذي شُطَبٍ ماضٍ إذا ما سللته
من المرهفات البيض دبت نماله

١٣١
يوسف بن المبارك بن كامل بن أبي غالب الحسين بن محمد الخفّاف البغدادي
وقال في مليح أراد تقبيله فامتنع القبلة في خدّه: [من الطويل]
فَزَحْزَحتني منه إلى خدك القاني
مَنَعْتَ ارتشافَ الشَّغر يا غايةَ المنى
حصلتُ على ورد جنيٍّ وريحان
لئن فاتني منه الأقاحي فإنّني
وقال في مبيته بالجامع الأموي: [من الخفيف]
دُمُبيدي وليس منه خلاصُ
طال نومي بالجامع الرّحب والبر
ورخامٌ حوليَ وفوقي رصاصُ
كيف أدفا وفيه تحتي بلاط
وقال: [من الطويل]
لقد بتُّ عند الفارس النَّذْبِ ليلةٌ
فبتُّ أقاسي الليلَ برداً ولم أزل
وقال: [من البسيط]
لا تَلَخْني اليومَ في ساقٍ وصهباءِ
وأقفُ الهمومَ بها عني فقد كثُرت
عذراءَ مشمولةٌ تطفو فواقعُها
أبدى الحبابُ لها خطاً فأحسن ما
قديمةٌ ذاتُها في روض جنّتها
وما شاقني إلاّ شقائي وأطماعي
مُغَطّى كرأسِ القنبيط بأضلاعي
وسَقُّنِي كأسَها صرفاً بلا ماءٍ
آلامُها واشفٍ ما بالقلب من داءٍ
كأنّها أدمعٌ في خدِّ عذراء
قد كان حرَّرَ من ميم ومن هاء
كانت وكان لها عرشٌ على الماء
ابن المبارك
١٤١ - ((ابن الخفّاف)) (١) يوسف بن المبارك بن كامل بن أبي غالب الحسين بن محمد
الخفّاف البغدادي، أبو الفتح بن أبي بكر. من أولاد المحدِّثين، كان من جملة فقهاء
المدرسة النظامية.
أَسْمعه والدُه الكثير في صباه من أبي بكر بن عبد الباقي الأنصاري، وأبي منصور عبد
الرحمن بن محمد القزاز، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن عمر السمرقندي، ومن جماعة
كثيرة. وكانت سماعاتُه بعد الثلاثين وخمس مائة، وعمّر حتى حدّث مسموعاته وانفرد بشيءٍ
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٤١٧/٢١)، ((التكملة)) للمنذري (٢)، ((الترجمة)) (٨٧٧)، و((مشيخة
النجيب)) عبد اللطيف الورقة (٧٧ - ٧٩)، و((تلخيص)) ابن الغوطي (٤) ((الترجمة)) (٨٠٧) ونقل عن ابن
النجار، و((تاريخ الإسلام)) (٨٨/١/١٨- ٨٩) و((المختصر المحتاج إليه))، الورقة (١٣٥)، و((العيز؟،
و(النجوم الزاهرة)) (١٨٨/٦)، و((شذرات الذهب)) (٦/٥).

١٣٢
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
منها .
قال محب الدين بن النجار: وكان أميّاً لا يحسن الكتابةَ ولا يعرف شيئاً من العلم، إلاّ
أنه كان صالحاً حافظاً لكتاب الله تعالى، وكان عسراً في الرواية، سيِّىءَ الأخلاق كريه
الملقى، كثير الضجر، متبرماً بأصحاب الحديث، كُنّا نلقى منه شدّةً حتى نسمع منه؛ وكان
فقيراً مدقعاً يأخذ الأجرة على الرواية. وتوفي سنة إحدى وست مائة.
١٤٢ - ((أبو البركات البغدادي)) (١) يوسف بن المبارك بن المبارك بن عبيد الله بن هبة
الله، أبو البركات البغدادي، من أولاد العدول. تولّى النظر بديوان التركات الحشرية مدةً ثم
ولي الحسبة والنظر في الوقف العام، وقبض عليه، وسجن إلى أن مرض وشارف الموت،
فأخرج إلى منزله فمات سنة ثلاث عشرة وست مائة. وكان قد سمع من أبي محمد محمد بن
أحمد بن عبد الكريم التميمي، وأبي المعالي محمد بن محمد بن اللَّحاس، وأبي الفتح
محمد بن عبد الباقي بن البلّي، وغيرهم.
قال محب الدين بن النجار: كان شيخاً حسناً يفهم طرقاً من العلم ويتنسّك ويتديّن.
١٤٣ - المقرىء الخياط))(٢) يوسف بن المبارك بن محمد بن شَيْئَة، أبو القاسم الخيّاط
المقرىء البغدادي، كان يتوكّل على أبواب القضاة، وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على
الرئيس أبي الخطيب علي بن عبد الرحمن بن الجرّاح، وعلى أبي العز محمد بن الحسين بن
بُندار الواسطي المعروف بالقلانسي، وعلى غيرهما؛ وسمع الحديث من أبي عثمان إسماعيل
ابن محمد أحمد بن مَلاّ الإصبهاني، وأبي طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، وابن عمه
أبي طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر، وأبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين
وغيرهم. وروى عنه ابن الأخضر.
قال محب الدين بن النجار: ولم يكن ثقةً لأنّه ادّعى أنه قرأ على أبي ظاهر بن سِوار،
وأقرأ عنه شيئاً من الروايات فكشف عن ذلك، وهو كذبٌ، وظهر أمرُه وتَرَكَه الناسُ، وتوفي
سنة سبعين وخمس مائة.
ابن محمد
١٤٤ - ((القَيْرواني التّحوي))(٣) يوسف بن محمد، أبو الفضل القيرواني النحوي؛ كان
عارفاً بالفقه وأصول الدين، وله تصانيف، وكان لا يرى التقليد. وتوفي سنة ثلاث عشرة
(١) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)» (٦١١ -٦٢٠)، و((تكملة وفيات النقلة)) (٣٦٥/٢).
(٢) انظر ترجمته في ((ميزان الاعتدال)) (٤٧٢/٤).
(٣) انظر ترجمته في ((خريدة القصر)) (٣٢٥/١)، و((بغية الوعاة)) (٣٦٢/٢).

١٣٣
يوسف بن محمد بن طملوس
وخمس مائة.
١٤٥ - ((ابن الدوانيقي)(١) يوسف بن محمد بن مقلّد بن عيسى، أبو الحجاج الدمشقي
المعروف بابن الدوانيقي. سمع وروى ورحل ووعظ، وتوفي - رحمه الله - سنة ثمان
وخمسین وخمس مائة.
١٤٦ - (ابن طملوس))(٢) يوسف بن محمد بن طملوس، من أهل جزيرة شُقْر من عمل
بَلَنْسِية، كان أحدَ علمائها الأماثل، وآخر المتحققين بعلوم الأوائل، توفي سنة عشرين وست
مائة.
أورد له ابن الأبّار من شعره: [من الكامل]
وتهلّلت بِشراً وجوهُ النّاسِ
بَسَمَتْ به الأيامُ بعد عبوسِها
وتمهّدت أرجاؤهم لمّا رسى
هيهاتٍ أين الصّبحُ من لألائه
مَلِكٌ أبت همّاتُه وهباتُه
ومنه: [من الكامل]
يا أيُّها الملكُ الذي بصفاتِهِ
لك في نفوس الكافرين مهابةٌ
بك عاد هذا الشرقُ يُشْرِق نورُه
ومنه: [من السريع]
جادَ على الجزع بوادي الحمى
حيث الصبا يُهدي نسيمَ الرُّبى
تمرُّ بالركب سُحَيْراً فيا
وبالكثيب الفردِ من العلم
أفلتَ منّي واغتدى قابضاً
فسرتُ أشتدُّ على إِثْره
يا هل رأت عيناك من ناشدٍ
ما بينها جبلُ الملوك الراسي
أيُقَاسُ نورُ الشّمسِ بالنبراسِ
من أن يجارى في النّدى والباسِ
صلُحتْ ذواتٌ للورى وصفاتُ
هي في نفوسِ المسلمين هباتٌ
وتقشَّعَتْ عن وجههِ الظلماتُ
صَوْبُ الحیا سكباً على سَكْبٍ
طَيِّبَةَ المَسْرى إلى الغرب
موقعَ ريّاها من الرَّكب
غُزَيِّلٌ ضلَّ عن السِّربِ
قلبي فيا ويحيَ من قلبي
أَنْشدهُ في ذلك الشِّعب
يسعى بلا عقل ولا لُبِّ
(١) لم أعثر على مصادر ترجمته.
(٢) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) (٦١١ - ٦٢٠)، و«بغية الوعاة)) (٣٥٤/٢).

١٣٤
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
أحكامُه تجري على الصبّ
أحبِبْ به من ملكٍ جائرٍ
لعبَ الصِّبا بالغصن الرطب
تثنيه من خمر الصِّبى نشوةٌ
سلَّطت عينيك على قلبي
يا جائرَ اللَّحظ على حِبّه
١٤٧ - ((المستنجد بالله))(١) يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن
عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن جعفر بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن
محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أميرُ المؤمنين المستنجد بالله أبو
المظفّر بن المقتفي لأمر الله بن المستظهر بأمر الله بن المقتدي بن القائم بن القادر بن المقتدر
ابن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور
العباسي؛ أمُّهُ أُمّ ولدٍ اسمُها طاووس روميّة، توفيت في خلافته. خطب له والدُه بولاية العهد
من بعده في يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة سبع وأربعين وخمس مائة، وبويع له
بالخلافة بعد وفاة أبيه في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأوّل سنةً خمس وخمسين وخمس
مائة، ووُلد سنة ثمان عشرة وخمس مائة، وتوفي يومَ السبت ثامن شهر ربيع الآخر سنة ست
وستين وخمس مائة، وكان عمرُه ثمانياً وأربعين سنة، وولايتُه إحدى عشرة سنة وشهراً واحداً
وكانت أمراضُه قولنجيّة، وأُضيفَ هلاكُه إلى الطبيب. وكان طويل القامة جسيماً، أسمر
اللون، كثيفَ اللحية، وكان نقشُ خاتمه ((من أحبَّ نفسَه عمل لها)). وخلّف من الولد ابنين:
أبا محمد الحسن المستضيء، وأبا القاسم، وابنة تُعرف بالعباسيّة؛ وأوّل من بايعه عمُّه أبو
طالب، ثمّ أخوه أبو جعفر، وهو أسنُّ من المستنجد، ثم الوزيرُ عون الدين، ثم قاضي
القضاة، قال: ((رأيت رسول الله ( 8﴿ في المنام منذ خمس عشرة سنة))، فقال له الوزير عون
الدين: ((يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة)).
قال صاحب كتاب ((المناقب العباسية والمفاخر الهاشمية)): كانت أيامه أيّام خصبٍ
ورخاء وأمن عام، ودولتُه زاهرةٌ، وسياستُه قاهرة، وهيبته رائعة، وسطوتُه قامعة، ذُلَّتْ له
رقابُ الجبابرة في الآفاق، وخضعت له منهُمُ الأعناق، وأشحن بالظَلَمَةِ الحبوس، وأزال
قوانين الظلم ورفع سائر المكوس، وتمكّن تمكُّنَ الخلفاء المتقدّمين، وكان آخر من عمل في
أيامه بقوانين الأئمة الماضين، من مواظبةٍ وزيره على عمل المواكب ورفع القصص إليه
والمظالم، فما انتهت إليه حالةٌ مكروهة إلاّ أزالها، وعثرةٌ إلّ أقالها؛ ويقال إنّه رأى في
منامه في كفّه أربع خاءات فعبّرها على عابرٍ فقال: ((تلي الخلافةَ سنة خمس وخمسين
(١) انظر ترجمته في ((البداية والنهاية)) (٢٦٤/١٢)، و((شذرات الذهب)) (٢١٨/٤)، و((مرآة الزمان)) (٢٣٣/٨).

١٣٥
يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد
وخمس. مائة)).
قال الوزير عون الدين بن هبيرة: قال لي المستنجد يوماً وقد جرى بيننا قراءةُ من قرأ:
﴿فتبيّنوا﴾ [النساء: ٩٤/٤؛ الحجرات: ٦/٤٩] بالنون، فقال: من قرأ بالنون أحسنُ ممن
قرأ بالثاء لأن من تبيّن تثبّت، وقد يتثبَّتُ من لا يتبيّن.
وكتب كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري القاضي إليه لمّا قدم بغداد رسولاً من
قبل نور الدين محمود بن زنكي، إلى المستنجد قصةً على رأسها: ((من محمد بن عبد الله
الرَّسول))، فوقّع عند اسمه بقلمه: ((صلّى الله عليه وسلّم)).
وخطب علويٌّ بلخي تدريس المدرسة النظامية ببغداد بقصة رفعها إليه فوقّع المستنجدُ
عليها: ((لقد))، فعرضتِ القصةُ بالتوقيع على الوزير عون الدين، فعرضها على أصحابٍ
الدّيوان فأعياهم حلُّ رمز المستنجد التوقيع، فقال الوزير: هذا إشارة إلى قول القائل: [من
الطويل]
لقد هزُلَتْ حتى بدا من هُزالها كُلاها وحتى سامها كلُّ مُفْلِسٍ
فحكي ذلك للخليفة فتعجب من تفطّنه لذلك.
وامتدحه الحيص بيص الشاعر بقصيدة، واقترح فيها أنْ تجعل بعقوبا له معيشةً، وهي
بلدةٌ تغلُّ في كل سنة اثني عشر ألف دينار، فوقع المستنجد على ظهر قصته: [من الكامل]
لحق الغزالَ ولم يفُتْهُ الأرنبُ
لو أنَّ خفَّةَ رأسِهِ في رجله
وقيل: إنّ ليلتَه حانت من ابنة عمه، فلما توجّه إليها وجد في طريقه بعضَ حُجُرات
جواريه مفتوحَ الباب غير مغلق، فدخل إليها فقالت له الجارية امضٍ إلى منامك فإنّني أخاف
أنْ تعلم ابنةُ عمِّك، ولا آمن شرّها، فقال: في ساقها خلخال، إذا جاءت عرفت بها،
فمضت إليها جاريةٌ ووشت بالحال، فرمت خلخالَها إلى أعالي ساقِها، وقصدت المقصورة
ففاحت الروائحُ العطرةُ، فنمّ ذلك عليها فخرج من الباب الآخر ثم قال: [من الكامل]
تحت الظلام به فما نطقا
استكتمت خُلخالها ومَشَتْ
ملأ العبيرُ بنشرها الطُرُقا
حتى إذا هبَّتْ نسيمُ الصّبا
وقد ذكرت هنا ما قلته في هذا المعنى، قلت: [المتقارب]
وقد زرتٍ في الحندسِ المُظْلـمِ
إذا شِئْتٍ حليُك ألاّ يشي
وخلّي وشاحَك في المعصم
فرُدِّي السوارَ مكانَ الوشاح

١٣٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقلت أيضاً: [من السريع]
قالوا وشى الحليُّ بها إذْ مشت
فقلت لا، خلخالُها صامتٌ،
وقلت أيضاً: [من السريع]
قلت له زرني فلا بد أن
فالريح ما تكتم سراً وما
وقلت أيضاً: [من المنسرح]
بتنا وما نقلُنا سوى قُبّلٍ
نمنا وما نَمَّتِ الوشاةُ بنا
ومن شعر المستنجد بالله قوله: [من البسيط]
إذا مرضنا نوينا كلَّ صالحةٍ
تُرضي الإله إذا خفنا ونعصيه
ومن شعره أيضاً: [من الخفيف]
عيّرتني بالشيب وهو وقار
إنْ تكنْ شابتِ الذوائبُ منّي
ومن شعر المستنجد بالله: [من الكامل]
يا هذه إن الخيال يزورني
ما إن رأيت كزائر يعتادني
ومن شعر المستنجد: [من السريع]
وباخلِ أشعلَ في بيته
فما جرت من عينها دمعةٌ
ومن شعر المستنجد بالله: [من الطويل]
وصفراءَ مثلي في القياس ودمعُها
تذوب كما في الحبّ ذبتُ صبابةً
إليك من قبل ابتسام الصباغ
ثم تذكرت فضولَ الوشاخ
يدري بنا الواشي ويُغرى العذولْ
تبريح رياك تعاني الفضول
وَرَيِّقر فيه السُّلافُ مشروبي
لولا فضولُ الحلي والطيب
وإنْ شُفينا فمنّا الزَّيْغُ والزللُ
إذا أمِنَّا فما يزكو لنا عملُ
ليتها عيّرت بما هو عار
فالليالي تنيرُها الأقمارُ
لو كان يسعف أو يرد سلاما
يُغْفي العيون ويوقظ النُّواما
طَرْمَذَةٌ مِنه لنا شمعهْ
حتى جرت من عينه دمعةْ
سجامٌ على الخدَّين مثلُ دموعي
ويحوي حشاها ما حوته ضلوعي

١٣٧
يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان
١٤٨ - ((الناصر صاحب الشام)(١) يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن
شاذي بن مروان، السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن السلطان الملك العزيز ابن
السلطان الملك الظاهر ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين الكبير، هو صاحب حلب
ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبع وعشرين وست مائة، وتوفي سنة
تسع وخمسين وست مائة. تولّى المُلك عند موت والده العزيز سنة أربع وثلاثين وست مائة،
وقام بتدبير دولته الأميرُ شمس الدين لؤلؤ الأميني، وعز الدين بن المجلي، والوزير الأكرم
ابن القفطي، والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتوني، والأمر كلَّه لجدَّتِه الصّاحبة صفية
خاتون بنت العادل. ولما توجّه القاضي بهاء الدين بن شدّاد إلى الكامل بعدّة العزيز، وكان
قد مات وعمره أربع وعشرون سنة، فلما رآها الكامل حزن وحلف للناصر لأجل أخته، فلما
توفيت سنة أربعين اشتدَّ الناصرُ وأمر ونهى، فلما كان سنة ست وأربعين سار من جهته نائبه
شمس الدين لؤلؤ وحاصر حمص وطلب النّجدة من الصالح نجم الدين أيوب فلم ينجده
وغضب، ثم جرت أمورٌ واستمرت حمص في ملك الناصر، وفي شهر ربيع الآخر سنة ثمان
وأربعين وست مائة قدم إلى دمشق وأخذها بلا كلفة، وفي أثناء السنة قصد الديار المصرية
فما تمّ له ذلك، وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بنت السلطان علاء الدين فولدت له
علاء الدين في سنة ثلاث، وأمُّ هذه هي أختُ الصّاحبة. وكان الناصر، رحمه الله تعالى،
سمحاً جواداً حليماً حسنَ الأخلاق، محبّاً إلى الرعية، فيه عدلٌ وصفح ومحبّة للفضلاء
والأدباء، وكان سوقُ الشِّعر نافقةٌ في أيامه؛ وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربع مائة رأس
غنم، سوى الدجاج والطيور والأجدية، وكان يبيع الغلمانُ من سماطه شيئاً كثيراً عند باب
القلعة بدمشق بأرخص ثمن من المآكل الفاخرة. حكى علاء الدين بن نصر الله أنّ الناصر
جاء إلى داره بغتةً، قال: فمددت له شيئاً كثيراً في الوقت، سماطاً بالدجاج المحشي بالسكر
والفستق وغيره. فقال: كيف تهيّأ لك ذلك، فقلت: هو من نعمتك اشتريته من عند باب
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٤/٢٣)، ((ذيل الروضتين)) لأبي شامة (٢١٢)، ((مرآة الزمان)) لليونيني
(١/ ٤٦١ - ٤٦٩، ١٣٤/٢)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفدا (٢١١/٣)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي
(أيا صوفيا ٣٠٣)، ج ٢٠ الورقة (١٩٤ - ١٩٥)، ((دول الإسلام)) (١٢٥/٢)، ((العبر)) للذهبي (٥/ ٢٥٦-
٢٥٧) (تاريخ ابن الوردي)» (٣٠٣/٢)، ((أمراء دمشق في الإسلام)) للصفدي (طبعة مجمع اللغة العربية في
دمشق ١٩٥٥) ص ١٠٢، (فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٤/ ٣٦١ - ٣٦٦) ((ترجمة)) (٥٩٥) ((مرآة
الجنان) اليافعي (١٥١/٤)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٠٣/٧)، ((شفاء القلوب في مناقب بني أيوب)) ( ٤٠٨-
٤٢١)، ((الترجمة)) (١٠٧)، ((الدارس في تاريخ المدارس)) للنعيمي (١١٥/١، ٤٥٩)، ((القلائد الجوهرية في
تاريخ الصالحية)» لابن طولون (٨٨)، ((شذرات الذهب)) (٢٩٩/٥)، ((أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء))
لمحمد راغب الطباخ (٣٠٢/٢).

١٣٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
القلعة. وكانت نفقةُ مطابخه وما يتعلّق بها في اليوم أكثرَ من عشرين ألف درهم. وكان
يحاضر الأدباء والفضلاء وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر وأجوبة ونظم وحسن
ظن في الصالحين. وبنى بدمشق مدرسة جوّا باب الفراديس، وبالجبل رباطاً وتربة، وبنى
الخان عند المدرسة الزنجيلية، وبلغه عن بعض المتفقّرين من الأجناد أنه تسمّح في حقه،
فأحضره ليؤدبه، فلما رأى وجله رقَّ له وأمر له بذهبٍ وقال: ليرجع بهذا قلبك ثم نعتبك،
فلما اطمأن صرفه آمناً ولم يؤاخذه. وكان تمرّ له الأيام الكثيرة يجلس فيها من أول النهار
إلى نصف الليل يوقع على الأوراق ويصل الأرزاق؛ وقيل إنه خلع في أقلٌّ من سنة أكثرَ من
عشرين ألف خلعة. وكان الفرنج قد ضمنوا له أخذ الديار المصرية على أن يسلم إليهم
القدس مع بلاد أخرَ غيرها، ودار الأمر بين أن يعطي ذلك للمصريين أو للفرنج، فبذل ذلك
للمصريين اتِّباعاً لرضى الله تعالى، وقال: ((والله لا لقيتُ اللَّهَ وفي صحيفتي إخراج القدس
عن المسلمين))؛ ولما بَعُدَ عن خزائنه واحتاج إلى قرض رهن أملاكه وضرب أواني الفضة
والذهب، وقيل له في أخذ الفائض من الأوقاف فما مدّ يده إلى شيء منها بدمشق ولا
بحلب.
قال ابن العديم: حضر بعض المدرّسين إلى المعسكر ورفع على يدي قصّةً بين يديه
تتضمّن التضوّرَ من قلَّة معلومه ويذكر أنّ عيالَه وصلوا من مصر وأنّه لا يطلب التثقيل على
السلطان في مثل هذا الوقت الذي يعلم ما يحتاج فيه إلى الكلف بل يطلب زيادةً في المدرسة
التي هو بها، فقال: ((كيف شرط الواقف؟)) فقلت: ((شرط ما يتناوله الآن، لكن ذكر أن في
كتاب الوقف ما يدل على أن للسلطان أنْ يزيدَه إذا رأى في ذلك مصلحة)). فأطرق كما هي
عادته إذا لم ير قضاء ما طُلب ولم يُرِدْ في ذلك جواباً ولم يهن عليه ردّه خائباً وتورّع عن
مخالفةِ الواقف، فقرّر له ما طلبه على ديوانه دون الوقف.
وقيل له عن جلال الملوك وقد مرّ على مكانه في الجبل: ((ما رأي مولانا السلطان
منه؟)) فقال: ((رأيت شيخاً أشقر على جبل أحمر يأكل حشيشاً أخضر ويتكلم بالمنكر)).
وكان عنده في ليلة جماعة من الأدباء فذكروا قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [من
..
الطويل]
تَشَكَّى الكميتُ الجريَ لمّا جهدتُه
وبيّن لو يَسْطيعُ أَنْ يتكلّما
فقال بعضهم: (يا مولانا متى نعود إلى الكميت))، ويشير إلى الخمر، فقال له: ((حتى
تعود إلى الأدهم))، يريد القيد، وكان قد قُيِّدَ مرّة وسُجن.
وكان لبعض الشعراء عليه رسم في كل سنة، تشريف ودراهم، فأنشده قصيدة قال
١

١٣٩
یوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان
فيها: [من الطويل]
أمولاي رسمي قد تقادمَ عهدُه ومن يدِك العليا تَجَدُّدُ عَهْدِهِ
فقال له السلطان: ((الرُّسوم كثيرةٌ فأيُّ رسمٍ أردت؟)) فقال الشاعر: ((رسومُ العامّةِ
أطلالُ الديار، ورسومُ الخاصّةِ جوائزُ الملوك)»، فقال السلطان: ((على هذا الرّسم هو
المعوّلُ))، يشير إلى قول امرىء القيس: [من الطويل]
((وهلْ عند رسمٍ دارسٍ من مُعَوَّلٍ))
قال ابن العديم: حضرت يوماً بين يديه وشاورته على هذا الشاعر أن ينشد قصيدة
عملها في تهنئته بقدوم دمشق وشفعها بأبيات يذكر برسمه، فوقف على الودقيْن ثم أذن له.
فحضره وأنشد قصيدة المدح وخرج بسرعة، فاسترجعه وقال له: ((أنشد هذه الأبيات فإنّك
أنشدت أبيات القصيد ولم تنشد أبيات القصد)»، فلما أنشده الأبيات قال: ((السيف يحتاج
إلى الهزّ))، وأمر له بتشريفه ورسمه.
وحضر إليه الشّهاب رشيدُ الخادم من مصر فأنعم عليه وبالغ في الإحسان إليه وكتب له
خبزاً خدم عليه، فلما جاءت السنة الثانية تضوّر وطلب الزيادة في إقطاعه، وتكرّر طلبُه
مراراً، فقال آخر مرّة: ((ينبغي أن تسدّوا فم رشيد))، يشير إلى زيادة إقطاعه، وفم رشيد
معروف بالديار المصرية.
وكان مرة جالساً وبين يديه شاعر فأنشد قصيدة، فأخذ بعض الجماعة ينتقد عليه، فقال
الشاعر: ((دعوني حتى أتم الإنشاد وبعد ذلك يكون الانتقاد)»، فقال السلطان: ((لا تجعلوا
النقد نقداً)).
ولما وقع الصلح بينه وبين المصريين على أن يردوا كل ما كان متخلفاً للأمراء الذين
في خدمة السلطان، أحضر في جملة ما أحضر ما كان بقي للأمير لجمال الدين بن يغمور
بديار مصر، فعزل مما حضره ما يصلح لتقدمة السلطان ونوّعه أنواعاً من كتب وغيرها،
وكتب جريدة مع التقدمة بما سيّره، وجعل أول الجريدة أسماء الكتب اسمَ كتابٍ يقال له
((جهد المقلّ)) إشارة إلى استقلال تقدمته، ونفذ ذلك على أيدي المحترفين من أصحابه، وقال
للمشار إلى استقلال تقدمته، ونفذ ذلك على أيدي المحترفين من أصحابه، وقال للمشار إليه
منهم: ((إذا حضرت بين يدي السلطان قل: يا مولانا هذا بقية السّيف))، فلما قال ذلك، قال
السلطان بسرعة: بل ﴿بقيةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة﴾ [البقرة: ٢/
٢٤٨].
وكان بين يديه في بعض الليالي شخص فاستأذن ذلك الشخص في طلب خاله، فقال له

١٤٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
السلطان: ((كأنك تقول ما يطيب لي هذا المكان وهو خالي من خالي)).
وكان جماعةٌ يلقبون بأسماء الطيور ويجتمعون في مكان فيه لأغراضهم، فقال
الجماعة: ينبغي أن نسمي هذا المكان الدوحة لأن الطيور تأوي إليها، ثم قالوا: لا بل ينبغي
أن يسمى الأيكة، فقال السلطان: إنما عدلت عن الدوحة إلى الأيكة ليقال ﴿كذب أصحاب
الأيكة﴾ [الشعراء: ١٧٦/٢٦].
قال ابن العديم: كان ذات ليلة في سماع، وكأنه استطاب ذلك وتفكّر في نعمة الله
عليه فسمعته وهو يقول: ﴿ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن
أعمل صالحاً ترضاه﴾ [الأحقاف: ١٥/٤٦] وكان في يدي بعض الجماعة شمعة، وسقط
الشمعدان في تلك الحالة وسمعت له رنة، فسمعته يقول: [من المديد]
فلهذا يرقصُ الحَبَبُ
ولها من نَفْسِها طربُ
وأُخبر مرة أن المسلمين أَخذوا صيداً وأن الفرنج ألقوا نفوسهم في البحر لئلا يقتلوا
ويؤسروا فقال السلطان: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله
أنصاراً﴾ [نوح ٢٥/٧١].
وحضر إليه شخص يُقال له ابن اللهيب ومعه ولد له صغير سريع الحركة، كثير الحدَّة
فقال بعض الجماعة: هذا الصغير كأنه شرارة، وكان قد حضر على يد الصغير تحف غريبة،
فقال السلطان: [من المجتث]
بكُلِّ معنىّ غريبٍ
ابنُ اللّهيب أتانا
شرارةٌ من لهيبِ
وليس ذا بعجيب
قال ابن العديم: وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
لفراق مُشْبِهِهِ أسى تَتَقَطَّعُ
البدر يجنح للغروب ومهجتي
والصبحُ من جِلبابه يتطلَّعُ
والشّرب قد خلط النعاسُ جفونَهم
قال: وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الرجز]
فيه نُطيب المرتعا
الـيومُ يوم الأربعا
شملُ المُنى قَدْ جُمِعا
يا صاحبي أماترى
جلّ السرور أَجْمعا
وقد حوى مجلسُنا
ثلاثـةً وأربعا
فقم بنا نَشْربها
من كفّ سَاقٍ أَهْيَفٍ
شبيه بدر طلعـا