Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد وفي وسطهم صوفي يعزّر وقد اشتُهر أمرُه بأنّه وُجد سكران، فلما نظره ابن حسداي عرفه فقال له: بالله قتلك الناموس. ٤٧ - ((أبو الحكم المِلْيانيّ))(١) يوسف بن أحمد بن عيّاد، أبو الحكم التميمي المِلْياني. جال في الأقاليم ولقي السهروردي الفيلسوف بملطية وأخذ عنه، وسكن دانية. ونوظر عليه بها وكان شاعراً مُجوِّداً، غالياً في التَّشُّع، قال الشيخ شمس الدين: له عقيدةٌ خبيثة، وفيها اتّحاد ظاهر. توفي سنة إحدى وعشرين وست مائة. ٤٨ - ((الحافظ اليَغْموري))(٢) يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد، الحافظ جمال الدين اليَغْموري، أبو المحاسن الأسدي الدمشقي. ولد في حدود الست مائة وتوفي رحمه الله ثلاث وسبعين وست مائة. وسمع الكثير بدمشق والموصل والإسكندرية. وعني بالحديث، وتعب وحصّل وكتب الكثير من الحديث والأدب، وخطّه معروفٌ مشهور بين الفضلاء. وكان له فهم ومعرفة وإتقان ومشاركة في الآداب والتواريخ، وله مجاميع حسنة. وتوفي عند شهاب الدين بن يغمور، وكان والده يصحبه فَعُرِفَ به. كتب شهاب الدين بن الخيمي إلى الحافظ اليغموري، وكانا أرمدين: [من الوافر] أَبُتُّكَ يا خليلي أنّ عَيْني حديثاً أنْت تعرفُه يقيناً فأجاب الحافظ: [من الوافر] كفاك اللّهُ ما تشكو وحيني فإني من شفائك ذو يقينٍ ومن شعر الحافظ قوله: [من الرمل] رجع الودُّ على رغم الأعادي ما على الأيام ذمّ بعدما ومنه أيضاً: [من الرمل] أنا مرآةٌ فإنْ أبْصرتُمُ غَدتْ رمداءَ تجري مثلَ عينٍ لأنّك قد رَمِدْتَ وأنْت عيني محاسن مقلتيك بكلِّ زينٍ لأنّك قد شُفيتَ وأنت عيني وأتى الوصلُ على وفق المرادِ كَفَّر القُربُ إساءاتِ البعادِ حَسَناً أنتمُ بها ذاك الحسنْ (١) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) (٦٢١ - ٦٣٠). - (٢) انظر ترجمته في ((مجمع اللغة العربية)) (٨٠٧/٤٦)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٤٧/٧)، و((عقود الجمان)) (٣/ ٣٥٠)، و((الأعلام)) للزركلي (٢١٤/٨). ٤٢ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات فقد صدئت إِذْ لم تَرَوْها من زَمَنْ أوتَرَوْا ما ليس يرضيكُم ٤٩ - (ابن قنّويه))(١) يوسف بن أحمد بن قنّويه - بالقاف والنون المشددة والواو والياء آخر الحروف وبعدها هاء - هو ممّن رثى أبا الطيب المتنبي وحرّض عضدَ الدولة على فاتك ابن جهم وبني أسد، فقال: [من الكامل] بالنّفس قُدماً فوق كلِّ جواد من للطراد وللطّعان مباشراً وتُقِلّ لُبِثَ السَّيف في الأغماد ما زلتَ تُعنى بالأسنّة والقنا صرفَ الزّمان بحكمةٍ وسداد ما زلت ترتبطُ الجياد وتتّقي رداً له بالأهل والأولاد حتّى أتى الأمرُ المطاع فلم تُطِقْ وجعلتَ تنظرُ هل لنفسك مُسْعِدٌ عند الممات وهل لها من فاد إلاّ غُلاماً مُخلصاً بوداد فإِذا العبيدُ عبيدُ سوء كلُّهم قلت يعني مُفْلِحاً عَبْدَ أبي الطيب الذي قتل معه. لم يألُ جهداً في الجلاد بسيفه طلباً لنفسك في الحياةِ بنفسِهِ فتوى خضيباً بالدماء وسيفُه وقال يرثيه أيضاً: [من الكامل] فلئن حييتُ ولم أَمُتْ من بعده لم لا وقد قصدَ الزمانُ بصرفه فإليه منّي بالسلام تحيةٌ لهفي عليك أبا المحسَّد والقنا لهفي عليك وقد سقطت مكسَّراً قلت: شعر نازل. والضَّربِ للهامات والأَعْضاد والجودُ عند الموت بالإِسْعادِ مُلْقىّ بغير حمائل ونِجاد فلقد ألفتُ الحزنَ حتى أُحشرا جَبَلَ العلوم وكهفها والمُخْبرا يغدو إليه نسيمُها متعطّرا تأبى طعانُك خِيفةً أن تَقْصرا من بعد ردِّك للوشيج مكسَّرا ٥٠ - ((القِناوي علم الدين الخطيب الشافعي))(٢) يوسف بن أحمد بن إبراهيم، علم الدين الخطيب القِناوي الشّافعي الأديب. كان من الرؤساء الأعيان الكرماء الأجواد (١) لم أعثر على مصادر ترجمته. (٢) انظر ترجمته في ((الطالع السعيد)) (٧١٥) و((أعيان العصر)) (٣٣٨/٣)، و((الدرر الكامنة)) (٢٢١/٥). ٤٣ يوسف بن أحمد بن قطنة المصري الشاعر الأذكياء. قرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدِّشناوي. وكانت معرفةٌ جيدة بحلِّ الألغاز، ونظم فيها أشياء كثيرة، وتوفي في رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مائة. وله لغز في لابس، الثاني منه: [من السريع] يبينُ إن صُحِّفَ مع قول لا وله لغز في معنى: [من مجزوء الرَّجز] ما اسم إذا عكسته ولا إذا صَحَّفْتَهُ لا يبين يُظْرِبُ إن سمعته صَحَّفْتَ ما عكسته ينعم بالوصل متى وله لغز في زغل: [من الوافر] وما لغز إذا فنَّشت شِعري وإنْ تعكسه كان من التحريّ وفاعلُه إذا نمُّوا عليه تراه مسطّراً فيه مُسَمَّى إذا حقَّقْته في البئر يُرمى فتخشى أن تزال يداه حَتْما قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: تولى الخطابة ببلده، وناب في الحكم في مواضع شتّى، منها: دشنا وفاو من بلاد قوص، والمنشأة وطوخ من بلاد إخميم؛ وكان يكرم الوارد. ٥١ - ((ابن قُطنة المصري الشاعر))(١) يوسف بن أحمد بن قطنة المصري الشاعر. مدح الصَّاحب تاج الدين بن فخر الدين بن جنالة بديوان شعر. توفي إلى رحمة الله تعالى سنة ثمانین وست مائة. ومن شعره أيضاً: [من الطويل] وتُرجى لأصحاب الخمول [ ... ] بمدحِك في الدُّنيا تنالُ المطالبُ تكون بقدر الواهبين المواهبُ لقد عُلمت منك الهباتُ وهكذا ترى أنّه فرضٌ عليك وواجب فما ساقه أوطانه والحبائِب ولا عاد عنه آملٌ وهو خائبُ أرى الجود مما تستحبُّ ولم تزل فأنت الذي آوى الغريب لبابه فما أمّ هذا البابَ إلّ مؤمِّلٌ قلت شعر متوسط. (١) لم أعثر على مصادر ترجمته. ٤٤ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ٥٢ - ((المسند ابن غالية)) يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن علي بن إسماعيل بن عمر بن عبد المجيد(١)، المسند المعمّر بقية الرواة، أبو علي الغسولي المعروف بابن غالية، ولد سنة اثنتي عشرة وست مائة بقاسيون؛ وتوفي رحمه الله تعالى، سنة سبع مائة. وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ الموفَّق. وتفرّد في وقته وسمع منه خلق، وسمع منه الشيخ شمس الدين، وكان شيخاً ساكناً فقيراً مُتَعفّفاً؛ بدت منه هنات في وسط عمره، ثم إنّه كبر وصلُح أمرُه، وكان حجّاراً ثم عجز ولزم بيته. وسمع منه البرزالي والمِزي، والمقاتلي، وابن النابلسي، والمحبّ، والصدر أبو بكر ابن خطيب حماه، والشهاب ابن عُدَيْسة، والشيخ نجم الدين القحفازي، وخلق. وجُبيَ له الكَفن لمّا توفي رحمه الله تعالى. ٥٣ - ((صدر الدين الجذامي))(٢) [يوسف] بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عبد الغني، صدر الدين الجذامي الإسكندري، الفقهي المالكي، الأديب الشاعر يُعْرفُ بابن غنّوم بغين معجمة ونون مشددة وواو بعدها ميم موقع الثغر - كان فاضلاً ذكياً. كتب للقضاة زمناً طويلاً ثم انقطع في منزله. وخمَّسَ قصائد للصَّرصَري. ولد بالإسكندرية سنة ست وسبعين وست مائة؛ وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مائة. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: أنشدني له وقد سألته أن يُنْشدَني شيئاً من شعره [من البسيط]: يا من يسائلُ عن شِعري ليرويه مُذْ حلَّ زائرُ هذا الشيب صَيَّرني قال وأنشدني له أيضاً: [من السريع] وبي غريبُ الدار مستأنسٌ فإن أمُتْ شوقاً إلى وصله وأنشدني له أيضاً: [من الكامل] قُمْ نَفْتَرِعْ بكرَ المُدامة بكرةً فالراحُ سيفٌ قاطعٌ لهمومنا قال: وأنشدني له: [من الوافر] مهلاً فليس شِعاري نظم أَشْعاري بعد الصبا وإزاري ذكرُ أوزاري أسال دمعي منه خَدِّ أسيلْ ففي سبيل الله وابن السبيلْ في روضةٍ حَسنَتْ وراقتْ مَنْظرا أو ما تراه بالحباب مُجوهرا (١) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (٤٥٨/٤)، و((معجم شيوخ الذهبي)) (٦٥٢). (٢) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٢٢٣/٥)، و((أعيان العصر)) (٣٣٩/٣). ٤٥ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السّبيعي الهمداني الكوفي فجلَّ بذاك واكتسب المزايا جلا مِسْواك ثغرك خيرَ دُرِّ ((أنا ابن جلا وطلاع الثنايا» وأنشد صحبه تيهاً وفخراً قلت: شعر جيّد. ٥٤ - (ابن أسباط الزاهد))(١) يوسف بن أسباط الزاهد الصالح، أحدُ مشايخ القوم، له مواعظ وحكم؛ وتوفي في حدود المائتين، رحمه الله تعالى. ابن إسحاق ٥٥ _ ((ابن أبي إسحاق السَّبيعي)) (٢) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السّبيعي الهمداني الكوفي. قال أبو حاتم: صدوق، لا يحتج به؛ وقال النسائي: ليس به بأس؛ وقال أحمد: حديثه مضطرب. وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة. وروى له مسلم والأربعة. ٥٦ - ((صلاح الدين الدوادار)) يوسف بن أسعد، الأمير صلاح الدين الدوادار(٣). كان في مبدأ أمره نصف عامل في بيروت على ما قيل، ثم بطل الكتابة وتوصّل بالجندية إلى أن صار دوادار الأمير سيف الدين قُجَقْ؛ ثم آل أمره إلى أن أخذ الإمرة بحلب وولي بها الحجوبية في أيام الأمير علاي الدين أَلْطُنْبُغا؛ ثم ولي بها شدّ الدواوين؛ ثم طلب إلى مصر مرّات؛ ثم ولي نيابة ثغر الإسكندرية؛ ثم ولاية منفلوط بالصعيد؛ ثم إنّه جُعل مشدّ الدواوين بالقاهرة في أيام وزارة الأمير علاي الدين ألطُنبغا مُغُلْطاي الجمالي؛ ثم عُزِل وبقي بمصر أميراً؛ ثم جهّزه السلطان رسولاً إلى السلطان أبو سعيد فعاد وقد أشاع الناسُ أنّه يكون وزيراً، فلما وصل إلى مصر سُعِيَ عليه وأُبطل ذلك، فسعى له الأمير سيف الدين بَكْتَمُر السّاقي لمّا مات الأمير شهاب الدين أمير مهمندار، فرسم له السلطان الملك الناصر بالمهمندارية، فأقام بها قليلاً فلمّا توفي الأمير سيف الدين الجاي الدوادار جعله السلطان دواداراً. وكان القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود قد رسم له بعدة بيوعات بكتابة السرّ (١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٩/٩)، ((التاريخ)) لابن معين (٦٨٤) ((التاريخ الكبير» (٣٨٥/٨)، (التاريخ الصغير)) (٢٦٥/٢)، ((الضعفاء)) للعقيلي لوحة (٤٧٢)، ((الجرح والتعديل)) (٢١٨/٩)، ((مشاهير علماء الأمصار)) (ت ١٤٩٠)، ((حلية الأولياء)) (٢٣٧/٨)، ((ميزان الاعتدال)) (٤٦٢/٤). (٢) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (٢٧/٧)، ((الطبقات)) لابن سعد (٣٧٤/٦)، ((التاريخ الكبير» (٨) ٣٨٣)، ((الجرح والتعديل)) (٢١٧/٩ - ٢١٨)، ((تهذيب الكمال)) (ح ١٥٥٧)، ((تذهيب التهذيب)) (ح ٤/ ١٨٩)، (تاريخ الإسلام)) (٣١٧/٦)، ((عبر الذهبي)) (٢٢٨/١)، ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٨/١١)، و(«شذرات الذهب» (٢٤٢/١). (٣) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٢٢٦/٥). ٤٦ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات في مصر، فقاسى شرف الدين منه شدائد وأنكاداً كثيرة، وتوجّها إلى الحجاز في رِكاب السلطان وهما في ذلك النكد والشرّ، فلما حضرا من الحجاز أقام القاضي شرف الدين قليلاً وهو يعمل عليه إلى أن عُزِلَ وأُخرجَ إلى دمشق. وبقي الأمير صلاح الدين المذكور في الدوادارية وقد استطال على الناس أجمعين، خصوصاً الكُتّاب فحسّنوا للسلطان أن يخرج كاشفاً الثغور الحلبية، فتعلل وانقطع في بيته مدة شهرين، ولما قام ودخل إلى السلطان عزله في ثاني شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة ورسم أنْ يتوجّه إلى صفد أميراً، فتوجّه إليها وأقام بها قليلاً ونُقِل إلى طرابلس ثم نُقل إلى حلب وجُعِل والي البرّ، فيما أظن. ثم إنّه حجّ بعدما نُقِلَ إلى طرابلس، وورد الخبر إلى دمشق بوفاته بطرابلس في جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مائة. وكان يكتب خطاً حَسَناً. وله مشاركة في تواريخ وتراجم النّاس. وكان فيه شُحِّ مُفْرط، إلا أنّه وقف داره بحلب مدرسة على فقهاء الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة؛ ووقف كتّاب أيتام بالمدينة النبوية؛ وكان يدّعي النظم. وأَنْشِدْتُ له: [من البسيط] لكنّما هو للإسلام مقصودُ ما اللّعْبُ بالنار في الميلاد من سَفَّهٍ عيسى ابن مريمَ مخلوقٌ ومولودُ يراد كَتْبُ النصارى أنّ ربَّهُمُ أنشدنيها صلاح الدين خليل بن رمتاس بصفد وقال: أَنشدنيها، وقال إنّهما له. واقتنى كتباً كثيرة. ابن إسماعيل ٥٧ - ((ابن اللَّمغاني الحنفي))(١) يوسف بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن الحسن، أبو يعقوب اللّمغاني الفقيه الحنفي البغدادي، من أهل باب الطّاق، من بيت. مشهور بالفقه والعدالة. تقدم ذكر أبيه في مكانه. وتفقّه على أبيه وعمّه محمد حتى برع في المذهب والخلاف. وقرى كثيراً من مذهب الاعتزال وناظر المتكلمين في إثبات خلق القرآن. وقرأ عليه جماعة من الفضلاء وتخرجوا به. وولي التدريس بجامع السلطان بعد وفاة الأمير السيّد أبي الحسن علي العلوي، وناب في التدريس بمشهد الإمام أبي حنيفة؛ وانتهت إليه رئاسة أصحاب الرأي. وكان غزيرَ الفضل، حسن المناظرة، ذا أخلاق لطيفة وكيس وتواضع. سمع شيئاً من الحديث في صباه من أبي عبد الله الحسين بن الحسن المقدسي إمام مشهد أبي حنيفة، وأبي المعالي المبارك بن المبارك البزّار، وغيرهما. قال ابن النجار: كتبنا (١) انظر ترجمته في ((الجواهر المضية)) (٦٢٠/٣)، و((التكملة لوفيات النقلة)) (٢٨٨/٣)، و(«البداية والنهاية)) (٥٣/١٣) و((الطبقات السنية)) برقم (٢٧٢٤). ٤٧ يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وَهَرَة عنه وكان صدوقاً. ولد سنة ثمان عشرة وخمس مائة، ومات سنة ست وست مائة. ٥٨ - ((ابن نحرير الأسواني))(١) يوسف بن إسماعيل بن سعد الملك بن نحرير الأسواني. قارىء المصحف قراءة حسنةً صحيحة وله صوتٌ شَجٍ. وتوفّ بأسوان سنة أربع عشرة وسبع مائة. قال محمد بن العريف الأسواني: كنّا مجتمعين فأورد البيت الثاني من الأبيات فقال يصلح أن يكمل عليه ويجعل له أولاً، وأنشدنا ارتجالاً: [من الطويل] فما حَنَّ لي يوماً ولا رَقّ للشكوى شكوتُ إليه ما ألاقي من الهوى حكمتُ لمن يهوى على كل فلو أنني قاضي المحبين في الهوى ويا عاذلي دعني فإنّي لا أقوى فيا مُهجتي ذوبي أَسىّ وصبابةً ٥٩ - (تاج الدين بن العجمي)) (٢) يوسف بن إسماعيل بن عبد الكريم بن عثمان، الشيخ الجليل المُسند تاج الدين أبو المحاسن بن العجمي الحلبي. سمع من الضياء صقر الحلبي وغيره. وتوفي رحمه الله بكرة الخميس ثامن عشرين شوال سنة تسع وعشرين وسبع مائة. أجاز لي بحلب سنة ثمان وعشرين وسبع مائة؛ وكتب عنه الشيخ تقي الدين محمد بن رافع السلامي. ٦٠ - ((أبو يعقوب الهمداني الصالح))(٣) يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وَهَرَة، أبو يعقوب الهمداني، الفقيه العالم الزاهد الربّاني صاحبُ المقامات والكرامات. قدم بغداد في صباه بعد الستين وأربع مائة ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وتفقه عليه، وبرع في الأصول والمذهب والخلاف. وسمع من القاضي أبي الحسين محمد بن علي بن المهتدي بالله، وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون، وأبي جعفر محمد بن أحمد بن المُسْلِمة، وأبي محمد عبد الله بن الصَّرِيفيني، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن النَّقور وغيرهم. وسمع بإصبهان وسمرقند وكتب أكثر ما سمعه، ثم إنّه زهد في ذلك ورفضه . واشتغل بالزهد والعبادة والرياضة والمجاهدة إلى أن صار علماً من الأعلام الذين يَهْتدي بهم (١) انظر ترجمته في ((الطالع السعيد)) (٧١٩). (٢) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٢٢٦/٥)، و((مرآة الجنان)) (٢٦٥/٣). (٣) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (٦٦/٢٠)، ((الأنساب)) (٣٣٠/٢)، (البوزنجردي)، ((المنتظم)) (١٧١/٩ و٩٤/١٠، ٩٥، ٩٥)، ((اللباب)» (١٨٦/١)، ((الكامل)) (٨٠/١١)، (مرآة الزمان)) (١٠٩/٨)، ((وفيات الأعيان)» (٧٨/٧ - ٨١) ((العبر)) (٩٧/٤)، ((دول الإسلام)) (٥٥/٥٢) ((مرآة الجنان)) (٢٦٤/٣ - ٢٦٥)، (طبقات الإسنوي)) (٥٣١/٢)، ((البداية والنهاية)) (٢١٨/١٢)، ((ملخص تاريخ الإسلام)) (ق: ٢١)، ((النجوم الزاهرة» (٢٦٨/٥)، (طبقات الشعراني)) (١٥٩/١) ((شذرات الذهب)) (١١٠/٤)، ((هدية العارفين)) (٢/ ٥٥٢)، ((جامع كرامات الأولياء)» (٢٨٩/٢ - ٢٩١). ٤٨ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الخلقُ. وعقد مجلس الوعظ بالنظامية وصادف بها قبولاً عظيماً. قال ابن السمعاني: سمعت أبا الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح ببغداد يقول: حضرت مجلس شيخنا يوسف الهمداني في النظامية وكان قد اجتمع العالم، فقام فقيه يُعْرف بابن السَّقاء وآذاه وسأله عن مسألة، فقال له الإمام يوسف: اجلس فإنّي أجد من كلامك رائحة الكفر ولعلك تموت على غير دين الإسلام؛ قال أبو الفضل: فاتفق أن بعد هذا القول بمدّة قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى الخليفة فمضى إليه ابن السّقاء وسأله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أتركّ دين الإسلام وأَدخل في دينك، فقبله النصراني وخرج معه إلى القسطنطينيّة والتحق بملك الروم ومات على النصرانية. قال ابن النجار. سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرىء يقول: كان ابن السّقاء قارئاً للقرآن مجوِّداً في تِلاوته؛ حدّثني بعض من رآه بالقسطنطينية مُلقىّ على دكّة مريضاً وبيده خلق مروحة يدفع بها الذّباب عن وجهه، قال فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟ فقال: ما أذكر إلا آية واحدة ﴿ربّما يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢/١٥] والباقي أُنسيته، نعود بالله من سوء قضائه وزوال نعمة الإسلام. ولما مات الشيخ، رحمه الله، سنة خمس وثلاثين وخمس مائة دفن بمرو، وكان قد مات ببعض قرى هراة؛ ومولده تقريباً سنة إحدى وأربعين وأربع مائة. ٦١ - ((الناصر صلاح الدين الكبير))(١) يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، السلطان العادل المؤيّد المجاهد المرابط المثاغِر، السلطان الملك الناصر أبو المظفر ابن الملك الأفضل نجم الدين الدُّويني ــ دُوِيْن بطرف بلاد آذربيجان. اختُلِفَ في نسبه، فقوم يقولون أموي الأصل، وقال الصاحب كمال الدين بن العديم في كتاب ((الإِشْعار بما للملوك من النَّوادر والأشْعار))(٢): ينتسِبُ من العرب إلى مالك بن طوق صاحب الرَّحْبة؛ وقال قوم: هو من الأكراد، وهو الصحيح. لم يأتِ في ملوك الإسلام بعد نور الدين الشهيد مثلُه، فتح القدس الشريف وطهّر السواحل من الإفرنج. وكان شافعيَّ المذهب، أشعريّ العقيدة يلقِّن عقيدة الأشعري لأولاده ويلزمهم بالدرس عليها. وسمع الحديث وأَسْمَعَه أولا ده. سمع من السِّلَفي الحافظ، والإمام أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم ابن بنت أبي (١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٨/٢١)، سيرته مشهورة طبقت الآفاق لما له من الأيادي البيض على الإسلام وأهله ومنها فتح البيت المقدس وتخليصه من براثن الصليبيين، فرضي الله تعالى عنه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وقلما يخلو كتاب تاريخ من أخباره ممن تناولوا عصره. (٢) ذكره في ((كشف الظنون)) (١٠٤/١). ٤٩ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب سعد، وأبي طاهر عون، وعبد الله بن بَرِّي، والقطب مسعود النيسابوري، وجماعة؛ وروى الحدیث، وملك البلاد فتوحاً . ولد بتكريت، وأبوه واليها سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة؛ وأقام في الملك أربعاً وعشرين سنة؛ وتوفي بقلعة دمشق بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة، وحضر القاضي الفاضل وفاته، وغسله الدَّوْلعي وأُخْرجَ في تابوته وصلّى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي، وأُعيدَ إلى الدّار التي في البستان التي كان فيها مريضاً، ودفن في الصُّفَّةِ الغربية منها؛ وصلّى عليه الناسُ أرسالاً، وتأسّف الناسُ عليه، حتى الفرنج، لما كان من صِدْقه ووفائه إذا عاهدهم. وبنى ولدُه الأفضل على شمالي الجامع الأموي قبّةً وهي التي شُبّاكُها قبلي الكلاسية، ونقله إليها يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، ومشى بين يدي التابوت، وأراد العلماء حمله على رقابهم فقال الأفضل: ((يكفيه دعاؤكم الصالح))، وحمله مماليكُه، وأُخْرِجَ إلى باب البريد وصُلِّيَ عليه قدّام النسر، وصلّى عليه محيي الدين ابن الزكي، ولحده ولده الأفضل وخرج وسدّ الباب وجلس للعزاء ثلاثة أيام. وفتح القدس والبلاد الساحلية والشاميّة والفراتيّة والحصون الفرنجية، ولم يخلف إلاّ سبعة وأربعين درهماً وديناراً واحداً صورياً؛ ولم يخلف ملكاً ولا عقاراً، وخلف سبعة عشر ولداً ذكراً وابنة صغيرة: الملك الأفضل علي صاحب دمشق، والملك العزيز عثمان صاحب مصر، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك المعزّ فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد نجم الدين مسعود، والملك الأعز شرف الدين يعقوب، والملك الظافر مظفر الدين خضر، والملك الزاهر مجير الدين داود، والملك المفضل قطب الدين موسى، والملك الأشرف عزيز الدين محمد، والملك المحسن ظهير الدين أحمد، والملك المعظم فخر الدين توران شاه، والجواد زكي الدين أيوب، والغالب نصير الدين ملكشاه، وعماد الدين شادي، ونصرة الدين مروان، والمنصور أبا بكر، ومؤنسة زوج الملك الكامل. وهؤلاء كلُّهم عاشوا بعده، وكان أكثرهم بحلب عند الظاهر، وآخرُهم موتاً توران شاه توفي بعد أخذ حلب، في قلعتها. وقد تقدّم في ذكر نجم الدين أيوب بن شاذي ذكر أصلهم وسبب اتّصالهم بنور الدين الشهيد، وتقدّم أيضاً في ترجمة أسد الدين شيركُوه بن شاذي سبب دخول شيركوه إلى مصر بحدّه في أيام العاضد، وفي ترجمة أيوب المذكور سبب وزارة صلاح الدين يوسف المذكور للعاضد خليفة مصر، وفي ترجمة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي طرف من ذلك، فليكشف جميع ذلك من أماكنه المذكورة. ٥٠ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وأرسل العاضد خلع الوزارة إلى صلاح الدين، وكانت العادة في مثل ذلك، ما يُذكر: وهو عمامة بيضاء تنّيسي بِظُرُز ذهبٍ، وثوب دبيقي بطرازي ذهب، وجُبَّة تحتها سقلاطون بطرازي ذهب وطيلسان دبيقي بطراز ذهب رقيق، وعقد جوهر قيمته عشرة آلاف دينار، وسيف محلّى مُجوهر قيمته خمسة آلاف دينار، وفرس حجر صفراء من مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار، ولم يكن بالديار المصرية أسبق منها، وطوق وتخت وسرفسار ذهب مجوهر وفي رقبة الحجر مشدة بيضاء وفي رأسها مائتا حبة جوهر، وفي أربع قوائم الفرس أربع عقود جوهر، وقصبة ذهب وفي رأسها طلعة مجوهرة وفي رأسها مشدة بيضاء بأعلام ذهب، ومع الخلعة عدّة بُقَج وعدّة من الخيل وأشياء أُخَر، ومنشور الوزارة ملفوف في ثوب أطلس أبيض. وكانت وزارة صلاح الدين يوم الإثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمس مائة. وجلس في دار الوزارة وحضر الأمراء والكبراء ووجوه البلد وأرباب دولة العاضد؛ وعمَّ الناسَ جميعَهم، المصريين والشاميين، بالهبات والصِّلات. ولما وزر صلاح الدين للعاضد شكر نعمةَ الله تعالى عليه وتاب عن الخمر وأقلع عن اللهو وأقبل على الجد والاجتهاد. وجرى له مع العاضد ما جرى من خلعه وإقامة الدعوة بمصر للعبّاسيين. ولم يزل يشنّ الغارات على الفرنج بالكرك والشوبك وبلادهما، وجعل الناس يهرعون إليه من كل جانب وهو يُفيض عليهم سحائبَ الإنعام إلى أن اشتهر ذكرُهُ وبَعُدَ صيتُه. ولمّا استقرّ أمرُه بمصر أخذ نور الدين الشهيد حمص من نوّاب أسد الدين، وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الإسْفِهْسَلار ويكتب علامته في الكتب تعظيماً أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب بل يكتب الأمير الإسْفِهْسلار صلاح الدين، وكافّة الأمراءُ بالديار المصرية يفعلون كذا؛ هذا قبل موت العاضد. والتمس صلاح الدين من نور الدين أن يبعثَ إليه إخوته فلم يرسلهم وقال: أخاف أن يخالف أحدٌ منهم عليك فتفسد البلاد؛ ثم إنّه جهّزهم إليه، فلمّا تجمّع الفرنج وطلبوا المسير إلى مصر فتوجّه إليه والده نجم الدين ومعه بقية إخوته، وفي ذلك يقول عمارة اليمني من قصيدة: [من الكامل] والدّهرُ ولادٌ لكلِّ عجيبٍ عجباً لمعجزةٍ أتت في عصره نسقاً على ضَرْبٍ من التَّقْرِيبِ ردّ الإِلهُ به قضيّة يوسفَ مصر على التّدريج والترتيبٍ جاءته إخوتُه ووالدُه إلى وكان وصولهم إليه سنة خمس وستين وخمس مائة، ولما أن توجه صلاح الدين مع ٥١ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر في المرة الثالثة، قال العِرْقِلة: [من السريع] مصرَ إلى حربِ الأَعاريبِ أقولُ والأتراكُ قد أزمعتْ الصدّيقَ من أولاد يعقوب رَبِّ كما مَلّكتها يوسفَ الصّادقَ من أولاد أيّوبٍ ملِّكها في عصرِنا يوسفَ فكان ذلك فأُلاً جرى على لسانه. ولما خلع العاضد وجرى له، أرسل صلاح الدين إلى نور الدين يعرّفه ذلك، فسيَّر نور الدين إلى أمير المؤمنين المستضيء يعرفه بذلك فحلَّ عنده مَحَلَّاً عظيماً، وسَيّر إلى نور الدين الخِلَعَ الكاملة له ولصلاح الدين أيضاً، إلاّ أنّها أقلّ من خلع نور الدين، وسُيِّرت الأعلامُ السّود لتنصب على المنابر. ثم إنّ الوحشة حصلت بين نور الدين وصلاح الدين لأنّه طلب منه المسير إليه إلى الكرك بالعساكر المصرية لحصار الفرنج، فاعتذر باختلال البلاد وأنّه متى سار بالعساكر خاف لبعده عنها، فلم يقبل نور الدين عذره وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ الخبر صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم الدين وخاله شهاب الدين الحارٍمي ومعهما سائر الأمراء، وأعلمهم بما عزم عليه نور الدين واستشارهم فلم يجبه أحدٌ منهم، وقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه وصدَدْناه عن البلاد، ووافقه غيرُه من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي ومكر وعقل، وقال لتقي الدين: أقعد وسَبَّهُ، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، أتظنّ أن في هؤلاء من يحبك ويريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا، فقال: والله لو رأيت أنا وخالك هذا نور الدين لم يمكنا إلاّ أن نترجَّلَ له ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فكيف يكون غيرنا؟ وكلّ من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه ولا وسعه إلّ النزول وتقبيل الأرض بين يديه، وهذه البلاد له وقد أقامك فيها وإذا أراد عزلك فأيّ حاجة له في المجيء، يأمر بكتاب مع نجّاب حتّى تَقصدَ خدمته ويولي بلاده من يريد؛ وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا فنحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل ما يشاء بنا. فتفرقوا على هذا وكتب بعضهم بالخبر إلى نور الدين. ولمّا خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل تجمع هذا الجمع الكبير وتطلعهم على سرّك؟ وإذا سمع نور الدين أنّك تمنعه بلاده جعلك أهمّ أموره وأولاها بالقصد؛ ولو قصدك لم تر معك أحداً من هذه العساكر وكانوا أسلموك إليه؛ وأما الآن فسيكتبون إليه بهذا الذي جرى، وتكتب أنت إليه وتقول له أي حاجة إلى قصدي يجيء نجّاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي. فهو إذا ٥٢ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات بلغه هذا رجع عن قصدك واشتغل بما هو الأهم عنده، والأيام تتدرج والله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩/٥٥]. فكان الأمر كما قال نجم الدين ولم يقصده نور الدين بعد ذلك. وتوفي نور الدين، رحمه الله، بعدما سيّر إليه موفق الدين خالد بن القيسراني يطالبه بالمال والحساب على ما تقدم في ترجمته. وكان قد بلغ السلطان صلاح الدين أنّ في اليمن إنساناً اسمُه عبد النبي قد استولى عليها وملك حصونها؛ فجهّز إليه أخاه توارن شاه فقتله وأخذ البلاد منه. ثم إنّ صلاح الدين علم أن الصالح إسماعيل بن نور الدين الشَّهيد لا يستقلّ بالأمر بعد والده، فقصد دمشق في جيش كثيف مُظهراً أنه يتولّى أمر الصالح فدخل دمشق بالتّسليم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمس مائة وتسلّم قلعتها وكان أوّل دخوله دار أبيه وهي الدار المعروفة بدار العقيقي وفرح الناس به واجتمعوا إليه وأنفق في ذلك أموالاً عظيمة، وسار إلى حلب ونازل حمص وأخذ المدينة في جمادى الأولى من السنة وهي الوقعة الأولى. وأنفذ سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل عسكراً وافراً وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعود، وساروا يريدون لقاء صلاح الدين ليردّوه عن البلاد، فلمّا بلغه ذلك رحل عن حلب وعاد إلى حماه ورجع إلى مصر وأخذ قلعتها؛ ووصل مسعود المذكور إلى حلب وأخذ عسكر ابن عمّه الصّالح ابن نور الدين وخرجوا في جمع عظيم، فلمّا علم بذلك صلاح الدين سار إليهم ووافاهم على قرون حماه، ثم إنّهم اجتهدوا أنْ يصالحوه فما اتّفق بينهم صلح وتلاقوا فانكسروا بين يديه وأسر منهم جماعة ومَنَّ عليهم، وذلك في تاسع عشر رمضان المعظم من السنة؛ وسار عقيب ذلك ونزل على حلب فصالحوه على أخذ المعرّة وكفر طاب وبارين، ثم إنّه تصافّ هو وسيف الدين غازي على تلِّ السلطان، وانكسرت ميسرةُ صلاح الدين ثمّ انتصر عليهم وفرّوا بين يديه فلم يتبعهم ونزل في خيامهم وفرّق اسطبلاتهم ووهب خزائنهم، وسار إلى منبج وتسلمها، وتوجه إلى عزاز وحاصرها في رابع ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، وعليها وثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله منهم وظفر بهم، وملك عزاز في رابع عشر ذي الحجة. ثم سار ونزل حلب في سادس عشر الشهر وأقام عليها مدّة ثم رحل عنها. وكان قد أخرجوا له ابنةً صغيرة لنور الدين سألته عزاز فوهبها لها . ثم إنّ صلاح الدين عاد إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة وكان أخوه توران شاه قد وصل من اليمن فاستخلفه بدمشق. وتأهب للغَزاة، وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرَّملة وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، وكانت الكسرة على المسلمين فطلبوا مصر وضلوا في الطريق وتفرَّق شملُهم، وأسر الفرنج الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهناً عظيماً في المسلمين جبره الله تعالى يوم ٥٣ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب حظّين. ثم إنّ صلاح الدين أقام بمصر يلمّ شعثه وبلغه تخبط الشام فاهتم بالغزاة فوصل رسول قِلْج أرسلان صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضوّر من الأرمن؛ فعزم على قصد بلاد ابن لاوون وهي بلاد سيس، فدخلها وأخذ في طريقه حصناً فسألوه الصلح فصالحهم ورجع عنهم؛ فدخل عليه قِلْج أرْسَلان في صلح الشرقيّين بأسرهم فأجابه. وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمس مائة ودخل في الصلح قلج أرسلان والمواصلة. ورجع بعد ذلك إلى دمشق وتوجه منها إلى مصر. وتوفي الصالح ابن نور الدين الشهيد واستخلف أمراء حلب وجندها لابن عمّه عز الدين مسعود صاحب الموصل فأتى إليها خوفاً من سبق صلاح الدين إلى حلب واستولى على الحواصل وتزوج أم الصالح؛ ثم إنّه قايض أخاه عماد الدين زنكي من حلب إلى سنجار؛ وخرج من حلب ودخلها عماد الدين زنكي المذكور فجاءه صلاح الدين وحاصره في سادس عشرين المحرم سنة تسع وسبعين وخمس مائة، فصالحوه على سنجار والخابور ونصيبين وسروج وما في قلعة حلب من الحواصل والأموال ويأخذ صلاح الدين حلب، فوافقهم على ذلك وأعطى الرّقة لحسام الدين طُمان لكونه دخل في الصُّلح؛ وكان صلاح الدين قد أخذ سنجار في ثاني شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمس مائة وأعطاها لابن أخيه تقي الدين عمر. ثم إنّ صلاح الدين صعد إلى قلعة حلب يوم الإثنين سابع عشرين صفر سنة تسع وسبعين وخمس مائة ورتّب أمورها ورحل عنها في ثاني عشرين شهر ربيع الآخر، وجعل فيها ولده الظاهر غازي وولي القلعة سيف الدين يازكوج الأسدي، وجعله یرتّب مصالح ولده الظاهر غازي. وعاد إلى دمشق، وخرج منها لقصد الكرك في ثالث شهر رجب من السنة، وسَيَّرَ إلى أخيه العادل أبي بكر ليحضر إليه، وكان بمصر، فسار إليه بجيش عظيم. وحشد الفرنج واجتمعوا وجاؤوا إلى الكرك، وخاف صلاح الدين على مصر فسيّر إليها ابن أخيه تقي الدين عمر ورحل عن الكرك في سادس عشر شعبان من السنة واستصحب العادل معه إلى الشام ودخل دمشق في رابع عشرين شعبان من السنة وأعطاه حلب ودخلها يوم الجمعة ثاني عشرين شهر رمضان. وخرج الظاهر ويازكوج ودخلا دمشق. وقيل إنّ العادل أعطاه على دخول حلب ثلاث مائة ألف دينار يستعين بها على الجهاد. ثم إنّه أعاد العادل إلى مصر والظاهر إلى حلب؛ ثم إنّه أعطى العادل حرّان والرّها وميافارقين. ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وسط النهار يوم الجمعة؛ وكان كثيراً ما يقصد لقاء العدو يوم الجمعة عند الصلاة تبركاً بدعاء المسلمين والخطيب على المنبر. وكان العدوُّ قد اجتمع بمرج صَفُّورية، فسار صلاح الدين ونزل على بحيرة طبرية على سطح الجبل لينظر قصد الفرنج فلم يتحركوا فنازل طبرية وأخذها في ساعة واحدة، ٥٤ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ونهب الناس مالها وسبوا وقتلوا وحرّقوا، وبقية القلعة محتمية؛ وبلغ العدو ذلك فرحلوا نحوها فترك صلاح الدين على طبرية من يحاصرها والتقى العدو على سطح جبل طبرية الغربي وباتا على مصافّ إلى بكرة الجمعة وتصادموا والتحم القتال بأرض قرية لوبيا، وضاق الخناق بالعدو وحال اللَّيلُ بينهم فحملت أطناب المسلمين من سائر الجوانب وصاحوا صيحةً رجلٍ واحدٍ فألقى الله الرُّعبَ في قلوب الفرنج، فهرب القومص وقصد جهة صور وتبعه المسلمون فنجا منهم، وهرب بعض الفرنج فتبعهم طائفة من المسلمين واعتصمت طائفة منهم بتلِ حطّين، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران فاشتدّ بهم العطشُ، فأُسر مقدموهم وقُتِل الباقون؛ وكان ممّن سلم [وأُسِرَ] من مقدمي الفرنج الملك جفري وأخوه والبرنس ارناط صاحب الكرك والشوبك. وابن الهنفري، وابن صاحب طبرية، ومقدم الديوية، وصاحب جُبَيْل، ومقدم الاسبتار. قال القاضي ابن شداد: ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصاً واحداً معه نيف وثلاثون أسيراً قد ربطهم بطُنْبِ خيمة لما وقع عليهم من الخذلان. وأمّا مُقَدّمُ الاسبتار والديوية فإن السلطان قتلهما وقتل من بقي من صنفهما حياً، وأما ارناط البرنس فإن السلطان كان قد نذر دمه لأنه كان قد عبر به قوم من مصر في حالة الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي مصر. فجلس في دهليز الخيمة وعرضت الأسرى عليه وصار الناسُ يتقرّبون إليه بمن في أيديهم من الفرنج وهو يفرح بما فتح الله عليه. واستحضر الملك الجفري وأخاه البرنس ارناط، وناول السلطان الملك جفري شربةً من جُلاب وثلج فشرب منها وكان على أشدِّ حالٍ من العطش، ثم ناولها للبرنس؛ وقال السلطان للترجمان: أنت الذي سقيته وإلاّ أنا فما سقيته؛ وكان من جميل عادات العرب وجميل أخلاقهم أنّ الأسير إذا أكل وشرب من مال من أسره أمِن، ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عَيَّنَهُ فمضوا بهم إليه وأكلوا شيئاً وعادوا بهم فاستحضرهم وأوقف البرنس بين يديه وقال: ها أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل فسَلٌ النيمجاه وضربه بها، فَحَلَّ كتفه وتمّم قتله من حضر؛ فلما رأی جفري ذلك قال: لم تجرِ عادةُ الملوك بقتل الملوك، فقال السلطان: هذا تجرأ على الأنبياء وجاوز الحدّ. ثم نزل على طبرية وسلّم قلعتها ورحل طالباً عكا ونزل عليها وقاتلها وأخذها بُكْرَةَ الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، واستنقذ من كان بها من الأسرى وأخذ ما كان فيها من الأموال. وتفرقت العساكر إلى بلاد الساحل فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة. وسار يطلب تبنين فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى فنصب عليها المناجيق وضايقها بالزَّحف، وكان فيها أبطال معدودون فقاتلوا قتالاً شديداً ٥٥ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب ونصر الله السلطانَ عليهم، وتسلّمها يوم الأحد ثامن عشرة عنوة وأسر من فيها بعد القتل ورحل عنها إلى صيدا وتسلمها في غد يوم نزوله وهو يوم الأربعاء عشرون يوماً من جمادى الأولى. وسار إلى بيروت ونازلها يوم الخميس تاسع عشرين جمادى الأولى وزحف عليها وتسلّمها وتسلّم أصحابُه جبيل؛ ولمّا فرغ من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها، فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة وسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم، وقاتل عسقلان قتالاً عظيماً، ونصب عليها المناجيق وتسلّمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، وأقام عليها إلى أن تسلّم أصحابُه غزّةً وبيت جبريل والنطرون بغير قتال. ثم إنّه طلب القدس الشريف ونزل عليه يوم الأحد خامس عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة ونزل بالجانب الغربي، وقيل إنّ الذي كان في القدس من المقاتلة يزيدون على ستين ألفاً خارجاً عن النساء والصبيان، ثم انتقل إلى الجانب الشمالي ونصب المناجيق وضايق البلد، وأخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم، فأخذ أهل القدس في الأمان وتسلّمه يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة ليلة المعراج وكان فتحاً عظيماً شهده جماعةٌ من أهل العلم، ومن أرباب الخرق والزهد وعالمٌ كثير؛ وصلّى الجمعة فيه يوم فتحه وكان الصلح وقع على أنّ أهلَ القدس يَزِنون عن كلِّ رجلٍ عشرين ديناراً وعن كلِّ امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كلِّ صغير ذكر أو أنثى ديناراً واحداً، فمن أحضر قطيعته نجى بنفسه وإلاّ أُخذ أسيراً؛ وأُفرِجَ عن من كان بالقدس من الأسارى وكانوا خلقاً عظيماً. وأقام يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والفقراء والفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه، وكان ذلك يقارب مائتي ألف وعشرين ألف دينار، ولم يرحل عن القدس ومعه من المال شيء ورحل عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان وأتى عكا ونظر في أمورها وتوجّه إلى صور ونزل قريباً منها وسَيَّر لإحضار آلات الحصار فلما تكاملت عنده نزل عليها في ثاني عشر شهر رمضان وقاتلها وضايقها عظيماً، واستدعى أسطول مصر وقاتلها في البر والبحر وخرج أسطول صور على أسطول مصر في الليل وأخذوا المقدّم والرايس وخمس قطع للمسلمين وقتلوا خلقاً كثيراً في سابع عشرين الشهر، فضاق صدر السلطان وكانت الأمطار قد توالت فرحل عن صور طلباً لراحة العساكر وحمل من آلات الحصار ما أمكنت وحرقوا ما عجزوا عن حمله للوحل، وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة، وتفرقتِ العساكرُ وأقام هو وجماعةٌ من خواصه بعكا إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمس مائة. وكان لمّا نزل على صور قد سيّر من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة. ثم إنَّ السلطان نزل على كوكب في أوائل المحرم سنة أربع وثمانين ولم يكن معه من العسكر إلاّ ٥٦ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات القليل وكان حصناً حصيناً وفيه الأقوات والرجال وعلم أنه لا يؤخذ إلاّ بعد شدائد فعاد إلى دمشق ودخلها في سادس عشر شهر جمادى الأولى، فأقام في دمشق خمسة أيام فبلغه أن الفرنج قصدوا جُبَيْلاً فخرج مسرعاً، فلما علموا بحركته رجعوا، فصار نحو حصن الأكراد، وكان قد وصل إليه عماد الدين صاحب سنجار ومظفر الدين ابن زين الدين وعسكر الموصل، فوصل إلى أنطرسوس سادس جمادى الأولى، فلما رآها نزل عليها، وما لحق العسكر يضرب الخيم حتى تعلق المسلمون في الأسوار وأخذوها بالسيف وغنموا شيئاً كثيراً وأحرقوها، وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى، ثم سار يريد جبلة فوصل إليها، وما تم نزوله إلا أن ملكها وكان فيه مسلمون مقيمون وقاضٍ يحكم فيهم، وسلمت القلعة بالأمان بعد قتال شديد في تاسع عشر جمادى الأولى وأقام عليها إلى الثالث والعشرين من الشهر، وسار إلى اللاذقية ونزل عليها الرابع والعشرين من جمادى الأولى، واشتدَّ القتال إلى آخر النهار فأخذ البلد دون القلعتين، وغنم الناس شيئاً كثيراً وجدّوا في النّقوب إلى أن كان النقب طوله ستين ذراعاً وعرضه أربعة أذرع، فطلبَ الفرنجُ الأمانَ والصلح على سلامة نفوسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم ما خلا الغلال والذخائر والسلاح وآلات الحرب، فأجابهم وأقام عليها إلى سابع عشرين جمادى الأولى؛ ورحل إلى صهيون ونزل عليها تاسع عشرين الشهر فأخذها يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة وقاتل القلعة قتالاً عظيماً، فطلب الفرنجُ الأمانَ بشرط أن يُؤخذَ من الرجل عشرة دنانير والمرأة خمسة دنانير ومن كلِّ صغير ديناران، الذكر والأنثى سواء، ثم إنّه أقام بهذه الجهة إلى أن أخذ عدَّة قلاع منها بلاطنس وغيرها. ثم رحل وأتى بكّاس فنزل عليها سادس جمادى الآخرة، وقاتلوا قتالاً عظيماً، ثم يسَّر الله فتحها وقُتِلَ أكثرُ من بها وأُسرَ الباقون وغنم الناس كثيراً، ثم إنّ قلعةَ الشُّغْر طلب أهلُها الأمان في ثالث عشر الشهر المذكور وسألوا المهلة ثلاثة أيام، وطلع العلم السلطاني إليها يوم الجمعة سادس عشر الشهر. ثم إنّ السلطانَ سار إلى برزية فنزل عليها يوم السبت رابع عشرين الشهر ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر؛ ثم صار منها إلى دَرْبَساك ونزل عليها يوم الجمعة ثامن من رجب وتسلّمها يوم الجمعة ثاني عشرين الشهر المذكور وأعطاها للأمير علم الدين سليمان بن جندر؛ وسار عنها ونزل على بغراس وتسلمها بعد القتال في ثاني شعبان. وراسله أهلُ أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدَّةٍ ضجر العسكر، وكان شرط الصُّلح على أن يُطلق كلَّ أسيرٍ عندهم والصلح إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ينصرهم وإلاّ سلّموا البلد. ورحل السلطان فسأله ولده الظاهر غازي أن يجتاز به فأجابه ودخل حلب في حادي عشر شعبان وأقام بالقلعة ثلاثة أيام: وسار من حلب فاعترضه تقي الدين ابن أخيه وأصعده إلى قلعة حماه وعمل له طعاماً وسماعاً صوفياً، وبات فيها ليلة ٥٧ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية، وسار على بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيّام يسيرة. ثم خرج منها يريد منها صفد فنزل عليها ولم يزل القتالُ يعمل إلى أن تسلّمها بالأمان في سابع عشر شوال. وفي رابع شهر رمضان المذكور سلمت الكرك وسلّمها نوّابُ صاحبها وخلصوه بذلك من الأسر في نوبة حطين، كذا ذكره بعضهم. وقد تقدّم أن السلطان قتل البرنس صاحب الكرك بيده. ثم إنّه سار إلى كوكب وقاتلها قتالاً شديداً والأمطار كثيرة والرياح عواصف، فطلب أهلُها الأمان وتسلّمها نصف القعدة؛ ونزل إلى الغور وأقام بالمخيم بقيَّة الشهر وأعطى الناس دستوراً وسار مع أخيه العادل لزيارة القدس وصلّى به العيد. وتوجَّه في حادي عشر الحجة إلى عسقلان وأخذها من العادل وعوّضه عنها بالكرك؛ ثم مَرَّ على الساحل يتفقد أحواله ودخل عكا فأقام بها معظم المحرم سنة خمس وثمانين وخمس مائة ورتّب بها الأمير بهاء الدين قراقوش والياً وأمره بعمارة سورها، وعاد إلى دمشق فدخلها في مستهل صفر سنة خمس وثمانين وخمس مائة وأقام بها إلى شهر ربيع الأول، ثم خرج إلى شقيف أرنون ونزل إليه صاحب الشقيف بنفسه ولم يشعر به إلاّ وهو قائم على باب خيمته، فأذن له وأكرمه واحترمه وأكل معه الطعام وذكر له أنّه يعطيه المكان ويسلمه ويعطيه مكاناً يسكنه بدمشق لأنّه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الفرنج وأن يعطيه إقطاعاً يقوم به وبأهله فأجابه إلى ذلك. وفي أثناء شهر ربيع الأول جاء الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مُدَّةَ سنةٍ إلى أن نفد زاد من كان فيه وسلّموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان أن جميع ما قاله صاحبُ الشّقيف كان خديعةً فرسم عليه؛ ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها يوم الإثنين ثالث عشر شهر رجب سنة خمس وثمانين؛ وفي ذلك اليوم سيّر صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة ليقوي قلوب من بها، واستدعى العساكر فجاءته من كلِّ ناحية، وكان العدو مقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، ثم تكاثر الفرنجُ واستفحل أمرُهم وأحاطوا بعكًا ومنعوا الداخل والخارج، فضاق لذلك صدرُ السلطان واجتهد في حفظ الطريق ففتحه، وجرى بين الفريقين مناوشات في عدّة أيام، وتأخّر الناسُ إلى تلِّ العياضيّة، وبها توفي الأمير حسام الدين طمان وكان من الشجعان؛ وقيل للسلطان إنّ الوخم قد عظم بمرج عكا وإنّ الموتَ قد فشا بالطائفتين فأنشد السلطان: [من مجزوء الخفيف] واقتُلا مالكاً معي اقتلاني ومـالــكـاً ثم إن الفرنج جاءتهم الأمداد من داخل البحر واستظهروا على المسلمين بعكًا، وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري، وضايقوهم أشدّ مضايقة إلى أن ٥٨ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات غلبوا عن حفظ البلد فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمس مائة خرج رجل عوّام ومعه كتب من المسلمين يذكرون أنّهم قد أيقنوا بالهلاك ومتى أخذ البلد عنوة ضُرِبَتْ رقابهم، وأنّهم صالحوا الفرنج على أنْ يُسلِّموا البلد وجميعَ ما فيه من الآلات والعدد والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمس مائة أسير مجاهيل ومائة أسير مُعَيَّنين من جهتهم وصليب الصَّلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم سالمين، ويضمنوا للمركيس لأنّه كان الواسطة أربعة آلاف دينار. فلمّا وقف السلطان على ذلك عَظُمَ ذلك عليه وأَنكره وشاور أهل الرأي وتقسّم فكره، فهو في ذلك وإذا أعلام الفرنج قد ارتفعت وصلبانُه وذلك ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، وصاح الفرنج صيحةً واحدةً وعظمت المصيبة على المسلمين ووقع البكاء والعويل؛ ثم إنّ الفرنج، خرجوا من عكّا وقصدوا عسقلان والسلطان قبالتهم في عسكره ووصلوا إلى أرسوف، فكان بينهم قتال عظيم، ونال المسلمين منهم وهن عظيم. فأتى السلطان الرملة. وشاور السلطانُ أهلَ مشورته في أمر عسقلان وهل يخرّبها، فاتفقوا على أنْ يكونَ الملكُ العادل قبالةَ العدو يتوجّه هو بنفسه ويخربها، وأنّ حِفْظَ القُدْس أولى. فسار إلى عسقلان ثامن عشر شعبان. قال القاضي ابن شدّاد: وقد تحدّث معي في خراب عسقلان بعد أن تحدّث مع ولده الأفضل وقال: لئن أفقد ولدي جميعهم أحبُّ إليّ من أن أهدم منها حجراً ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان فيه مصلحة المسلمين فما الحيلةُ في ذلك. فوقع الخراب في عسقلان في تاسع عشر شهر شعبان، وقسم الخراب على الناس وحزن الناس على خراب عسقلان حزناً عظيماً، وعظم عويلُ أهلِه لتشتّتهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدرون على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة آلاف بألف، وابتيع اثنا عشر طير دجاج. بدرهم؛ وخرج النّاسُ بأهلهم إلى المخيم. ووصل من جهة العادل من أخبر أنّ الفرنج تحدّثوا معه في الصّلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطانُ ذلك مصلحةً، لما عَلِمَ من نَفَسَ النَّاس وضجرهم من القتال وكثرة ما عليهم من الدّيون؛ وأذن للعادل في ذلك وفوض الأمر إلى رأيه، وأصبح يوم الجمعة عشرين رمضان وهو مصِرٌّ على الخراب وأباح النّاسَ ما في الهري وأحرق البلد. وأتى الرملة وخرّبها وخرّب قلعتها. وتأخّر بالناس إلى جهة بلد الخليل، عليه السلام، وخرب قلعة النطرون. وطلب الانكتار من العادل، بعد اجتماعهما على مودة، الاجتماعَ بالسلطان، فقال السلطانُ: إذا وقع الصّلحُ اجتمعنا. ثمّ إنّ الصلحَ تمَّ وكان يوم الأربعاء ثاني عشرين شعبان سنة ثمان وثمانين وخمس مائة؛ ونادى المنادي أنّ البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة من شاء من كلِّ طائفة يتردّد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور؛ وكان يوماً مشهوداً حصل فيه ٥٩ يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب السرور العظيم للفريقين، وقد علم الله أنّ ذلك بغير رضى السلطان وكانت المصلحة في ذلك لأنّه توفي عُقَيْب ذلك. ثم إنّه أعطى النجدات دستوراً إلى بلادهم. وعزم السلطان على الحج وأقام بالقدس يتأهب للمسير إلى مصر؛ وأقام لعمارة البيمارستان والمدرسة، ثم تفقّد البلاد والقِلاع البحرية ودخل دمشق بُكْرَةَ الأربعاء سادس عشر شوال، وفيها أولاده الأفضل والظاهر والظافر المشمّر، وأولاده الصغار. وجلس يوم الخميس سابع عشرين شوال بكرة النهار وأنشده الشعراء وَبَلَّ الناسُ شوقَهم منه ولم يتخلف أحدٌ من الخاص ولا العام عنه، وكشف مظالم الرّعايا وأنعم على الناس. ولمّا كان يوم الإثنين مستهلٌّ ذي القعدة عمل الأفضلُ للظاهر دعوةً وحضرها السلطان واحتفل الأفضل بها وكان يوماً مشهوداً. وعاد العادل بعدما تصفّح أحوال الكرك بقصد البلاد الفُراتية، وخرج السلطان إلى لقائه ودخلا حادي عشر الحجة إلى دمشق. وانشرح السلطان بدمشق وتفرّج بها وتَصَيَّد وروَّح بدنه وقلبه من الجهاد والسَّهر والتَّعب ونسي عزمه إلى مصر. ثمّ إنّه ركب يتلقى الحاج خامس عشر صفر سنة تسع وثمانين وكان ذلك آخر ركوبه. فلما كان ليلة السبت وَجَدَ كسلاً وما انتصف اللَّيلُ حتى غشيته حُمّى صفراوية، وقصد في الرابع واشتدَّ مرضُه وقلّت رطوباتُ بدنه، وكان يغلب اليُيسُ على مزاجه؛ واشتدّ المرض في السابع والثامن وحدث له غشي في التاسع وامتنع من المشروب، وحُقِنَ في العاشر دُفعتين. ثم إنّه اشتدّ به المرضُ، وشرع الأفضل في تحليف الناس له. وتوفي صلاة الصبح يوم الأربعاء سابع وعشرين صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة، كما تقدّم. قال ابن الأثير عز الدين: ومن عجيب ما يحكى من التَّطَيُّر (١) أن السلطان لمّا برز من القاهرة أقام لتجتمع العساكر وعنده الأعيان من الدولة والعلماء والأدباء، وأخذ كلُّ واحدٍ يقول شيئاً في الوداع وفي الفراق، وفي الحاضرين معلّم أولاده فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد: [من الوافر] فما بعدَ العشيَّة من عَرارِ تمثّع من شَميم عَرار نجدٍ فانقبض السلطانُ والنّاسُ وتطيّروا من ذلك. وكان الأمرُ كذلك لم يعد إلى مِصْر بَعْدُ واشتغل بالبلاد الشرقية وفتوح القدس والساحل، رحمه الله تعالى ورضي عنه. (١) الطيرة: هو ما يتشاءم به من الفأل الرديء وتطير به ومنه اهـ ((القاموس)). ٦٠ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وكتب القاضي الفاضل إلى ولده الظاهر غازي يعزيه بطاقةً مضمونُها: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١]. كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر، أحسنَ اللَّهُ عزاءه وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف، في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً، وقد حفرت الدموع المحاجر، وقد بلغت القلوب الحناجر؛ وقد ودّعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده، وقلبت وجهه عنك وعني، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضياً عن الله عز وجل، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المُعدَّة ما لم يدفع البلاء ولا يملك ردَّ القضاء؛ ((وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول إلّ ما يرضي الربّ وإنّا عليك لمحزونون يا يوسف)). وأمّا الوصايا فلا تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائحُ الأَمْرِ فإنّه إنْ وقعَ اتفاقٌ فما عدمتم إلّ شخصَه الكريم؛ وإن كان غيره فالمصائبُ المستَقْبَلَةُ أهونُها موتُه، وهو الهول العظيم؛ والسلام. ونُقِشَ على صندوق قبره من كلام القاضي الفاضل: ((اللهم فارْضَ عن تلك الروح، وافتح له أبواب الجنة وهي آخر ما كان يرجوه من الفتوح)). ولمّا كان الفاضل عنده في هذه المرضة قاله له: يا خوند أو يا مولانا: ((وأرى أن تدفن سيفك معك فإنّه عكّازُك إلى الجنّة)). ذكر فتوحاته: الديار المصرية، فإنه فتحها وطهّرها من الرفض وتلك المقالات الرديّة؛ واليمن ودمشق وحمص وحماه والمعرّة وكَفَرْطاب وبارين ومنبج وعَزاز وحلب والموصل وسنجار والرقّة وجَعْبَر والرحبة والخابور ونصيبين والرها وميافارقين وسَروج والكرك والشوبك والقدس وغزة وعسقلان والرملة وطبرية وكوكب وصفد والطور وعكا وصيدا وبيروت ونابلس والداروم وحيفا وقيسارية وصَفّورِية والناصرة وتبنين وهونين وجبيل وحصن الأكراد وأنطرسوس واللاذقية وصهيون وبلاطُنُس وشُغْر وبَكاس وبرْزَيه ويغراس ودرب ساك وأنطاكية وحارِم وخِلاط. وقال وجيه الدين بن المظفر منصور بن سليم في ((تاريخ إسكندرية)): وبعث صلاحُ الدين ابنَ أخيه تقيّ الدين إلى المغرب ففتح طرابلس وقابِس وأكثر بلاد أفريقية؛ وبعث شمسَ الدولة إلى اليمن ففتح زبيد وعدن وتعزّ والجَنَد، انتهى. وأما أوقافُه، وإن كانت غيرَ مشهورةٍ فمنها: المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، رضي الله عنه؛ والمدرسة التي بجوار مشهد الحسين بن علي، رضي الله عنهما، بالقاهرة؛ ودار سعيد السعدا خادم المصريين وقفها خانقاه؛ ودار عباس والعادل بن سلار، مدرسة للحنفية وهي السيوفية؛ ومدرسة زين التجار بمصر؛ وبنى بالقاهرة داخل القصر