Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ محمود بن سلمان بن فهد ويدبر بالليل، يتلوى في منقاره الأيم، تلوى التنيم في الغيم: تراه في الجو ممتدا وفي فمه من الأفاعي شجاع أرقم ذكر كأنه قوس رام عُنقها يده ورجلها رجله والحية الوتر فصوب الثالث عشر إليه بندقه، فقطع الحية وعنقه؛ فوقع كالصرح الممرد، أو الطراف الممدد، وأتبعه عُنَّاز أصبح في اللون ضده، وفي الشكل نده، كأنه ليل ضم الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره: تراه في الجو عند الصبح حين بدا مسودًّا أجنحة مبيضَّ حيزوم كأسودٍ حَبَشَىِّ عام في نَهَرٍ وضم في صدره طفلاً من الروم فنهض تمام المقوم إلى التتمة، وأسفرت عن نجح الجماعة تلك الليلة المدلهمة، وغدا ذلك الطير الواجب واجباً، وكمل العدد به قبل أن تطلع الشمس عينا أو تبرز حاجبا، فيالها ليلة حضرَنا بها الصوادح في الفضاء المتسع، ولقيت بها الطير ما طارت به من قبل على كل شمل مجتمع، وأصبحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النظام، أو شَرْبٌ كأن رقابهم من اللين لم تخلق لهن عظام، وأصبحنا مُثنين على مقامنا، منثنين بالظفر إلى مستقرنا ومقامنا، داعين المولى جهدنا، مدعين له قَبِلَنا أو ردنا، حاملين ما صرعنا إلى بين يديه، عاملين على الشرف بخدمته، والانتماء إليه: فأنت الذي لم يُكْفَ من لا يَودُه ويدعو له في السر أو يدعى له وإن كان جيش أنت تحمي رعيله فإن كان رمى أنت توضح طرقه والله يجعل الآمال منوطة وقد جعل، ويجعله كهفاً للأولياء وقد جعل)) تمت. ومن شعره رحمه الله : وبات كطرفي نجمه وهو حيرانٌ أسرُّوا إلى ليلى سراهم فما انجلى كأنّ دموعَ العين والليل طوفان كلانا غريقٌ في المدامع والدجى وقال : عُرَيب سبوا نومي ولم تدر مقلتي كما سلبوا قلبي ولم تشعر الأعضا ١٨٢ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وطلقت نومي والجفون حواملٌ فمن أجل ذا في الخدّ أبقت لها فرضا قلت: أعجبني قوله: فرحنا، لما فيه من التورية، فقلت: سننت السهاد بمنع الكرى فأظهرت في حالةٍ بدعتين وصيرت تكرار دمعي على خدودي من فوقها فرحن عين وقال رحمه الله : تَثَنَّى وأغصانُ الأراك نواضرٌ وفنُحْتُ وأسرابٌ من الطير عكّفُ فعلَّم بانات الحمى كيف تنثني وعلمتُ ورقاء الحمى كيف تهتف قلت: فأعجبني هذا المنزع؛ فقلت مختصراً: لا أنسَهُ في روضة والطير تصدح فوق غصنِ فأعلْمُ الوُزْق البكى ويعلُّم البان التثنّى وقال رحمه الله . رأتني وقد نال مني النحولُ وفاضتْ دموعي على الخدِّ فيضا فقالت بعينيّ هذا السَّقَامُ فقلت صدقتٍ، والخصرِ أيضاً قلت: يشبه قول القاضي ناصح الدين الأرَّجاني: غالطتني إذ كستْ جسمي الضنى كسوةً أَعْرَتْ من اللحم العظاما ثم قالت أنت عندي في الهوى مثلُ عيني صدقَتْ لكنْ سقاما ومن هذه المادة جمال الدين بن نباتة المصري: وملولة في الحبّ لما أن رأت أثر السقام بعظميّ المنهاضِ قالت تغيرنا فقلت لها نعم أنا بالسقام وأنت بالإعراض قلت: لا يقال إلا عظم مهيص، وأما منها حسن فما أعرفه (١) ورد في فصيح ثبت في حاشية الأصل: إذا كنت لا تعرفه، فمالك والأعتراض بمجهولاتك؟! نعم: في القاموس: (١) انهاض وتَھَیَّض: انكسر. وأما اعتراضك الثاني: فالباء للسببية، ويغفر الله لأبي الطيب المتنبي. اهـ عبد البر. ١٨٣ محمود بن سلمان بن فهد الكلام، والسقام لا علاقة له بالعظم؛ إنما هو باللحم والجلد تبعاً لذلك، وعلى الجملة فهو من قول السراج الوراق: قال صديقي ولم يعُذْني وعارض السقم فيّ أثّر لقد تغيَّرتَ يا صديقي ويعلم اللَّه مَنْ تغيَّرْ وقال القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله : قلت للنيل والحبيب إلى جنب(م) ـبي وقد صار ناصعَ اللون مدُّه أترى مدمعي كساك عقيقاً أم حبيبي كساك بالورد خدُّه وقال أيضاً: رقِّ العذولُ لِمَا ألقى بكم ورثى لما رأى صدَّكُمْ عن صبكم عبثا نكثتمُ حبلَ وذي بعد قوَّته وطالما قلتمُ لا كان مَنْ نكثا هذا الجفاءُ الذي من بعده حدثا؟ ومن يَذُق هجرَ مَنْ يشتاقه نفثا لأشتكي بعضَ ما ألقى فما لبثا أوى لذلي ولا ألوى ولا اكترثا ولستُ أوَّلَ صبّ في الهوى حنثا يوماً قضى وإذا ما واصلوا بُعثا فسَجعُها بين أثناءِ النشيد رِثا أين الوفاءُ الذي كنا نظنُّ وما فآهِ نفئةَ مصدورٍ بهجركمُ رجوتُ يومَ نواه لو تَلَبَّتَ لي وكم شكوتُ الذي ألقاه منه فما وكم حلفتُ بأني لا أعاتبُهُ ويح المحبّ متى صدَّت حبائبه قضى فناحتْ عليه الوُزقُ من حَزٍَ وقال : أأحبابنا هل إليكم وقد نأت بي الدارمن بعد البعاد رجوع يكون لها بعد الغروب طلوع وهل شمس هذا الأنس بعد فراقنا فؤاد إذا حان الفراق مطيع وهل لي ولا واللَّه ما ذاك ممكن برؤيتكم أن النوى ستروع وقد كنت أدرى والحياة شهية ومن إنشائه عن نائب السلطنة بالشام إلى الملك الأشرف وهو ولي العهد؛ جواباً ١٨٤ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات عن حصان أشهب أدهم وتشريف وقماش سَكندري، أرسلها هدية : ((يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي في الصلاحي، لا زالت سحائب بره مستهلة، وركائب الأمل إلى حرم معروفة منهلة، ونجائب آلائه تمنح عدولائه نعماً يقابل منها حلل الشموس ويقبّل منها غرر الأهلة، تقبيل عبد ثقل بالبر كاهله، وعجز عن حمل ما غمره من المعروف الذي هو في الحقيقة حامله، وينهي ورود المثال الشريف مقترناً بالصدقات العميمة التي شرَّفت قدره، وافترضت على الأبد دعاءه ويلزم الأدب فلا يقول وشُكره، وهي ما اقتضاه حسن النظر الشريف من التشريف الذي احتوى على جملة المحاسن، وبرز أحسن من ثوب السماء المموه بالأصيل والقماش السكندري الذي يستوقف [ ..... ] (١) الوصف لطف تأليفه، ويخجل ما رقمته في الأرض الأنواء، ويخمل ما خلعته على الروض السماء، والحصان البرقي الذي هو كالليل ملبساً والنسيم ملمساً والصخر الأصم، إلا أنه أسرى وأسرع من الخيال، والطود الأشم إلا أن من علاه تلا: ﴿ويوم نسير الجبال﴾ [الكهف: ٤٧]، يتلعب بأعطافه مرح الصِّبا، ويتلفت في انعطافه رحمة للصَّبا، تفوت يداه مرامى عِنان، ويدرك شأوه والبروق ثانياً من عنان، ما أباح الصباح تقبيله، حتى لثم حجوله، ولا خلع على البرق ثوب الشفق: حتى سابقه فأحرز دونه السبق، ولا أخذ بمجامع القلوب إلا لأنه صُبِغَ صِبغَةً حب القلوب والحذق، ولا تقطعت أنفاس الرياح إلا لوقوفها حسرى دون غاياته، ولا سرت هواجس الأحلام في الظلام إلا لتطوى الأرض بسراها تحت راياته، ولا سمى طرفا إلا لمناسبة إنسان الطرف في لونه وسرعة إدراكه، ولا قيل له برقى إلا لمساهمة البرق في وصفه واشتراكه، وكيف لإنسان الطرف به وذا يمدح بسرعته، ويذم الإنسان بكونه خلق من عجل؟! وأني للبروق بمباراته، وحمرتُه دليل الخجل، وخفوقُه أمارة الوجل؟! وكيف يدعى الليل أنه واهبه صبغة الليل المستقلة، وهو يتشرف إذ يعلوه هلال واحد، وهذا يطأ على أربعة أهلة؟! وقابل المملوكُ هذه النعم بتقبيل الأرض لديها، واستقبل قِبلةَ هذا الكرم بتوجه وجهِ تَعبُّدِهِ إليها، وتشرف منها بملابس البر والإحسان، وافتخر بملك ذلك الطرف الذي هو في المعنى حصن وفي الصورة بياض في الأصل. (١) ١٨٥ محمود بن سلمان بن فهد حصان، ورفل في حلل الافتخار، وسبق بذلك الأدهم كلما جاره، فلولا نص الآية لتَوهم أن الليل سابق النهار، وأيْقَن ببلوغ مآربه عليه؛ ثقة بسبقه، ورام لولا امتثاله الأمر المطاع في ركوبه أن يجلَّه؛ إعظاماً لحقه، ويحقق المملوك ما أشارت إليه الصدقات الشريفة من الإنعام عليه قبل سؤاله، وإتحافه بالمُنى التي لم يتقاصاها خواطر آماله المملوك ينهى أن صدقاته الشريفة على مماليكه تفهم عن تقاضي عوارفها، واستماحة عواطفها، وتكلهم إلى شريف آلائها، وتحيلهم على مذاكرات برها واعتنائها؛ فقد أغنت المملوك أن يقترح، وناجته: قد نهضنا بحاجاتك فاسترح». ومن شعره: ما أنشدنيه من لفظه لنفسه سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة: مررت بعكا بعد تعليق سورها وزنُد أُوَارِ النار من تحتها وارِى فعاينتها بعد التنصُّر قد غدت مجوسية الأحجار تسجد للنار وقال : قلت لقوم ركبوا مركباً وبينهم بدر يضيىء الحلك يا أنجما حُفّت ببدر الدجى ما أنتم في الفُلْك [بل في] الفَلَكْ وقال : فقضى اصطباري بعده نَحبا أفدي الذي بالأمس ودّعني سوداءُ يسبقُ سيرها الشهبا وسرتْ به في البحر جاريةٌ لو أنَّ حكمَ البحر طوعُ يدي لأخذتُ كلَّ سفينة غصبا وقال مضمّناً: قل لي عن الحمام كيف دخلتها يا صاحبي لتَسُرَّ خِلاَّ مشفقا أدخلتها وأولئك الأقوامُ قد شدوا المآزر فوقَ كثبانِ النَّقا وقال: رأيت في بستان خلُّ لنا بدرَ دجىّ يغرسُ أشجارا يغرسه أثمر أقمارا فقلت إن أنجبَ هذا الذي : ١٨٦ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وقال : ورأيته في الماء يسبحُ مرَّة والشّعرُ قد رَفَّتْ عليه ظلاله فظننتُ أن البدرَ قابلَ وجهُهُ وجهَ الغديرِ فلاح فيه خياله وقال : إذا كان من أهواه روحي وراحتي ولقياه أرجى من حياتي وأرجح وأظمأني منه الزمان بفقده فلا شك أن الموت أروى وأروح وقال: وصيوان إذا ما الشمس يوما عرتنا باللوافح إذ علتنا وقانا لفحه الرمضاءَ ظلاً وصد الشمس أنى واجهتنا وقال: من كان ذا وجد يزيد فما على وجدي مزيد ليلى ودمعي بعدكم هذا الطويل وذا المديد ومن نطمه ما كتب به إلى فتح الدين ابن عبد الظاهر: أو الصبحُ إلا ما جلاه ابتسامها هل البدرُ إلا ما حواه لثامها سناها وفي قلب المحبِّ ضرامها أو النارُ إلا ما بدا فوقَ خدها أقامتْ بقلبي إذ أقام بحبِها فدارتُها قلبي وداري خيامها مهاةُ نَقاً لو يستطاعُ اقتناصها وكعبةُ حسنٍ لو يطاقُ استلامها إذا ما نَضَتْ عنها اللثامَ وأسفرت تقشَّعَ عن شمس النهار غمامها نهايةُ حظي أن أقبِلَ تربها وأيسرُ حظّ للئام التثامها تريك مُحَيّا الشمس في ليل شعرها على قيدِ رمحِ مجهها وقـ وتزهى على البد المنير بأنها مدى الدهر لا يخشى السِّرارَ تمامها تغني على أعطافها وُزْقُ حَلْيِها إذا ناح في هيف الغصون حمامها تردّد بين الخمر والسحر لحظُها وحازهما والدرّ أيضاً كلامها ١٨٧ محمود بن سلمان بن فهد مدامُ المعنّى والدلالَ مدامها كلانا نَشاوى غيرَ أنَّ جفونها وليلةَ زارتْ والثريا كأنها نظاماً وحسناً عقدُها وابتسامها فحيت فأحيث ما أمات صدودها وردَّت فردَّ الروحَ فيَّ سلامها فقلت وهل بَلواي إلا سقامها بدا نَوْرها وانشقَّ عنها كمامُها بأصدافٍ ياقوتٍ لمَاها خِتامها ولا النوم مذ صَدَّتْ وعزَّ مرامها فقلت سلي جفنيك أين منامها وقالت بعيني ذا السقام الذي أرى فأبدت ثناياها فقل في خميلةٍ وأبعدتُ لا بل سمطُ درِّ تصونه وقالت وما للعين عهدٌ بطيفها لقد أتعبت طيفي جفونك في الدجى وما علمتْ أنَّ الزُّقادَ وقد جفت كمثلٍ حياتي في يديها زمامها كأنيَ راع ضلَّ عنه سَوامها وكم ليلةٍ سامرتُ فيها نجومها كأنَّ الدراري والهلالَ ودارَةً حَبابٌ طفا من حول زورق فضةٍ كأنَّ رياضاً قد تسلسل ماؤها حوته وقد زان الثريا التئامها بكفّ فتاةٍ طاف بالراح جامُها كأنَّ نجوماً في المحجرَّة خرَّد سواقٍ رماها في غدير زحامها فشفَّت أقاحيها وشاف خزامها كأن سنا الجزاءِ إكليلُ جوهر أضاءت لآليه وراق انتظامها كأنَّ لدى النَّسرين في الجو غِلمةٌ كأنَّ سهيلاً والنجوم وراءه كأنَّ الدجى هيجاء حرب نجومه رماةً رَمى ذا دونَ هذا سهامها صفوفُ صلاة قام فيها إمامها أسنتها والبرقُ فيها حسامها كأن الرجومَ الهاويات فوارس تساقطَ ما بين الأسنة هامها تلوحُ على بعدٍ ويخفي ضرامها يراعي الليالي جفنه لا ينامها رأى بلدةَ الأحباب أقوى مقامها كأن سنا المِرِّيخِ شعلةُ قابسٍ كأنَّ السُّها صبّ سَها نحو إلفه كأن خفوقَ القلب قلبُ متيم كأن ثريّا أفْقِهِ في انبساطها يمين كريم لا يُخاف انضمامها ١٨٨ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات كأنّ بفتح الدين في جُوده اقتدتْ فرؤَّى الروابي والأكامَ رُكَّامها فعمَّتْ غواديها وأخصب عامها كأن بيمناه اقتدى يُمّنُ نوئها كأن به من لفظه قد تشبَّهتْ. ففاق عقودَ الدر حُسْناً نظامها كريم المحيا لو يقابل وجَهه سحابةُ صيف لا ستهل جَهامها به جبر اللَّه البلاد وأهلها ولولاه ما شام السعادة شامها به عصم اللَّه الأقاليم إذ غدا بأقلامه بعد الإله اعتصامها عراها فلا يخشى عليها انفصامها بآرائه وهي السديدة أحكمْت به الدولة الغراء أشرق نورُها بما نشرت من عدله في بلادها إليه انتهى علم البيان وإنه تميت العدا قبل الكتائب كُتْبُهُ فجاب البَرَى وانجاب عنها ظلامها يزيد على عمر الدهور دوامها لفى كل أنواع العلوم إمامها فألفاظه وهي الحياة سمامها له عزمة في اللَّه للكفر حَرُّها وللدين منها بَرْدها وسَلامُها وعبَّتْ نهارا في النجيع صيامها تدفُّقُها أو كالجبال اضطرامها تلا رأيُه آيَ الفتوح على العدا فولَّتْ وقد أضحت عظاماً عظامها ومن آية النصر العزيز اختتامها لظاها وقد أخنى عليها اصطلامها لها فى يديه حكها واحتكامها وإن كفَّ بالصفح الجميل انتقامها مع الأصل دون الناس ساد عِصامُها فليس بمغنٍ للعدا منه لامها سواء عليها رِيُها وأوامها إذا الخيل صَلَّت في الحدید جيادها وأضحت وكالأمواج في بحر نقعها ففي سورة الفتح المبين ابتداؤها فرد جيوش الشرك بعد اصطلائه جواد بما شاء العُفاةُ كأنما تقيٍّ له في الحق نفسٌ أبيةٌ كريم عريق أصلُه وبنفسه إذا آلِفُ الآراء ألَّف وضْعَها زوى زينة الدنيا فأضحى لزهده وأعرض عنها وهي في عصر حسنها وقد زاد فيه وجدها وغرامها ١٨٩ محمود بن سلمان بن فهد تروق العيون الشائماتِ وشامها ولا زهد إلا وهي بيضاءُ غضةٌ يُسِرُّ اصطناعَ البر في الناس جاهدا لِيَخْفَى، وهل يُخْفِى الشموسَ اكتتامها؟ ويغتنم الأخرى بدنياه عالما تقاسمت الأوقات دنياه فاغتدتْ وقد حازها أن النجاة اغتنامها وقد أحرز الأجر الجميل اقتسامها وصان ذِمارَ الكافرين صيامها فقامت بأنواع الصّلات صَلاتها بليغ ولكن [ ...... ](١) مرامها رأيت علاه فوق نظمي وإنني وما كنت يوماً قبل ذلك أُسامُها فعذت به من خطة العجز دونها فلا زالت الدنيا وأيامها به برغم العدا غَّ الوجوه وسامها كتب جمال الدين بن نباتة إلى شهاب الدين محمود بمصر من دمشق المحروسة: ((يقبل الأرض التي يخلق من ترابها المكارم، والقدم التي لم يطل خطواتها في الدنيا مأثم من المآئم، واليد التي إذا أَمَّتْ غاية في الكرم، صلى وسلم من خلفها صوب الغمائم، وينهى لولا بناؤه الذي تنفست حسداً له المسك إذا فاح، ويأبى شوقه الذي ماله عن ذلك القلب المقيم على عهده من إبراح ويأتي بسوقه لورود مشرفه منه فإنها الطيف الذي لا يمنعه السهاد ولا يردعه الصباح، فلولا طلب التخفيف عن سمعه الكريم، وخاطره الذي هو في كل واديهيم [ثانياً وثالثاً] رابعاً وخامساً، حتى ينتهي العدد إلى الألوف، ويوصف ولا سيما غيوث دمشق المرسلة النبال وبروقها المهزوزة السيوف، فقد علم الله تعالى أنها تجري بعبقها، ولعبت بصنفها، وخدعته بحضراتها وأعتمت فلوه بردائها، وتملكته رقًّا بظلٌ رواقها، وأرسلت حمائمها الساجعة حتى جذبت الأهواء بأطواقها، وأدنته حتى ملكته، وقرعت مودتها باب القلب حتى إذا سلكته تحرك بردها فصار برداً وتقعقع رعدها، فكأنما أرسل لتهديد الأجساد برداً، واستمر وبلها حتى كان في كل ميزابٍ كلِّ سطح بردا، واشتمل أفقها بردا من الغيوم، ولولا مراعاة أهلها لقال برداً، واستجيب في سكانها دعاء القائل: ذكرتكم الأنواء ذكرى بعدكم فَهَمَتْ عليكم بكرة وأصيلا بياض في الأصل. (١) ١٩٠ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وكأن استدراك الآخر ألا يصح في قوله : فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمِى فالماشي بين خططها معذب، ولكن باتصال الرحمة والمتحصن في بيته من نزال الغيث المنزل، يود أن كل سوداء فحمة، والنيران مشكورة الألسنة بكل لسان، وقوس السماء قد تدرع من حذف شهابه كل غدير فكيف كل إنسان، وأوحال الأوحال قد شملت سهلاً وحزناً، وأهوال الثلوج ثبت الجبال صورَة والمعارف معنى، ومع ذلك فوالله إن المملوك لمشغوفٌ بخلقها وخلقها وأهلا يشهد محاسنها وأثر وَذقها، فليست والله بالبلد التي يطلق فيها السرور، وينزع فيها نزع الخاتم حلية الحلول وحباً الحبور، أما الأدب ففيها منه رمق يصد الرحى ويعين، ولديها سوق إن لم يكن فيه من بحار الحمد ذوو آلاف فإن فيه سهم ذوي مئين، وأعتذر على والله بفُرقة مصر وما فيها، وملاطفة أهوائها، وهوى أبنائها، وكل يوم يشار فيه لمقياسها بالأصابع، وكل شختور كالعقرب على أفعوان الماء، إلا أن منظره رائق غير رائع، وروضة تزهى بجانبيها الوسمين، وينزل برارها من البحرين كربهن، ومنشأه كم أنشأت المقاصد سروراً ورزقا، وتحلت بمقعد علائي أطنب فيه المدائح، وما قالت الأصدقاء تبدو عجائب الحسن بين ليل دجاه ونهاره، ويلذ لوارده إلا من يفسد بصره في مسلسل أنهاره، وتخير الأذهان هل أزهاره من ألفاظ منشِئَة أم ألفاظ منشِئة من أزهاره، فهي تلتقط من الجميع دررا، ويتناول عند الاستماع والنظر زهراً، ويتمتع بجز [ .... ](١) وهذا قطعاً للشك، وكذا يفعل الذي يتحرى فاللَّه ذلك الوطن الغالي والسكن الخالي، والمنزل المعمور الذي ما ظفر بمثله الرمس الخالي، ما أحسن ما ذابه فيه عليل النسيم فكأنه يطلب الشفاء، وما أبهج ما سعى نحوه النيل كأنه يتعلم من ساكنه الكرم والوفاء، ويعود المملوك لذكر مصر وأوقات أمن لذيذة الانبساط، وعرائس قرى قد تحلت من مزارعها بتلك الأقراط، ومقطعات نيل هي مقطعات وشي تلك الزروع وخليج لا يُلام طرف من فارقها إذا جرى على خدَّيْه مثلها من الدموع، إلى غير ذلك من ماره يروق البصر رفعاً وخفضاً، ومنازل لقُطَّانها المؤمنين يشد بعضها بعضاً، ولقد ذكرني هذه الساعة قول القاضي السعيد سقى بياض في الأصل. (١) ١٩١ محمود بن سلمان بن فهد الله تربه، ونور ضريحه كما نور قلبه: فواللَّه ما أسرى الشام وظله وغوطته الخضرا بشبرَين من شبرا فنظم : لهفي على بلدي الذي فارقتها ذا مدمع ناح وصبر هالك لا يحبوا أي سلوب يخلق عن حسنها البادي لعين السالك، والله ما عام بجنك رياضها بسواء لعيني ساعة في الجانكي، إلا أنه ذكر تلك الأرض التي لو حرك بها القطا والموطن الذي ما مل قط حبه - إلا لين عدم في آخر الأمر منه ملقطا طلع عن مصر تصانيف السلو، ولكن على عدم ضبطها وتعليق خطها لا جرم أنه يستقلها على فكره، ويضيق صدرا بطروٌ أحد من كتابها فينبذه وراء ظهره: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول فمن به بنظرة علانية يصل بها رزقه، ويعتق من هذا الاغتراب رقه، فوالله ما يضيق حسابه العز بيد واحدة، ولا تلام سحب في سقيا الروض الباسمة أسوة الفيا في الهامدة، وإن للمملوك لساناً قائلاً، وقلما جائلاً، وألفاظاً إذا تأملها العقل علم أن المتقدم قد أبقى للمتأخر عقائلا وطريقتي حُسَنى، إلا أنها محتاجة مع حسنها يتحاشى العلم المأمور بالاختصار إلا جماحاً، وقطع لسانه بالحديد ولسان الشاعر بالذهب فازداد إيضاحاً؛ فلا بد أن يجري ذكر حماة وحماها، وطيب النهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، ومناقب عمادها الذي يغتاظ من لسان القمر إذا تلاها، وبساتينها إذا رقبت أزهارها، وذللت مع عزة الحسن ثمارها، وغنت خلف ستورالأوراق على عيدان الغصون أطيارها، ونواعيرها التي تحط فتبكي على العاصي وتنوح وتسجع، فكأنما تعلمت منذ كانت غصناً سجع الحمام الصدوح ومراكبها التي ذكرته على البعد من مصر أمراً وأماكنها التي صغرت في عينه تلك الأماكن، وقد كان على حسنها مصراً، ونهرها ومحلها الذي صححا عنده قول القائل: ما النيل من ماء الحياة (م) ولا جميع الأرض مصرا دخلها المملوك مسلماً، فكأنما دخل دار السلام من الجنة، وقصد باب صاحبها، ١٩٢ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات فكأنما قصد هرم بن سنان وقد عاد في الكرم شرخ الشباب سنه، وجالسه فكأنما جالس البدر الأنور، وشكا لديه الظمأ ففاض من كل أنملة منها بحر نهرا بجعفر، وأكثر مدحه إلا أنه - أعز الله نصره - مدح مولانا أكثر، فما اتفقت مذاكرة إلا ولذكره منها موضع الذكر الحكيم من الكتب، ولا عرضت فائدة إلا ولفوائده على غيرها مزية التخصيص والقرب ومثل فضائله من لا يخجل من ريق بها وتمسك، وحيث فَعَمَ الأقطارَ نشرُها المسكي فما يلام من تعتبر بها وتمسك، وما هو إلا شخص الأدب الباقي، فمنع الله أن يمسه، وكاد لأجل السجع يقول: أن يمسك، وبقيت ما بقي البقاء، فإن دنا منه الفنا نفت أو نفى الفنا وسطر هذه الخدمة من دمشق بعد أن رحل إلى حلب فحلبها، وتقاضى تلك المودة العمادية فحلبها وخلبها، ووجد من دوام التسيار كل الخيف، وقاس في طرقها ذاهباً وعائداً مصاحب رحلة الشتاء والصيف، وسرح نظره في ذلك البلد ومعقله، وفكر في تلك الآثار التي يبكي قميص حسنها، وفيه عرف مندله، ورأى الشهباء التي فاقت قلاع الأرض الحسن سبقا، وأهدى مدائح رؤسائها فأهداها لذوى همم نَقرَى وفرقا وبنيَّة العود إلى بين يدي مولانا أرى كل الصيد، ويغني الله عن زيد، ويتحمل تلك الأيادي العميمة، ويتحمل بالمثول على تلك الأبواب الكريمة، ويلتقط من بنات فكره كل جوهرة يتيمة، هذا إن عطف الله تلك القلوب، وأطلعها على جملة استحقاقه، فعوضته في الرزق عن ذكاته المحبوب، وايم الله ما نظر فيها، بل ما يعتقد إلا الخير الأرجح، والمجد الأسمى والفضل الأسمح، وما يراها إذا جنح ليل الطلب إلا لكل ما يقرب إلى الله يجنح، وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني للأبواب الفلانية لا زالت الأقدار جارية تقصدها، والأيام زاهية بمجدها، والليالي باسطةُ كفّ إليها تمتار من سعدها مثلوبة بسفاه الضمائر عتبائها، مخدومة بتقبيل الأرض على البعد جهاتها، مخصوصة بسلام أرق من النسيم رياضة الزاهرة، ممدوحة بألفاظ كالدرر بحار كرمها الزاخرة، فما لبس المملوك نعمها أطواقاً إلا ليسجع بمدحها، وما أفنى عمره في تسطير مدائحها كتباً إلا ليبتهج بتصفحها، فرحلت عنهم لي أما في نظره وعشر بعدها من ورائيا، والله تعالى يؤيد تلك الهمم، ويؤيدها بحفظ شمل المعالي تلك المكارم التي تهدم الأفعال وتشيدها، أرسل المملوك قرين هذه الخدمة كتاباً يسأل الصدقة الجارية الإبل المالكية سرعة إنفاذه إليه ومطالبة جواب بمن به مع أول رفد عليه. ١٩٣ محمود بن سلمان بن فهد كل له من دهره مقصد وأنت من بين الورى مقصدي إن شاء الله تعالى)). فأجاب شهاب الدين محمود: (يقبل اليد لا زالت تولى الندى إلى خدمها، وتنوب عن مناهل الكرم عند عدمها، وتحمل بخلع الأنواء على الربا برقوم قلمها، وترفع منار الفضائل لسالكها؛ فلا ترى إليها سرابا للأفكار إلا كان تحت علمها تقبيل مستلم لأركانها، مسلم لها البلوغ في البلاغة إلى غاية يدق على الخواطر معرفة مكانها، وينهى ورود مشرفته الرافلة في حلل الفصاحة في أفخر برودها المتبرجة [ .... ] (١) في أبهر عقودها المريبة على ما تسحبه العمائم، من حلل الربا المنبية عما أودعته الكمائم، عند رسل الصبا الطالعة في أفق مهرقها، طلوع أهلة الأعياد في الشفق الخليعة بين حمرة قرطاسها وسواد أنفاسها، بين نضارة الخدود ونظرات الحدق المعوذة سدف سطورها وإضاءة معانيها بالليل وما وسق، والقمر إذا اتسق، فوقف منها على رياض مونقة، وغياض بخمائل البيان مورِقة، وأفنان بفنون البلاغة مثمرة، ومعان أضاءت في آناء سطورها، فكأنها الليلة المقمرة، وعلى ما اشتملت عليه من الحب إلى أرض مس جلدهُ ترابها، والشوق إلى بلاد بها أوطانه وأوطاره ولذات نفسه وأترابها، وما كابده الآن بالبلاد الرومية من توال الغمائم ونفحات البرد التي يلذ عندها نفحات السمائم، وتتابع السيول التي يكاد [ .... ](٢) الأجياد البجاد إلى مناط التمائم، وأن البرد تواتر ريده، والبرد تناثر فريده، والجليد انتظمت على مفارق الطرق وأجياد الربا تيجان وعقوده، وأنها غربة بطلاوة مصيفها، وطراوة خريفها، إلى أن تنكر له وجه شتائها الكالح، وتناءت عنه تلك المحاسن، وقد غادرت ما غادرت بين الجوانح، والمولى معذور في ذلك؛ فإن رأى شيئاً ما ألفه، وشاهد شتاء ما عرفه، وكابد برداً سمع به ولكنه ما صدق من وصفه، وربما سمع قول الشاعر في ذلك : وإذا قذفت بسؤر كأسك في الهوى عادت عليك من العقيق عقودا (١) بياض في الأصل. بياض في الأصل. (٢) ١٩٤ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وترى عناق الطير فيه لبردها تختار حر النار والسفودا وأيضاً فإن الديار المصرية وطنه وبها مكسبه، وسكنه وفيها قلبه، وإن كان في غيرها بدنه، وهي بالضرورة أحنى عليه من غيرها، وإن كان ضاق بها عَطَنُه، ومن أفقها بزغت شمس هذه، وطلعت كواكب نظمه ونثره، وهي جديرة بأن تحب لذاتها السنية ولذاتها الهنية، واشتمالها على أسباب المحاسن، وانفرادها بالهواء الطاب والماء الغير آسٍ، والشتاء الذي هو ربيع غيرها، والربيع أحسن الفصول، والبحر الذي إذا شن عليه نسيم السحر درعه أشبه انعكاس أشعة الكواكب فيه مواقع النصول والقلوع التي تصرفها الرياح كما تصرف في غيرها الغمائم، والحدائق التي إذا أثمرت خِلْتَ العذارى في العقود ومرح الولدان في التمائم والمقطعات التي راووق سراجها النسيم، ومزاج كأسها التسنيم، وبسط واردها عيون نورها الغوائر وخدود وردها الوسيم، إلى غير ذلك من محاسن بنائها وأبنائها، وكمال منشآتها الزاهية بعلائها على الداري في إشراقها واعتلائها، وإيوانه الذي أنشأه بها يهزأ بإيوان المدائن. وإذا انتهى الوصف فيه إلى غايته بقي من محاسنه أشياء يستدركها على الواصف المعاین، ومما قلت فيه: له جناحان من هنا وهنا زاداه حسنا بحر وبستان بحر فيه المياه مطربة كأنها في الأسماع ألحان كأنما قائم الرخام به في خدمة الجالسين غلمان لكن ظهر للمملوك من كلام المولى تحايل على [ .... ] (١) يستحقه من کماله، وأحفا بحالها لا يستوجب مثله من جماله، وما كلام ابن سناء الملك في العدول عن محجة الإنصاف حجة، ولو عدله ما ذكره الجم الغفير من محاسنها التي سار ذكرها في الآفاق غرق قطره في تلك اللجة؛ فإنه حمله الجناس على مخالفة الناس، وأما ما وصفه المولى من توالى الأمطار بها، فما زالت العرب تصيف بمرابع القطر العرب الحسان، وتضرب به المثل على الغاية في الإحسان، وتسقى مواقعه حتى العهود، ويسجل الأنباء (١) بياض في الأصل. : ١٩٥ محمود بن سلمان بن فهد عنه حديث الرعود، ولم تخل من القطر بقعة من الأرض غير مصر؛ فإن الله أغناها بالنيل عن أن يرم إليها قطار القطار، مع أنها لا يستغني نبتها في الغالب عن تعاهد العهاد ولا يخلو في الأكثر أفقها من مطار الأمطار: ﴿ألم ترى أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٣٣] وإذا أنصف المولى قال: برد الصعيد المنتهى، وكم جلد تلك الأرض الجليد ونهته عن الإقامة بها الشمس فما انتهى، وكأنه بأرض الشام وقد أخذت زخرفها، وأقلام الغمام وقد رقمت بنور النور أحرفها، والرياض وقد مدت على الربا حلل مطارفها، والثمار وقد جمعت لحناه الحسن بين تالدها وطارفها، والغصون وقد خطرت في حلل وشيها ولاذها، والثريا وقد أبدت من جواهر الأزاهر ما أودعتها يد الأنواء من لآلىء وبلها ورذاذها، والوُزْق وقد أطربت الأسماع بألحانها، وأربت على الأسجاع بتناسب مقاطيعها وتوافق أوزانها. وأشبهت أغاني الغواني في ترنمها وراء ستور الأوراق على عيدانها، والصَّبا وقد حيَّتْ الندمان بأنفاس رُوحها وريحانها، والشمس وقد نثرت بين فرج الخمائل مثاقيل ذهبها، والظلال وقد حالت بين الوجوه وبين ما يتقي من حر الهواجر ولهبها، والجداول وقد انعطفت كالخلاخل بسوق الأشجار، والأزاهر وقد استدارت بمعاصم الغصن استدارة السوار، إلى ما وراء ذلك، وثمرات أحلى من إدراك الأماني، وألطف من أبيات المعاني، وجنانِها أولى بما يغزل في جنان الحسن بن هانيء، وأحق من شعب ((بوان)) بقول أبي الطيب: لها ثمر يشير إليك منه بأسرته وقفنَ بلا أواني وأبراه يَصِلُّ بها حصاها صليل الحَلْى من أيدي الغواني فهنالك يعلم أن حسنات تلك المحاسن لذنوب السحائب مكفرة، ويتحقق أن دواعي الحسن المؤلفة مخبوءة تحت تلك الهنات المنفرة، وأما قوله: إن وجد بها بقية أدب فما يعلمها المملوك إلا معالم آداب، ولا يعهدها إلا معاهد أعيان البلغاء وجلة الكتاب، ولا يعرفها إلا معان المعاني التي لا تتعلق القرائح من حللها بغير الأهداب، وهي على ما وصفت الآن فإن عهدي بها قريب، وبالأمس يقول عنها وعن فضلائها ناصر الدين بن النقيب : ماذا أفارق من شمو (م) س في دمشق ومن بدور ١٩٦ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وأسير منها عن سحائ (م) ـب في القريص وعن بحور وأما كون أهلها في الجوار من أرباب المسد فأين من يهب الآن مثل ذلك، وأما تلك الألوف التي كانت تذكر فتلك طريق أوحشت بعدم السالك، فلا يقسها المولى بمصر؛ فما هي بقدر محلة منها، وبالأمس قد كان المولى لما يجد من يعذر مطالبة بها يرجح الإقامة فيها للظعن عنها، وقد قال بعضهم : إذا كان جسمي من تراب فكلها دياري وكل العالمين أقاربي والله إن مصر لمواطن إسعاد وإسعاف، ومعاهد تعاهد وألطاف، ولرؤسائها يد في المكارم لا تطاول، وغايات في المفاخر لا تحاول، وقد قال عمارة في ملوكها و کبرائها : قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن تمامها أنها جاءت ولم أَسَلِ ولكتّابها مقاصد في البلاغة لا يفتح لغيرهم مُرْتَجُ أبوابها، وقواعد في الفصاحة لا يفاض على غير أقلامهم مُعْلَم أتوابها، ولشعرائها طرائق لا يوافيهم أحد في مناهجها، ولا يوفيهم؛ ولذلك قال ابن سعيد المغربي فيهم: أيا ساكن مصرٍ على النيل جاركم فأكسبَكم تلك الحلاوة في الشعر وكان بتلك الأرض سحر وما بقى أثر يبدو على النظم والنثر مع أن سوق الآداب الآن كاسدة بكل مكان، والسماح لولا بقيته من محيي الفضائل إلى خل في خبركان، وقد لا يطاوع الكريم حاله دائماً، وما خلت الدنيا من أن تجد [ .... ](١) قاعداً عن الواجب وقائماً، وعاذراً على التقصير ولائماً، هذا أبو دلف الذي مضى وأيامه للكرم مواسم، ولياليه عن بدور البِدَر والعطاء بواسم، قد قال فيه ابن أخته : [و] دعني أجوب الأرض في طلب الغنى فما الكَرعُ الدنيا ولا الناس قاسم وهذا محمود بن نصر بن صالح وعطاؤه مما لا يكاد تقبله النفوس، قد قنعت منه بياض في الأصل. (١) ١٩٧ محمود بن سلمان بن فهد الجماعة بعشر الذي أعطى لابن حيوس، والأرزاق بيد الله عَقْدُها وحَلُّها، والأخلاق مواهب. ومن ذا الذي ترضى سجايا كلها وأما ما ذكره من وصوله إلى حماة، وما وصفه من محاسنها الرائقة، ومساكنها اللائقة، ومقاصد صاحبها الموفقة، ومكارمه الموافقة، وأن وجد من إحسان عمادها ما أغناه عن الثماد، وسيله عن استنباط الجماد، وأراه إحسانه محاسنها بعين الرضا؛ فلم يشك أنها ذات العماد، فهذه سنة سلفه الآخر منه وعلى أعراقها تجري الجياد، وأما ما ذكره من وصوله إلى حلب وأن احتلب أخلاف درها، واجتلب أنواع برها، ورأى من آثارها ما كانت عليه من قدر ارتفاعها وارتفاع قدرها، فكيف لو مر المولى بها أيام عمارتها، أو نظرها في أزمان نظارتها؛ لقد كان يرى من مآثر أناسها ما يشهدُ بآثار تعزى إلى مرداسها بعز محاسن كأنها بقايا ما شُهر من إحسان بني حمدانها، فرحم الله تلك الشهداء الذين كانت أيامهم الأيام الشاهد بهم حجة على وجود الكرام. ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام وإذ قد قضى المولى أربه من الاغتراب فما بقي إلا حسن الالتئام، والله تعالى يعمر به رَبْع الأدب وفناءه، ويعجل بالعود إلى وطنه في الخير والسلامة وهناه، إن شاء الله تعالی)). ومن إنشائه البديع کتاب في وصف الخيل : ((وينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها، واعتدَّ حصنها حصونا يُعتصم في الوغى بصياصيها، فمن أشهب غطاه النهار بحلته، وأوطأه الليل على أهلته، يتموج أديمة ريا ويتأرج ريا، ويقول من استقبله في حلى لجامه هذا الفجر قد أطلع الثريا، إن التفت المضايق انساب الأيم، وإن انفرجت المسالك مر مرور الغیم، كم أبصر فارسه يوماً أبيض بطلعته، وكم عاين طرف السنان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته، لا يستن دامس في مضمارة، ولا تطمع الغبراء في شق غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره، تسابق يداه مرامى طرفه، ويدرك شوارد البروق ثانياًمن عطفه . ١٩٨ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ومن أدهم حالك الأديم، حالي الشكيم، له مقلة غانية وسالفة ريم، قد ألبسه الليل برده، وأطلع بين عينيه سعده، يظن من نظر إلى سواد طرته، وبياض حجوله وغرته - أنه توهم النهار نهرا فخاضه، وألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضة، لين الأعطاف، سريع الانعطاف، يقبل كالليل، ويمر كجلمود صخر حطه السيل، يكاد يسبق ظله، ومتى جارى السهم إلى غرض بلغه قبله. ومن أشقر وشاه البرق بلهبه، وغشاه الأصيل بذهبه، يتوجس ما لديه برقیقتین، وينفض وفرتيه عن عقيقتين، وينزل عِذار لجامه من سالفتيه على شقيقتين، له من الراح لونها، ومن الريح لينها، إن جرى فبرق خفَق، وإن أسرج فهلال على شفق، لو أدرك أوائل حرب ابني وائل لم يكن للوجيه وجاهة، ولا للنعامة نباهة، وكان ترك إعارة سكاب لوماً وتحريم بيعها سفاهة يركض ما وجد أرضاً، وإذا اعترض به راكبه بحراً وثب عرضاً. ومن كميت نهد، كأن راكبه في مَهْد، عَنْدَمِيُّ الإهاب، شمألي الذهاب، يزال الغلام الخف عن صهواته، وكأن نغم الغريض ومَعْبَدٍ في لهواته، قصير المطا، فسيح الخطا، إن ركب لصيد قيّد قصير المطا، فسيح الخطا، إن ركب لصيد قيّد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد، وإن جنب إلى حرب لم يَزْوَرَّ من وقع القنا بلبانه، ولم يَشْكُ لو علم الكلام بلسانه، ولم يُرَ دون بلوغ الغاية وهي غرض راكبه ثانياً من عنان، وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل، وإن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحط في مجاريه كالوَعِل، متى ما ترقَ العينُ فيه تسهّل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره ما أنت هناك فتمهل. ومن حبش أصفر يروق العين، ويشوق القلب بمشابهة العين، كأن الشمس ألقت عليه من أشعتها جلالا، وكأنه نفر من الدجى فاعتنق منه عُرفا واعتلق حجالا، ذي كفل يزين سرجّه، وذيلٍ يسُد إذا استد برته منه فرجَه، قد أطلعته الرياضة على مراد راكبه وفارسه، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع قلائده وتوشيح ملابسه، له من البرق خفة وطئه وخطفُه، ومن النسيم طروقه ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شَأْوَيْن ١٩٩ محمود بن سلمان بن فهد وابتل عطفه، يطير بالغمز، ويدرك بالرياضة مواضع الرمز، ويغدو كألف الوصل في استغنائه مثلها عن الهمز. ومن أخضر حكاه من الروض تفويضه، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه، قد كساه النهار والليل حلتي قارٍ وسَنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدان لما استجمعا حَسُنا، ومنحه البازي حلة وشيه، ونحلتْهُ الرياح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حب الظفر بمسابقة خياله، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار، أو طلائع فجر خالط بياضه الدجى، فما سجى، ومازح ظلامه النهار فما انهار ولا أناريختال لمشاركة اسم الجري بينه وبين الماء في السير كالسيل، ويدل بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل، ويكذب المانوية لتولد اليمن فيه بين إضاءة النهار وظلمة الليل. ومن أبلق ظهره حرم، وجريه ضرم، إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرف في حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان، وفعله ما يريد الكف والقدم، قد طابق الحسن البديع بين ضدي لونه، ودلت على اجتماع النقيضين علة كونه، وأشبه زمن الربيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف حلتي الدجى في حالتي الإبدار والسِّرار، لا تكل مناكبه، ولا يظل في حُجَرات الجيوش راكبه، فلا يحتاج ليله للمشرق - المجاورة نهاره ـ إلى أن تسترشد فيه كواكبه، ولا يجاريه الخيال فضلاً عن الخيل، ولا يمل السرى إلا إذا مله مشبهات النهار والليل، ولا تتمسك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت فبالذيل، فهو الأبلق الفرد، والجواد الذي لمجاريه العكس وله الطرد، قد أغنته شهوة لونه في جنسه عن الأوصاف، وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها - من الاعتراف له - جادة الإنصاف. فترقي المملوك إلى رتب العز من ظهورها، وأعدها لخطبة الجنان؛ إذ الجهاد عليها من أنفس مهورها، وكلف بركوبها؛ فكلما أكمله عاد، وكلما مله شره إليه، فلو أنه زَيْد الخيل لما زاد، ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل، وعلم أنها لیومی حربه وسلمه جنة الصائد وجُنة الصائل، وقابل إحسان مُهْدیھا بثنائه ودعائه، وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله وأعدائه، والله - تعالى - يشكر بره الذي أفرده في ٢٠٠ الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الندى بمذاهبه، وجعل الصافنات الجياد من بعض مواهبه، بمنه وكرمه)). ٢٠٣ - ((تقي الدين الدُقوقي الحنبلي)) محمود بن علي بن محمود بن مقبل، العراقي، الدقوقي، الحنبلي(١)، الإمام المتقن، محدث بغداد، الشيخ تقي الدين، شيخ المستنصرية الحنبلي. ولد سنة ثلاث وستين وستمائة. وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وأسمَعَهُ أبوه من: المؤرخ علي بن أنجب، وعبد الصمد بن أبي الجيش، وابنٍ أبي الدنية، وجماعةٍ ذلك كل جامع المسانيد من محمد بن أبي الدنية. ٦ وطلب هو بنفسه يسيراً. وكان يحدث الناس على كرسي ببغداد، يحضرهُ خلقٌ عظيمٌ، ويأتي بكل نفيسة. وله نثر، ونظم، ومعرفة بالنحو، واللغة. وكان يعظ في الأعزية. وكان متقناً متحرياً، جَهْوَرِيَّ الصوت؛ محبوباً إلى الناس لفضله وعلمه. ولى مشيخة المستنصرية بعد ابن الدواليبي. حمل نعشه على الرؤوس، وما خلف درهماً. ومن شعره : .٢(٢) ] ٢٠٤ - قطب الدين الشيرازي)) محمود بن مسعود بن مصلح(٣)، العلامة ذو ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (١٠٦/٦). (١) (٢) بياض في الأصل. ينظر ترجمته في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٨٦/١٠)، ((البدر الطالع)) (٢٩٩/٢، ٣٠٠)، (بغية (٣) الوعاة)) (٢٨٢/٢)، («الدرر الكامنة)» (١٠٨/٥، ١٠٩)، («دول الإسلام)» (٢١٦/٢).