Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
محمود بن عابد بن حسين بن محمد
وكان ديِّناً نَزِهاً ورعاً متحرياً. سود معجماً لنفسه، وكان لا يمس الأجزاء إلا على
وضوء.
وروی له الدمياطي.
وسمع المزي وأبا حيان وابن سيّد الناس والبرزالي وقطب الدين والمقاتلي
والمجد الصيرفي.
١٩٤ - ((القاضي الزنجاني الشافعي)) محمود بن أحمد بن بختيار، الفقيه الإمام، أبو
المناقب(١) الزنجاني(٢) - بالنون والزاي والجيم - الشافعي.
درَّس، وأفتى.
واستشهد نوبة التتار سنة ست وخمسين وستمائة ببغداد.
وروى عنه الدمياطي، وكان من بحور العلم.
له تصانيف، وَلى قضاء القضاة بعد أبي صالح الجيلي، وعُزل.
١٩٥ - ((التاج الصرخدي الحنفي)) محمود بن عابد بن حسين بن محمد، الشيخ
تاج الدين، أبو الثناء(٣)، التميمي، الصرخدي، النحوي، الشاعر المشهور، الحنفي.
ولد بصرخد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة .
وتوفي سنة أربع وسبعين وستمائة.
وكان فقيهاً صالحاً، نحوياً بارعاً، شاعراً محسناً، زاهداً متعففاً، خيِّراً متواضعاً،
فقيراً، كبير القدر، دمث الأخلاق، وافر الحرمة.
توفي بالمدرسة النُّورية بدمشق.
في الأصل: أبو الثناء، والمثبت من مصادر الترجمة.
(١)
(٢)
(١٦١).
ينظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) (٣٦٨/٨)، ((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧)، ((الأعلام» (٧)
ينظر ترجمته في: ((فوات الوفيات)) (١٢١/٤٠، ١٢٢)، ((الزركشي)» (٣٢٦) ((عبر الذهبي)» (٥٪
(٣)
٣٠٢)، ((الشذرات)) (٣٤٤/٥).

١٦٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وروى عنه الدمياطي والأمير شمس الدين محمد بن التيتي وجمال الدين بن
الصابوني .
ومن شعره:
لي عند سالفةِ الغزالِ الأدعج قلبٌ ثوى في خده المتصرِّجِ
خمراء ذات توقُّدٍ وتوهج
سل كيف بات وقد أقام بوجنةٍ
دون الورى فغدا به كلف الشّجِى
قد عمَّه للخال حسنٌ خصمه
يا كعبةً العشاق قَثْلُ المُلْتَجِي
من لم يقبّلْ خَالَها لم يَجْجُجٍ
حتى نراها في الحميم المُمْرِجِ
أَيَحِلُّ في حَرَمِ الصبابةِ والهوى
وعلى الصفا من صحن خدك قُبلة
فَسَقَى رياضَ الحزن سخُ سحائب
فيها رأينا البدرَ يشرق من دجا الـ (م) أَصْداغ في صبح الجبين الأبلج
ومنه :
خطف اختصارَ الصبر مخطّفُ خصره فغد الفؤاد بأسره في أسره
في خده وسلاسل من شعره
أضحى أسير سلاسل من عارض
عزاه عارض دمعه في صبره
لما أصيب بعارض من عارض
سَخَراً وهذا من أدلةَ سِخره
قلبي وقد لجَّ الهوى في سكره
قد طال ليلي في هواهُ فلا أرى
نشوان عَزبد طرفه لما رأى
ووش بِوَشْيٍ عِذارِهِ فأظن أن (م) الخد أوقفه بِلاَفِح جمره
ومنه :
سرى والدجى قد همَّ أن يرفع السجفا وقد نال منه السكر من بعدما أعفى
هلال له قلب المتيمّ هالةَ متى لاح منها مشرقاً أمطر الطرفا
وقد حاكت الظلماء أصداغه الوُخفا
ظلوم فواحرَّى على بَزْدِ ظلمه
أقبّل منه الثغر والنحر والكفا
فقمت وقد مال النعاس بعِطْفِه
يصون بحصن الثغر عانِسَ قهوة أعانقه شوقاً فيوسعني رَشْفا

١٦٣
محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن
فيازورةً بَتَّ الصباحُ سُرورَها علينا كأن الصبح ما فارق الإلفا
فرحتُ بوجدٍ يعتريني ولوعةٍ أنادي على ما فاتني منه وإلالفا
١٩٦ - ((ظهير الدين الزنجاني الشافعي الصوفي)) محمود بن عبيد الله بن أحمد بن
عبد الله، الإمام المفتي(١)، ظهير الدين أبو المحامد، الزنجاني - بالزاي والنون والجيم -
الشافعي، والصوفي، الزاهد.
ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ظناً.
وتوفي سنة أربع وسبعين وستمائة.
وسمع على الإمام شهاب الدين السَّهروردي وصحبه مدة، وحدث بعوارف
المعارف عنه.
قال الشيخ شمس الدين: وأجاز لي مروياته، وكان إماماً بالتقْويَّة بدمشق، وأكثر
نهاره بها ومبيته بالشميساطِية .
وروى عنه ابن العطار وابن الخباز وأبو عبد الله ابن إمام الكلاسة.
١٩٧ - (نظام الدين الشافعي قاضي ببغداد)) محمود بن عمر القاض نظام الدين،
قاضي الجانب الغربي ببغداد للشافعي، يعرف: بشيخ الإسلام.
توفي عن ثلاث وسبعين سنة في سنة سبع وسبعين وستمائة.
ورثاه الشعراء، وله تصانيف عديدة، وفنون، وباع طويل في الطب مع التقوى
والدين والزاهد.
١٩٨ - ((برهان الدين المراغي الشافعي)) محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن العلامة
برهان الدين، المراغي (٢) الشافعي.
ينظر ترجمته في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٧٠/٨، ٣٧١)، ((شذرات الذهب)) (٣٤٤/٥)،
(١)
((طبقات الإسنوي)) (١٥/٢، ١٦)، ((العبر)) (٣٠٣/٥).
ينظر ترجمته في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٦٩/٨، ٣٧٠)، («البداية والنهاية)) (٣٠٠/١٣)،
(٢)
((الدارس)) (٤٣٢/١)، ((شذرات الذهب)) (٣٧٤/٥)، ((طبقات الإسنوي)) (٤٥٦/٢).

١٦٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ولد سنة خمس وستمائة .
وتوفي سنة إحدى وثمانين وستمائة.
سمع بحلب من أبي القاسم بن رواحة والقاضي زين الدين ابن الأستاذ. روى عنه
ابن العطار والمزي والبزالي.
وكان إماماً مناظراً أصولياً كثير الفضائل. أفتى ودرَّس بدمشق مدة، وكان مع
براعته في العلوم صالحاً زاهداً. عُرض عليه قضاء القضاة فامتنع، ومشيخة الشيوخ
فامتنع .
وكان لطيف الأخلاق وفيه کرم.
١٩٩ - ((شرف الدين التاذِفي)) محمود بن محمد بن أحمد بن مناذر بن ضحاك(١)،
الإمام المقري، الزاهد، العابد، شرف الدين، أبو الثناء، التاذِفي - بتاء ثالثة الحروف،
وبعد الألف ذال معجمة وفاء -.
وُلِدَ بتاذف سنة أربع وعشرين وستمائة.
وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة.
وسمع من ابن رواحة، وابن خليل وجماعة، وكان يسمع في الشيخوخة للفائدة،
وسمع حضوراً سنة ست وعشرين عَلِيَّ بن إسحاق الصريفيني الحافظ بتاذِف.
وكان صالحاً زاهداً قانتاً، وهيباً كبير القدر، منقطعاً صاحب جَدِّ وعمل، يزور
القدس كل سنة ماشياً، وكان يجلس في دمشق بالقيمرية، ويلازم التلاوة سرًّا بين
الصلاتين بجامع الجبل.
قال الشيخ شمس الدين: قرأت عليه جزءاً واحداً.
٢٠٠ - ((الشيخ محمود الحافي) محمود بن طيّ المعروف بالحافي (٢)، - بالحاء
المهملة، وبعد الألف فاء، وياء آخرَ الحروف - المعروف بالشيخ محمود العجلوني.
(١)
ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)» (٤٣٣/٥).
ينظر: (ينظر الدرر الكامنة)) (٨٤/٦).
(٢)

١٦٥
محمود بن طيّ المعروف بالحافي
كان إنساناً حسناً فقير الحال أقام بصفد مدة، وكان يعرف بعض عربية، وينظم
الشعر، وصحب عفيف الدين التلمساني، وأخذ عنه ذلك المذهب وكان مع فقره حادًّ
الأخلاق.
أنشدني كثير من شعره، وكثيراً رواه لي عن عفيف الدين التلمساني. وكان لعله
يحفظ آكثر ديوان العفيف، وكنت أبحث معه وأرد مقالته وأناظره، وشعَّب ذهن جماعة
بصفد، وأعان الله تعالى على انتقاذهم، وكان يرتزق بشهادة القاسم في خاص السلطان،
وله عيال وأولاد. وتوفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة، رحمه الله.
وأنشدني لنفسه من لفظه، يخمِّس قصيدة جيميّة للعفيف التلمساني:
بالناظر الفاتر الوسنان ذي الدَّعَج وما نجدُ الذي تهوى من الضرَجِ
انظر إلى حسن زهر الروض البهج
قَمْ يا نديمُ فما في الوقت من حرج
واسمع ترنم هذا الطائر الهَزِجِ
ودارها قربت من بعدما بَعُدَتْ
لي الهنا قد وَقَتْ سعدي بها وعَدتْ
فانظر تشاهد أنوار الجمال بدت تجلي الرياض وقينات الحمام شدت
والزهر يحرق عود المندل الأرج
نُسَيمْة القرب من ذاك الجناب سرت فكم فوادٍ بها سرَّت وكم أسرت
وخاطر بَلْبَلَتْهُ عندما خَطَرَتْ فعاطِني يا رشيق القدِّ ما اعتصرت
يدُ الملاحةِ لي من طرفك الغنج
عزَّتْ فعز علينا نيل مطلبها لما تَسامَتْ علوَّاً في تَمْرِتُبِها
وفي لحاظك مُغْنٍ عن تطلبها فما المدامة في سلب العقول بهما
بالشكر أسلب من عينيك المِهَجِ
صَهباء تَذهب بالتبريح والتَرح وتبدل الهمَّ والأوهام بالفرح
يا طيب في ساحتَي حاناتها قَرحى وإن ترد مزجها لا تمزحَنْ قدحى
دعه برقة وجدي فيك يمتزج

١٦٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يا ويحُ روحي تمادتْ في مآربها واستعذبت ما تلاقي مِن معذِّبها
مسلوبة قد براها عشق سالبها مرَّت ليالي صدودٍ لو جمعت بها
دمعي جرت سفُنْ منه على لُجَجِ
أشفقت من فيض آماقي على غرقي ولم يُخَلُ الضنى مني سوى رمقي
وبدَّل النوم بالتسهير والأزق كم قد فتحت لضيف الطيف من حَدَقِي
باب المنى فانثنى عنه ولم يلج
عليك ما زلت منذ كنت معتمداً لما أُجلَّك بالتعظيم معتقدا
ولم أَحُلْ عن عهود بيتنا أبداً وكم بذلتُ جميعي فيك مجتهدا
وصُنْتُ سرَّك في قلب عليك شَجٍ
أضحى وجودي منسوباً إلى العدم وسرّ وجدي بسقمي غير مكتتم
كم قد تبرمت من شوقي ومن ألمي وشِمتُ برقاً على الجرعاء من إضم
قلبي عليك وطرف غير مختلج
لي البشارة أحلامي بكم صدقت وبالرضا ألسن الأحوال قد نطقت
وكان ما صار بالحسنى التي سبقت وهذه ليلة من لؤلؤ خلقت
حُسْناً وإن ظهرت في صبغةِ التَّبَجِ
أكرم بها ليلة عظمت حرمتها وذمت أشكر مهما عشت نعمتها
ولم أخف من صروف الدهر نقمتها جلت ثناياك ذاتُ الظَّلْم ظلمتها
ولم تكلها الضوء الشمع والسُّرُجِ
لما تجنبت عن علمي وعن عملي شوقاً لرؤياك يا سؤلي ويا أملي
أفنى فناك فنايَ وانقضى أجلي فصار ثبتك في محوى يخفّق لي
إيجاب سلبي في سير ومن نهج
ومذ تجليت في كل المظاهر لي ولاح معناك لي في السهل والجبل
حققت رؤياك كشفاً بالعيان جلي فلم أقل للصبا من بعدها احتملي
للحيِّ شخصي ولالِىَ في الخيام لجى

١٦٧
محمود بن سلمان بن فهد
٢٠١ - ((ابن مرة)) محمود بن عيسى بن مشرَّف بن صالح، نَشْىء الدين، أبو الثناء
الأنصاري، الدمشقي، المعروف بابن مرة.
خاله خدم جماعة من الملوك في دار الطراز، وحضر والده فتوحات الشام مع
السلطان صلاح الدين .
توفي رحمه الله سنة اثنتين وستين وستمائة.
ومن شعره :
شاهد غائب وعاملنا قد راح في الدار وهوَ مَعْمولُ
"ومشرفٌ مِشرفٌ وناظرنا أعمى وهذا المُشِدُّ محلول
٢٠٢ - ((الشهاب محمود)) محمود بن سلمان بن فهد (١)، الإمام، العلامة، البارع،
البليغ، الكاتب، الحافظ، شهاب الدين، أبو الثناء، محمود الحلبي، الدمشقي،
الحنبلي .
صاحب ديوان الإنشاء بدمشق.
ولد سنة أربع وأربعين وستمائة.
وتوفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
كان يقول: إن ابن خليل أجاز له، وسمع بدمشق من الرضى بن البرهان،
ويحيى بن الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن مالك، وابن هامل وغيرهم.
وكتب المنسوب ونسخ الكثير، وتفقه على ابن المنجّا وغيره، وتأدب على ابن
مالك، ولازم مجد الدين بن الظهير وسلك طريقه في النظم وأربى عليه، وحذا حذوه
في الكتابة. ونقله الوزير شمس الدين بن السلعوس إلى مصر، وتقدم ببلاغته وبديع
كتابته وإنشائه وسكونه وتواضعه، وأقام بالديار المصرية إلى أن توفي القاضي شرف
ينظر ترجمته في: ((فوات الوفيات)) (٤/ ٨٢- ٩٦)، ((الدرر الكامنة)) (٩٢/٥)، ((النجوم الزاهرة)»
(١)
(٢٦٤/٩)، ((الشذرات)) (٦٩/٦)، («البداية والنهاية)) (١٢٠/١٤)، ((الأعلام)» (١٧٢/٧).

١٦٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
الدين بن فضل الله، فجهز إلى دمشق صاحب ديوان إنشائها، فأقام على المنصب ثمانية
أعوام.
وتوفي رحمه الله وولى بعده القاضي شمس الدين، وصلى عليه الأمير سيف
الدین تنكز، ودفن في تربته بسفح قاسيون.
وقرأت عليه المقامات الحريرية بدمشق، وبعض ديوان المتنبي، وحماسة أبي تمام
وألفية ابن مالك، وكتابه ((حسن التوسل إلى صناعة الترسل))، وكتابه: ((أهنى المنائح في
أسنى المدائح))، وكتبتهما بخطي، وكثيراً من شعره ونثره.
وكتبت أنا على كتاب حسن التوسل :
فقم واتخذ حسن التوسل واسطة
إذا كنت بالإنشاء حِلفَ صبابة
بد ختم الآداب مُنْشِيهِ للورى ولكن غدا في ذلك العقد واسطه
وكف غدت في ساحة الفضل باسطه
إمام له في الجسم والعلم بسطة
فطوبى لمن أضحى نزيل مَقَرَّةٍ وقابله يوماً وقبل باسطه
وله من التصانيف :
مقامة العشاق.
وكتاب: ((منازل الأحباب ومنازه الألباب)).
وقد أجاز لي كل ما يجوز له روايته، وجميع ما له من منظوم ومنثور، ما قرأته
عليه وما لم أقرأ. وكان ممن أتقن الفنيْن نظماً ونثراً، وبرع في الحالتين بديهة وفكراً.
وكان يزعم هو أن نثره أحسن من نظمه، وأن بدره فيه أكمل منه في تمه. والذي أراه أنا
- وأبرأ فيه من العناية والعنا - أن نظمه أعذب في الأسماع، وأقرب إلى انعقاد الإجماع؛
لأنه انسجم تركيباً، وازدحم تهذيباً؛ فسحر الألباب، ودخل بالعجب من كل باب، وإن
كان نثره قد جوده، وأجراه على قواعد البلاغة وعوده، فإن شعره أرفع من ذاك طبقة،
وأبعد شأواً على من رام أن يلحقه، وهو يحذ وفيه حذو سبط التعاويذي، وقصائده
مطولة فائقة، ليس يرتفع فيها ولا ينحط؛ بل هي أنموذج واحد ليس فيها ما يُرْمَى، ولم
يكن بغواص على المعاني، ولا يقصد التورية؛ فإنها جاءت في كلامه قليلة، ومقاطيعه
مـ

١٦٩
محمود بن سلمان بن فهد
قليلة جداً، ولكن قصائده طويلة طائلة هائلة كثيرة، لعلها تجيء في ثلاث مجلدات أو
أربعة، ولم يجمعها أحد، وهي كما قال ابن الساعاتي:
ناطقات بكل معنى يضاهِي نُكَتِ السّخر في عيون الملاح
من نسيب يهز عاطفة المجـ (م) ـد ومدح يُلين عطف السَّماح
وأما نثره فيجىء في أزيد من ثلاثين مجلدة، وكان أخيراً ينشىء هو ويكتب ولده
القاضي جمال الدين إبراهيم؛ فيجيء التوقيع أو المنشور فائقاً في خطه ولفظه. وعلى
الجملة: فكان من أئمة الكتاب وجلة البلغاء، وكانت له معرفة بأيام الناس وتراجمهم،
ومعرفة خطوط كتاب المنسوب.
وهو من أعيان المشايخ الذين رأيتهم ورويت عنهم؛ فهو أحد الكَمَلة الذين
عاصرتهم. وكان قد عين لقضاء الحنابلة بالديار المصرية، وبينه وبين أهل عصره
مكاتبات ومراجعات.
کتب إليه ناصر الدين حسن بن النقيب:
يا فاضلاً وافي محلّي زائرا متفضلاً والفضل للمتقدم
ومشرَّفي ومشنّفي بسلامِهِ وكلامه ومجَّلي ومعظّمي
أنت الشهاب الثاقب الذهـ (م) من الذي أضحت ذُكاءُ إلى ذَكاهُ تنتمي
والواضح الخط المحقّق أصله والطاهر القلم الموقع والغم
شعر كنثر الدر أوتبرٍ غدت في خجلة منه دراري الأنجم
من لفظك العالي المَحَلِّ المعلم
مولاي زَوّدني فإني راحل
وابعث إليّ بفذ شيء منهما وامنن عليّ وجُذْ بذلك وانعَم
فأجابه بقوله :
يا سيدالما وطِئْتُ بساطه حدّثتُ آمالي بقبض الأنجم
ذي من فضائله وتلك من الدم
أنت الذي روى المسامع والقنا
كم قد صنعتَ بأخذ كل مدرَّع حامى الحقيقة مُعْلِماً من معلم

١٧٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
بالرمح ثغر الفارس المستلثم
وفتحتَ من حصن بسدك في الوغى
وافيتُ ربعك ظامئاً مستمطرا
فبعثَ لي وَطْفاء لو لم يُغْصِن مِنْ
ميمية لما لثمتُ سطورها
أنواء شعرك في شعار مسلّم
خَطَفات وامض برقها طرفي عَمِى
حَسَدَتْ على تقبيلها عيني فمي
الآداب إذ أضحت إليه تنتمي
يا ناصر الدين الذي شرفت به
في غير خدمته كحزن متمم
يا مالكاً حزني على زمن مضى
سيَّرتَ إنعاما شَغَلْتُ بشكره عبداً يرى إيجاب شكر المنعم
وكتب إليه السراج الوراق ملغزاً في سجادة:
يا إماماً ألفاظه الغُرُّ في الأسـ ـماع تُزْري بالدرّ في الأسماطِ
فغدت عن علاه ذات انحطاط
مستبيحاً ما لا يباحُ لِوَاطِي
حال زهدي فيها وحال اغتباطي
هي ست على اختلاف التعاطي
قهقهقت لا ولا دنت للبواطي
طالب اللَّه وهو عبد خاطي
وشهاباً تجاوز الشهبَ قدراً
أي أنثى وطئتُ منها حلالاً
لم أحاولْ تقبيلها غيرَ خمسٍ
وهي مملوكة وعند أناسٍ
وهي في صورة خماسية ما
ومصيبُ الإيمان يسعى إليها
وأرى أن تحلها بيمين ويسارٍ فقد غدتْ في رباط
فكتب إليه الجواب، ومن خطه نقلتهما :
يا سراجاً لما سمتْ باسمه الشمـ ـسُ غدا البدرُ دونها في انحطاطِ
ظك درّ وصنعُ يمناك شاطي
أنت بحرّ نداك موجّ وألفا
لا تلمني إذا نظمت معانيـ
ـك فمن درِّ فِيك كان التقاطي
لم تجاهذ وكم غدت في رباط
أنت ألغزتَ في اسم ذاتٍ رقاع
خطواتٌ براحة وانبساط
خُمُسَاها عشر وللعشر فيها
حازها تابعُ المجلّي فحاز الـ ـسبقَ من دونه بغيرِ اشتراط

١٧١
محمود بن سلمان بن فهد
مذ علاها في أوّل الصف أضحى كسليمانَ فوق متنِ البساط
وأنشدني من لفظه لنفسه علاء الدين الطنبغا الجاولي:
قال النجاة بأن الاسم عندهم غير المسمى وهذا القول مردود
الاسم عين المسمى والدليل على ما قلت أن شهاب الدين محمود
وأخبرني من لفظه الشيخ علاء الدين علي بن غانم قال: عاتبني شهاب الدين
محمود يوماً، وقال: بلغني أن جماعة ديوان الإنشاء يذمونني وأنت حاضر ما ترد
غيبتي .
فكتبت إليه :
ومن قال إن القوم ذموك كاذب وما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامد وهل عيب بين الناس أو ذم محمود
قال: فكتب إليَّ بأبيات منها:
علمت بأني أذم بمجلس وفيه كريم القوم مثلك موجود
ولست أزكى النفس إذ ليس نافعي إذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمِهِ وقد آن [أن] يبلي ويأكله الدود
قال: فلم يكن بعد ذلك إلا أيام قلائل حتى توفي رحمه الله، وأكله الدود.
وقلت أنا أرثيه رحمه الله تعالى وكنت يومئذٍ بالديار المصرية، ولم أكتب بها
لأحد:
ما حزن قلبي في البلوى بمحدود ولا فؤادي في السلوى بمعدود
أبي الثناء شهاب الدين محمود
فلا تذم امرءاً يبكي الدماء على
ارجع وحطّ عن المَهْرية القُود
يا ساري الليل يبغي الفضل مجتهدا
في ما نؤمله من غير تفنيد
مات الإمام الذي كنا نَؤُمُّ له
معالم العلم منه بعد تشييد
وأقفرت ساحة الآداب واندرست
أما ترى كيف كتاب الأنام غدت أوراقهم وهي فيه ذات تسويد

١٧٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
هو الإمام الذي لما سَمَى أدباً ألقت إليه المعاني بالمقاليد
طوفانُ علمٍ جرت فيه السفينة من آدابه واستوتْ منه على الجُود
وليس راجي أياديه بمردود
حمائم السجع منها ذات تغريد
كأنه نَقْشُ كفِّ الكاعب الرُّود
فليس باغي معاليه بذي ظفَرٍ
كأن أقلامه في الكف بانُ نَقىّ
فیرجع الطّرسُ من نِقْسٍ علیه بدا
كم قلَّد الدهرَ عقداً من قصائده بدر لفظ بديع الرصف منضود
تلك التواقيع أو تلك التقاليد
وكم حبا الملك تيجان البلاغة من
وكم أفاد المعاني من بلاغته
وكم فهم كلمح الطرف نفذه
فصال إذ صان سر الملك منفردا
فلا قوام القنا يهتز من مَرَّحٍ
وليس تسمع للأبطال هَمْهَمَةً
تدبير من حلب الأيام أشطرها
أراه إن قام ذو فضل بمنصبه
أما ترسُّله السهل البديع فقد أقام في شاهق بالنجم معقود
أنسى الأنامَ به عبد الرحيم كما
مازانها باختراعات وتوليد
وما أحال على حرب الصناديد
على الأعادي بكيد غير مكدود
ولا خدود المواضي ذات توريد
رعودها خار منها كل رعديد
مهذب الرأي في عزم وتسديد
قال البيان له قم غير مطرود
راح العماد بقلب منه معمود
تراه إن أعمل الأقلام مرتجلا قال البيان لها يا سُخبَنا جُودِي
يملى ويكتب من رأس اليراع بلا فكر فيأتي بسحر غير معهود
إذا سمعنا قوافيه وقد نَجَزَتْ تقول من طرب ألبابُنا عِيدي
شاعت فضائله في الناس واشتهرت . وبات ينشدها الركبان في البيد
من بعد ما زال تنكيري وتنكيدي
فقصَّرت فيك عن تعداد تعديدي
يا من رجعتُ به في الناس معرفةً
ساعدتُ فيك حمامَ الأيك نائحةً
لهفي عليك وهل يجدي التهلف أو يفك أسرَ فؤادٍ فيك مصفود

١٧٣
محمود بن سلمان بن فهد
وحرقتي فيك لا يطفِى تلهُبَها دمعي وإن سال في خدي بأخدود
فلا جَفَتْ قبَرك الأنواءُ وانسجمتْ عليه يا خيرَ ذي صمت وقد نُودي
ومن بديع إنشائه الذي هو في الذروة: رسالة أنشأها في معنى قدمِهِ لرمي البندق،
وغالب معانيها مأخوذ من قصيدة عينية مطولة لابن الرومي، وهي مما قرأته عليه:
(«الرياضة - أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حُبَّهُ كقلب عَدُوه واجباً، وسعدَه
كوصف عبده للمسارّ جالباً، وللمضارّ حاجباً، تبعث النفوس على مجانية الدعوة
والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون إلى الركون، وتحضها على أخذ
حظها من كل فن حسن، وتحثها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللَّسَن،
وتأخذ بها طوراً في الجد وطوراً في اللعب، وتصْرِفها من ملاذ السمو في المشاق التي
يستروح إليها التَّعِب، فتارة تحمل الأكابر وللعظماء في طلب الصيد على مواصلة
السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطان، ومهاجرة الأخطار، ومكابدة الهواجر،
ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم
التي يُذَم المعرِص عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جد الحرب فهذه صورة لعب
يُخرَجُ إليها منها، وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملَق، وتحدوهم في سلوك طريقها مع
من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق؛ فيعتسفون إليها الدجى إذا سجا،
ويقتحمون في بلوغها جرف النهار إذا انهار، ويتنعمون بوعثاء السفر في بلوغ الظفر،
ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على
اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام، ولما عدنا من الصيد الذي اتصل به
حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه - تُقْنا إلى أن تشفع صيد السوانح برمي الصوادح،
وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلّة القسي ما تفعل الجوارح؛ تفضيلاً لملازمة الارتحال
على الإقامة في الرحال، وأخذا بقولهم:
لا يُصلح النفسَ إذ كانت مدبرة إلا التنقلُ من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتسير في الأفق الغربي إلى جانب رمْسها،
وتغازل عيون النَّوْر بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريص إلى وجوه
العُوّد؛ فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فَرَق، أو عليل يقضي بين صحبه بقايا مدة

١٧٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
الرمَق، وقد أخضلَّت عيون الثَّور لوداعها، وهمَّ الروض يخلع حلته المموّهة بذَهب
شعاعها .
والطل في أعين النَّوار تحسبه دمعاً تخيَّر لم يَزْقأ ولم يَكِفِ
بعقده وتبدَّي منه في شَنَفٍ
كالؤلؤٍ ظَلَّ عِطْفُ الغصنِ متَّشِحاً
خضر ويُجْني من الأزهار في صَدَف
يُضَمُّ من سندس الأوراق في صُرَرٍ
طرف غدا وهو من خوف الفراق خَفِى
والشمس في طَفَلِ الإمساء تنظر من
به الهوى فرَآهم على شَرَفِ
كعاشق سار عن أحباب وهفا
إلى أن مضى المغربُ عن الأفق ذهب قلائدها، وعوَّضه عنها من النجوم بخدمها
وولائدها، فلبثنا بعد أداء الفرض لُبْث الأهلّة، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلا تَحِلَّة،
ونهضنا وبرد الليل موشَّع، وعقده مرصع، وإكليله مجوهر، وأديمه مُعَنبر، وبدره في
خدر سِراره مستكن، وفجره في حشا مطالعه مستجن؛ كأن امتزاج لونه بشفق الكواكب
خليطا مسك وصندل، وكأن ثرياه لامتداده معلقة بأمراس کتَّان إلی ھُمِّ جندل:
ولاحت نجوم الليل زُهرا كأنها عقود على خَوْد من الزنج تنظم
طيور على نهر المجرة حُسوَّم
محلقة في الجو تحسب أنها
إذا لاح بازي الصبح ولت يؤمُّها إلى الغرب خوفاً منه نسر ومرزم
إلى حدائث ملتفة، وجداول محتفّة، إذا جمّش النسيم غصونها اعتنقت عناق
الأحباب، وإذا فرَّك من المياه متونها انسابت من الجداول انسياب الحُباب، ورقصت في
المناهل رقص الحَباب، وإن لثم ثغور نَوْرها خَيته بأنفاس المعشوق، وإن أيقظ نواعس
وُرْقِها غَنَّتْه بألحان المشوق؛ فنسيمها وانٍ، وشميمها لِغِرَقِ الجنان عنوان، وَوَرْدُها من
سَهَر نرجسها غيران، وطلها في خدود الورد منبعث، وفي طرر الريحان حيران،
وطائرها غَرِد، وماؤها مطّرِد، وغصنها تارة يعطفه النسيم إليه فينعطف، وتارة يعتدل
تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف، مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن
وتباين الترتيب؛ إذ كلما اعتل النسيم صح الأرج، وكلما خَرَّ الماء شمخ القضيب:
فكأنما تلك الغصون إذا ثَنَتْ أعطافَها رسُلُ الصبا أحبابُ

١٧٥
محمود بن سلمان بن فهد
صلح ومن سجع الحمام عتاب
فلها إذا افترقت من استعطافها
وكأنها حول العيون قوائِساً شَرْبٌ وهاتيك المياه شراب
راحٌ وأضواء النجوم حَباب
فغديرها كأسّ وعذبُ نطاقِها
تُحِيط بمَلَق نطاقها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصباؤها لصفاء مائها في
نفس الأمر راكد وفي رأى العين طاف، إذا دغدَغها النسيم حسبت ماءها بتمايل الظلال
فيه يتبرج ويميل، وإذا طردت عليه أنفاس الصبا ظننت أفياء تلك الغصون تارة يتموج
وتارة يسيل، وكأنه محب هَامَ بالغصون هوى فمثَّلها في قلبه، وكأن النسيم كَلِفٌ بها
غار من دنوها إليه فميّلها عن قربه:
والسَّزْوُ مثل عرائس لُفَّتْ عليهن المُلاءُ
شمَّزن فضل الأَزْر عن سوق خلاخلهن ماء
والنهر كالمرآة تبـ(م) ـصروجهها فيه السماء
وكأن صوافّ الطير المبيضّة بتلك الملق خيام، أو ظباء بأعلى الرقمتيْن قيام، أو
أباريقُ فضة رؤوسها لها فدام، ومناقيرها المحمرّة أوائل ما انسكب من المُدام، وكأن
رقابها رماح أسنتها من ذهب، أو شموع: أوسد رؤوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب،
وكنا كالطير الجليل عدة، وكطراز العمر الأول جِدّة:
من كل أبلجَ كالنسيم لطافة عَفِّ الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحةً وكعمرها عَدَداً ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسيّ كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلة في نحافتها وتكوينها، بطونها
مدبجة، ومتونها مدَّرجة، كأنها كواكب الشولة في انعطافها، أو أوراق الظباء في
التفافها، لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار، إذا مُدَّتْ لصيد طير
ذهب من الحياة نصيبُه، أو انتصبت لرحى بدت لها أنه أحق بها من تصيبه، ولعل ذلك
زجر لبندقها أن يبطىء في سيره، أو يتخطى الغرض إلى غيره، أو وَحْشَةٌ لمفارقة أفلاذ
كبدها، أو أَسَفُ على خروج بنيها من يدها، على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء،
وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء:

١٧٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
مثل العقارب أذنابا معقدة لمن تأملها أو حقق النظرا
إن مَّدها قمر منهم وعاينه مسافر الطير فيها وانبرى سفرا
فهو المسيء اختياراً إذْ نوى سفرا وقد رأى طالعاً في العقرب القمرا
ومن البنادق كرات مثقفة السرد، متحدة العكس والطرد، كأنما خُرِطَتْ من المندل
الرطب، أو عُجِنَتْ من العنبر الورد، تسرى كالشهب في الظلام، وتسبق إلى مقاتل
الطير مسددات السهام:
مثل النجوم إذا ما سرن في أُفُق عن الأهلة لكن نونها راء
الإثبات يرى فيها وإضواء
ما فاتها من نجوم الليل إن رُمِقَتْ
كأنها في جفون الليل إغفار
تسري فلا يشعر الليل البهيم بها
وتسمع الطير إذا تهفو قوادمه خوافقا في الدياجى وهي صماء
تصونها جراوة كأنها درج درر، أو درج غرر، أو كمامة نهر، أو كنانة نَبْل، أو
غمامة وَبْل، حالكة الأديم، كأنما رُقِمَتْ بالشفق حلةُ ليلها البهيم:
كأنها في وضعها مَشِرقٌ تنبتُ منها في الدجى الأنجم
أوديمة قد أطلعت قوسها ملوناً وانبعثت تسجم
فاتخذ كل له مركزاً، وتقاضى من الإصابة وعدا منجزاً، وضمن له السعد أن
يصبح لمراد محرزاً:
كأنهم في عين أفعالهم في نظر المنصف والجاحد
قد ولدوا في طلع واحد وأشرقوا من مطلع واحد
فسرت علينا من الطير عصابة، أظلتنا من أجنحتها سحابة، من كل طائر أقلع يرتاد
مرتعاً، فوجد ولكن مصرعاً، وأسفّ يبغي ماء جماماً، فورد ولكن السم منقعاً، وحلق
في الفضاء يبغي ملعباً، فبات هو وأشياعه سجداً للقسي ركّعاً؛ فتبَّركا بذلك الوجه
الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل، فاستقبل أولنا تماً ثم بدره، وعظم في نوعه قدره،
كأنه برق كرع في غسق، أو صبح عُطف على بقية الدجى عطف النسق، تحسبه في
أسداف المنى غرة نُجْح، وتخاله تحت أذيال الدجى طرة صبح، عليه من البياض حلة

١٧٧
محمود بن سلمان بن فهد
وقار، وله كرة من عنبر فوق منقار من قار، له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم
يصرفه نسيم :
كلون المشيب وعصر الشباب ووقت الوصال ويوم الظفز
كأن الدجى غار من لونه فأمسك منقاره ثم فرّ
فأرسل إليه عن الهلال نجماً، فسقط منه ما كبر بما صغر حجماً؛ فاستبشر
بنجاحه، وكبَّر عند صياحه، وحصَّله من وسط الماء بجناحه، وتلاه کُيٍّ نقيّ اللباس،
مشتعل شيب الرأس، كأنه في عرانيق شيبهِ لا وبله، كبيرُ أناس إن أسفَّ في طيرانه
فغمائم، وإن خفق بجناحيه فقلْعٌ له بيد النسيم زمام، ذو غبية كالجراب، ومنقار
كالحراب، ولون یَغُرُّ في الدجى كالنجم، ويخدع في الضحى كالسراب، ظاهر الهرم،
كأنما يخبر عن عاد ويحدث عن إرم :
أن عام في رزق الغدير حسبته مبيضُّ غيم أو أديم سماء
في الجو شيخاً عائماً في ماء
أو آر في أفق السماء طنَنْته
متناقض الأوصاف فيه خفة الـ (م) -جهال تحت رزانه العلماء
فثنى الثاني إليه عنان بندقه، وتوخاه فيما بين أصل رأسه وعنقه؛ فخر كماردٍ
انقض عليه نجم من أفقه، فتلقاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحة الماء من وجه
الغدير، وقارنته إِوَزَّة حلتها دكناء، وحليتها حسناء، لها في الفضاء مجال، وعلى
طيرانها خفةُ ذواتِ التبرج وخفرُ ربَّات الحجال؛ كأنما غبّت في لهب، أو خاضت في
ذهب، تختال في مشيتها كالكاعب، وتتأنى في خطوها كاللاعب، وتعطو بجيدها
كالظبي الغرير، وتتدافع في سيرها مشى القطاة إلى الغدير:
رداحٍ وإن صاحت فصولة خادم
إذا أقبلت تمشي فخطرة كاعب
وإن أقلعت قالت لها الريح ليت لي خَفاذي الخوافي أو قوى ذي القوادم
فأنعِمْ في البعد زاد مسافر وأحسن بها في القرب تحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها؛ فلجت في ترفعها ممعنة،
ونزلت على حكمه مذعنة؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار

١٧٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
القنوط، وحادتها لغلغة تحكى لون وشيها، وتصف حسن مشيها، وتربى عليها بغرِّتها،
وتنافسها في المحاسن كضرتها، كأنها مدامة قُطيتْ بمائها، أو غمامة شقت عن بعض
نجوم سمائها :
بغرَّة بيضاء ميمونةٍ تشرق في الليل كبدر التمام
وإن تبدت في الضحى خِلْتها في الحلة الدكناء برق الغمام
فجدَّتْ في العلو مُغِذَّة، وتطارت أمام بندقه ولولا اطراد الصيد لم تك لذة،
وانقضَّ عليها من يده شهابُ حتفِها، وأدركها الأجل بخفة طيرانها من خلفها؛ فوقعت
من الأفق في كفه، ونفر مَن في بقايا صفها عن صفه، وأتت في إثرها أَنَيُّسة آنسة، كأنها
العذراء العانسة، أو الأدماء الكانسة، عليها خفر الأبكار، وخفة ذوات الأوكار، وحلاوة
المعاني التي تُجْلى على الأفكار، ولها أنس الربيب، وإدلال الحبيب، وتلفت الزائر
المريب من خوف الرقيب، ذات عنق كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة
البهار إلى حمرة الشقيق، وصدر بهيُّ الملبوس، شهي إلى النفوس، كأنما رقم فيه النهار
النفوس، كأنما رقم فيه النهار بالليل أو نقش فيه العاج بالابنوس، وجناح ينجيها من
العطب، يحكي لونه المندل الرطب، لولا أنه حطب:
مدّبجة الصدر تفويفُه أضاف إلى الليل ضوء النهارِ
لها عنق خَالَهُ من رآه شقائق قد سُيِّجتْ بالبهار
فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمة، وحصل
بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة، وأتى على صوتها حُبرج تسبق همتُه جناحه،
ويغلب خفقُ قوادمه صياحَه، مدبج المطا، كأنما خلع حلة منكبيه على القطا، ينظر من
لهب، ويخطو على رجلين من الذهب:
يزور الرياض ويجفو الحياض ويشبه في اللون كُذْر القطا
ويهوى الزروع ويـلـهو بها ولايـرد الماء إلا خطـا
فبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه؛ فخر على الآلاه كبسطام بن
قيس، وانقض عليه راميه فحصله بحذق وحمله بكيس، وتعذر على السابع مرامه،

١٧٩
محمود بن سلمان بن فهد
ونبابِهِ عن بلوغ الأرب مقامه، فصعد هو وتِزْب له إلى الجبل، وثبت في موقفه من لم
يكن له بمرافقتهما قِبَل، فعن له نسر ذو قوائم شداد، ومناسر حداد، كأنه من نسور
لقمان بن عاد، تحسبه في السماء ثالث أخويه، وتخاله في الجو قبته المنسوبة إليه، قد
خُلق بالفقراء رأسه، وجعل مما قصر من الدلوق لباسه، واشتمل من الرياش العسلي
إزاراً، واختار العزلة فلا تجد له إلا في الجبال الشواهق مزاراً، قد شابت نواحي الليالي
وهو لم يشب، ومضت الدهور وهو من الحوادث في معقل أشب:
مليك طيور الأرض شرقا ومغربا وفي الأفُق الأعلى له إخوان
له حال فتّاك وحلية ناسك وإسراع مقدام وفترة وان
فدنا من مطاره، وتوخى بندقُه عنقَه فوقع في منقاره، فكأنما هذَّ منه صخراً، أو
هدم به بناء مشمخرا، ونظر إلى رقيقه، مبشراً له بما امتاز عن رفيقه، وإذا به قد أظلته
عقاب كاسر، كأنما أضَلَّتْ صيداً أُفْلِتَ من المناسر، إن خطت فِسحاب انكشف، وإن
أقامت فكأن قلوب الطير رطبا ويابساً لدي وكرهاً العناب والحشَف، بعيدة ما بين
المناكب، إذا أقلعت في الجو لجت في عُلُوِّ كأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب:
ترى الطير والوحش في كفها ومنقارها ذا عظام مُزَالة
فلو أمكن الشمس من خوفها إذا طلعت ما تسمت غزاله
فوثب إليها الثامن من وثبة ليث قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأول بندقه
فما أخطأت قادمةَ جناحها؛ فأهوت كعود صرع، أو طود صدع، قد ذهب بأسها،
وتذهَّبَ بدمها لباسها، وكذلك القدر يخادع الجوَّ عن عقابه، ويستنزل الأعصم عن
عقابه، فحملها بجناحها المهيص، ورفعها بعد الترفع في أوج جوها من الحضيض،
ونزلا إلى الرفقة، جذلين بريع الصفقة، فوجدا التاسع قد مر به كُرَكِيٍّ طويل السفار
شهي العُراق، كثير الاغتراب يشتو بمصر، ويصيف بالعراق، لقوادمه في الجو هفيف،
ولأديمة لون سماء طرأ عليها غيم خفيف، تحن إلى صوته الجوارح، وتَعْجَب من قوته
الرياح البوارح، له أثر حمرة في رأسه كوميض جمر تحت رماد، أو بقية جرح تحت
ضماد، أو فص عقيق شقت عنه بقايا ثماد، ومنقار كسنان، وعنق كعنان، كأنما ينوس،
على عودين من آبنوس :

١٨٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
إذا بدا في أفق معلّقا والجو كالماء تفاويفُهْ
حسبته في لجة مركبا رجلاه في الأفق مجاذيفه
فصبر له حتى جازه مجلّيا، وعطف عليه مصليا؛ فخر مضرجاً بدمه، وسقط
مشرفاً على عدمه، وطالما أَفْلِتَ لَدَى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحية من
حمأ مسنون، فكثر التكبير من أجله، وحمله راميه على وجه الأرض برجله، وحاذاه
◌ُرنوق حكاه في زِيه وقدره، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره، له مريشتان ممدودتان من
رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنيه مكان شنفه :
له من الكُزْكِيِّ أوصافه سوى سواد الصدر والراس
إن شال رجلاً وانبرى قائماً ألفيته هيئتةً برجاس
فأصغى العاشر منصتاً، ورماه ملتفتاً؛ فخر كأنه صريع الألحان، أو نزيف بنت
الحان، فأهوى إلى رجله بيده ويده، وانقض عليه انقضاض الكاسر على صيده، وتبعه
في المطار، صُوغ كأنه من النضار، مصوغ تحسبه عاشقاً قد مدَّ صفحته، أو بارقاً قد
شَبًّا لفحته:
طويلة رجلاه مسودة كأنما منقاره خنجر
مثل عجوز رأسها أشمط جاءت وفي رقبتها معجر
فاستقبله الحادي عشر ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب؛ فسقط كفارس تقطر
عن جواده، أو وامق أصیبت حبة فؤاده، فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه، واقترن به
مِرزم له في السماء سمى معروف، ذو منقار كصدغ معطوف، كأنه رياشة فلَقٌ اتصل به
شفَق، أو ماء صاف علق بأطرافه علق:
له جسم من الثلج على رجلين من نارٍ
إذا أقلع ليلاً قل(م) ـتَ برق في الدجى سارٍ
فانتحاه الثاني عشر متمّماً، ورماه مصمّماً؛ فأصابه في زوره، وحصّله من فوره،
وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره، والتحق به شبيطر، كأنه مديةُ مبيطر،
ينحط كالسيل، ويكر على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونيه ضدين يقبل منهما بالنهار