Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد
٣٢٨ - ((الدمشقي محتسب حلب)) عمر بن حسن بن عمر بن حبيب، العالمُ المحدّث
الفاضل، زين الدين، أبو حفص الدمشقي، مُختَسِب حلب. ولد سنة ثلاث وستين [وستمائة]
تقريباً، وسمع من ابن البخاري، وابن شيبان، وعليّ بن بَلَبان، وطائفة؛ وعُني بالحديث،
ورحل، وسمع من ابن حمدان، والأَبَرْقُوهي، وسَيِّدَة بنت دِرباس، وخلق. ونسخ وحصَّل
الأجزاء، وخرّج له الشيخ شمس الدين معجماً عن أزْيَدَ من خمسمائة شيخ بالسماع. وكان
كثير الأسفار، فدخل في آخر عمره إلى الروم، ثم إلى مَراغة، فتوفي هناك، رحمه الله تعالى،
سنة ست وعشرين وسبعمائة.
٣٢٩ - ((الخطّاط البغدادي)) عمر بن الحسين، الخطّاط. كان كاتباً جليلاً، مليح الخطّ،
يكتب الناس عليه، وكان يكتب على طريقة ابن البواب، ويجيد ذلك. قال تاج الدين الكندي:
بيعت آلة الكتابة التي خلّفها عمر الخطاط مِن الدُّوِيّ والسكاكين وغير ذلك بتسعمائة دينار
أميرية. وتوفي في بغداد، سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ودفن في داره.
وفيه يقول ابن الفضل الشاعر [السريع]:
عُمَيْرَةُ الخطّاط أُعجوبةٌ لكلّ من يدري ولا يدري
لا يُحسِنُ الخطّ ولا يحفظ الــقرءان وَهُو الكاتب المُقْرِي
٣٣٠ - ((الخِرَقي الحنبلي)) عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخِرَقي
الحنبلي. كان من أعيان الحنابلة، وصنَّف في مذهبه كثيراً، من جملة ذلك ((المختصر)) الذي
اشتغل به أكثر الحنابلة، ولم تظهر مصنَّفاته، لأنه خرج عن بغداد لمّا ظهر بها سبُّ الصحابة،
وأودع كتبه في دار فاحترقت. ومات وهو بدمشق، ودُفن في مقابر باب الصغير، سنة أربع
وثلاثين وثلاثمائة. وكان أبوه من الأعيان أيضاً(١).
٣٠٢٨ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٥٨/٣)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٥٠٦)، و((طبقات الحفاظ))
للسيوطي (٥٢٦).
٣٢٩ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٥٩/١٦).
((اللباب)) لابن الأثير (٤٣٥/١)، و((الكامل)) له (٣٢١/٦)، و((العبر» للذهبي (٢٣٨/٢)، و((تاريخ
٣٣٠-
بغداد)» للخطيب (٢٣٤/١١)، و((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٧٥/٢ -١٨)، و(«تذكرة الحفاظ))
للذهبي (٨٤٧)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢١٤/١١)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٢/
٣٣٦)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤٤١/٣)، و((الأنساب)) للسمعاني (١٠٠/٥)، و((النجوم
الزاهرة» لابن تغري بردي (٢٨٩/٣).

٢٨٢
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
٣٣١ - ((أبو حَفْصٍ المدني)) عمر بن الحكم بن ثَوْبان، أبو حفص المدني. روى عن
سعد بن أبي وقّاص، وأبي هُرَيْرَة، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمرو، وجماعة. وتوفي سنة
سبع عشرة ومائة. وروى له مُسلم، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه.
٣٣٢ - (الحَرّاني)) عمر بن حياة بن قيس بن حياة الحزّاني، الشيخ أبو الفتح. توفي،
رحمه الله، سنة خمس وستمائة، عن سبع وسبعين سنة، کعمر أبیه.
ذُكر أن الملك المنصور محمد بن الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر، مرض
بحرّان، فأُرسل إليه أنْ قد قيل إنَّ عافيتك أن تشربَ شراباً في مداس الشيخ عمر ابن الشيخ
حياة؛ فقال الشيخ عمر: هذا قبيح، فقال: لا بُدَّ من هذا. فغسلوها وطيَّوها، وحُملت إليه،
وشرب فيها، فعوفي بإذن الله تعالى.
وأقام بعده في الزاوية أخوه أبو بكر عبد الله خمس عشرة سنة. ومات في سابع عشر
ربيع الآخر، سنة عشرين وستمائة، عن ثمان وثمانين سنة. وقد تقدَّم ذكر والده الشيخ
حياة بن قيس في مكانه من حرف الحاء.
٣٣٣ - ((كمال الدين الدُّنيسِري الشافعي)) عمر بن الخضر بن ألِلْمِش بن ألْدُزْمِش بن
إسرائيل، الحافظ العالم الحكيم، كمال الدين الدُّتَيسِري، أبو حفص التركي الشافعي. سمع
ابن الجوزي أبا الفرج، وعبد المنعم بن كُليب، والمبارك بن المَعْطُوش، وطبقتهم، ببغداد،
وابن طَبَرْزَذ، وباريك، وجعفر بن محمد بن العباس، بدُنَيْسِر. وكان مولدُه سنة أربع وسبعين
وخمسمائة، وتوفي في حدود الأربعين وستمائة. وسمع منه جماعةٌ كثيرة، وكان عارفاً
بالطبّ، مجموعَ الفضائل، وجمع تاريخاً لدُنَيْسِر.
٣٣٤ - ((ابن أبي زائدة الهَمْداني)) عمر بن خالد بن ميمون، هو ابن أبي زائدة الهَمْداني
٣٣١ - ((تاريخ البخاري)) (١٤٦/٢/٣)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) للخزرجي (٢٣٩)، و((تهذيب التهذيب))
لابن حجر (٤٣٦/٧)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٠١/١/٣).
٣٣٣ ۔
٣٣٢-
((تاريخ الإسلام» للذهبي (٢٠٣/١٨)، و((التكملة لوفيات)) النقلة (١٥٠/٢).
((عقود الجمان)) لابن الشعار (٣٦٠/٥)، و((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي (٢٦٤).
((خلاصة تذهيب الكمال)) الخزرجي (٢٣٩)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٤٨/٧)، و((تاريخ
٣٣٤ ۔
البخاري)) (١٥٢/٢/٣)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٠٦/١/٣)، و((ميزان الاعتدال))
للذهبي (١٩٧/٣)، و((الجمع بين رجال الصحيحين)) لابن القيسراني (٣٤٠)، و((طبقات المعتزلة)) لابن
المرتضى (١٣٩).

٢٨٣
عمر بن الخطّاب بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عدي بن
الكوفي. وهو أكبر من أخيه زكريّاء. روى عن قيس بن أبي حازم، والشَّعبي، وعِكْرِمَة، وأبي
بُردة بن أبي موسى، وعَوْن بن أبي جُحَيْفة، وعبد الله بن أبي السَّفَر. وروى عنه
عبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن منصور، والسَّلُولي، ومُسلم بن إبراهيم، والأصمعي،
وعبد الله بن رجاء، والحَوْضي، وآخرون. وثّقه ابن معين، وعاش دهراً، وتوفي بعد
الخمسين ومائة(١). وروى له البخاري ومُسلم والنّسائي.
٣٣٥ - ((أمير المؤمنين)) عمر بن الخطّاب بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن
قُرْط بن رَزاح بن عدي بن كعب، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي العدوي. أمّه حَتْتَمَة بنت
هاشم بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن قال بنت هشام بن المغيرة فقد أخطأ،
لأنها لو كانت كذلك، لكانت أخت أبي جَهْل بن هشام، والحارث بن هشام بن المغيرة،
وإنّما هي بنت عمّهما.
ولد عمر رضي الله عنه، بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، في قول. وكان من أشراف
قريش، وإليه كانت السَّفارة في الجاهلية، لأنه كان إذا وقعت بين قريش وبين غيرهم حربٌ أو
منافرة أو مفاخرة، بعثوه سفيراً ومنافِراً ومفاخراً، ورضوا به. ثم أسلم بعد أربعين رجلاً
وإحدى عشرة امرأةً، وكان إسلامه عِزّاً ظهر به الإسلام بدعوة النبيّ وَّر. وهو من المهاجرين
الأوَّلين، وشهد بَيْعة الرضوان وكلَّ مشهد شهده رسول الله وَ له. وتوفي رسول الله وَّل، وهو
عنه راض.
ولي الخلافة بعد أبي بكر؛ بُويع له يوم مات أبو بكر، باستخلافه، سنة ثلاث عشرة،
فسار بأحسن سِيرة، وأنزل نفسه من مال الله منزلةً رجلٍ من الناس. وفتح الله له الفتوح بالشام
(١)
((خلاصة تذهيب الكمال)): سنة (١٥٩).
٣٣٥ - ((الوزراء والكتاب)) للجهشياري (١٦)، و((الجمع بين رجال الصحيحين)) لابن القيسراني (٣٣٨)،
و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (١١٦ أ)، و((طبقات ابن سعد)) (٢٦٥/٣)، و((طبقات
خليفة)) (٤٨). و((تاريخ خليفة)) (١٢٦)، و((المحبر)) لابن حبيب (١٣)، و((تاريخ البخاري)) (٣/
١٣٨/٢)، و((تاريخ أبي زرعة)) (١٧٥)، و((تاريخ الطبري)) (١٩٠/٤)، و((تاريخ اليعقوبي)) (٢/
١٣٩)، و((طبقات الشيرازي)) (٣٨)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٥٢/٤)، و((الكامل)) لابن الأثير
(٢٦/٣)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٥)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٧٨/١)، و((غاية النهاية)) لابن
الجزري (٥٩١/١)، و((الإصابة)) لابن حجر (٥١٨/٢)، و((تهذيب التهذيب)) له (٤٣٨/٧)،
و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي (١٠٨)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٣/١)، و((خلاصة تذهيب
الكمال» للخزرجي (٢٣٩).

٢٨٤
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
والعراق ومصر. ودوَّن الدواوين في العطاء، ورتّب الناسَ فيه على سوابقهم، وكان لا يخاف
في الله لومة لائم. وهو الذي نَوَّر شهرَ الصوم بصلاة الإشفاع فيه، وأرَّخ التاريخ من الهجرة
الذي بأيدي الناس إلى اليوم. وهو أوّل من تسمّى بأمير المؤمنين، وأول من اتّخذ الدِّرَّة. وكان
نقش خاتمه: ((كفى بالموت واعظاً يا عمر)).
وكان آدَمَ شديدَ الأُدْمَةِ، طُوالاً، كثَّ اللحية، أصلع، أعسرَ يَسَرَ، يخضب بالحِنّاء
والكَتَم. كان يأخذ بيده اليُمْنَى أذنه اليُسرى، ويثب على فرسه، كأنما خُلق على ظهره، وقال
أبو رجاء العُطارِدي: كان طويلاً، جسيماً، أصلع شديد الصلع، أبيض، شديد حمرة العينين،
في عارضه حقَّة، سَبَلَتُه كثيرة الشعر، في أطرافها صُهْبَة.
قال ابن عبد البرّ: وقد ذكر الواقدي من حديث عاصم بن عُبَيْد الله عن سالم بن
عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: إنما جاءتنا الأُدمَةُ مِن قِبَلٍ أخوالي بني مظعون، وكان أبيض،
لا يتزوَّج لشهوة، إلا لطلب الولد. وعاصم بن عُبَيْدِ الله لا يُخْتَجُ بحديثه، ولا بأحاديث
الواقدي. وزعم الواقدي أن سُمْرَةً عمر وأُدْمَتَه إنما جاءت من أكله الزيت عام الرَّمادة؛ وهذا
مُنْكَر من القول. وأصحُ ما في هذا الباب، والله أعلم، حديث سُفْيان الثَّوري عن عاصم بن
بَهْدَلَة عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: رأيتُ عمر آدَمَ شديد الأُدْمَة. قال أنس: كان أبو بکر یخضب
بالحنَّاء والكَتَم، وكان عمر يخضب بالحنّاء [بحتاً](١). قال ابن عبد البرّ: والأكثر أنهما رضي
الله عنهما، كانا يخضبان.
وقال رسول الله وَله: إنَّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ونزل القرءان بموافقته
في أُسارى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم، وفي حديث عُقْبَة بن
عامر وأبي هريرة عن النبيّ وَّر، أنه قال: لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر.
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن
في هذه الأمّة أحد فعمر بن الخطّاب.
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: بينا أنا نائمٌ أَتِيْتُ بقدح لبنِ، فشربتُ حتى
رأيتُ الرِّيَّ يخرج بين أظفاري، ثم أَعطيتُ فضلي عمرَ. قالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسول الله؟
قال: العلم.
وعن جابر أن رسول الله وَ له، قال: دخلتُ الجنَّة، فرأيت فيها داراً - أو قال قصراً -
وسمعتُ فيها ضوضأة، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجلٍ من قريش فظننتُ أني أنا هو، فقلتُ:
(١)
زيادة من الاستيعاب.

٢٨٥
عمر بن الخطّاب بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عدي بن
من هو؟ فقيل: عمر بن الخطاب؛ فلولا غَيْرَتُك يا أبا حفص لدخلتُه، فبكى عمر بن
الخطاب، فقال: أعليك يُغار، أو قال: أغار، يا رسول الله؟!
وعن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسول الله وَّهَ: رأيتُني في المنام، والناس يُعْرَضون عليَّ،
عليهم قُمُصُهُم، قُمُص منها إلى كذا ومنها إلى كذا، ومرَّ عليَّ عمر بن الخطّاب يجرُّ قميصه،
فقيل: يا رسول الله، ما أوَّلْتَ ذلك؟ قال: الدين.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: خيرُ الناس بعد رسول الله وَّل، أبو بكر، ثم
عمر. وقال أيضاً: ما كنّا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
وقال ابن مسعود: ما زلنا أَعِزَّةً منذ أسلم عمر.
وقال حُذَيْفَة: كان علمُ الناس كلّهم قد دُسَّ في جُحر مع علم عمر. وقال ابن مسعود:
لو وُضع علم أحياء العرب في كفَّة ميزان، ووُضع علم عمر [في كفّة](١)، لرجح علم عمر.
ولقد كانوا يرون أنه ذهبَ بتسعة أعشار العلم، ولَمجلسٌ كنتُ أجلسه مع عمر أوثق في نفسي
مِن عَمَلِ سُنَّةِ.
وقال عمر رضي الله عنه: ما سبقتُ أبا بكرٍ قطّ إلى خير، إلا سبقني إليه، ولَوَدِذْتُ أني
شعرةٌ في صدر أبي بكر.
وذكر الزبير، قال: قال عمر لما ولي: كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله وَله،
فكيف يقال لي خليفة خليفة، يطول هذا؟! فقال له المغيرة بن شُعْبَة: أنت أميرنا ونحن
المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين. قال: فذاك إذن.
وتزوَّج عمر رضي الله عنه، زينب بنت مظعون، فولدت له عبد الله وحفصة
وعبد الرحمن. وتزوَّجَ مُليكة الخُزاعيَّة، فولدت له عُبيد الله، وقيل أمّه وأم زيد الأصغر أم
كلثوم بنت جَزْوَل. وتزوَّج أمَّ حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية، فولدت له فاطمة.
وتزوَّج جميلة بنت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصماً. وتزوَّج أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء،
فولدت له زيداً ورُقَيَّة، وتزوَّج لُهيّة، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن الأصغر. وتزوَّج
عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيل التي تزوَّجها بعده الزُبير.
واستُشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مُضْدِراً من الحج في آخر سنة ثلاث
وعشرين للهجرة؛ طعنه أبو لؤلؤة، غلامُ المغيرة بن شُغْبَة، بخنجر ذي رأسين، نِصابه في
وسطه، وهو كامن له في زوايا المسجد، بغَلَس. وطعن معه اثني عشر رجلاً، مات منهم
زيادة من الاستيعاب، وأسد الغابة: في كفة ميزان.
(١)
٠

٢٨٦
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ستة. وألقى عليه رجل من أهل العراق ثوباً، فلما اغتمَّ قتل نفسه.
قال سعيد بن المُسَيَّب: قُبض عمر رضي الله عنه، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال
الواقدي: ستين. وقال قتادة: إحدى وستين.
وكان إسلام عمر رضي الله عنه، في السنة السادسة من البعثة، وروى له الجماعة.
وصلّى عمر على أبي بكر حين مات، وصلّى صُهَيْب على عمر.
ورُوي عن عمر رضي الله عنه، أنه قال في انصرافه من حجّته التي لم يحجّ بعدها:
الحمد لله، ولا إله إلا الله، يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنتُ بهذا الوادي - يعني
ضَجَنان - أرعى غنماً للخطّاب، وكان فظاً غليظاً يُتعبني إذا عملت، ويعذِّبني إذا قَصَّرْت، وقد
أصبحتُ وأمسيت، وليس بيني وبين الله أحدٌ أخشاه، ثم تَمَثَّل [البسيط]:
لا شيءَ مما ترى تبقى بشاشتُه يبقى إلا له ويودي المال والولدُ
والخلدَ قد حاولتْ عادٌ فما خلدوا
لم تُغْنٍ عن هُزمُزٍ يوماً خزائنُهُ
والإنسُ والحِنُّ فيما بينها بُرُدُ
ولا سلیمانُ إذ تجري الرياحُ له
من كلٌ أوبٍ إليها وافدٌ يَفِدُ؟
أين الملوك التي كانت لعزَّتها
حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كَذِبٍ لا بُدَّ من وِزْدِه يوماً كما وردوا
قال ابن عبد البرّ: وروينا عن عمر أنه قال في حين احتُضر، ورأسه في حجر ابنه(١)
[الطويل]:
ظلومٌ لنفسي غير أنّي مسلمٌ أصلّي الصلاةَ كلَّها وأصومُ
وقالت عائشة: ناحت الجِنُّ على عمر قبل أن يُقتل بثلاث، فقالت(٢) [الطويل]:
أبعدَ قتيلٍ بالمدينةِ أظلمتْ له الأرضُ تَهْتَزُّ الغضاءُ بِأَسْؤُقٍ
يَدُ اللَّه في ذاك الأديمِ المُمَزَّقِ
جزى اللَّه خيراً من إمام وباركت
ليدركَ ما قدَّمْتَ بالأمسِ تَسْبِقِ
فمن يسعَ أو يركبْ جناحَيْ نعامةٍ
بوائقَ في أكمامها لم تُفَتَّقِ
قضيتَ أموراً ثم غادرت بعدها
بكفّ سَبَنْتَى أزرق العينِ مُطْرِقٍ
وما كنتُ أخشى أن تكون وفاته
(١)
ابنه عبد الله في الاستيعاب.
البيت الأول في اللسان (سوق) والبيتان الثاني والخامس فيه أيضاً (سبت) والأبيات في اللسان منسوبة
للشماخ (انظر ملحق ديوان الشماخ (٤٤٨) وشرح ديوان الحماسة (١٠٩٠).
(٢)

٢٨٧
عمر بن داود بن هارون بن يوسف
ذكرتُ هنا قولَ علاء الدين الوداعي على لسان صديق له، يهوى مليحاً في أذنه لؤلؤة
[مجزوء الرجز]:
مُقَرْطَقْ يحكي القَمَز
قد قلتُ لمّا مَرَّ بي
هذا أبو لُؤلُؤةٍ منه خذوا ثأرَ عُمَرْ
٣٣٦ - (زين الدين الصفدي)) عمر بن داود بن هارون بن يوسف، زين الدين، أبو
حفص، المعروف بالصفدي. أصلُه من نَيْن، قرية بمرج بني عامر، من أعمال صفد، وهي
بنونين بينهما ياء آخر الحروف، على وزن بَيْن. ورد إلى صفد عام ستة عشر وسبعمائة، فيما
أظن، وقد عَذَّر، وكتب على الشيخ نجم الدين الصفدي، واشتغل عليه، وتخرَّج به، وكتب
الإنشاء عنده. وكان فيه نباهةٌ وذكاء، فأتقن كتابة الترسُّل، وبرع فيها، فلما بطل الشيخ نجم
الدين من الإنشاء بصفد، كتب هو الدَّرج لعلم الدين سَنْجَر الساقي، لمّا كان مُشِدَّ الدواوين
وواليَ الولاة بصفد. ولما هرب علم الدين المذكور فارّاً من الأمير سيف الدين أَرُقْطاي نائب
صفد، كان معه، فحضر إلى دمشق، وأقام زين الدين بدمشق مدةً، ثمّ إنّ ابن منصور موقّع
غزّة أخذه معه إلى غزّة، أيّام الأمير علم الدين الجاولي، فأَعجب الأميرَ علمَ الدين فضلُه،
فخاف ابنُ منصور مِن تقدّمه عليه، فعمل عليه، فأعاده إلى دمشق، فأقام بها مدّةً. ثم إن
الأمير سيف الدين تُنْكُز جهَّزه إلى توقيع الرَّحْبَة، أيّامَ القاضي شمس الدين بن شهاب الدين
محمود، فأقام بها أكثر من سنتين؛ فلما توجّه القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين
إلى مصر، توجّه جمال الدين بن رزق الله إلى توقيع غزة، فذكراه للأمير سيف الدين تنكز،
فرسم بإحضاره إلى دمشق موقِّعاً عِوَضاً عن جمال الدين بن رزق الله، فأقام بدمشق دون
السنة. ثم إنه طلبه القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى مصر، فأقام يكتب بين يديه قريباً من
ثماني سنين إلى أن لزم بيته، فعُمل عليه وأبطل من ديوان الإنشاء. ثم أقام بمصر مدةً، لازم
بيته، ثم إن طاجار الدوادار عمل عليه، وأخرجه إلى صفد، فأقام بها مدةً بطّالاً .
ولما أُمسك الأمير سيف الدين تنكز، وحضر القاضي شهاب الدين بن فضل الله صاحب
ديوان الإنشاء بدمشق، أحضره إلى دمشق، وأقام بها إلى أن مات السلطان الملك الناصر
محمد، فدخل به القاضي شهاب الدين إلى ديوان الإنشاء بدمشق أيّام الأمير علاء الدين أَلطُنْبُغا
الناصري. وكتبتُ له توقيعاً بذلك، وهو:
٣٣٦ - ((السلوك)) للمقريزي (٧٩٥/٢)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٦٥/٣)، و((أعيان العصر)) للصفدي
(١٠٠ ب).

٢٨٨
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
رُسِمَ بالأمر العالي، لا زال يزيد الأولياءَ زَيْناً، ويزين الأكفاءَ بمن إذا حَلَّ صدراً كان
عَيْناً، ويرتجع لكل مستحِقٌّ ما كان له في ذمَّة الزمان دَيْناً، أن يستقرَّ المجلسَ العاليَ الزينيُّ
في كذا؛ لأنه الكاتب الذي دبَّجَ المهارق، ورقمَ طروسها فكان لها نظراتُ الحَدَق ونضارة
الحدائق، وخطَّ سطورها التي إذا رمَّلها غدت من الحسنِ كالرَّيحان تحت الشقائق، وصرع
بها أطيار المعاني لأن دالات السطور قِيسِيّ والنُّقط بنادق، وزان آفاقها بنجوم أسجاعه، فلم
يصل أحد إلى درجات فصاحتها لِما فيها من الدقائق، وأصدرها في الرَّوْحِ والرَّوْع ((يُرَجَّى
الحيا منها وتُخْشى الصواعق))، وأودعها نفائس إنشائه فأثنى عليها أئمة البلاغة ولو سكتوا
أثنت حقائب الحقائق. طالما كتب بالأبواب الشريفة تقليدا، وجهَّز في المهمّاتِ كتباً ملأت
البحر حرباً والبرَّ بريداً، ووشَّى أمثلةً صدرت عنها فطارت في الآفاق ولكن أوثقتها الأفهام
تقييداً. وعاد الآن إلى الشام فنفّس عنها خناق الوحشة بقربه، وتلقّته بالرّحب علماً بأنها
تَغْنَى عن الكتائب بكُتْبه، وأحلَّتْه في رُتَبةٍ يَسُرُّ فيها الوليَّ بسلمه، ويسوء العدوَّ بحربه،
شوقاً إلى أُنسِ ألِفَتْه من لطفه، وعرفته من عُزْفه في نفح عَرفه، فطاب به الواديان كلاهما،
وتنافسا في أخذ حظّيْهما من قُرْبه، فما تساهلا تساهُماً. فهو من القوم الذين تشقى البقاع
بهم وتُسْعَد، وإذا قربوا من مكانٍ تخطّاهم السوء للأبعد، وإذا قاموا بمهمٍّ كانوا به أقعد،
وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، وإذا كتبوا كبتوا العِدَى لأنَّ كلامهم لَمَعَ
فَأبرق، وطِرِسهم قَعْقَعَ فأرعد. فليباشر ذلك على ما عُهد من أدواته الكاملة، وكلماته التي
تركت محاسنَ البرايا بائرة وأزاهرَ الخمائل خاملة. والوصايا التي تُمْلَى كثيرة وكم شرَّع لها
قرطاسه وشرعها بأقلامه، ونضَّد عقودها بإحكام أحكامه، وملأ بجيوشها صدور مَهامِه، فما
يُلْقَى إلى بحره منها دُرَّة، ولا يُذْكر لطود فضله منها ذرَّة، ولا يطلع القلم في أفق فَضْلٍ
كلُّه شُموسٌ من ذلك بَذْرَه، ولا يُدَلُّ مثلُه على صواب فقبيح بالعَوان أن تُعَلَّم الخِمْرَة.
ولكن لا بد للقلم من لفتةٍ جيد، وفلتةِ نفثٍ تكون كالخال في الوجنة ذات التوريد، وهي
الذكرى بتقوى الله تعالى التي مَن عَدِمَها فقد باء بخُسران متين، ومَن لزمَها فقد جاء
بسلطان مبين. والله يتولّى رفعة مجده وسعة رفده. والخطّ الكريم أعلاه حُجَّة [بالعمل](١)
بمقتضاه .
ومولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وبيني وبينه مكاتبات كثيرة، تشتمل على نظم
ونثر، ولم يَخضُرْني الآن منها شيء. وذهنه جيّدٌ يتوقّد ذكاءً، وكتابته أصيلة منسوبة، وعربّيته
جيّدة، وقد أتقن مصطلح الديوان وحرَّره، فهو الآن من كتّاب الزمان.
زيادة من أعيان العصر.
(١)

٢٨٩
عمر بن داود بن هارون بن يوسف
وكتبتُ إليه وهو بدمشق وأنا بصفد [الخفيف]:
إنَّ عيني مذ غابَ شخصك عنها يأمر السُّهْدُ في كراها ويَنْهَى
بدموعِ كأنهنَّ الغوادي لا تَسَلْ ما جرى على الخَدِّ منها
وكتبتُ إليه وهو بغزَّة مع غلامٍ حَسَن الوجه [الكامل]:
يا نازحاً صَوَّرْتُه في خاطري فَرُمِيتُ للتصوير بالنّيرانِ
إنْ لم يُبَلْغْكَ النسيمُ تحيَّتي فلقد أتاكَ بها قضيبُ البانِ
وكتبتُ إليه وقد تأخّرت مكاتباته عني، وهو بدمشق [البسيط]:
يا بارقاً سال في عطف الدُّجى ذهباً أذْكرتَني زمناً في جِلْقِ ذهبا
فلست تحكيه لا وَجْداً ولا حَرَبا
لئن حكيتَ فؤادي في تَلَهُبه
وَهَبَّ وَهْناً إلى أن هزَّني طَرَبا
ويا نسيما سرى والليلُ معتكرٌ
أراكَ تَشْفَحُ عِطراً في صَباك فهل
أم قد تَحَمَّلْتَ من صحبي تحیَّئَهم
قومٌ عهدتُ الوفاءَ المحضَ شیمتهم
صرفتُ إلاّ عِناني عن محبَّتهم
لا الدارُ تَذْنُو ولا السُّلْوانُ يُنْجِدُني
أحبابَنا إنْ وَنَتْ عني رسائلُكم
وحياتكم ما لنفسي عَنْكُمُ بَدَلٌ
تركتَ ذيلاً على جَيْرُونَ مُنْسَحِبا؟
فكان ذلك في طيب الصَّبا سببا؟
وإن شَكّكْتَ سَلِ العلياء والأدبا
وبِتْ نِضْواً حليفَ الشوق مكتئبا
وعَزَّ ذلك مطلوباً إذا طُلِبا
فلستُ أسألُ إلا الفضلَ والحسبا
كلاً ولا أَتَّخَذَتْ في غيركم أَرَبا
أُعِيْذُ وذَّكمُ من أن يُغَيِّرَهُ نأيّ ولو جُرَّدَتْ من دون ذاك ظُبَى
وقلَّما جاد دهرٌ بالذي سلبا
لعلَّ دهراً قضى بالبعد يجمعنا
أرضى بحكم زماني وَهو يظلمني
ولن يُظَفِّرَني إلا بودِّكُمُ
نسيتموني ولم أَغْتَدْ سوى كَرَمِ
حاشاكمُ أن تَرَوا هجري بلا سبب
عاقبتموني ولا ذنبٌ أتيتُ به
فيكم وأجني ببعدي عنكم التعبا
يا حيرتي فيكمُ إن ردَّ ما وهبا
منكم يُبَوِّثُني من فضلكم رُتَبا
أو تجعلوا البين فيما بيننا حُجُبا
فَقُلْ عن الصخر إذ يقسو ولا عجبا
عودوا إلى جبر كسري لا فُجِعْتُ بكم فقد لقيتُ ببعدي عنكمُ نصبا

٢٩٠
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وكتب هو إليَّ وأنا بدمشق وهو بصفد، وقد ظنَّ أني لما كنت بالقاهرة تمالأتُ عليه،
وعلمُ الله كافٍ [الكامل]:
إن كان ظنّك أنني لك ظالمُ فآرحمْ لأن تُسْمَى بأنّك راحمُ
جُزْحْ بِجُزْحِ والسعيدُ مسالمُ
حَسْبُ المسيءٍ من القصاص بأنَّه
كم قد حرصتُ على الثّنَصْلِ عندما
اللَّه يعلم أنني لك عاذرٌ
ها قد جرى لي ما جرى لك قبلها
إن صحَّ لي فيها عليك جنايةٌ
فاقنغ به واذكر قديم مَوَدَّتي
أوَلَم يَكُنْ ذنبٌ وحالي ما ترى
فلقد تأنّى ما تريد فوالِني
جارَ الزمانُ علی ولیِّك واعتدى
من كان ليس بنادم مُسْتَذْرِكٍ
كانتْ هناةٌ وانقضتْ ومَنِ الذي
إنَّ الذي قَسَمَ الحظوظَ کما یشا
قُلِّ وكُثرٌ ليس تبقى حالةٌ
يا من له أخلصتُ كُنْ لي مخلصاً
أعلنتُ بالشكوى لِضُرِّ مَسَّني
ولك السيادةُ حليةٌ ومكارمُ
فأقبلْ أخوَّتيَ الجديدةَ إنني
وإلى الرُّضى عُذْبي وللحُسنى أَعِذْ
والبَسْ رياستك السنية حُلَّة
واجعلْ لها شكراً إقالةً عثرةٍ
أنتَ الخليلُ بل الخليُّ من الهوى
وقع العتابُ فما أقالَ الحاكمُ
واللَّه مني بالبراءة عالمُ
ووقعتُ في صفدٍ وأنفي راغمُ
فجزاؤها هذا العقابُ اللازمُ
فالعهدُ فيما بيننا متقادِمُ
فامدُذ إليَّ يداً وجاهُك قائمُ
منك الجميلَ فإنه لك دائمُ
وإليك للزمن الألدٌ يخاصِمُ
فأنا عليك إلى مماتي نادمُ
منّا وليس له تُعَدُّ جرائمُ
للرزقِ ما بين البرايا قاسمُ
والدهر بين الناس بانٍ هادمُ
فعَلى مُجازينا كلانا قادمُ
لكنَّ وُدِّي في الحقيقة سالمُ
الأخلاقِ منها في يديك خواتمُ
فيها لمجدك أو لِؤُدِّك خادمُ
حتى تقومَ على الصفاءِ علائمُ
أبداً لها من نسج سعدك راقمُ
من صاحبٍ قد صَدَّ عنه العالمُ
وأخوَّتي قد جَرَّها لك آدمُ
فأعِنْ أخاك بحسن سعيك مرَّةً إنَّ المغارِمَ في الإخاء مغانِمُ

٢٩١
عمر بن داود بن هارون بن يوسف
ولم يزل في كتابة الإنشاء بدمشق إلى أن طلبه القاضي علاء الدين بن فضل الله إلى باب
السلطان بمرسوم السلطان الملك المظفَّر، فتوجّه هو وولده شهاب الدين أحمد إلى الديار
المصرية في البريد. ورُتُّب زين الدين المذكور موقِّعاً في الدَّسْت الشريف بالأبواب السلطانية،
وكان توجّه من دمشق في يوم عيد الأضحى، سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وأقام هناك إلى أن
توفي رحمه الله وسامحه، في ثامن عشرين صفر، سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بعد مرض
طويل، قاسی منه شدَّة.
ووقفتُ له على كتاب كان قد كتبه من صفد بخطّه إلى القاضي علاء الدين بن فضل
الله، وهو [الكامل]:
الناسُ [هم](١) بالناس في الدنيا فذا عالٍ وهذا دُونَه يرجُوهُ
يدعونَ خيرَهُمُ كما يدعُوهُ
والكلُّ عائلةُ الإله فبعضُهم
من بينهم ومعادنٌ ووجوهُ
وهمُ طباعٌ يقصدون كرامَها
وإليك هذا القولُ يسري فالُه وعليك معنى سرِّهِ أَجْلُوهُ
يُقَبِّلُ الأرضَ ويُنْهي أن مطالعاته وتضرُّعاته ووسائله ورسائله وقصائده ومذاكراته تكرَّرَتْ
إلى بين يدي المخدوم، أدام الله أيّامَه، وأبقى رماحاً للدولة أقلامَه، وسيوفاً للهيجاء كلامه.
وهل يستسقي الظمآنُ إلا الغمام، أو يستصرخ العاني إلا بالسَّراة الكرام، أو تقف الآمالُ إلا
على الوجوه الصّباح، أو يجلو ظلمةَ الليل البهيم إلا القمر إذا لاح أو الصباح إذا طلع بنوره
الوضّاح، أو يلوذ العبدُ إلا بسيِّده، أو يعوذ المنقطع إلا بمن سَبَبُ الاتصال في يده؟ والمملوك
ظامْ وأفق سيدي المخدوم غمامٌ عام وعان، وكرمه قد ملأ الدنيا بالإنعام. وله أملٌ ووجهه قد
غطّى على الشمس بالإشراق، وفي ليلِ داج وبين عينيه قمرٌ لا يصل إليه مُحاق، ومن بِشْره
صبحٌ يَدُلُّ في الآفاق ضالَّةَ الرفاق؛ وعبدٌ، وأنت السيد الكامل، ومنقطع، وأنت بمشيئة الله
إلى المأمن حامل [الوافر]:
ولا تسأل عن الإفلاس غيري فآخر ما يُباع هي الدفاتز
وما لي دفترٌ فأبيعَ منه وقد خَلَتِ الدفاترُ والمحابز
وما ثَقَّلْتُ إلاّ بعد جُهْدٍ فكن لي مُسعفاً يوماً وعاذر
وحالُ الجسم منِّي مثلُ حَظّي كِطِرسي الكلُّ أشباهٌ نظائرْ
(١)
زيادة يقتضيها الوزن.

٢٩٢
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وكم في العالمين لنا بصائر
ولا أشكو لغير اللَّه ما بي
إليك كما أكون وأنت حاضر .
ولكن أستقيل وأنت ناء
بجاهِ عند رَيْبِ الدهر ناصرْ
فأدركني إذن لا زلتَ تسخو
من العلياء يكتنف الأصاغز
أكابرنا بقيتم في مزيدٍ
بشائرُ منك تتلوها بشائر
ولا زالت تروح لنا وتغدو
لقينا منك بالإحسان جابز
وإنْ كسر الزمانُ لنا قلوباً
ونقلتُ من خطّه أيضاً نسخة كتابٍ كتبه إليه أيضاً، وهو:
يُقَبِّلُ الأرض ويُنْهي أنه قد انتهى الأمر إلى ما علمه مولانا من تَوَجُّه أهل المملوك وولده
إلى دمشق، وهم الآن بها يسألون الناسَ القوت، والمملوكَ بصفد في مثل حالهم، والأمور
كلها بيد الله عَزَّ وجلَّ. وقد كان المملوك يَعهد له حظّاً من خاطر مولانا، ويرجو من لطف الله
بقاء بعضه، إن لم يكن كلّه. وحاشا نفسَه الشريفة الطاهرة الزكيَّة أن يكون مبلغ رضاه بين
الناس أن يكون هذا نصيب المملوك من جاه مولانا، وهذا حاله في أيّام عزّه وإقبال سعادته
التي كان المملوك يبشِّرُه بها، ويلمح له بوادرها، ويتوَسَّم مقدِّماتها. وكم كان مولانا يُسلف
المملوكَ وعودَ خيره ومواثيق وفائه وعهود مواساته، فلا يكن ذلّنا في عِزْكَ الغَرَضا. [الرجز]:
وإنْ حَنَنْتَ للحمى وروضه فبالغضا ماءٌ وروضاتٌ أُخَزْ
هل مِصْرُ إلا مَنْزِلٌ مفارَقْ ووطنٌ في غيره يُقْضَى الوَطَرْ
واللَّهِ، إنَّ المملوك يَسُرُّه أن يكون مولانا في خير، وما ينسبُ إليه إلاّ كُلَّ حَسَنٍ جميل،
ولا يتوقَّعُ من جهته إلا الخير، ولا يعرف طباعه تقبل إلا الخير والإحسان، ولا يُصغي إلا لمن
ولو تُرك القطاليلاً لناما
يقول الخير ويُشير به [الوافر]:
[مجزوء الوافر]:
وقال الدهرُ أن أشقى
ولمّا زاد ما ألقى
من الإخوان أن يبقى
وعَزَّ الحظُّ في الدنيا
إلى الحُلقوم أن يرقى
وكاد الروح من ظَمَاٍ
تَجَلَّى لي سحابٌ مُـ ـدَّ حتى جَلَّلَ الأُفْقا
فلمّا أن دَنا مني تَعَدّاني وما أسْقى
والمملوكُ يعلم ويتحقَّق أن مولانا، زاده الله من فضله، ما يتخلَّى عمَّن لا له به تعلُّق،

٢٩٣
عمر بن داود بن هارون بن يوسف
فكيف يتخلَّى عن عبدٍ خدمَه، وصار له إليه نِسْبَة. وإن كان قد رَضِيَ أن يكون هذا حظّ
المملوك مِن تَقَدُّمه وجاهه وعِزَّه، فالسمع وألف طاعة، وعلى رأس المملوك وعينه. والمملوك
هو ملك مولانا، وله أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء [مجزوء الرجز]:
إن كان سُكّان الغضا رَضُوا بقتلي فَرِضَا
صرتُ لهم عبداً وما للعبدِ أنْ يَعْتَرِضا
واللَّه العظيم، وكفى بالله شهيداً، إنَّ المملوك يدعو لمولانا بكلِّ دعاءٍ صالح، وما له
أحدٌ من الناس غير الرحمة التي أسكنها اللَّهُ في قلب مولانا، وعمرَ بها خاطرَه، وما يتوسَّل
إليه بعهوده ومواثيقه. ومطلوب المملوك الحجّ في هذا العام، فبالله بالله بالله يا مولانا، لاحِظ
المملوك بعنايةٍ يتفرَّج بها كَرَبُ المملوك، ويزولُ بها عنه العائق بصفد. فوالله قد ضاق الوقت
بالمملوك عن القُوت، ولا حولَ ولا قوّةً إلا بالله العليّ العظيم، ولولا أنَّ المخدوم الناصري،
عزّ نصرُه، ابن عمّ مولانا، افتقد المملوكَ بشيءٍ وقاهُ من برد الشتاء، وإلا كان قد هلك في
هذا البرد. والمملوك يَسْألُ من مولانا الحجَّ في هذا العام لوجه الله، عزّ وجلّ، وعسى أني
يُوافِيَنِي الأَجَلُ في قُرْبةٍ يكون معها حُسْنُ الخاتمة، فالدنيا قد فرغ منها، والمملوك ما له أحدٌ
يتوسَّل به غير مراحم مولانا ووفائه وكرم نفسه الشريفة. أُنهي ذلك.
ومن إنشائه، رحمه الله تعالى، نسخة كتاب كتبه تجربةً للخاطر:
يُقَبِّلُ اليدَ الشريفة الطاهرة الزكيَّة المتواضعة العليَّة التي تُهدي الجَدا، وتُجدي الهدى،
وتُورد الندى، وتردُّ ببسطها إلى اللَّهِ الردى. ولا زالتْ مُنْعِمة، وللحسّاد مُرْغِمة، وبالمعالي
مُعْلَمَةٍ وبما لها من الفضل مُعْلِمة. وعلى ما شَقَّ من أسبابِ السيادة مُقْدِمة، وإلى ما نأى عن
الهمم من الغايات متقدِّمة، ولا بَرَحَتْ بالقُبَل ملتئمة، وبالأفواه مستلَمة، وبالمآثر موسومة
الآثار أحسن سِمَة. ويُنهي ورودَ المُشَرَّفِ الكريم ووقتُ الصوم قد حان، وهلاله في عَنان
السماء مُرْخَى العِنان، يُشار إليه للبيان بالبنان، كأنَّه الطليعةُ وهي الراء من أوَّل رمضان، أو
الساقةُ وهي النون من آخر شعبان، أو الخائفُ اختفى عن العِيان، وترامته الأبصار فاستبان، أو
طالبُ حاجةٍ مع الشمس أدركه الليل فوقف وقفة الحيران، أو كوَّةٌ في غار، أو قرينٌ غار فَغار،
أو رقيبٌ - ولذا اختبأ ـ ليطّلع على مُغَيَّبات الأسرار، أو الحاجبُ لا جَرَمَ أنه حُجب عن
الأنظار، أو الواني مما تمادت به الأسفار في الأقطار. أو كأنه ما انهارَّ من جُرف النهار أو
المِخْلَبُ الصائل على النّظّار، الصائدُ ما جاوره من النجوم ليتكمَّل فيه الأنوار، ويتمّ باجتماعها
إليه في صورة الأقمار، أو المنجلُ الحاصد للأعمار، القاصدُ جنيَ ما على نَهْرِ المجرَّة من
الأنهار، أو طوقٌ لم ينضمّ، أو مبدأُ عمامة لمعتمّ، أو قرطٌ خانته العلاقة فانقطع، أو ما انخرم

٢٩٤
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
معه من شحمة الأذن حين وقع، أو علامةُ عضّة، أو قُلامةٌ مُبَيَضَّة، أو قطعةٌ من سِوار فضَّة،
أو تشريفٌ من نوّارةٍ غَضَّة، أو شفةُ فتاةٍ بَضَّة، أو حافرُ جواد حَلَّى أرضه، أو وطيةُ حافٍ خَلَّى
من أثر كعبه بعضه، أو درهمٌ فيه ثلمة، أو دينارٌ مخسوف الجانب لحكمة، أو تمثالُ عُشْرٍ في
خَتمة، أو نصفُ دائرة من خطّ بِركار ما أَتَمَّه، أو عُرجونٌ قديم، أو ما مال من كأس نديم، أو
شطرٌ من كرةٍ مقسومة، أو ضاحكٌ أسنانُه مهتومة، أو هالةٌ وارَتْ قُطراً منها غيمةٌ مركومة، أو
لئامٌ على حَنَك، أو زورقٌ من وَرَق، أو وَرَقْ حمولته من عنبر الحَلَك، أو حجلٌ نُزع من
ساق، أو ورقٌ راجع من الأوراق، أو ما انحلّ عن الخصر من النطاق، أو وقفٌ من عاج، أو
صدعٌ في زجاج، أو جَدْوَلٌ منعطف، أو نَعْلٌ في فلاةٍ قد حُذِف، أو لَبَُّ فؤاد، أو غصنٌ أثقله
الثمر فاناد، وعَقَدَ سماءه بأرضه أو كاد، أو نُؤْيّ محفور، أو ثغرةٌ في سور، أو فمُ قدحِ
مكسور، أو فخِّ منصوب على طول الدهور، أو حلقةٌ منقوصة، أو أذنُ ريم مقصوصة، أو
ضفيرةٌ معقوصة، أو خاتمٌ زال فَصُّه ففَغَر، أو ما انداح من رميةٍ في صفحة الماء بحَجَر، أو
طيّةٌ من أعكان، أو سُرَّةٌ مُحَقَّقَة في كشح ريّان، أو ذؤابةٌ مردودة، أو حُزَّةٌ من بطيخةٍ مقدودة،
أو عُرفُ ديكِ مفروش، أو مما في ريشَ الطاووس من تخليق النقوش، أو قوسٌ محنيّة القَرا،
أو عروةٌ مفكوكةٌ من العُرَى، أو فترٌ مرفوع، أو طيلسانٌ مُقَوَّر مرفوع، أو قبضةُ إبريق
مخلوعة، أو آلةٌ - ولا أقول مِجْرَفَة - للطيب مصنوعة، أو يدّ التَّفَّتْ على عناق حبيب، أو شعرةُ
مشيب نَصَلَتْ من خصيب، أو ما أحاط من الإكليل بالجبين، أو محرابٌ لبعض المصلِّين، أو
سالفُ تحسين، أو مَشْقَةُ قاف أو سين، أو ما اندفع من جوجؤ السفين، أو أحدُ الحُقَّين، أو
عِذارٌ حول الخدَّين، أو رأسٌ من كتابة صاد لم يلتحم، أو عينٌ أو دال منقلب، أو طاءً منفصل
الطرفين سقط ألفه المنتصب، أو مَنْسِمٌ منقوب، أو تعريقةُ جيم مكتوب، أو قميصٌ انفرجت
أزراره عن صدر مكروب، أو عقربٌ شائلة، أو شعلةُ نار لعبت بها الريح الجائلة، فهي مائلة،
أو حيَّةٌ ملتوية، أو صولجانٌ مقصوف لم يبق منه سوى الحَنِيَّة، أو تَرْقُوَةٌ بدا عظمها، أو إطارةُ
غرضٍ خرقَ هيأتَها سهمُها، أو فَلْكَةُ مِغزل مُشَظّاه، أو دُفِّ أمسكت كفِّ سوداءُ على أعلاه، أو
ما تحت تنفّس المرأة في المرآة، أو قنطرةٌ منكوسة الوضع في البنيان، أو طبقٌ قائم أُخذ من
حافته شيءٌ فبان، أو غرَّةٌ في أدهمَ من الخيل، صانعت بها الشمسُ عن نَفْسِها لخاطف الليل،
أو رداءٌ أسبله الشرقُ فكفَّ الغربُ منه الذيل، أو صعدة، أو مكانُ ورقةٍ من وردة، أو قُفْلٌ
على تجليد، أو إحدى المطيفتين بالوريد، أو لَبَبٌ مُرَكَّب، أو كُورٌ مُرَتَّب، أو قَتَبٌ مُجَرَّد، أو
سَرْجٌ مؤكّد، أو قَرْبُوسٌ منه مُفْرَد. أو واحدةٌ من خُشْكَنان، أو حَدَقَةٌ نجلاءُ من إنسان، أو
طعنةٌ مثلُها بسنان، أو سيفٌ لان في يمين ضارب، أو مطرحُ القلادة من ترائب الكاعب، أو
خيالُ المملوك مما شَفَّتْهُ الأشواق، وصنعتْه به عوادي الفراق، أو ما خَدَّه في خَدِه الدمع

٢٩٥
عمر بن ذَرّ بن عبد الله بن زرارة الهَمْداني المُرهِبي
المُهراق، فكان الناسُ في اشتغال باستقبال الهلال، وقلبُ المملوك في اشتغال ممّا عنده من
البَلْبال، ومِن ضنى جسده البال، ومن وجده الذي غال منه البال، وحالت الأحوال وما
استحال، وبات وطرفُه يتملَّى من المشرَّف الكريم خطّاً ما له مثال، ويتأمَّل لفظاً بمعانيه تُضْرَب
الأمثال، ويُقَلِّبُ وجهه في أُفُقِهِ الدال على دُرِّ صحَّ فليس فيه اعتلال، ومحبَّةٍ حازت الفضل
بسبقها، وعهدٍ تقادم فتأصَّل وتَبين أعراقُ الأصائل في عتقها، ووالى فيه قُبَلَه، وتناوَلَ منه
السعودَ المقبلة. وعُلم جَبْرُ مولانا لمحبِّه، وعَتْبُه عليه لانقطاع كتبه، وتسكينُه للوعة قلبه،
وتأمينُهُ لِرَوْعَةٍ سِرْبِهِ، وتذكارُه بما لم يَنْسَه من حقوقه، وبرُّه البريء من عُقُوقه، وسوالفُه
المرعيَّة، وودُّه الذي هو منه سجيَّة، وإحسانُه الذي تستحيي منه السحب السخيَّة، وصحبتُه
المبنيَّة على صدق النَّية. وكلُّ ذلك معتَقَدُ المملوكِ عليه، ومصوَّرٌ له بين عينيه، ولا يميل عنه
إلا إليه، ولا يملُّ منه وقد قدّمه للنجاة بين يديه، فأهلاً بعتبه اللذيذ، وأنسه الذي يعوذ به من
جفوته المستعيذ، وواردِهِ المُنَبِّىء المُنَبِّه، وعطفِه المرفرف المُرَفِّه، وكتابِهِ المنوِّل المنَوِّه،
وتسليتِه التي يستروح إليها المتأوّل المتأوِّه، ومسامحتِه المرجُوَّة لرفع التثريب، وملاحظتِه
المدعوة لدفع ما يَريب، وإنفائِه المُنَفْس عن الباكي الكئيب، ووفائه المناجي على البعد من
قريب، وطَوْلِه المُغْضي لمملوكه عن التقصير، وتأهيلِه الجابرِ منه للعظم الكسير، وإسعافِه على
قلة المُواسي، وتذكُّرِه على كثرة ما بين الناس من الناسي. وهنّأ الله مولانا بصومه المقبول،
وشَهره الموصول، بحصول السُّول، وأعاده له أعواماً تتبسَّم مواسمُها، وتتنسَّم كمائمها،
وتسايره بالمسرَّة أعيادُها، وتُكاثِرُ النجومَ أعدادُها. وإن سمح بمشرَّفاته المرقوبة، ووارداته
المطلوبة. وفرائده المحبوبة، ومخاطباته المخطوبة، ودعواته التي هي بمشيئة الله من سعادة
الغيب محسوبة، فعادةٌ من كرمه مألوفة، وسُنَّة من تشريفه لعبده معروفة، وافتقادٌ على انتظاره
العيونُ موقوفة. لا زال يفوت ابتداءً وجوابا، ويفوز بالأفضل مالاً ومآبا، ويفوق إذا أهدى
رسالةٌ أو أنشأ كتاباً، إن شاء الله تعالى.
٣٣٧ - ((المُرْهِبي الواعظ)) عمر بن ذَرّ بن عبد الله بن زرارة الهَمْداني المُرهِبي. قال
العجليّ: كان ثقةً بليغاً، يرى الإرجاء، وكان ليّن القول فيه. وكان إماماً واعظاً مُفَوَّهاً زاهداً،
٣٣٧ - ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم الأندلسي (٣٩٦)، و((طبقات ابن سعد)) (٣٦٢/٦)، و((تاريخ
البخاري)) (١٥٤/٢/٣)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٠٧/١/٣)، و((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٣٨٥/٦)، و(العبر)) له (٢٢٦/١)، و((ميزان الاعتدال)) له (١٩٣/٣)، و((المغني في الضعفاء))
له (٤٦٦)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤٤٢/٣)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٤٤/٧)،
و((خلاصة تذهيب الكمال)) الخزرجي (٢٣٩)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٤٠/١)، و((طبقات
خليفة)) (٣٩٤)، و((الكامل)) لابن الأثير (٣٠/٥)، و((الأنساب)) للسمعاني (٢٢/١٠).

٢٩٦
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ولما حجَّ كان الناس يقطعون التلبية ليسمعوا صوته بالتلبية. توفي سنة ست وخمسين ومائة (١)،
وروى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي. وكان ولده ذرّ كثير البرّ به، شديد التوفّر
على طاعته، ولما حضرته الوفاة، دخل عليه أبوه عمر، وهو يجود بنفسه، فقال: يا بنيّ إنه ما
علينا من موتك غَضاضة، ولا بنا إلى أحدٍ بسوى الله حاجة. فلما قضى صلّى عليه، ودفنه،
ووقف على قبره، وقال: أما والله يا ذرُّ، لقد شغلَنا البُكاءُ لك عن البكاء عليك، لأنّا لا ندري
ما قلتَ وما قيل لك. اللَّهم إني قد وَهَبْتُ له ما قصَّر فيه مما افترضْتَ عليه من حقّي، واجعل
ثوابي عليه له، وزدني من فضلك، إني إليك من الراغبين.
وقيل له: كيف بَرُّ ابنك بك؟ فقال: ما مشيتُ قطُّ بنهار، وهو معي، إلا مشى خلفي،
ولا بليل إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحاً وأنا تحته.
٣٣٨ - ((صاحب اليمن)) عمر بن رسول، الملك نور الدين صاحب اليمن. قال سعد
الدين: في سنة خمس وأربعين وستمائة، في ذي القعدة، وصلنا الخبر أنه مات.
عمر بن سعد الله
٣٣٩ - ((ابن بُخَيْخ)) عمر بن سعد بن بُخَيْخ ـ بباء موحّدة مضمومة، وخاءين معجمتين،
بينهما ياء آخر الحروف - الإمام المفتي زين الدين الحزاني الحنبلي. عالمٌ خيِّر متواضع وقور،
بصير بالفقه والعربية. ولد سنة بضع وثمانين(٢) وستمائة، وسمع الكثير، وحضر على الفخر،
وولي مشيخة الصبّابيَّة، وألقى دروساً مُحَرَّرة. تخرَّج بابن تيميَّة وبغيره، وناب في الحكم
برهان الدين الزُّرَعي لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجّا. وكان يرى رأي الشيخ تقي
الدين بن تيميَّة في المسائل التي تفرَّد بها، ويحكم بها، فكان قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي
يتألّم من ذلك، وما يُنَفِّذُ ما يحكم به، ونازعه في ذلك مرّاتٍ، ولم يرجع، فقال يوماً لقاضي
القضاة علاء الدين بن المنجّا: إن كنت تقول لي إن هذه الأحكام التي يحكم بها نائبك مذهب
(١)
انظر الخلاف في سنة وفاته في ((تهذيب التهذيب)).
٣٣٨ - (تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٦٤١ - ٦٥٠ هـ) ص (٢٨٧) ترجمة (٣٧٨)، و ((تاريخ ابن خلدون» (٥/
١٠٨٨)، و((السلوك)) للمقريزي (٣٣٣/١)، و((العقد اللؤلؤية)) للخزرجي (٤٤)، و((العقد الثمين)) لتقي الدين
(٣٣٩/٦)، و((الحوادث الجامعة)) لابن الفوطي (١٢٣)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٧٧١/٨).
٣٣٩ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٦٦/٣)، و((أعيان العصر)) للصفدي (١٠٤ أ)، و((البداية والنهاية)) لابن
كثير (٢٢٧/١٤)، و((ذيل تذكرة الحفاظ)) للحسيني (١٥٦)، و((ذيل العبر)) له (٢٧٣)، و(«الدارس))
للنعيمي (٩٧/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٦٢/٦)، و((ذيل ابن رجب)) (٤٤٣/٢).
((شذرات الذهب)): سنة خمس وثمانين.
(٢)

٢٩٧
عمر بن الحاكم أبي سعد الفقيه
الإمام أحمد رضي الله عنه، فأنا أنفّذها. فقال: لا، إلا إذا حكم بها هذا حكمتُ بصحتها.
وطال التنازع في ذلك، ولم يرجع هذا، ولا نَفَّذ هذا له حكماً.
وأظنّه، والله أعلم، مات معزولاً وتوفي، رحمه الله تعالى، في أوّل شهر رجب، سنة
تسع وأربعين وسبعمائة، وتألَّم له أصحابه.
أخبرني من لفظه الشيخ الإمام عز الدين حمزة بن شيخ السَّلامِيَّة، قال لي: رأيته ليلة
مات قبل دفنه، فقلتُ له: ما مُثَّ؟ قال: بلى. قلتُ: فما رأيت الله؟ قال: بلى، لمّا يُغمى
على الميت في النزع، ذلك الوقت يرى الميتُ اللَّه تعالى. قلت: فما قال لك؟ قال: قال لي:
أهلاً بعبدي وحبيبي، أو كما قال.
٣٤٠ - ((النوفلي المالكي)) عمر بن سعيد بن أبي حُسَين النَّوْفَلي المكّي. وثّقه أحمد
وغيره، وروى له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه، وتوفي سنة اثنتين
وخمسين ومائة. وهو ابن عمّ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين. وروى عمر هذا عن
طاووس، والقاسم بن محمد، وابن أبي مُلَيكة، وعمرو بن شعيب. وروى عنه رَوْح بن
عُبادة، ويحيى القطّان، وأبو أحمد الزُّبَيْري، وسعيد بن سلام العطّار، وطائفة.
٣٤١ - ((أخو سفيان الثوري)) عمر بن سعيد بن مسروق، أخو سفيان الثوري. روى عن
أبيه، وأشعث بن أبي الشّعثاء، وعمّار الدُّهني، وروى عنه أخوه مبارك، وابنه حفص بن
عمر، وإبراهيم بن طَهْمان، وسفيان بن عُبَيْنَة، وثَّقه النَّسائي. وتوفي(١) وروى له مسلم، وأبو
داود، والنَّسائي.
٣٤٢ - ((الأشقر)) عمر بن الحاكم أبي سعد الفقيه، أبو عبد الرحمن، المعروف بالأشقر.
هو من شعراء ((دمية القصر))؛ قال الباخَرْزي: مقطّعاته حلوةٌ كالشَّهد، وإن كانت مقصورة على
مُرِّ الزُّهد، فمنها قوله [الكامل]:
وأرى بعقلهمُ الضعيفِ قصورا
عجباً لقومٍ يُغْجَبُون برایھم
وبنوا لعمرهمُ القصير قصورا
هدموا قصورهمُ بدار بقائهم
٣٤٠ - (تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٥٣/٧)، و((طبقات خليفة)) (٧١٢)، و((طبقات ابن سعد)) (٤٨٦/٥)،
و((تاريخ البخاري)) (١٥٩/٢/٣)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) للخزرجي (٢٤٠)، و((الجرح والتعديل))
لابن أبي حاتم (١١٠/١/٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٠/٢).
٣٤١ - ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٥٤/٧)، و((تاريخ البخاري)) (١٥٩/٢/٣)، و((الجرح والتعديل)) لابن
أبي حاتم (١١٠/١/٣)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) للخزرجي (٢٤٠).
(١)
بياض في الأصل.
٣٤٢ - ((دمية القصر)) للباخرزي (٢٦١/٢).
٢

٢٩٨
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقوله [البسيط]:
عمري قصيرٌ وما قَدَّمتُ من عملِ للَّه ذاك ولمَّا أَقْضِ من وَطَرٍ
وأتعبثْنيَ دنيا ما لها خَطَرٌ يَظَلُّ من حرصها ديني على خطرٍ
وقوله [البسيط]:
المرءُ يسعى لدنياه ويزجره
وليس يسعى لما فيه النجاةُ له
وقوله [الطويل]:
سَوْط الزمان ويُدنيه من الأجل
كأنّه آمِنٌ فيها من الوَجَل
إلهيَ حاجاتي إليك كثيرةٌ وأنتَ بحالي عالمٌ وخبيرُ
وأنتَ رحيم بالبريَّةِ فَأَقْضِها جميعاً وذَا سَهْلٌ عليك يَسيرُ
ذنوبي ذنوبي خُطّ عنيَ ثقلَها فقد أثْقَلَتْ ظهري وأنتَ غفورٌ
٣٤٣ - ((الهَمْداني الكوفي)» عمر [و] (١) بن سَلِمَة الھَمْداني الکوفي. سمع عليّاً وابن
مسعود، وحضر النَّهْرَوان مع عليّ. وأبوه بكسر اللام، هو وعمرو بن سَلِمَة الجَزْمي، وسيأتي
ذكره. فأما عمرو بن سَلَمَة، بفتح اللام، فشيخٌ مجهول للواقدي وشيخٌ آخر قزويني، يروي
عنه أبو الحسن القطّان.
٣٤٤ - ((المظَفَّر صاحب حماة)) عمر بن شاهِنْشاه بن أيوب، الملك المظفر تقيّ الدین،
أبو سعيد بن نور الدولة، صاحب حماة. وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين. تقدَّم ذكر
٣٤٣ - (تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢/٨)، و((الإكمال)) لابن ماكولا (٣٣٥/٤)، و((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٥٢٤/٣)، و((تاريخ الإسلام)) له (٢٩٠/٣)، و ((العبر)) له (١٠٠/١)، و((طبقات ابن سعد))
(١٧١/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٩٦/١)، و((المشتبه)) للذهبي (٢٧٠)، و((خلاصة تذهيب
الكمال)» للخزرجي (٢٤٥)، و((تاريخ البخاري)) (٣٣٧/٢/٣)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(٢٣٥/١/٣)، و((تبصير المنتبه)) لابن حجر (٦٨٩).
في المصادر جميعاً: عمرو إلاّ في هامش نسخة من العبر: ((إنما هو عمر))، فاستجزنا تصويبه.
(١)
٣٤٤ -
(«تاريخ ابن الفرات» (٤٧/٢/٤)، و ((السلوك)) للمقريزي (١٠٧/١)، و((الدارس)) للنعيمي (٢١٦/١)،
و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١١٣/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٨٩/٤)،
و((الخريدة)) للعماد (بداية قسم شعراء الشام) (٨٠)، و((سيرة صلاح الدين)) (١٩١)، و((التكملة لوفيات
النقلة)) للمنذري (١٥٩/١)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤٥٦/٣)، و((البدر السافر)) للأدفوي
(٤١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٣٣/٣)، و((طبقات السبكي)) (٢٤٢/٧)، و(«البداية والنهاية)) لابن
كثير (٣٤٦/١٢)، و((تاريخ دول الإسلام)) للذهبي (٧٣/٢)، و((العبر)) له (٢٦٢/٤)، و((تاريخ ابن
الوردي)» (١٠٣/٢)، و((مفرج الكروب)) لابن واصل (٣٧٥/٢).

٢٩٩
عمر بن شاهِنْشاه بن أيوب
أبيه(١). كان شجاعاً مقداماً منصوراً في الحروب مؤيَّداً في الوقائع، ومواقفه مشهورة مع
الفرنج، وله آثارٌ في المصافّات دلّت عليها التواريخ. وله في أبواب البِرّ كلّ حسنة، منها
مدرسة منازل العِزّ، يقال إنها كانت دار سكنه، فوقف عليها وقفاً كثيراً، وجعلها مدرسةً،
وكانت الفَيُّوم وبلادها إقطاعه، وله بها مدرستان: شافعيَّة ومالكيَّة، وعليهما وقفٌ جيّد. وبنى
بمدينة الرُّها مدرسة، لمّا كان صاحب البلاد الشرقيّة. وكان كثير الإحسان إلى العلماء وأرباب
الخير .
وناب عن عمّه صلاح الدين بالديار المصريَّة في بعض غيباته عنها؛ لأن الملك العادل
كان نائباً عن أخيه صلاح الدين، فلما جاء من الكَرَك سنة تسع وسبعين وخمسمائة، في شهر
رجب، طلب أخاه من مصر بالعساكر، وسيَّر إليها تقيَّ الدين عمر نائباً عنه، ثم استدعاه إليه
إلى الشام، ورتّب مكانه العزيز عثمان، ومعه العادل؛ فشقَّ ذلك على تقي الدين، وعزم على
دخوله بلاد الغرب ليفتحها، فقبَّح أصحابُه عليه ذلك، فامتثل قولَ عمّه صلاح الدين، وحضر
إلى خدمته، وخرج السلطان والتقاه بمرج الصُفَّر، واجتمعا هناك، وفرح به، وأعطاه حماة،
فتوجَّه إليها، وتوجّه إلى قلعة مَنازْكِزْدَ من نواحي خِلاط، ليأخذها، فحاصرها مدة، وتوفي
عليها، يوم الجمعة، تاسع عشر(٢) شهر رمضان، سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وقيل توفي
بين خلاط وماردين، ونقل إلى حماة، ودُفن بها. ورُتِّبَ مكانه ولدُه الملك المنصور أبو
المعالي محمد، وقد تقدَّم ذكره(٣).
وقال في وصفه صاحب الخريدة: ذو السيف والقلم، والبأس والكرم؛ كان يساجل
العظماء ويجالس العلماء، ولكثرة امتزاجه بالفضلاء نظم الشعرَ طبعاً، ولم يُميِّزه خفضاً ونصباً
ورفعاً.
ومن مختار ما أنشد له قولُه [الكامل]:
جاءتك أرض القدس تخطُب ناكحاً يا كُفْأها ما العُذْرُ عن عَذْرائها
زُفَّتْ عليك عَرُوسَ خِذْرٍ تُجْتَلی ما بین أَعْبُدِها وبين إمائها
بِكْراً ملوكُ الأرضِ من رُقَبائها
إيهٍ صلاحَ الدينِ خُذْها غادةً
عن نَيلها أن ليس من أكفائها
کم خاطب لجمالها قد ردّه
(١)
((الوافي)) (٥٤/١٦) رقم (٥٣٤٢).
وفيات الأعيان: في الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنين وثمانين وخمسمائة.
(٢)
(الوافي)) (الجزء الرابع) رقم (١٧٩٢).
(٣)

٣٠٠
الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقوله [الطويل]:
يعاتبني قومٌ يَعِزُّ عليهمُ مسيريّ: ما هذا السُّرى في السبّاسبِ
فقلتُ لهم: كُفُّوا وما وكفتْ لكم جفونٌ ولا ذُقتمَ فراق الحبائبِ
وقوله [السريع]:
ما أحسنَ الصبرَ ولكنني أنفقتُ فيه حاصلَ العُمْرِ
فليتَ دهري عاد لي مرةً ببعض عمرٍ ضاع في الصَّبْرِ
وقوله [البسيط]:
أحبابَنا والهوى لا حُلْتُ بعَدكمُ عن العهود ولا استهوانيّ الغِيَرُ
فإن أَحُلْ بَخِلَتْ كَفِّي بما ملكتْ ولا أَجَبْتُ النَّدى إنْ قيل: يا عُمَرُ
وقوله [مجزوء الخفيف]:
كلَّما زِذْتُمُ جفا زادَ قلبي تِلهُفا
جار في يومٍ بينِكم حاكمٌ ما توقَّفا
وقوله [الكامل]:
يا مالكاً رِقْي برقّةٍ خَدِّه ومُعَذِّبي دونَ الأنامِ بصَدِهِ
وأنا المَشُوقُ، ومانِعي من رِفْدِهِ
ومُكَذِّبي، وأنا الصَّدوقُ، وهاجري
أشتاقُه وأنا الجريحُ بلحظه وأحبُّه وأنا الطعينُ بقَدِهِ
وقوله [المدید]:
آهِ من قومٍ بُليتُ بهم أدمُعي من بعدِهم تَكِفُ
وبلائي بالذي عرفوا
عرفوا أنّي أُحِبُّهُمُ
وقوله [الكامل]:
نَعِمَ الأراكُ بما حَوَتْهُ شفاهُها يا ليتني أصبحتُ عودَ أراكِ
سَعِدَت بكم تلك البقاعُ وأهلُها مَن لي بأنْ أحتلَّها وأراكِ؟
وقوله [البسيط]:
إذا أدَلَّتْ أذَلَّتْ قلبَ عاشقها ما أطيبَ الحبَّ إدلالاً وإذلالاً
ترنَّحَتْ بنسيم العَتْبِ مائلةً لو لم يَكُنْ قَدُّها غُضْناً لما مالا