Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
علي بن الحسين بن المبارك؟ِ بن محمد بن الخل
وَلاَ ارْتَكَمْ غمامٍ غَمّ لَمَّا بَغَمْ
يَبْقَ أَلَمْ
بَذْر الظُّلَمْ بالمُلْتَثَنِ
ظَبْيٌّ ظَلَمْ
.
وهي طويلةٌ خرَجَ إلى المديح قلت: أقصر ما صنع القدماءُ من الرجز: ما كان على
جزأیْن؛ کقول درید یومَ هوازن:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَغْ
حتى صنع أبو النجم أرجوزةً على جزءٍ واحدٍ، وهي مشهورة أوَّلها :
يَظْوي الأَلَمْ
بِذِي سَلَمْ بَعْدَ العَتَمْ
طَيْفٌ أَلَمَّ
إِذا يُضَمّ
وَمُلْتَزَمْ فِيهِ هَضَمْ
جَادَ بِغَمّ
وقال بعضهم: أوَّل من أبدع ذلك سَلْمٌ الخاسرُ يمدحُ الهادَي بقوله :
أَلْوَى الْمِرَرْ
غَيْثُ بَكَرْ ثُمَّ انْهَمَرْ
مُوسَى المَطَرْ
٠٠
ثُمَّ اتَّسَرْ
اعْتَسَرْ
ثُمَّ غَفَرْ
وَكَمْ قَدَرْ
عَدْلُ السِّيَرْ
بَاقِي الأَثَرْ
خَيْرٌ وَشَرّ
نَفْعٌ وَضَرّ
فَرْعُ مُضَرْ
خَيْرُ البَشَرْ
هُوَ الوَزَرْ
بَدْرٌ بَدَرْ
والمُفْتَخَرْ
لِمَنْ حَضَر
لِمَنْ غَبَرْ
٢٨٩ - ((أبو القاسم بن الخل)) علي بن الحسين بن المباركِ بن محمد بن الخل، أبو
القاسم بن أبي الحسين الشاعر، كان يلقَّب فخر الزمان، مدح الإمامَيْن المستنجد وابنه
المستضيء، مولده سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ووفاته(١).
ومن شعره [من المجتث]:
وَجْهُ الصَّبُوحِ صَبِيحُ مِنْ الهُمُومِ مُرِيحُ
وَمَتْرِلُ اللَّهْوِ رَحْبٌ نَضْرُ الرِّيَاضِ فَسِيحُ
وَالظَّلُّ جَارٍ نَثِيرٌ والظُّلُّ سَارٍ يَسِيحُ
وَلَلنَّسِيمِ هُبُوبٌ عَلَى الرِّيَاضِ طَلِيحُ
وَلِلِسَّحَائِبِ جَفْنٌّ مِنْ الدُّمُوعِ قَرِيحُ
بياض بالأصل.
(١)

٢٠٢
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وَالْبُلْبُلُ المُتَغَنِّيِ فَوْقَ الْغُصُونِ يَصِيحُ
ح كَالنُّجُومِ يَلُوحُ
وَالْوَرْدُ فِي قُضُب الذَّوْ
ـبِّ المَشُوقِ يَبُوحُ
نَسِيمُهُ بِغَرَامِ الصَّـ
وظَنُّ تَرْكِ اصْطِبَاحِ فِيهِ جَمِيلاً قَبِيحُ
٢٩٠ - ((ابن الحمامي)) علي بن الحسن أبو طاهر المعروف بابن الحمامي، كان أديباً
فاضلاً شاعراً، وكان يخدمُ ملوك بني بُوَيْه، ويترسَل منهم إلى الأطراف، روى عنه القاضي
أبو تمَّام الواسطيُّ، وأبو الحسين بن الصابىء، وأبو الحسن بن نصر شيئاً من شعره.
وتوفي سنة تسعٍ وعشرين وأربعمائة، ومولده كان في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
ومن شعره [من السريع]:
اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى البُخْلِ وَنافَقُوا في القَوْلِ والْفِعْل
لَوْ سُئِلُوا الرَّدَّ لَضَتُّوا بِهِ إِذْ سُرْعَةُ الرَّدِّ مِنَ البَذْلِ
ومنه [من الكامل]:
يَا غَادِراً ضَمِنَ المَوَدَّةَ وَالوَفَا وَأَخَلَّ مِنْ بَعْدِ الضَّمَانِ بخلَّتِي
وَسَرَرْتَنِي حَتَّى بَلَوْتَ سَرِيرَتِي
مَا قَدْ أَرَى لَطَوَيْتُ عَنْكَ طَوِيَّتِي
أَصْبَيْتِنِي حَتَّى عَرَفْتَ صَبَابَتِي
ثُمَّ انطَوَيْتُ عَلَى الجَفَاءِ وَلَوْ أَرى
وَمِنَ العَجَائِبِ وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ أَنِّي رَأَيْتُ مَنِيَّتي مِنْ مُنْيَتِي
ومنه [من السريع]:
يَا دَهْرُ لَوْ عُدتَّ إِلى صُلْحِي مَا كُنْتَ إِلَّ فَائِزَ الْقِدْحِ
في كُلِّ يَوْمٍ مِنْكَ لِي وَقْعَةٌ مُؤْلِمَةٌ تُرْحِبُ في جُرْحِي
منها [من السريع]:
فَقَالَ لي بَعْدَ خُطُوبٍ جَرَتْ مِيَعادُ مَّا تَبْغِي أَبُو الفَتْحِ
يَرُومُ مِنْهُ يُورِ في القَدْحِ
فُزْتَ بآمَالِكَ فِي الرِّبْحِ
تَضِيقُ عَنْهُ سَعَةُ المَذْحِ
فَأَقْدَحْ بِهِ زَنْدَكَ فِي كُلِّ مَا
إِنَّكَ إِنْ تَاجَرْتَهُ مَادِحاً
وَمَا الَّذِي تَنْظِمُ في مَدْحِ مَنْ
أَمَا تَرَى الذَّهْرَ وَأَحْدَاثَهُ دَائِبَةً تَعْمَلُ في ذَبْحِي

٢٠٣
علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت، المعروفُ بِشُمَيْم
قُلْ لِشِهَابِ الدَّوْلَةِ المُرْتَجَى واعْدِلْ إِلَى الْجِدِّ عَنِ المَزْحِ
عَبْدُكَ هَذَا طَارِعٌ نَفْسَهُ عَلَيْكَ فَاعْرِفْ حُرْمَةَ الطّرْحِ
تَهُزُّ مِنْهُ عَامِلَ الرُّمْحِ
واهْزُزْهُ في سَائِرٍ مَا تَبْتَغِي
فَحِينَ وَافَانِي بِلاَ كَذْحِ
مَا زِلْتُ أَدْعُو اللَّهَ في قُرْبَهِ
حَلَّ بِبَغْدادَ وَلَكِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِّي مِنْ فَمِ الصّلْحِ
قلتُ: شعر جيد منسجم.
٢٩١ - (شُمَيْم الحلي)) علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت، المعروفُ بِشُمَيْم(١) - بضم
الشين المعجمة، وفتح الميم الأولى، وبعدها ياء آخر الحروف - أبو الحسن الحِلِّيّ النحويُّ
اللغويُّ الشاعرُ، توفي بالموصلِ عن سِنِّ عالية، سنة إحدى وستمائة، تأذَّب ببغدادَ، وتوجه
إلی الموصل والشام وديار بكر.
قال ياقوت: وأظنُّهُ قرأ على مَلِكِ النحاة أبي نزار(٢).
قال: إنَّ الأوائلَ جَمَعُوا أقوالَ غيرهم وأشعارهم، وبوَّبوها، و[أما] أنا فكلُّ ما عندي
منْ نتائج أفكاري، وكلَّما رأيت الناسَ مجمعين على استحسان كتاب في نوع من الأدب
أنشأتُ مِنْ جنسه ما أدحض به المتقدِّمين.
مِنْ ذلك: أنَّ أبا تمامِ جمع أشعارَ العرب في ((حماستِهِ) وعملت أنا حماسَة من
أشعاري، (ثم سَبَّ أبا تَمَّامٍ وشتمه)، ثم رأيتُ النَّاسَ مجمعين على تفضيل أبي نواس في
خمريَّاته، فعملتُ كتابَ الخمريَّات من شعري، ولو عاش أبو نواسٍ لاستحيا أن يذكر شِعْرَ
نفسه معها، ورأيْتُ الناس مُجْمعين على تفضيلِ خُطَب ابن نُبَاتة، فصنَّفْتُ كتاب الخُطَب،
فليس للنَّاسِ اليومَ اشتغالٌ إلا بخُطَبي :
قال: ياقوتُ: ثم أنشدني [من مجزوء الكامل]:
امْزُجْ بِمَسْبُولِ اللُّجَيْنِ ذَهَباً حَكَتْهُ دُمُوعُ عَيْنِي
لَمَّا نَعَى نَاعِي الْفِرا قِ بَبَيْنِ مَنْ أَهْوَى وَبَيْنِي
كَانَتْ وَلَمْ يُقْدَرُ لشَيْ ءٍ قَبْلَهَا إِيجَابُ كَوْنٍ
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (٥٠/١٣)، ((الأعلام)) (٢٧٤/٤)، ((سير أعلام النبلاء)» (٢١/
(١)
٤١١)، (إرشاد الأديب)) (١٢٩/٥).
في الأصل: ابن نزار، والمثبت من «معجم الأدباء)».
(٢) .

٢٠٤
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وَأَحَالَهَا التَّحْرِيمُ لَمَّا شُبِّهَتْ بِدَمِ الحُسَيْنِ
خَفَقَتْ لنا شَمْسَانٍ مِنْ لأَلائِهَا في الخَافِقَيْنِ
مِنْ لَوْنِهَا فِي حُلَّتَيْنِ
وَبَدَتْ لَنَا فِي كَأْسِهَا
فَأَعْجَبِ هَدَاكَ اللَّهُ مِنْ كَوْنِ اتِّفَاقِ الضَّرَّتَيْنِ
فاستحسنتُ ذلك، فغضب وقال لي: ويلك ما عندك غير الاستحسان، فقلْتُ له: فما
أصنَعُ يا مولانا؟ فقال لي: تصنَعُ هكذا، ثم قام يرقُصْ ويصفّق إلى أن تَعِبَ وجَلَس، وهو
يقول: ما أصنَعُ وقد ابتُلِيتُ ببهائم لا يفرِّقون بين البَعْر والدُّرِّ، والياقوتِ والحجر، فاعتذرْتُ
إليه، وسألتُهُ أن ينشدني شيئاً آخر، فقال لي: قد صنفتُ كتاباً في التجنيس سميته: ((أنيس
الجليس، في التجنيس)) في مدح صلاح الدين لما رأيتُ استحسانَ الناسِ لقول البستِّي، ثم
أنشد منه [من مجزوء الرمل]:
لَيْتَ مَنْ طَوَّلَ بِالشّا مِ نواهُ وَثَوى بِهْ
رَاءِ مِنْ بَعْضِ ثَوَابِهْ
جَعَلَ العَوْدَ إِلى الزَّوْ
ـرُ ثَرَى مِسْكِ تُرَابِهْ
أَتُرى يُوطِئُنِي الدَّهْـ
وَأَرَى أَيْ نُورَ عَيْنِي مَوْطئاً لي وتُرَى بِهْ
ثم أنشدني لنفسه في وصف ساقٍ [من مجزوء الكامل]:
قُلْ لي فَدَتْكَ النَّفْسُ قُلْ لي مَاذَا تُرِيدُ إِذَنْ بِقَتْلِي
أَأَدَرْتَ خَمْراً في كُثُو سِكَ هَذِهِ أَمْ سُمَّ صِلٌ
وأنشدني غير ذلك، ثم سألته عمَّن تقدَّم من العلماء، فلم يحسن الثناءَ على أحد منهم،
فلمَّا ذكرتُ له المعرِّيَّ، نهرني، وقال: ويُلَكَ كَمْ تُسىء الأدَبَ بين يَدَيَّ مَنْ ذلك الكلبُ
الأعمَى حتى يُذْكَرَ في مجلس قلت: يا مولانا، ما أراك تَرْضَى عن أحد ممَّنْ تقدَّم فقال:
كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يُرْضيني، فقلْتُ: فما فيهم أحدٌ قَظُ جاء بما يرضيك؟ فقال:
لا أعلَمُهُ إلا أَنْ يكونَ المتنبِّي في مديحِهِ خاصَّةً، وابنَ نُبَاتَةَ في خُطَبه، وابنَ الحريري في
مقاماتِهِ، فهؤلاءِ لم يقصِّروا، قلتُ: يا مولاي، قد عجبتُ إذ لم تصنّف مقاماتٍ تدحض بها
مقاماتِ الحريريِّ، فقال: يا بنيَّ اعلَمْ أنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خَيْرٌ من التمادي في الباطل،
عَمِلْتُ مقاماتٍ مرتَيْنِ ، فلم تُرْضني، فغسلْتُها، وما أعلَمُ أنَّ الله خَلَقَنَي إلا لأُظْهِرَ فَضْلَ ابن
الحريري، ثم شَطَحَ في الكلامِ، وقال: ليس في الوجود خالقٌ إلا واحد في السماء، وواحدٌ

٢٠٥
علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت، المعروفُ بشُمَيْم
في الأرض؛ فالذي في السماء هو الله، والذي في الأرض أنا، ثم قال: هذا كلامٌ لا يَحْتَمِلُهُ
العامَّة، لكونهم لا يفهمونه؛ أنا لا أَقْدِرُ على خَلْقِ شيء إلا خَلْقَ الكلامِ، فأنا أَخْلُقُهُ، ثم
ذكر اشتقاق هذه اللقطةِ، فقلتُ له: يا مولانا، أنا محدثٌ، والمحدثُ إنْ لم يكن عنده
جرأةٌ، مات بغصَّة، وأحبُّ أسألك عن شيء، قال: فتَبَّسم وقال: ما تسأَلْ إلا عن مُعْضِلَةٍ،
هات ما عندك، قلت: لِمَ سُمِّيتَ بالشُّميم، فشتَمَني، ثم ضَحِكَ، وقال: اعْلَمْ أنِّي بقيت مدَّة
مِنْ عمري (ذكرها هو وأنسيتها) لا آكل في تلْكَ المدَّة إلا الطيب(١) فحسب؛ لتنشف
الرطوبة، وَحِدة الحقط؛ فكنت أبقى أياماً لا يجئني الغائط، فإذا جاء، كان شبه البندقة من
الطين، فكنتُ آخذه وأقولُ لمن أنبسط له شمَّهُ فإنه لا رائحة له، فكثر ذلك حتى عُرِفْتُ به
أرضيت يا ابْنَ الفاعلة.
ثم أورد له ياقوتُ [من الكامل]:
قَالُوا فَرَاكَ بِكُلِّ فَنَّ عَالِماً فَعَلاَمَ حَظُكَ مِنْ دُنَاكَ خَسِيسُ
فَأَجَبْتُهُمْ لاَ تَعْجَبُوا وَتَفَهَّمُوا كَمْ ذَادَ نَهْزَةَ لَيْثِ خِيسٍ خِيسُ
ومن شعره [من الوافر]:
أَقِيلي عَثْرَةَ الشَّاكيٍ أقيلي فَسُولي في سَمَاعٍ نَثَا رَسَؤُلي
وَإِنْ لَمْ تَأْذَني بِفِكَاكِ أَسْرِي فَدُلِّيني عَلَى صَبْرِ جَمِيل
وقال ياقوتُ: حدَّثني تقي الدين ابن الحجّاج، قال: اجتمع جماعةٌ من التَّجار
الواسطيين بالموصل على زيارة شُمَيْم، وتوافقوا على ألاَّ يتكلَّموا بين يَدَيْهِ خوفاً من زلل
يكون منهم، فلمَّا حصلوا بين يدَيْه، قال أحدهم: أدامَ اللَّهُ أيَّامَكَ، فالتفت إليّ وقال: أين
هؤلاء فإني أرى عمائم كباراً ظننتها على آدميين، فسَكَتُوا، فلما قاموا، قال له آخر منهم: يا
سيِّدي، ادع لنا بِشَمْلِ الجمع فغضبَ، وقال: قُومُوا عني، قَبَّحكم الله، ثمَّ التَفَتَ إليَّ وقال:
أيسن هؤلاء؟ وكيف خلَقَهُمُ الله؟! ثمَّ حَلَفَ بمحلوفه، وقال: لو قدرْتُ على خَلْق مِثْل هؤلاء
لما فعلْتُ؛ أَنَفَةً مِنْ خَلْق مثلهم.
وقال محمد بن حامد بن محمد بن جبريل بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه فخر
الدين: جَرَتْ بيني وبينه مذاكراتٌ إلى أنْ قال: ومن العجائب استحسانُ الناسَ قولَ عمرو بن
كلثوم [من الوافر]:
في الأصل: الطين. والمثبت من ((معجم الأدباء)).
(١)

٢٠٦
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّن فِيهَا إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا خَرِينًا
((كذا قال تهكُّما))، ألا قال كما قلت [من الطويل]:
وَسَالَتْ نِطَاقُ الرَّاحِ في الرَّحِ فاغْتَدَى السَّمَاحُ إِلى راحَاتِنَا فَسَخِيَنا
ثم أخرجَ رقعةً من تحت مصلاه، وقال: ما معنى قولي قَلْبُ شطر أعادِيك حَظُ من كفر
أياديك)»؟ فقلت: أكتبها [وأفسِّرها]؟ فقال: اكْتُبْهَا، فكتبتُها، وقلت: شطر أعاديك: ديك،
وقلبه: كيد أردتَ أنَّ الكيدَ خظُ من كفر أياديك، فقال لي: أحسنْتَ، ثم أقبل عليَّ بعد
إهمالي.
ولمَّا قدم أسْعَرْتَ(١)، تسامع به أهلها، فقصدوه مِنْ كلِّ فجّ، وكان فيهم شاعر،
فأنشده شعراً استجاده، وقال له: إني أرفَعُ هذا الشعر عن طبقتك؛ فإنْ كنتَ في دعواه
صادقاً، فقل في معناه الآن شيئاً آخر، ففكّر ساعة وقال [من الطويل]:
وَمَا كل وَقْتٍ فيه يَسْمَحُ خَاطِرِي بِنَظْمٍ قَرِيصٍ يَقْتَضِي لَفْظُهُ مَعْنَى
وَلَمْ يجِ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ تَيَهُماً بِتُرْبٍ وَيَحْرُ الأَرْضِ فِي سَاحَةٍ مَعْنَا
فقال له الحلِّيُّ: ويلكَ اسجُدْ ويَلَكَ اسجد! فإنَّ هذا موضعٌ مِنْ مواضع سجدات
الشعرِ، وأنا أعرَفُ الناسِ بها .
ومن خُطَبه الحَمْدُ للَّهِ فالقِ قمم حَبِّ الحصيد بحُسَام سح السحب، صايغ خد الأرض
بقاني شقيق يانع العشب، نافخ روح الحياة في صورٍ تصاويرها بسائح الفرات العذب، محيي
مَيْتِ الأَرْضِ بإماتة كالح الجدب، لابتسام ثغر نسيم أنفاح الخصب، محيل جسم طبيعة
الماء المبارك في أشكال الحبّ، والعنب والزيتون والقَضْب، جاعله للأنامِ والأنعامِ ذات
الحمل والحلب، محلى جيد الأفلاك بقلائد دراري النجوم الشهب، ومجلس جُنْد الأملاكِ
عن مباشرة التصرف والكسب، والقيام بالواجب(٢) وأصل التسبيح والتقديس للربِّ.
قلت: لم أورد هذه السجعات إلا لترى أيُّها الواقفُ على هذا الكتاب، ما على هذا
الكلام من التكلف والقلق والثقالة، هذاك شعره، وهذا نثره؛ على أن النَّظْم خيرٌ من النثر
ولا خير في كثير، كيف به لو نثر مثل القاضي الفاضل، أو نظم مثل ابن سناء الملك.
وله من التصانيف :
(١)
في الأصل: أسعرد. والمثبت من ((المعجم)).
في الأصل: بواجب والمثبت من ((معجم الأدباء)».
(٢)

٢٠٧
علي بن الحسن الأحمر صاحبُ الكسائي، أبو الحسن بن الحسن المؤدب
النكت المعجمات، في شرح المقامات و((كتاب أَرْى المشتار، في القريص المختار))
وكتاب ((الحماسة)) من نظمه، كتاب ((منَّاح المنى، في إيضاح الكنى(١) أربع كراريس)) ((أنس
الجليس، في التجنيس))، ((أنواع الرقاع، في الأسجاع))، كتاب ((درة التأميل، في عيون
المجالس والفصول)) مجلدان ((نتائج الإخلاص في الخطب)) مجلد، كتاب ((التعازي في
المرازي)) مجلد، كتاب خطب نسق حروف المعجم، كراسان كتاب ((الأماني، في التهاني))
مجلد، كتاب ((المفاتيح في الوعظ)) كراسان، كتاب («معاياة العقل، في معاناة النقل)) مجلد،
كتاب الإشارات المعزِّيَّة)) مجلد كتاب ((المرتجلات، في المسجَّلات)) أربع كراريس، كتاب
((المخترع في شرح اللمع)) مجلد، كتاب ((المحتسب، في شرح الخطب)) مجلد كتاب
((المهتصر في شرح المختصر)) مجلد، كتاب ((التمحيض، في التغميص)) كراسان، كتاب
(بداية الفكر، في بدائع النظم والنثر)) مجلدان، كتاب ((خلق الآدمي)) کراسان، كتاب ((رسائل
لزوم ما لا يكره)) كراسان، كتاب ((اللزوم)) مجلدان، كتاب ((لُهُنّة التطبيق المصحر، في الليل
المسهر)) كراسان، كتاب ((مسرة القلوب في التصحيف)) كراس، كتاب ((المنائح، في المدائح)»
مجلدان، كتاب ((نهزة الأفراح في صفات الراح)) (٢) كراسان، كتاب ((حزر النافث، من حيث
العائث)) كتاب ((الخطبة(٣) المستضيئة))، كتاب الخطب الناصرية))، كتاب ((الزَّكوبات))
مجلدان، كتاب ((شعر الصبي)) مجلد، كتاب ((إلقام الإلجام، في تعبير الأحلام)) كتاب ((سمط
الملك المُفَضَّل، في مديح المليك الأفضل))، كتاب ((مناقب الحكم في مثالب الأمم))
مجلدان، كتاب ((اللماسة، في شرح الحماسة))، كتاب ((الفُصُول الموكبية)) يشتمل على
عشرين(٤) فضلاً، كتاب ((مجتنى ريحانة الهمّ، في استئناف(٥) المدح والذم))، كتاب
المناجاة.
٢٩٢ - ((الأحمر صاحب الكسائي(٦)) علي بن الحسن الأحمر صاحبُ الكسائي، أبو
الحسن بن الحسن المؤدب، لم يَصِرْ لأحدٍ قظُ من التأديب ما صار إلَيْه.
قال أبو سعيد الطوال: مات الأحمر قبْلَ الفرَّاء بمدّة، قال الحاكي: أحسبه قال: سنة
في الأصل: المنى. والمثبت من ((المعجم)).
(١)
(٢)
في («معجم الأدباء)»: نزهة السراح في صفات الأرواح.
(٣)
في ((المعجم)): الخطب.
في ((المعجم)): أربعين.
(٤)
في الأصل: استنشاف.
(٥)
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء» (٥/١٣).
(٦)

٢٠٨
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
أربع وتسعين ومائة، وكان رجلاً من الجند من رجّالة النوبة على باب الرشيد، وكان يحبُّ
علم العربيَّة، ولا يقدر على مجالس الكسائي، إلا في أيام غير نوبته، وكان يرصد مصيرَ
الكسائيِّ إلى الرشيد، ويعرض له في طريقه فإذا أقبل، تلقَّاه وأخذ بركابه وما شاه إلى أن
يبلُغَ الستر، وهو يسألُهُ عن المسألة بعد المسألةِ، وكذلك يفعل به إذا خَرَجَ من الستر إلى أن
يركّبَ، ولم يزلْ كذلك إلى أن تمكَّن، فلمَّا أصاب الكسائيّ الوَضَح في بدنه ووجهه، کره
الرشيدُ ملازمتَهُ لأولاده، فأمَرَهُ بأنْ يرتاد لهم من ينوب عنه، وكان الكسائيُّ قد بلغه قدوم
سيبويه والأخفش، فقال للأحمر: هل فيك خَيْرٌ قال: [نعم] فاستخلفَهُ على أولاد الرشيد،
فقال له: لعلِّي لا أفي بما يطلبون، فقال: إنما يريدون في كلِّ يوم مسألتين [في النحو] وبيتين
من معاني الشعر، وأخْرُفاً من اللغة، وأنا ألقِّنك كل يومٍ ذلك قبْلَ أن تأتيهم [فقال: نعم]
فدخل به إليهم، وأجلسوه في بيتٍ، وفرشوه له، وكانتِ العادةُ جاريةً بأنه إذا دخل معلِّم
لأولاد الخلفاءِ يحمَلُ بعد قيامه كلّ ما في ذلك البيت الذي جلَسَ فيه إليه، فحمل ذلك إلى
الأحمر، وشريت له دارٌ وجاريةٌ، وحمل على مرکوبٍ، ووُهِبَ له غلامٌ، ورتّب له جاريا
يكفيه، وكان الكسائي يأتيهم في الشَّهْر مرَّة أو مرَّتَيْن، فيعرضون عليه بحضرة الرشيد ما
أقرأَهُمُ الأحمر، وكان بَيْنُه وبين الفَرَّاء تباعُدٌ وجَفَاءٌ، فحج الأحمر فمات في طريق الحجِّ،
فلمَّا بلَغَ الفرَّاءَ ذلك، استرجَعَ وترخَّم عليه، وقال: أمَا واللَّهِ لقَدْ عَلِمْتُهُ شيخاً ذكيًّا عالماً ذا
مروءَةٍ .
ومن شعر الأحمر [من المتقارب]:
وَفِتْيَانِ صِدْقٍ دُعُوا لِلنَّدى وَفَاض(١) السُّرُور بِأَرْضِ الظَّرَبْ
وهي أربعة أبيات.
وقال أبو محمد اليزيدي يهجُو الأحمرَ والكسائي (من مجزوء الرمل]:
أَفْسَدَ النَّحْوَ الكِسَائِ يُ وَثَنَّى ابْنُ غَزَالَهْ
وَأَرَى الأَحْمَرَ تَيْساً فَاعْلِفُوا الشَّيْسَ الشُّخَالَةْ
وقال ثعلب: كان الأحمَرُ يحفَظُ أربعينَ ألفَ بيتٍ شاهداً في(٢) النحو سِوَى ما يحفظ
من القصائدِ، وكان مقدَّماً على الفرَّاء في حياة الكسائي، وله كتاب التصريف، وكتاب
في الأصل: رياض. والمثبت من ((المعجم)).
(١)
في الأصل على. والمثبت من ((معجم الأدباء)).
(٢)

٢٠٩
علي بن الحسن بن محمَّد بن يحيى المعروف بعلأَن المصري
((تفنن(١) البلغاء)).
٢٩٣ - ((كُرَاعِ الثَّمْل)) علي بن الحسن الهُنَائِيّ المعروف بكُرَاع النمل(٢)، منسوبٌ إلى
هناءة (٣) بن مالك بن فَهْم بن غُنْم بن دَرْس، ينتهي إلى الأزْد، أبو الحسن اللغوي.
قال ياقوتُ: وجدتُ خطَّه على ((المنضّد)) من تصنيفه، وقد كتبه في سنة سبع.
وثلاثمائة، ذكره محمد بن إسحاق النديم، فقال: هو من أهْلِ مصرَ، وكان كوفيًّا، وأخذ
عن البصريِّين، ويعرف بالرَّوَّاسي، قبيلة من الأَزْد، وكتبه موجودة بِمِصْرَ مرغوبٌ فيها، وله
كتاب ((المنضد)) أورد فيه لغةً كثيرةً، مستعملة وحُوشِيَّة، ورتَّبه على حروف المعجم، ثم
اختصَرُه في كتاب ((المجرَّد))، ثم اختصره في كتاب ((المنجَّد))، وله كتاب ((أمثلةِ الغريب على
أوزان الأفعال))، يورد فيه غريبَ اللغة، وكتاب ((المصحَّف)) وكتاب ((المنظّم)).
٢٩٤ - ((ابن مروان الفارسي)) علي بن الحسن بن فُضَيْل بن مروان(٤)، فارسي الأصل؛
ذكره محمد بن إسحاق النديم، وقال: له من الكتب كتابُ الأصنامِ، وما كانت العربُ
والعَجَمُ تعبدُ مِنْ دون اللّهِ عزَّ وجلَّ.
٢٩٥ - ((المُقْرىء)» علي بن الحسن بن عبد الرحمن المقرىء(٥)، قال ياقوت: ذكره
محمَّد بن جعفر التميمي المعروف بابن النَّجار في ((تاريخ الكوفة))، فقال: وانتهى تاريخُ قراءةٍ
عاصم. إلى الطبقة الثامنة، وهو علي بن الحسن بن عبد الرحمن المقرىء، وكان شيخاً
مباركاً، تلقَّن عليه خلْقُ عظيمٌ، كان يحضر مَجْلِسَهُ فوق ألف نفس في كلِّ يومٍ، وكان السبق
من العصرِ، يبيت للناس السبق، وآخر مَنْ شاهدنا منهم: أبو العباس محمد بن الحسن بن
يونس الهذلي، وقد قرأ بالسبعة مِنْ عدة وجوه، وقرأ بالشواذّ.
٢٩٦ - ((علان النحوي)) علي بن الحسن بن محمَّد بن يحيى المعروف بعلاَّن
المصري(٦)، ذكره أبو بكر الزبيديُّ في كتابه؛ فقال: كان نحويًّا من ذوي النظر والتدقيق في
المعاني، قليلَ الحِفْظِ لأصول النحوِ، فإذا حفِظَ الأصل، تكلّم عليه، فأحسن وجوَّد
التعليل، ودقّق في القَوْلِ ما شاء. توفِي في شوال سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
(١)
في الأصل: تغير والمثبت من («معجم الأدباء)).
(٢)
ينظر ترجمته في: ((معجم الأدباء» (١٢/١٣)، الأعلام (٢٧٢/٤)، («مفتاح السعادة)) (٩٦/١).
(٣)
في الأصل: هناء.
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (١٣/١٣).
(٤)
(٥)
ينظر ترجمته في: («معجم الأدباء)» (١٤/١٣).
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء» (١٨/١٣).
(٦)

٢١٠
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
٢٩٧ - ((ابن حَسْول)) علي بن الحسن بن حَسْوَل أبو القاسم (١)، كتب رقعةً إلى
الصاحبِ بن عبَّاد يترضاه في شيء وجده عليه: مولانا الصاحب الأجل كافي في الكفاة
كالبحر يتدفَّق، والعارص يتألَّق، فلا عتْبَ على مَنْ لا يُرْوِيه، سَيْبَ غواديه: أنْ يستشرفَ
للرائحات الرواعد من طَوْله، فيشيم بوارقها، ويستمطر سحائبها، وهذا جانب منها؛ فوقَّع
الصاحب في ظهرها: سيِّدي أبو القاسم، أيَّده الله تعالى، قدَّم حُرْمة، وأتبع غيره، وأظهر
إنابة، فاستحقَّ إقالة؛ فعاد حقه طريًّا كأَنْه لم يَخْلَق، وظنّهُ قويًّا كأن لم يُخْفِقْ.
٢٩٨ - ((أبو بكر القُّهُسْتَاني)) علي بن الحسن أبو بكر العميد، القُهُسْتاني (٢) - بضم
القاف والهاء، وسكون السِّين المهملة، وبعدها تاء ثالثة الحروف، ثم ألف ونون - أديبٌ كبيرٌ
مشهورٌ في بلاد خراسان، اتصل أيام السلطان محمود بن سُبُكْتِكِينَ بولده محمَّد بن محمود
في أيَّام أبيه لما قلَّده الجوزجان(٣)، وكان يميلُ إلى علومِ الأوائلِ، ويُدْمِنُ النظر في
الفلسفة، فقدح في دينه، ومُقِتَ لذلك، وكان كريماً جواداً ممدحاً، ولي الولاياتِ الجليلةَ،
وله نظْمٌ ونثر، وكان يغلبُ المزحُ عليه حتى في مَجْلِس نَظَرِهِ، ويغلب عليه المَيْل إلى
الغلمانِ ، وكان لمحمَّد بن محمود بن سُبُكْتكين سبعمائة غلامٍ في خيله، فعلق العميدُ
أحدهم، وأَفْرَط في حبِّه، ولم يبد ذلك، فاتفَقَ أنْ أتى الغلمانُ مِنْ بعض متصَّيدائهم، فلقيهم
أبو بَكْرٍ في صحن الدار، فسلَّموا عليه، وقَرُبَ منه ذلك الغلام، فقرص خدّه، وكان محمَّد
مشرفاً عليه، فَأَمَرَ بضرب الغلام، ثم أنفذه إلى أبي بكر، فقال: قد وَهَبْناه لك، وصفَحْنا عن
ذَنْبِك، فلو لم يساعدْكَ هذا الفاجرُ على ذلكَ، لما أمكنَكَ فِعْلُهُ، ولكن لا تَعُدْ إلى مثل هذا،
فاستحييا العميد أبو بكر، وقال: هذا أعظَمُ من الضَّرْب والأدب، وتأخّر في داره حياءً،
فأنفذ محمد إليه واستدعاه، وبسطه، ثم إنه كان لا يزالُ يهبه الغلام بعد الغلام، وشكا
الخَدَمُ إلى محمَّد من بعض الغلمانِ الداريَّة بأنَّه تمكِّين بَاقِيَ الغِلْمانِ من وَظْئه، ولا يمتنعُ
من غِشْيَانِهِمْ له، فقال لهم: أيفعَلُ هذا طبعاً أن يستجعلُ عليه؟ فقالوا: بل يستجعلُ عليه،
فتقدَّم بإنفاذه إلى أبي بكر، وقال: قولوا له: هذا بِكَ أشبَهُ لا بنا، فخُذْهُ مباركاً لك فيه .
وقال العميد يوماً في مجلسه معمِّى، وهو [من البسيط]:
مَلِيحَةُ القَدِّ والأَعْطَافِ قَدْ جَعَلَتْ في الْحِجْرِ طِفْلاً لَهُ رأسَانِ فِي جَسَدِ
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (١٩/١٣).
(١)
(٢)
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (٢١/١٣).
في «معجم الأدباء»: الخوزستان.
(٣)

٢١١
علي بن الحسن أبو بكر العميد، القُهُسْتاني
قَدْ ضَيَّقَتْ مِنْهُ أَنْفَاسَ الخِنَاقِ بِلا جُرْمٍ وتَضْرِبُهُ ضَرْباً بِلاَ حَرَدٍ
فَتَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنْهُ حِينَ تَضْرِبُهُ كَأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَاضِغَي أَسَدِ
فقال غلامٌ أمرد من أولادِ الكتاب هذا هو الطبل، فقال العميد: عهدي بكَ تستَدْخِلُ
الأعور، فكيفَ استخرجْتَ الأعمى؟ فخجل الغلامُ، وضحك الحاضرون، وامتدحه شاعرٌ
بشعْرٍ غير طائلٍ، فأخَّر صلته، فكتب الشاعرُ بيتين، وسأل الدَّوَاتّي أنْ يضَعَها في الدَّواة،
وهما [من الوافر]:
أَبَا بَكْرٍ هَجَوْتُكَ لاَ لِطَبْعِي فَطَبْعي عَنْ هِجَاءِ النَّاسِ نَابٍ
وَلَكِنِّي بَلَوْتُ الطَّبْعَ فِيهِ فَإِنَّ السَّيْفَ يُبْلَى في الكلاَبِ
فلمَّا وقَفَ عليهما، استحسن ذلك، وردّ الشاعر من فراسخ بعيدة، ولمَّا رآه، أقبَلَ
عليه، وقام له واعتنقه، وقال: لو كان مَدْحُكَ مثلَ هجوك، قاسَمْتُكَ نعْمَتي، ثم أحسَنَ
جائزته .
قلت: هذا مثلُ قول ابن صُرَّدُرّ [من الوافر]:
وَمَا أَهْجُوكَ أَنَّكَ أَهْلُ هَجْرٍ وَلَكِنِّي أُجَرِّبُ فِيكَ ضَرْبِي
وَهَلْ عَيْبٌ عَلَى شَفَراتٍ سَيْفِي إِذَا جَرَّبْتُهَا في لَحْمِ كَلْبٍ
وورد العميد أبو بكر إلى بغداد سنة نيف وعشرين وأربعمائة، ومدح القادر بالله، وفي
سنة خمس (١) وثلاثين، اتصل بالملوك السلجوقية.
ومن شعره [من السريع]:
رَأَيْتُ عَمَّاراً وَلَيْتَني (٢) لَمْ أَرَهْ حَازَ لِتِلْكَ الظَّلْعَةِ المُنْكَرَةْ
لاَ أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى خَلْقِهِ فَلَوْ أَرَادَ الحَمْدَ مَا صَوَّرَهْ
ومنه [من الكامل]:
وَمُقَرْطَقٍ في صَحْنِ غُرَّةٍ وَجْهِهِ مُتَصَرِّفٌ صِرْفِ الجَمَالِ وَتَحْتُهُ
عاقَرْتُهُ أَسْكَرْتُهُ قَبَّلْتُهُ جَدَّلْتُهُ فَقَّحْتُهُ سَرَّحْتُهُ
قلتُ: ذكرت بهذَيْنِ البيَتيْن ما تقدَّم لي نظمه، وأظنهما ألطف مِنْ هذين، وأوقع في
(١)
في ((معجم الأدباء)»: إحدى.
في الأصل: ولو، والمثبت من ((المعجم)).
(٢)

٢١٢
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
النفس [من الكامل]:
وَلَقَدْ ظَفِرْتُ بِلَيْلَةٍ كَاسَاتُهَا يَسْعَى بِهَا الرَّشَا الأَغَنُّ الأَخْوَرُ
هِيَ فَوْقَ مَا يَصِفُ اللِّسَانُ وَأَكْثَرُ
أَنَا لاَ أُطِيلُ الشَّرْحَ فِي وَصْفِي لَهَا
انْتَهَيْتُ إِلَى الَّذي لاَ يُذْكَرُ
لكِنْ أَقُولُ طَرِبْتُ طِبْتُ ضَمَمْتُ قَبَّلْتُ
ومِنْ شعر أبي بكر القهستاني في مدح الإمام القادر [من الطويل]:
وَلَمْ يَرَنِي ذُو مِنَّةٍ غَيْرُ خَالِقِي وَغَيْرُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ بِبَابِهِ
غَنِيًّا بِلاَ دُنْيَا عَنِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ وإن [مَا] الْغِنَى إلاَّ عَنِ الشَّيْءِ لاَ بِهِ
ومنه يهجو ابن كثير العارض [من الطويل]:
فَلَسْنَا نُرَجِّى الخَيْرَ مِنْ ابْنِ وَاحِدٍ فَكَيْفَ نُرَجِّيهِ مِنْ ابْنِ كَثِيرٍ
ومنه يهجوه مصحَّفاً [من الكامل]:
شَيْخَ العَمِيدِ وَمَالَهُ يَشْنَاني
مَا لِي وَهَذَا العَارِصَ بْنَ كَثِيرٍ
ويَتِيه أَيْنَ رَأَيْتُهُ وَرَآنِي
وَهُوَ الفُؤَادُ بِرُوحِهِ وَأُحِبُّهُ
وَيَغُضُّ مِنْ قَدْرِي وَيُحْمِلُ جَاهِلاً ذِكْرِي وَيُخْفي في الْجَنَانِ جِنَانِي
ومن شعْرِ القهستاني أبي بكر العميد [من الكامل]:
أَزْرَى بِقَدْرِي أَنْ تَرَاكَ مَلَكْتَنِي والشَّيءُ يُمْلِكُهُ بِعَيْنِكَ مُزْدَرى
أَحَدٌ يُوَازيني لَدَيْكَ كَمَا أَرَى
وَلَوَ انَّنِي مِنْ غَيْرِ أَرْضِكَ لَمْ يَكُنْ
وَلَقَدْ تُنَالُ العَيْنُ إلَّ الْمُحَجَرَا
لكِنَّ سَهْمَ القُرْبِ خَاطِ طَائِشٌ
حَطَبُ الوُقُودِ بِهِ يُبَاعُ ويُشْتَرَى
ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَظِيتُ مِنْكَ مُوَقَّرَا
وَيَعُودُ حِينَ يَعُودُ فيهِ جَوْهَرَا
وَكَذَاكَ عُودُ الْهِنْدِ فِي بُلْدَانِهِ
وَعَسَايَ إِنْ وليتُ عَنْكَ بِرِحْلَةٍ
فالبَحْرُ يَصْعَدُ قَطْرة في مزنة
ومنه [من الطويل]:
لَنَا عَالِمٌ يُؤْتَى فَيَأْتِي بِحُجَّةٍ عَلَى ذَاكَ مِنْ أَخْبَارِ عِلْمٍ وآيَاتِ
وَقُلْنَا لَهُ الإسْلاَمُ يَعْلُو وَلَمْ يَكُنْ لِيُعْلِى فَقَالَ الْعِلْمُ يُؤْتى وَلاَ يأتي
ومنه [من الكامل]:

٢١٣
علي بن الحسن بن إسماعيل
هذا ابْنُ نابي تَائِهٌ في عُجْبِهِ مُتَبَذِّخْ مُتَنَفِّخْ جَبَرُوتَا
يَأْتِي إِلَى الأَخْرَارِ يَفْعُدُ فَوْقَهُمْ وَيَنَامُ مِنْ تَحْتِ العَبِيدِ وَيوتَى
٢٩٩ - ((ابن الوحشيّ النحويّ)) علي بن الحسن بن الوحشيّ النحويُّ الموصليُّ أبو
الفتح(١)، قال السلفي: أنشدني أبو الفرَجِ هبة الله بن محمد بن المظفَّر بن الحداد الكاتب
بثغر آمد، قال: أنشدني ابن الوحشي النحويّ لنفسه [من البسيط]:
أَبْكِي عَلَى الرَّبْعِ قَدْ أَقْوَى كَأَنِّي مِنْ سُكَّانِهِ أَوْ كَأَنْ مَا زِلْتُ أَعْمُرُهُ
لاَ تَلْحَنِي في بُكَائِيهِ فَسَاكِنُهُ لَمْ ألْقِهِ هَاجِرِي يَوْماً فأهْجُرُهُ
٣٠٠ - ((ابنُ المُقْلَة)) علي بن الحسن بن إسماعيل(٢) بن الحسن بن أحمد بن معروف بن
جعفر، ينتهي إلى عدنان، أبو الحسن العبدريُّ البصريُّ، يعرف بابن المقلة، كان شيخاً
فاضلاً له معرفةٌ بالأدب والعروضِ، وله تصانيفُ، مات بالبصرةِ، سنة تسع وتسعين
وخمسمائة، ومولده كان سنة أربع وعشرين وخمسمائة، سمع بالبصرة جابر بن محمد
الأنصاريّ، وطلحةً بن عليٍّ بن عمر المالكي، وعلي بن عبد الله بن عبد الملك الواعظ،
وإبراهيم بن عطية الشافعيَّ إمام الجامع بالبصرة وغيرهم، وقرأ الأدبَ على أبي علي بن
الأحمر (٣)، وأبي العباس ابن الحريري، وأبي العز ابن أبي الدنيا، وقدِمَ بغداد مراراً، وسمع
من المبارك بن الحسن الشهرزوري، وأبي الفضل محمد بن ناصر، وأبي بكر الزاغوني،
وغيرهم، خرَّج لنفسه فوائدَ عن شيوخه في عدَّة أجزاء.
ومن شعره [من الخفيف]:
شِيَمِتي أَنْ أَغْضَّ طَرْفِيَ في الدَّا رِ إِذَا مَا دَخَلْتُهَا لِصَدِيقِ
وَأَصُونَ الحَدِيثَ أُوَدْعُهُ صَوْ نِي سِرِّى وَلاَ أَخُونُ رَفِيقي
ومنه [من السريع]:
لاَ تَسْلُكِ الُرْقِ إِذَا أُخْطِرَتْ لَوْ أَنَّهَا تُفْضِي إِلى المَمْلَكَةُ(٤)
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيِكُمْ إِلَى الشَّهْلُكَهْ
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (٣٢/١٣).
(١)
(٢)
ينظر ترجمته في: «معجم الأدباء)» (٨٨/١٣).
في «معجم الأدباء)»: أبي علي الأحمر.
(٣)
في الأصل: لأنها تفضي إلى المهلكة، والمثبت من ((المعجم)).
(٤)

٢١٤
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
٣٠١ - ((الحَرَّانيُّ الحافظ)) علي بن الحسن بن عَلاَّن الحراني(١) الحافظ أبو الحسن،
مؤلّف ((تاريخ الجزيرة))، كان ثقةً حافظاً نبيلاً، توفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
٣٠٢ - ((أبو الحسين المصري الشافعي)) علي بن الحسن بن خليل القاضي، أبو الحسين
المصري الفقيه الشافعي، كان مِنْ كبارٍ تلاميذ إسماعيل الحَدَّاد الفقيه، توفي في سنة خمس
عشرة وأربعمائة.
٣٠٣ - ((ابن ذَوْدَان)) علي بن الحسن بن علي بن ميمون(٢) أبو الحسن الربعي الدمشقي
المقرىء الحافظ، يُعْرَفُ بابن أبي ذَوْدَان بفتح الذال المعجمة، والواو الساكنة، والدال
المهملة، وألف بعدها نون القرشي القرطبي، كان يحفظ ألْفَ حديثٍ بأسانيدها مِنْ أحاديث
ابن جوصا وغريب الحديث لأبي عُبَيْد، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
٣٠٤ - ((الفِهْرِيّ المالكيّ)) علي بن الحسن بن محمد بن العَبَّاس بن فهرِ الإمام(٣)، أبو
الحسن الفهري المصري المالكي، صنَّف فضائل مالك وكان موجوداً في حدود الأربعين
والأربعمائة.
٣٠٥ - (الخلعي الشافعي)) علي بن الحسن بن الحسين بن محمَّد القاضي(٤) أبو الحسن
الموصلي الأصل، المصري الفقيه الشافعي، المعروف بالخلعي، ولد بمصر سنة خمس.
وأربعمائة، وتوفِي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، سمع وحدَّث عنه الكِبَار.
قال ابن بُخَيْسَاه: كنَّا ندخُلُ عليه في مجلسه، فنجده في الشتاء والصيف وعليه قميصٌ
واحدٌ، ووجْهُهُ في غاية الحسنِ لا يتغيَّر من البرد ولا الحَرّ، فسألتُهُ عن ذلك وقلتُ: يا
سيِّدنا، إنا لنُكْثِرُ من الثياب في هذه الأيامِ ، وما يغني عنَّا ذلك من شَّدة البرد، ونَرَاكَ على
حالةٍ واحدةٍ في الشتاءِ والصيفِ لا تزيدُ على قميصٍ واحدٍ، فبالله يا سيدي، أخبرني؟ فتغيَّر
وجهُهُ، ودمعت عيناه، ثم قال: أَتَكْتُمُ عليَّ ما أقول؟ قلتُ: نعَمْ، قال؛ غشيتني حُمَّى يوماً
ينظر ترجمته في: ((السير)» (٢٠/١٦)، ((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ٩٢٤ - ٩٢٠)، («النجوم الزاهرة)» (٤/
(١)
١٣)، ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (٣٧٥).
(٢)
ينظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٥٨٠)، ((الإكمال)) (١٩٤/٤)، («تذكرة الحفاظ)» (٣/
١١٠٨، ١١٠٩)، ((غاية النهاية» (٥٣٢/١).
ينظر ترجمته في: («الديباج المذهب)) (١٠٤/٢)، ((شجرة النور)) (١١٧/١)، ((ومعالم الإيمان)) (٣/
(٣)
٢٤٦).
(٤)
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء» (٧٤/١٩)، ((طبقات السبكي)) (٥/ ٢٥٣-٢٥٥)، ((مرآة الجنان))
(٢٥٥/٣)، الأعلام (٢٧٣/٤).

٢١٥
علي بن الحسن بن محمد بن عمر بن الرُّفَيْل
فنمْتُ في تلك، فهَتَفَ بي هاتفٌ، فناداني باسمي، فقلتُ: لَبَّيْكَ داعِيَ اللَّه فقال: لا، قُلْ:
لَبَّيْكَ ربِّ اللَّه، ما تجدُ من الألمِ؟ قلت: إلَهِي وسيدي، قد أخذَتْ مني الحمَّى ما قد
عَلِمْتَ، فقال: قد أمرتها أنْ تُقْلِعَ عنك، فقلت(١): إلهي والبرد - أيضاً - فقال: قد أمرْتُ
البرد - أيضاً - أن يقلع عنك، فلا تجد (٢) ألم البردِ ولا الحر، قال: فوالله، لا أُحِسُّ بما أنْتُمْ
فيه من الحر ولا البرد.
توفي بمصر في ذي الحجة، وهو صاحب الخُلَعيَّات.
سمع أبا الحسن الحوفيّ، وأبا محمد بن النحاس، وأبا الفتح العداس، وأبا سعد
الماليني، وأبا القاسم الأهوازيَّ، وغيرهم، وَلِيَ القضاءَ يوماً واحداً، واستعفى وانْزَوَى
بالقرافة وكان مُسْنِدَ مصر بعد الحَبَّل، وحدَّثَ عنه الحميديّ، وكنى عنه بالقرافي.
وقال الحافظ السِّلفي: كان أبو الحسن الخلعيُّ إذا سَمِعَ عليه الحديث، ختم مجلسه
بهذا الدعاء، وهو: ((اللهم ما مَنَنْتَ به فتمِّمْهُ، وما أنعَمْتَ به فلا تَسْلُبْهُ، وما سترتَهُ فلا
تهتِكْهُ، وما عَلِمْتَهُ فاغْفِرْهُ)) .
وكان بمصر يبيعُ الخلع لملوك(٣) مصر، فَنُسِبَ إليها، وكان قد ولي قضاء فامية.
٣٠٦ - ((الوزيرُ رئيسُ الرُّؤَسَاء)) علي بن الحسن بن محمد بن عمر بن الرُّقَيْل(٤) بضم
الراء، وفتح الفاء، وسكون الياء آخِر الحروف، وبعدها لام؛ كذا وجدته مضبوطاً، الوزير
أبو القاسم المعروفُ بابن المسلمة، رئيس الرؤساء، استكتبه الخليفةُ القائم بأَمْرِ اللَّهِ، ثم
استوزَرَهُ، ولقَّبه رئيسَ الرؤساءِ، ورفع مِنْ قدره، وكان مِنْ خیار الرؤساءِ والوزراءِ، روى عنه
الخطيب، وكان خصيصاً به. وقال ((كَتَبْتُ عنه وكان ثقةً)).
عظّمِه الخليفةُ إلى الغاية، ولم يَبْق له ضد إلا البساسيري وأرسلان التركي، ثم إنَّ
البساسیريَّ خلع الخليفة وملك بغداد، وخطب بها للمستنصِرِ صاحبٍ مِصْرَ، وحبس رئیس
الرؤساء، ثمَّ أخرجه وعليه جُبَّة صوف، وطرطور أحَمَرَ وفي رقبته مخقة جلود، وهو يقرأ:
في الأصل: فقال. والمثبت من ((السير)).
(١)
(٢)
في الأصل: أجدر. والمثبت من ((السير)).
(٣)
في الأصل: الأملاك. والمثبت من ((السير)).
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٦/١٨)، ((تاريخ بغداد)) (١١/ ٣٩١ -٣٩٢)، ((العبر» (٣/
(٤)
٢٢١)، ((البداية والنهاية)) (١٢/ ٧٨ - ٨٠)، ((الأعلام)) (٢٧٢/٤).

٢١٦
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
﴿قلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦]
وهو يردِّدها، وَطِيفَ به على جَمَلٍ، ثمَّ نصب له خشبة بباب خراسان، وخيط عليه جلد ثَوْر
سلخ في الحال، وعلّق في كُلاَّبان من حديد، وعلِّق على الخشبة حيًّا ولبث يضطربُ إلى آخِرِ
النهار، ومات - رحمه الله تعالى - سنة خمسين وأربعمائة.
٣٠٧ - ((فخر الدولة بن بُوَيْهِ)) علي بن الحسن الملك فخر الدولة أبو الحسن ابن الملك
ركن الدولة بن بويه، صاحب الريّ ونواحيها، توفي في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة،
دخل إليه جماعةٌ من الشعراء يوم نوروز، وكان فيهم شاعرٌ يعرف بالنصيري، فقال: أمهلوني
أنْ أقولَ بيتاً واحداً فقال له فخرُ الدولة: هات، فقال [من البسيط]:
أُمُ الإِمَارَةِ أُمّ جَمَّةُ الوَلَدِ لَكِنْ بِمِثْلِكَ لَمْ تَحْبَلْ وَلَمْ تَلِدٍ
فأجزَلَ فخر الدولةِ صلتَهُ، وكان يوماً ببغداد، فرفع إليه بعض الشعراء قصةً، قال فيها:
إنَّ فلاناً ذواتيك، يملك ألف دينار، فلما وقَفَ عليها، قال: فقط، ولو ملك ألف ألف
دينار، لكان قليلاً لمثله، ثم قلب القصة، وكتب على ظهرها السعادة قبيحة، وإن كانت
صحيحة، فإنْ كنت أقمتها مقام النصح، فخسرانْكَ فيها من الرِّبح، ولولا أنك في خفارة
شيبك، لعامَلْتَكَ بما تستحقُّهُ ليرتَدِعَ أمْثَالُكَ.
٣٠٨ - ((ابن الماسح الشافعي)) عليّ بنُّ الحسن بن الحسن بن أحمد (١) أبو القاسم بن
أبي الفضائل، الكلابي الدمشقي الفقيه الشافعي الفرضي النَّحْويّ المعروف بجَمَالِ الأَثَّمة،
ابن الماسح، كان مِنْ علماء دمشق الكبار، وكان الاعتماد عليه في الفتوى، وقسمة
الأَرَضین.
سمع أباه، وأبا الوحش سبيع بن قيراط، وعليه قرأ، وعلى غيره لابن عامر، وسمع أبا
تراب حيدرة، وعبد المنعم بن الغمر، وغيرهم، وتَفَقَّهَ على جمال الإسلام السلمّي، ونصر
الله المصيصي، وكانتْ له حلقةٌ كبيرةٌ بالجامعِ يقرىء فيها القرآنَ والفْقَه والنَّحْوَ، وكان معيدًا
لجمال الإسلام في الأمينيَّة، ودرَّس بالمجاهديَّة، وكان حريصاً على الإفادة، روى عنه أبو
المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى، وجماعةٌ وحَدَّثَ بكتاب ((الوجيز)) للأهوازي في
القراءات عن أبي سبيع، عنه، وتُوُفِّيَ سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
٣٠٩ - ((الحافظ بن عساكر الشافعي)) علي بن الحسن بن هِبَة اللَّهِ بن عبد الله بن
(١)
ينظر ترجمته في: ((السير» (٤٦٧/٢٠)، ((بغية الوعاة)) (١٥٥/٢)، ((إنباه الرواة)) (٢٤١/٢، ٢٤٢)،
((تاريخ الإسلام)) وفيات (٥٦٢).

٢١٧
علي بن الحسن بن هِبَة اللَّهِ بن عبد الله بن الحسين
الحسين(١) الحافظُ الكبيرُ الإمام أبو القاسم، ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي الشافعي،
صاحب ((تاريخ دمشق)) أحدُ أعلامِ الحديث، ولد مستَهَلَّ سنة تسع وتسعين وأربعمائة،
وتوفي في الحادِيّ عَشَرَ من شهر رَجَبٍ سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، عاش اثنتين وسبعين
سنة، وستَّةً أشهر، وعَشَرة أيام، وحضر جنازته بالميدان الملكُ الناصر صلاحُ الدين يوسف،
قال العماد: وكانَ الغيْثُ قد احتَبَس في هذه السنة، فدَرَّ عندما رُفِعَتْ جنازته؛ فكأنَّ السماء
بكَتْ عليه بدمع وَبْلِها وطَشّه سمعه أخوه الصائن هبة الله، سنة خمس وخمسمائة، وسمع هو
بنفسِهِ الكثير، ورحَلَ وطوَّف البلاد إلى خراسان، بقي في رِحْلته أربع سنين، وعدَّةُ شيوخِهِ :
ألفٌ وثلاثمائةٍ شيخ، وثمانون امرأةً ونيِّفٌ، وحدَّث بأصبهان وخراسان وبغداد وسمِعَ منه
الكبارُ ممَّنْ هو أَسَنُّ منه، ورَحَلَ إلى العراقِ سنة عشرين وخمسمائة، وحَجَّ سنة إحدَى
وعشرين، وسمع بمكّة، ومنى، والمدينة، والكوفة، وأصبهان القديمة واليهودية، ومَرْو
الشاهجان، ونيسابور، وهَرَاةً، وسرخس، وأبيورد، وطوس وبسطام(٢) والرَّيّ وزنجان،
وبلاداً كثيرة بالعراقِ وخراسانَ والجزيرة والشامٍ ، والحجاز.
وروى عنه أبو سعد السمعانيُّ فأكثَرَ، وروى هو عنه، وسمع ببغدادَ الدرسَ بالنظاميَّة،
وعلَّق مسائل الخلافِ على الشيخ أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح الكرماني، وانتفع
بصحبة جده أبي الفضل في النَّحْو، وجمع وصنَّف.
فمِنْ ذلك كتاب ((تاريخ دمشق وأخبارها وأخبار مَنْ حلها أو وردها» في خمسمائة
وسبعين جزءاً من تجزئة الأَصْل، والنسخة الجديدة ثمانمائة جزء.
قال ابْنُ خَلَّكَانَ: قال لي شيخُنَا العلاَّمة زكيُّ الدين أبو محمَّد عبدُ العظيمِ المنذريُّ
حافظُ مصْرَ - رحمه الله تعالى - وقد جرى ذِكْرُ هذا التاريخ، وأخرج لي مِنْهُ مجلداً، وطال
الحديثُ في أمره واستعظامه: ((ما أظُنُّ هذا الرجُلَ إلا أنه عزَمَ على وضع هذا التاريخ من
يوم عقل على نَفْسِهِ، وشرَعَ في الجمعِ من ذلك الوقتٍ ، وإلا فالعُمْرُ يقصُرُ عن أن يجمَعَ
الإنسانُ فيه مِثْلَ هذا الكتاب بعد الاشتغالِ والتنبه))، ولقد قال الحقَّ، ومن وقف عليه،
عرَفَ حقيقة هذا القول، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مِثْلَهُ، وهذا الذي ظهَرَ هو
الذي اختاره، وما صَحَّ له هذا إلا بعد مُسَوَّدات ما يكادُ ينضبطُ حصرها .
(١)
ينظر ترجمته في: ((معجم الأدباء)) (٧٣/١٣)، «سير أعلام النبلاء)) (٥٥٤/٢٠)، ((المنتظم)) (١٠/
٢٦١)، ((تاريخ بغداد)» (١٨٦ -١٨٩)، («الأعلام)» (٢٧٣/٤).
في ((معجم الأدباء)»: بطان.
(٢)

٢١٨
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وكتابُ ((الموافقات؛ على شيوخ الأئمة الثقات)) اثنان وسبعون جزءاً، كتاب
((الإشراف، على معرفة الأطراف)) ثمانية وأربعون جزءاً، كتاب ((عوالي مالك)) أحد وثلاثون
جزءاً، ((والتالي لحديث مالك [العالي)) تسعة عشر جزءاً، كتاب ((مجموع الرغائب، مما وقع
من أحاديث مالك من الغرائب)) عشرة أجزاء، كتاب ((المعجم لمن سَمِعَ منه أو أجاز)» له اثنا
عشر جزءاً، كتابُ ((من سمع منه مِنَ النِّسْوان)) جزء، كتاب ((معجم أسماء القُرَى والأمصار
التي سمع بها)) جزء، كتاب ((مناقب الشبان)) خمسة عشر جزءاً، كتاب ((فضل أصحاب
الحديث)) أحد عشر جزءاً، كتاب ((تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري)) عشرة
أجزاء، كتاب ((المُسَلْسَلات)) عشرة أجزاء، كتاب ((تشريف يوم الجمعة) سبعة أجزاء، كتاب
(([المستفيد، في] الأحاديث السباعية الأسانيد)) سبعة(١) أجزاء، وكتاب ((تجريد السباعية))
أربعة أجزاء، كتاب ((السداسيات)) جزء واحد، كتاب ((الخماسيات وأخبار ابن أبي الدنيا))
جزء واحد، كتاب ((تقوية المنة، على إنشاء دار السنة)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((الأحاديث
المتخيّرة، في فضائل العشرة)) جزءان كتاب ((من وافقَتْ كنيتّهُ كنيةَ زوجته)) أربعة أجزاء،
كتاب ((الأربعين الطوال)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً من أربعين
مدينة)) جزءان، كتاب ((الجواهر واللآلى، في الأبدال والعوالي)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((فضل
عاشوراء)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((الاعتراز بالهجرة)) جزء، كتاب ((المقالة الفاضحة، للرسالة
الواضحة)) جزء ضخم، كتاب ((دفع التخليط، عن حديث الأطيط)) جزء، كتاب ((الجواب
المبسوط، لمن أنكر (٢) حديث الهبوط)) [جزء واحدًا، كتاب ((القَوْل في جملة الأسانيد في
حديث المؤيد)) ثلاثة أجزاء، كتاب ((طرق حديث عبد الله بن عمرو (٣)) جزء، كتاب ((من لا
يكون مؤتمناً، لا يكون مؤذّناً)) جزء، كتاب ((ذكر البيان، عن فضل كتابة القرآن)) [جزء
واحد]، كتاب ((رفع التثريب، على من فسَّر معنى التثويب)) جزء، كتاب ((فضل الكَرَم على
أهل الحرم)) جزء، كتاب ((الاقتداء بالصادق، في حفر الخندق)) جزء، كتاب ((الإنذار،
بحدوث الزلازل))، كتاب ((ثواب الصبر على المصاب بالولد)) جزءان، كتابُ معنى قول
عثمان: ((ما تعنَّيْتُ ولاَ عَنَّيْت)) جزء، كتاب ((ترتيب الصحابة الذين في مسند أحمد)» جزء،
كتاب ((مسلسل العيدين)) جزء، كتاب ((حلول المحنة، بحصول الأبنة جزء، كتاب ((ترتيب
الصحابة الذين في مسند أبي يعلى)) جزء، كتاب ((معجم الشيوخ النبلاء)) جزء، كتاب ((أخبار
(١)
في ((معجم الأدباء)»: أربعة.
(٢)
في «معجم الأدباء)»: ذكر.
في «معجم الأدباء»: عمر.
(٣)

٢١٩
علي بن الحسن بن هِبَة اللَّهِ بن عبد الله بن الحسين
الأوزاعي وفضائله)) جزء، كتاب ((ما وقع من العوالي للأوزاعي)) جزء، كتاب ((أخبار أبي
محمد سعيد(١) بن عبد العزيز وعواليه)) جزء، كتاب ((عوالي سفيان الثوري وخبره أربعة
أجزاء، كتاب ((إجابة السؤال في أحاديث شعبة)) جزء، كتاب ((روايات ساكني داريًّا)) ستة
أجزاء، كتاب ((من نزل المِزَّة وَحَدَّث بها)) جزء، كتاب ((أحاديث جماعة من كفر سوسية
جزء، كتابُ ((أحاديث صنعاء الشام)) جزءان، كتاب ((أحاديث أبي الأشعث الصنعاني)) ثلاثة
أجزاء، كتاب ((أحاديث حيس والمطعم وحفص الصنعانيِّين)) جزء، كتاب ((فضل الربوة،
والتَّيرب ومَنْ حدَّث بها)) جزء، كتاب ((حديث أهل قرية الحمريين وقنينية)) جزء، كتاب
((حديث أهل قرية البلاط)) جزء، كتاب ((حديث سلمة بن علي الحسني) البلاطي جزءان،
ومِنْ حديث بسرة بن صفوان، وابنه وابن ابنه جزء، ومِنْ حديث سعد بن عبادة جزء، ومن
حديث أهل زيد بن وجرين جزء، ومن حديث أهْلِ بيت سواي جزء، ومِنْ حديث دُومَة
ومسرابا والقصر جزء، ومِنْ حديث جماعة من أهل حرستا، ومن حديث أهل كفر بطنا
جزء، ومِنْ حديث أهل دقانية وحجيرا وعين توما وجديا وطرميس جزء، وجزء قرىء بقرية
بعقوبا، ومن حديثٍ أبي عَوْن الجريري جزء، ومِنْ حديث جماعة من أهل جوبر جزء، ومن
حديث جماعة من أَهْل بيت لهيا جزء، ومن حديث يحيى بن حمزة البتلهي وعواليه جزء،
ومجموع من حديث محمد بن يحيى بن حمزة [الحضرمي] البتلهي جزءان، وفضائل مقام
إبراهيم [و] من حديث أهل برزة جزء، ومن حديث أبي بكر محمَّد بن رزق الله المنينيّ
المقرىء جزء، ومجموع من أحاديث [جماعة من] أهل بعلبك جزءان، قال ولده أبو محمد
القاسم بن علي، وأملى أربع مائة مجلس، وثمانية مجالس في فنٌّ واحد، وخرَّج لشيخه أبي
غالب ابن البناء (٢) أحد عشر مشيخة، ومشيخة لشيخه ((أبي المعالي عبد الله بن أحمد
الحلواني الأصولي في جزأين، وجمع أربعين حديثاً مساواة للإمام أبي عبد الله القراوي في
جزء، ومصافحة لأبي سعد السمعاني أربعين حديثاً في جزء، وخرَّج لشيخه أبي الحسن
السلمي سبعة مجالس، وتكلّم عليها، وآخر ما صنَّف: ((تكميل الإنصاف والعدل، بتعجل
الإسعاف بالعزل)) جزء، وكتاب ذكر ما وجده في سماعي مما يلتحق بالجزء الرباعي))، وله
كتاب ((الإبدال))، ولو تمَّ كان مائتي جزء، وكتاب ((فضل الجهاد))، ومُسْنَد مكحول، وأبي
حنيفة، وكتاب ((فضل الجهاد))، ومُسْنَد مكحول، وأبي حنيفة، وكتاب ((فضل مكة))، وكتاب
((فضل المدينة))، وكتاب ((فضائل البيت المقدس))، وكتاب ((فضل قريش وأهل البيت
(١)
في «معجم الأدباء)»: سعد.
في ((معجم الأدباء)»: البنائي.
(٢) .

٢٢٠
الجزء العشرون من كتاب الوافي بالوفيات
والأشعريَّين، وذمّ الرافضة، وكتاب كبير في الصفات، وأشياء غير ذلك يبلغ عدَّتها أربعين
مصِنَّفاً، ولمَّا أَمْلَى - رحمه الله تعالى - في فضائل الصِّدِّيق - رضي الله عنه - سبعَةَ مجالس،
ثُمَّ إنه قطعها بإملاءِ مجالسَ في ذَمِّ اليهودِ، وتخليدِهِمْ في النار، جاء إليه أبو علي بن رواحة،
فقال له: قد رأيتُ الصدِّيق في النوم، وهو راكبٌ على راحلة، فقلتُ له: يا خليفةَ رسول الله
قد أَمَلَى علينا الحافظ أبو القاسم سبعةً مجالس في فضائِلِك، فأشار إليَّ بأصابعه الأربع،
فقال له الحافظ أبو القاسم: قد بقي عندي مما خرَّجته ولم أُمْلِهِ أربعة مجالس، فأملاها، ثمَّ
أملى في كلِّ واحد من الخلفاءِ أحد عشر مجلساً، وكان يقول: إن والدي رأى في منامه - وأنا
حمل - رؤيا وقائل يقول له: يولد لك مولودٌ يُخي اللَّهُ به السُّنَّةَ، وكان البغداديون يسمُّونه:
شُعْلة؛ لذكائه.
قال الشيخ شمس الدين: وهو مع جلالتِهِ وحفظِهِ يَرْوِى الأحاديثَ الواهيةَ
والموضوعةَ، ولا يبيِّتها، وكذا عامَّة الحفّاظ الَّذين بعد القرونِ - الثلاثة - إلا مَنْ شاء ربُّك،
فليسألنَّهُمْ ربُّك عن ذلك! وأَيُّ فائدةٍ لمعرفةِ الرِّجَالِ والمصنَّفاتِ والتاريخِ والجَرْحِ
والتعديل إلا كشْفُ الحديث المكذوب وهَتْكُهُ؟ !.
قلتُ: ومِنْ شِعْرِهِ [من الوافر]:
وَأَشْرَفُهُ الأَحَادِيثُ العَوَالِي
أَلاَ إِنَّ الحَدِيثَ أَجَلُّ عِلْمٍ
وَأَخْسَنُهَ الفَوَائِدُ وَالأَمَالِي
وَأَنْفَعُ كُلِّ نَوْعِ مِنْهُ عِنْدِي
وَإِنَّكَ لَنْ تَرَىْ لِلْعِلْمِ شَيْئاً يُحَقِّقُهُ كَأَفْوَاهِ الرِّجَالِ
فَكُنْ يَا صَاحِ ذَا حِرْصٍ عَلَيْهِ وَخُذْهُ عَنِ الرِّجَالِ بِلاَ مَلَاَلٍ
وَلاَ تَأْخُذْهُ مِنْ صُحُفٍ فَتُرْمَىُ مِنَ التَّصْحِيفِ بالداء العُضَالِ(١).
ومنه [من المتقارب]:
أَيَا نَفْسُ وَيَحْكِ جَاءَ المَشِيبُ فَمَاذَا التَّصَابِي وَمَاذَا الْغَزَّلْ
. وَجَاءَ مَشِيبِي جَأَنْ لَمْ يَزَلْ
وَخَطْبُ المَنُونِ بِهَا قَدْ نَزَلْ
تَوَلَّى شَبَّابِي كِأَنْ لَمْ يَكُنُ
كَأَنَّي بِنَفْسِيَ فِي غِرَّةٍ.
فَيَا لَيْتَ شِعْرِيّ مِمَّنْ أَكُونُ وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لِي فِي الأَزَلْ
٤
(١) في الأصل: ((في الداء)) والمثبت من ((المعجم)).