Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد فاجتنبهمْ وراقب اللَّهَ سِرًّا فهو أولى بنا وأغْظَم أجرا إن أردتَ السدادَ سرّا وجَهرا ذا جوابٌ لابن القُشَيْريّ فاسمعْ ومن شعره [الطويل]: ليالي وصالٍ قد مَضَينَ كأنّها لآلي عقودٍ في نحورِ الكَواعِبِ بياضُ مشيب في سوادٍ الذوائب وأيامُ هَجْر أعقَبَتها كأنها وجلس في مدرسة النظامية للوعظ في شهر رمضان فمطروا فأنشد [الكامل]: رمضانُ أرْمَضَني بعاداتٍ على عددِ الطبائعِ والفصولِ الأربعة صومٌ وصوبٌ ما يغيبُ سحابُهُ وصبابةٌ وصدودُ مَنْ قَلْبِي مَعَهْ ومن شعره [مجزوء الكامل]: أمَلٌ إليه أنتّهي تقبيل خدِّك أشتهي بالروحِ مني أن تَهي لو نِلْتُ ذلك لم أُبَل دنيايَ لذَّةُ ساعةٍ وعلى الحقيقةِ أنتَ هي ٦٩٤٨ - ((ابن قُدامَة الحنبلي)) عبد الرحيم بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قُدامة بن مقدام، الشيخ كمال الدين أبو محمد المَقْدسي الصَّالحي الحنبلي. شيخٌ صالح وَرِعْ حافظٌ كتاب الله، عالي السَنَد، ولد سنة ثمان وتسعين، وسمع من حَنْبل حضوراً ومن ابن طَبَرْزد والكِنْدي والجَلاجِلي، وحدَّث في أيَّام الحافظ ابن خليل بحَلَب وروى الكثير. وروى عنه الدِّمياطي وابن العطَّار والمِزْي والبِزْزالي. وتوفي في حدود الثمانين وستمائة، رحمه الله تعالی. ٦٩٤٩ - ((القاضي الفاضل)) عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرّج بن أحمد، القاضي الفاضِل محيي الدين أبو علي ابن القاضي الأشْرَف أبي الحسن اللَّخمي البَيْساني الأصل، العَسْقَلاني المولد، المصري الدار، صاحب ديوان الإنشاء ووزير ٦٩٤٨ - ((العبر)) للذهبي (٣٢٨/٥ -٣٢٩)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٦٦/٥). ٦٩٤٩ - ((خريدة القصر)) (قسم شعراء مصر) للعماد (٣٥/١ - ٥٤)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٥٨/٣ - ١٦٣)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٤٧٣/٨)، و((ذيل الروضتين)) لأبي شامة (١٧)، و((العبر)) للذهبي (٢٩٣/٤)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٦٦/٧ - ١٦٨)، و((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري رقم (٥٢٦)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٤/١٣)، و((خطط المقريزي)) (٣٦٦/٢ - ٣٩٧)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٥٦/٦ -١٥٨)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (١/ ٥٦٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٢٤/٤ - ٣٢٧). ٢٠٢ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات السلطان الملك النَّاصِر صَلاح الدين يوسف بن أيُّوب. ولد في نصف جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وتسعين وخمسمائة رحمه الله. قال الشيخ شمس الدين: اشتغل بصناعة الإنشاء على الموفَّق ابن الخلاَّل، شيخ الإنشاء الخُلَفاء مصر، ثم خَدَم بالإسكندرية في صِباه، سمع السِّلَفي، وأبا محمد العثماني، وأبا طهر بن عَوف، وأبا القاسم بن عَساكِرٍ، وعثمان بن سعيد بن فرح العَبْدَرِي. وكانوا ثلاثة إخوة أحدُهم خَدَم بالإسكندرية وبها مات، خلَّف من الخواتيم صناديق، ومن الحُضر والقدور والخَزَف بيوتاً مملوءة، وكان إذا رأى خاتما وسمع به تسبَّب في تحصيله، وأما الآخر فكان له هوى مفرط في تحصيل الكتب، كان عنده زهاء مائتي ألف كتاب من كل كتاب نُسَخ. وكان الفاضلُ، رحمه الله تعالى، قليل النحو ولكنه له دُربة توجب له قلَّة اللَّحن. كان عند ابن سَناء المُلْك من إنشائه اثنان وعشرون مجلدة، وعند ابن القطَّان، أحد كتَّابه، عشرون مجلداً، وكان متقللاً في مطعمه ومنْكَحه ومَلْبَسه، لباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، ويركب معه غلام ورِكاب، ولا يمَكّن أحداً أن يصحبه، ويكثر تشييع الجنائز وعيادة المرضى وزيارة القبور، وكان ضعيفَ البِنْية رقيقَ الصورة له حَذْبة يغطيها الطيلسان، وكان فيه سوء خلق يَكُدُّ به نفسَه ولا يضرّ به أحداً. ولأصحاب الفضائل عنده نَفاق، يُحسن إليهم ولا يَمنُّ عليهم. ولم يكن له انتقام من أعدائه إلاّ بالإحسان، وكان دخلُه ومعلومه في السنة خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند والمغرب وغيرهما. مات مسكوباً أحوج ما كان إلى الموت عند تولّي الإقبال وإقبال الإذبار، وهذا يدلُّ على أن الله به عناية. وله أوقافٌ في فِكاك الأسْرَى، وأعان الطلبة الشافعية والمالكية عند داره بالمدرسة(١)، والأيتام بالكتَّاب، وله معاملة حسنة مع الله وتهجّد في الليل لمَّا بلغه أن العادل أخَذَ الديار المصرية دعا على نفسه بالموت خشيةً من ابن شُكْر وزيره فیھینه انتهى. وقال ياقوت في ((معجم الأدباء))(٢): مولده وأصله بعَسْقَلان، وإنما قيل: له البَيْساني لأن والده وَلِيَ القضاء ببَيْسان. قيل لما وُلِد أخذ طالعه القاضي ابن قريش، وكان خبيراً بعلم النجوم، فقال: هذه والله سعادة لا تَسَعُها الدنيا فضلاً عن عسْقَلان. قلت: وقد ذكر مولده وطالعه واتصالات الكواكب في ذلك الوقت القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في الكتاب الذي سمَّاه ((الدرُّ النَّظيم في تَقْريظ عبد الرحيم))(٣). راجع عن المدرسة الفاضلية، ((خطط المقريزي)) (٣٦٦/٢ - ٣٦٧). (١) ترجمة القاضي الفاضل من التراجم الساقطة من حرف العين في كتاب ((معجم الأدباء)» لياقوت (٢) الحموي . منه مخطوط في دار الكتب المصرية برقم (٢٢٩٤) أدب عنوانها: ((الدر النظيم من تَرسُل عبد (٣) الرحيم)). ٢٠٣ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد قال ياقوت: كان السبب في تقدُّمه أن أباه كان يتولَّى بعسقلان بعد القضاء ببَيْسان، وكاتبَه السلطان بمصر بالأخبار، فاتَّفق أنَّ والي عسقلان أطْلَق أسيراً له قيمة فتعلَّل عليه المصريون كونه لم يُخبر بخَبَره، فاستُحضر إلى القاهرة وصودر حتى استصفي ماله ولم يبق له شىء، فأصابته فَجْعة فمات، وبقي الفاضل وأختٌ له وأخٌ على غاية من الاختلال وسوء الحال والفقر، فألجأه الحال إلى أن مشى راجلاً إلى الإسكندرية، وقَصَد بها القاضي ابن حَديد(١) فالتجأ إليه وعرَّفه بنفسه وشكا إليه فاقته، فتوجَّع له وفرض له في كل شهر ثلاثة دنانير واستنابه في الكتابة عنه. وفَتَحَت الفَرَنجُ عسقلان وخرج أخوه وأخته حتى لحقا به وأقاما عنده، فاختَبَره القاضي فوجده على غاية من الفصاحة والبلاغة وحُسْن المقاصد، وكان إذا أراد مكاتبة ديوان مصر أمره بالكتابة عنه، وكانت كتبُه تَرِدُ كالدرُ النظيم، فحَسَده الكتَّابُ الذين تردُ كتبُه عليهم وخافوا منه على منزلتهم، فسعوا به إلى الظَّافر بن الحافظ، فحدَّث محمد بن محمد بن بَنان الأنباري كاتب الإنشاء يومئذ، قال: فَأَخْضَرَني الظافر وأَمَرَني أن أكتبَ إلى الوالي بالإسكندرية أن يتسلّم ابن البَيْساني من القاضي ابن حَدِيد ويقْطَع يده ويسيِّرُها إلينا، قال: فما علمتُ السبب ولا عرفتُ ابن البيساني، ووَدَذْت لو كان هذا الكتاب بخط غيري، فَأَخَذْتُ الدواة والقلم والدَّرج و كتبت : بسم الله الرحمن الرحيم وبطَّلت الكتابة، فنظر إليَّ وقال: ما تَنْظُر؟ قلت: عفو مولانا، قال: تعرف هذا الرجل؟ قلت: لا والله، قال: هذه رقعة وَرَدت من الديوان تُخبر بسوء أدبه واستخفافه، وذاك أنه كتب كتاباً وجعل بين السطر والسطر شبراً وهذا لا يكون إلاَّ من الفاضل إلى المفضول. وبلَغَني أيضاً أنه يرى انتقاضنا وذهاب دولتنا ديناً، فقلت: إن رأى استحضار المكتوب والوقوف عليه فأَحْضِرَ، فرأيت أبْلَغ كتابٍ وأحْسَن عبارة فقلت: هذا كتابٌ معدومُ المثال وكاتُبه أوحدُ عصره، وما كتبوا في أمره بما كتبوا إلاَّ حَسَداً له، فإن رأى إحضار كاتبه وسماع لفظه والعمل بموجب المشاهدة رجوت أن يكون ثواباً وصواباً. فكتبت بتسييره مُكَرَّماً، فما كان إلاَّ مسافة الطريق حتى أُخضر إلى مجلس الظافر، وأنا حاضرٌ، فرأيت شاباً ظريفاً بثيابٍ قصار وأكمام لطيفة وطَيْلَسان، فوقَف بين يديّ الظافر، فقال الظافر: اختبره في شىء من الرسائل. فقلت له: مولانا يأمرك أن تكتب منشوراً لأحدٍ أولياء دولته يتضمَّنُ توليته ما وراء بابه، فقال: السمع والطاعة، فقرَّبت منه دواةً فأخذ يكتب وهو قائم، وكان إذا أراد أن يستمد هو القاضي المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد بن حمدون الكناني، (١) قاضي الإسكندرية، توفي بثغر رشيد وهو عائد من مصر في جمادى الآخرة سنة (٥٢٨هـ)، انظر: ((أخبار مصر)) لابن ميسر (١٢٠). ٢٠٤ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات انكب إلى الدواة ثم وقَف فكتب، فلما أن رأى الظافر جَرَيان قلمه وثبات جنانه، أمرَ خادماً أن يحمل له الدواة، ثم فَرَغَ من الكتابة وهو قائمٌ على رجله، فتناوله الخادم وعَرَضه على الظافر، فاستحسن خطَّه وكان خطّاً مليحاً رائقاً على طريقة ابن مُقْلَة، وقال لي: اقرأه. فقلت: يا مولانا اسمعه من منشئه فهو أحسن، فقرأه بلسانٍ حاد وبيانٍ صادق، فلما استتم قراءته أمر الظافر بقَلْع طيلسانه وأخْذ عَذَبة عمامَته وفثْلِها وتَحْنِيكه(١) بها، ففُعل به ذلك. ولم يزل في الديوان مدَّة أيام الظافر والفائز والعاضد. فلما استعلى الضِرْغام على شاور وتولَّى الوزارة، وهرَبَ شاور إلى الشام وقبض على ولده الكامل وأوْدَعه السجن خَدَمَهُ الفاضل ومثَّ إليه بخِذمة قديمة، ثم إن الضِّزْغام تنكّر على الفاضل فمضى من فوره إلى مُلْهم أخي ضِرْغام، واستجار به، وكان ملهم هو الكبير وكان ترَفَّع عن الولاية، فأمره بملازمة داره حتى يُصْلح أمره، فاتَّفق أن قُرِنَ بالكامل ابن شاور في محبسه وحُبِسَ معه وحصل له بذلك يدٌ بيضاء عنده. ورجَع شاور إلى الديار المصرية بصُحبة شِيزكوه، وقُتل الضرغام وأخوه ملهم وبنوه، وعادت الوزارة إلى شاور. وركب ابنه الكامل من دار ملهم ومعه القاضي الفاضل حتى دخلا على شاور وعرَّف الكامل أباه شاور حقوق الفاضل علیه وحُسْن ولائه. واختصَّ الفاضل بالكامل اختصاصاً كلِّيّاً، وكان أولاً يُذْعى بالأسْعَد فغيَّره ولَقَّبه بالفاضل، ولم يَزَلْ معهما على أحسن حال إلى أن عادَ أسد الدين إلى مصر في المَّرة الأخرى واستولى على الديار المصرية وتولَّى الوزارة وقَتَل شاور وابنه الكامل وطَلَب الفاضل. وكان في نفسه منه أشياءٌ نَقمَها عليه في مكاتباته عن شاور، وكان يُغلظ القول فيها، ولجأ القاضي إلى القصر مستجيراً ومستخفياً، وطَلَبَه شيركوه من العاضد فشَفَع فيه فلم يَقْبل الشفاعة وألَعَّ في طلبه، فاتفق أن العاضد أهدى إلى شيركوه هدايا نفيسة وقَعَت منه موقعاً لطيفاً، وسأله مع قبولها أمان الفاضل فأمَّنه، فلما حضَر أكرمه شيركوه وأمره بالجلوس في حضرته وقال: اكتب كتاباً إلى نور الدين محمود بن زَنْكي عرِّفه ما فَعَل الله بهذا الطاغية الفاسق، يعني شاوراً، فكتب ولم يذْكُره إلاَّ بالخير فغضب أسدُ الدين وقال: ما لَكَ لا تكتب بما آمرك به؟ فقال: ما يَسَعُني ذلك أيها الوزير لحقوق له عليَّ، فأغلظ له وتهدَّده إن لم يكتب وحَلَف ليوقعن به، فوثب حتى صار بين يديه وقال: قد انبسط الآن عذري فيما كنت أكاتب به المولى فإنما أنا آلةٌ أكتب حسبما أومر فَبَسَطَ عذره وأعْجَبَه مخرجه من الحُجَّة وآنس به آنساً تاماً. فلما مات أسدُ الدين شيركوه ترشّح أكابر الدولة لمكانه وطمع فيها من هو أهلٌ لذلك، (١) عن التحنيك والأستاذين المحتكين. راجع، ((صبح الأعشى)) للقلقشندي (٤٧٧/٣/٣ - ٤٨٠ - ٤٨١)، و((المنتقى من أخبار مصر)) لابن ميسر (٨٨ - ٨٩هـ) (٣١٩). ٢٠٥ عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد ولم يكن صلاحُ الدين ممن تَطْمَعُ نفسه في تلك الرتبة، واتفق أنه اجتمع بالفاضل في دار السلطان وجرى حديثُ من ترشّح للولاية، وبَسَط صلاح الدين الحديث في ذكرهم ولم يذكر نفسه، فجَذَبه الفاضل إليه وقال له سراً: هل عندك قوة لأن تلي هذا الأمر؟ فقال صلاح الدين: وأنَّى لي بذلك وهناك مثل فلان وفلان وعدَّدَ الأكابر، فقال له: لا عليك فإني أُدَبِر أمْرَك فاستعد لذلك. فبينا هما في الحديث، استُدعي الفاضل إلى مجلس العاضد واسْتُشير فيمَن يوَلَّى، ولم يكن شيركوه دُفِن بعد، لأن من عادَتِهم أنَّ الذي يتولى يلْبس في الجنازة أخضَر دون كل من فيها وهي إمارة الولاية، فقال الفاضل: رأيُ أمير المؤمنين أعلى وهو أعْرَف، فقال العاضد: ما تقول في فلان فوهى أمره وذَكَر شيئاً صدفه عنه، إلى أن ذكر جماعة كلّهم كذلك، فقال للفاضل: فمن ترى أنت؟ قال: ما رأيتُ في الجماعة أحسنَ طريقة من يوسف بن أيوب ابن أخي المَيِّت، فإني اختبرته ورأيته يرجع إلى دين وأمانة، فقال العاضد: إني أخاف أن لا يرضَى به القوم، فقال الفاضل: يا أمير المؤمنين أنت ألبسه وأجلسه وهو يَبْذل الأموال ويُصلح حال الرجال ففعل ذلك. وخَرَجَ الناسُ وعلى صلاح الدين الأخضر من دون الجماعة(١) فعرَفوا أنه صاحبَ الأمر، وساعدته السعادة فلم يقل أحدٌ كلمة وفَرَّق خزاين شيركوه وعامَلَ الناس بالإحسان وبَذَل المال فأحبُّوه وتم أمره وصار القبض والبسط إلى الفاضل. وفّوض صلاح الدين إليه أمورَ دولته وصار لا يصدر إلاَّ عن رأيه، واستنابه في جميع أموره ورعى له تلك الحال، فجرى في تصاريفه على أحسن قانون، وأخْسَنَ إلى أرباب البيوت، وجَمَعَ كتباً مشهورة بَلَغني أنها تكون سبعين ألف مجلد في فنون العلم وأنواعه. وأما ابن بنان الذي كان السبب في خلاصه وعلو منزله فإنه أطرح في دولة بني شادي حتى احتاج إلى الناس، فدخل يوماً إلى الفاضل وقد انقادت الدولة لأمره ونهيه فعدَّد إحسانه إليه واشتماله في الدولة الذاهبة عليه، فاعترف الفاضل بذلك واستخلص له رِزْقاً كان يقوم عليه إلى أن مات. وكان القاضي الفاضل شاباً مليحاً من أظْرَف الرجال، فلما كانت وقعة الباب(٢) بين شيركوه وشاور بالصعيد، نَفَرَت به فرسُه فوقع على ظهره على قربوس السرج فأوْهَنه، فلما رجع إلى القاهرة عمل عليه وكان يمَرِّضه ويداويه وقد مُدَّ وانتفخ، فلما كان يوم جلوسه بين يديّ أسد الدين وهو يكتب انفجرت عليه وهو بين يديه فما راعه إلاَّ والمِدَّة والدم يسيلان بين يديّ أسد الدين، فارتاع من ذلك وقال: احملوه ورقَّ له وعولج وانفسدت إحدى خرزات ظهره ثم اندملت وكانت له حَذبة، وفي ذلك يقول ابن عُنَيْن [المنسرح]: عن خلعة الوزارة التي قلَّدها صلاح الدين. انظر: ((الروضتين)) لأبي شامة (٤٣٨/٢/١). (١) في المصادر التاريخية أنها تعرف بالبابين وهي قرية جنوب المنيا تقدمت كورة الأشمونين. انظر: (٢) ((اتعاظ الحنفا)» للمقريزي (٢٨٣/٣ - ٢٨٤). ٢٠٦ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات في الناسِ إلاَّ البِغَاءُ والحَدَب قد أصبحَ المُلك ما له سببُ ذو عمَشٍ والوزیرُ مُتْحَدِبُ سلطانُنا أعْرَجُ وكاتبُهُ معايبٌ كلُّها لو اجتمعت في فلَكِ لم تحلّه الشُّهُبُ انتهى كلام ياقوت. قلت: وقد أكثر ابن عُنَيْن من هَجوه وذكر الحدبة فقال، وهو أحسن ما يكون من التهكم [المنسرح]: حاشا لعبد الرحيم سيدنا الــفاضلٍ مما تقولُهُ السُّفَلُ يكذب من قالَ إنَّ حذْبَتَهُ في ظهرِهِ من عبيده حَيَلُ هذا قياسٌ في غيرِ سيدِنا يصحُ إنْ كان يحبلُ الرجلُ وقال أيضاً [الكامل]: كمْ ذا التَّبَظْرُمُ زائداً عن حدّه ما كانَ قبلَّكَ هكذا الحُذْبانُ ما طالَ في الليلِ البَهيم سجودُهُ إلاَّ ليركع فوقَهُ السودانُ وقال أيضاً [المتقارب]: إذا كلبةٌ ولدت سبعةً فقفْ واستمع أيُّها السائِلُ وإنْ كلبةٌ ولدتْ تسعةً تزاوجنَ فالفاضِلُ الفاضِلُ وقال فِتْيان الشَّاغُوري [الكامل]: عجباً لأخدب فى دِمَشْق وكتبه آراؤه شُهُب البزاة فسل بها هنَّ الكتائبُ عثنَ فى الحَدْباءِ حَلَباً إذا انقضَّت على الشهباءِ وكأنه الزوراءُ والأقلام أسهمــه بها يفري كُليا الزَّوْراءِ وفيه يقول ابن الخِيَمي(١) [الخفيف]: يشبه القوس صورة فلهذا قد غَدَت في النفوس منه نِبالُ قلت: إلاَّ أنني ما أعرف أحداً كان في عصره من الشعراء المشهورين إلاَّ وقد مَدَح القاضي الفاضل، كابن سَنَاء المُلْك وابن ممَّاتي وابن الدروي وابن فَلاَقِس وابن السَّاعاتي وابن النَّبِيه وابن نَفاده والرشيد النَّابُلسي والتَّعاوِيذي وقال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد هو مهذب الدين محمد بن علي بن علي بن المفضل بن القامغاز، توفي بالقاهرة سنة (٦٤٢هـ). (١) انظر: ((فوات الوفيات)) للكتبي (٤٤١/٣). ٢٠٧ عبد الرّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد الظاهر، ونقلت ذلك من خطّه: كان القاضي الفاضل يُبكر كل يوم سحرة إلى مصر فيقف على باب الموفَّق بن قادُوس(١) حتى يركب ويسايره إلى القاهرة ويذاكره ويستفيد منه، فإذا وصل إلى القصر مضى لمنزله وأقام إلى الظهر، ثم يركب ويقف على باب القصر، فإذا خَرَج صَحِبَه إلى مصر، قال: ورأيت أوراقاً سوَّد القاضي الفاضل في ظهرها شيئاً من كلامه وشعره، وهي استدعاءات بجلبان لعُلُوفات الحَمَام الرسائلي بالإسكندرية، صورة خطّه بصحة المستدعى به، وكَتَبَ عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف وخطه بذلك عندي. وعندي بخطّه في إجازة استأجر فلان ابن فلان من ديوان الرِّباع السلطانية بثَغر الإسكندرية، وفي آخرها الشهادة على المستأجر. وكتب عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف، وهو كان يباشر هذا الديوان، فالإجارة منه والشهادة على المستأجر بخطّه وهذا فيه نظر. قلت: ما في هذا نظر لاحتمال أن يكون الناظر غيره وهو الذي آجر المستأجر والفاضل كان شاهد الديوان. وقال محيي الدين كلاماً آخره أن الوزير شاور لما وَزَر الوزارة الثانية، استخدم الفاضل في ديوان المكاتبات شريكاً للشيخ الموفَّق أبي الحجّاج يوسف بن الخلاَّل. وقال الصاحب كمال الدين بن العديم: وقال لي القاضي بهاء الدين بن شدَّاد، قاضي حلب: دَخَلتُ على القاضي الفاضل أوَّل دخولي عليه داره ومعي العماد الكاتب، فلما خَرَجنا قال لي العماد: كيف رأيت القاضي الفاضل؟ قلت: رأيت رجلاً قد أتاه الله أربعة أسباب: السَّعادة وهي تدعو الناس إلى المَيْل إليه، والاشتمال عليه، وأتاه الله العِلْم فإنه كان عالماً مطَّلِعاً على سائر العلوم آخذاً من كل نوع منها بأوفر سَهْم، لا يَجْتمع به صاحب علم إلاَّ ويخوض معه في علمه، وذلك من أسباب السعادة لأن الناسَ يميلون إلى إرشاد علمه. الثاني وهو كذلك، فإنه كان من أكثر الناس وَرَعاً، وكان وقتُه لا يُخليه من تلاوة قرءان أو التسبيح، وإن اتفق من يُكَلِّمه في حاجةٍ كلَّمه ثم عاد إلى ما كان عليه، وهذا أيضاً يدعو الناس إليه فإنهم يميلون إلى ذي الدين. والثالث الجاه وكان من أوْفَر الناس جاهاً عند السلطان الملك الناصر وأقربهم منزلةً، وكان أعظم الناس ميلاً إليه. والرابع المال وكان كثير المال جداً حتى إن وكيله ابن سَناء المُلْك قال: كان دخْلُه في كل يوم خمسين ديناراً. وقال القاضي جمال الدين ابن شيث على ما شاهدته مسطوراً قال: كان للقاضي الفاضل رحمه الله بمصر رَبْعٌ عظيم يؤَجَّر بمبلغ كبير، فلما عَزَم على الحج ركب ومرَّ به ووَقَف عليه هو القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهري. توفي سنة (٥٥١هـ)، انظر: ((خريدة (١) القصر)) (قسم شعراء مصر) (٢٢٦/١ - ٢٣٤). ٠ ٢٠٨ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات وقال: اللَّهم إنك تعلم أن هذا الخان ليس شىء أحبُّ لي منه، أو قال أعزَّ عليَّ منه، اللَّهم فأشهد أنني وقفته على فِكاكِ الأسرى. وسارَ إلى مكة وهو إلى يومنا وَقْفٌ، وأظنه صناعة التّمر التي بمصر على البحر. قال القاضي محيي الدين: ورأيت في المنام كأن قائلاً يقول لي: قل للقاضي تاج الدين، يعني ابن بنت الأعز قاضي القضاة، إن شئت أن تدعو وأن يُسْتَجاب لك فاقعد بين قبر القاضي الفاضل وبين قبر الشيخ الشَّاطبيّ واذع فإنَّ دُعاك يُسْتجاب أو ما هذا معناه، فعرَّفته ذلك قال: كنت أفعل ذلك وتركته مدَّة وسرَّ بذلك. وقال الصاحب كمال الدين بن العديم: إنه سمع عبد الرحيم بن شيث بالبيت المقدس، وكان يكتب بين يدي الفاضل، قال: كان الناسُ يشكون من الفاضل قِلَّة اهتمامه بهم، وأنه لا يوفيهم رد السلام إذا لقوه في طريق. قال: ولم يكن ذلك كِبراً منه وإنما من يرى أنه لا يضيع وقتاً من أوقاته إما في مصلحة أو في عبادة، فإذا ركب الدابة تنفّل عليها فيَمضي ويَمرّ به الإنسان فيُسَلُّم عليه فلا يقطع صَلاته، فهذا كان سبب إهماله الاحتفال بالناس في رد السلام. قلت: لا تفي له صلاة النافلة بما يحصل له من كَسْر قلوب من هو دونه، أو أنه يؤثم من هو مثله أو قريب منه، لأنه يغتابه أو أنه يسُبَّه أو غير ذلك. وقال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي: والقاضي الفاضل هو الذي زاد في الكلاَّسة مثلها ولما حُفِرَتِ وُجِدَ تحت الأرض أعمدة قائمة على عَتَبٍ وفوقها مثلها وأثر العمارة متصل تحت الأرض ليس له نهاية وكأنه كان معبداً، ووُجِدَتْ فيه قِبْلَة بحي الشمال. قال محيي الدين: ومدرسته بالقاهرة بدَرْب مُلُوخِيًّا هي أوَّل مدرسةٍ بُنيت بالقاهرة(١) ووَقَفَها على الفقهاء الشافعية والمالكية وجَعَل فيها قاعةً لإقراء القرءان، كان الشَّاطبيُّ(٢) متصدراً بها وغيره، وخَرَج منها جماعةٌ من العلماء، وكان الفقيه ابن سَلامَةٍ(٣) مدرّساً بها. وجعل قاعةً للكتب وَقَفَ بها الكتب العظيمة الجليلة من التفاسير والشروح وأصناف العلوم. ومن مَبارّه الأراضي التي ابتاعها بالجُمّل الكثيرة من المال بأراضي اللوق على عين الأزرق بالمدينة الشريفة وهي قريب بستان البورجي (٤)، وهي الآن بستان لبني قريش وبعضها دخل في الميدان الظَّاهري، وعَوَّض عنها أراضي بأكثر من قيمتها. ومن مبارة الميضأة التي قريب مشهد الحسين بالقاهرة والمسجد والساقية ووَقَفَ عليها أراض قريب الخندق. انتهى ما نقلته من خط محيي الدين بن عبد الظاهر. (١) راجع ((خطط المقريزي)) (٣٦٦/٢ - ٣٦٧). (٢) هو الإمام أبو محمد القاسم بن فيّرة بن خلف بن أحمد الرُّعيني الشاطبي صاحب الشاطبية، وهي قصيدة في علم القراءات، توفي سنة ( ٥٩٠هـ). انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٧١/٤ - ٧٣). (٣) هو الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن سلامة الإسكندراني انظر: ((خطط المقريزي)) (٣٦٦/٢). انظر: ((الخطط)» للمقريزي (١١٧/٢). (٤) ٢٠٩ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد وقال ابن مَمَّاتي: كنتُ في مجلس الفاضل فحدَّثه بعض حاضري مجلسه أن الغزالي لما وَرَد بغداد سُئِلَ عن أبي المعالي الجُوَيْني فقال: تركته بَنْيسابُور وقد أسْقَمه الشفاء، وقد كان شَرَع في مطالعة كتاب ((الشِّفاء)) لابن سينا، قال: فجعل القاضي يتعجَّب من حُسْن قوله أسْقَمَه الشفاء ويتمايل له ويقول: والله إن هذا كلامٌ حَسَنٌ بديع. وكان عنده ابن ولد الوزير ابن هُبَيْرة فقال: كلامُ جَدِّي في هذا المعنى أحسنُ وأبلغ قال له: وما هو؟ قال: قوله الشفاء ترك الشفاء، والنجاة ترك النجاة، فقال الفاضل: لا ولا كرامة، بين الكلامين بَوْنٌ لا يطلع عليه إلاَّ أرباب الصنائع. وكتب إليه تاج الدين بن جرَّاح [الخفيف]: أنا أهذي وأنت تقرأ وترمي والليالي تمرُّ واللَّه حَسْبي فكتب فوق قوله: ((أنا أهذي))، أنت اعترفت بالهذيان، كَتَب في قوله: ((وأنت تقرأ وترمي)) الهذيان مرمى. وفوق قوله: ((والليالي تَمُرّ))، نَعَم تَمُرّ عليَّ وعليك. وكتب فوق قوله: ((والله حسبي))، وحَسْبي أيضاً. ودَخّل أبو الخير سلامة الضرير(١) عليه، وكان له عليه حق يوجب الدالة، يستقضيه في مهم كان سأله استنجازه من السلطان فمطله فتضجّر أبو الخير وأنشده قول ابن الرومي [البسيط]: لا يسرَّ اللَّهُ خيراً أنت جالبه ولا أعانَ على مقدوره القَدَرُ فأنت عندي كزُبِّ الكلب مذخَله سهلٌ ومخرَجُه مستصعبٌ وَعِرُ فقال الفاضل: يا أبا الخير وقع الفسادُ في موضع الحيا. وعَرَض عليه يوماً ورقة باسم مؤذِّتَيْن يستخدمان اسم أحدهما مرتضى والآخر زيادة، فكتب على رأس الورقة: أما مرتضى فزيادة وأما زيادة فمرتضى فصَرَف مرتضى واستخدم زيادة. وحَضَر مرة من العجم واعظٌ، وكان جميلاً مبدعاً في الحُسْن، فاجتمع له الناسُ فَوعَظَ فظَهَر منه خلاف ما يؤدّي إلى الخشوع فقال الفاضل: يا لها من عِظَة مُنْعِظَة، وعمل الجماعة في هذا المعنى فقال الأسعد بنَ ممَّاتي [السريع]: وجاهِلٍ بَعَّد من ضيفه لما أتى من سفَهِ منْسَفه فقَبَّل الأرض فجفَّ الثرى فيالها من شَفَة منْشفَه وقال ابن الحجّاج: حَضَرْتُ يوماً عند الفاضل فحَضَر منْ ثَقُلَ عليه فاعتذر الفاضل، فأقبل وقال: الموت غداً، فأنشد الفاضل [الرجز المجزوء]: (١) هو أبو الخير سلامة بن عبد الباقي بن سلامة الأنباري النحوي الضرير المقريء، توفي سنة ( ٥٩٠هـ). انظر: ((نكت الهميان)) للصفدي (١٦٠). ٢١٠ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات قال لِيّ الموت غدا فقلتُ هذي حُجَّتي وكان كثيراً ما يُنْشد [الرجز المجزوء]: عمارةُ الجِسم نَفَس وهَذْمه إذا اخْتَبَس وركب الفاضل يوماً فركَّبه القاضي المكين ابن حيُّوس، ولم يكن معه مِقْرَعةُ، فأعطاه الفاضل مِقْرَعةٌ فرماها، ثم ردَّ في طلبها عَجِلاً فما وَجَدَها فعاد بسكتة وسكينة لخيبته فأنشده الفاضل [الكامل المجزوء]: يا عادياً شبه السفيـه وعائداً مثل الحليم تَ شبيهها من غير ميم ضيَّعتَ مِقْرَعةً وعُدْ وتوجّه رسولاً إلى صاحب المَوْصِل فأُحضرت فواكه فقال بعض الكبار: خياركم أحدَب، فقال الفاضل: خَسُنا خيرٌ من خياركم. ولما عمل العماد الكاتب كتاب ((الخريدة)) بعثها إليه في ثمانية أجزاء، فلما أحضرت لدى الفاضل قال: وأين الآخران لأنه، قال كتاب خريدة وما أرى إلاّ ثمانية يعني خرى عشرة لأن ((ده)) بالعجمي عشرة. وقال ضياء الدين ابن الحجّاج: دَخَلْتُ على الفاضل أنا وأخي فقال الأسعد بن ممَّاتي: إن فلاناً أفضل من فلان، فقال الفاضل: هما كحد السيف. قال: وذكرت قول الفاضل هذا بعد مدَّة للموفَّق الدِّيباجي فَتَظَمَه وقال [الهزج]: هما كالسيف لا يُدرَ كُ فَرْقٌ بين حَدَّيْه وقال ضياء الدين: أيضاً حَضَرْتُ وأنا صغيرٌ مجلسَ الفاضل، فحَضَر عنده أحدُ أولاد الوزير عون الدين ابن هُبَيْرة، وكان يُنْسب إلى الثِقَل في أشغاله، فسأله عدَّة سؤالات فقَضَاها وكَثّر في أشياء لا يمكن الفاضل فعلها، والفاضل يخلُم عنه ويجيبه أجوبة حَسَنَة، فلما قام قال: ما هو إلاَّ أن يجيء فيا خيل الله اركبي ويا يد البطالة اكتبي. ويقال إنه تخرَّج وتدرَّب على الموفَّق ابن الخَلاَّل في أيام الخلفاء المصريين. وكان الموفّق يكتب إليه في أيام السلطان صلاح الدين، ولم يغَيِّر مكاتبته أيام المصريين، فيقول خادمه: وكان الفاضل يتعجَّب من ذلك ويقول: إلى متى يخبىءُ الألف واللام يعني يكتب الخادم. وكان الفاضل يعمل للسجعة ويقول لكتّابه اعملوا قرينتها فما ارتضاه أجاره وما لا يرتضيه أفادهم إيَّاه، فقال لهم: جاءَت خيلُ الله تعْسِلُ ما قرينتها؟ فقالوا أشياء لم يرضَها فقال: وهي من كل حذب تنسل. وقال لهم يوماً: كتبها والمغرب قد تنحنح مؤذِّنه وطَلَب إجازتها فلم يأتوا بما أرضاه، فقال: وجفْن عين الشمس قد عمَّضه وَسْنُه. ٢١١ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرج بن أحمد وقيل إن العزيز(١) هَوَى قَيْنةٍ شَغَلته عن مصالحه فأمره أبوه بتركها، فشقَّ ذلك عليه وضاقَ صدرُه ولم يجتمع بها، فسيرت له مع بعض الخَدَم كرة عنبر فَكَسَرَها فوَجَدَ فيها زرّ ذهب، ففكر في ذلك ولم يَعْرف معناه، وعَرَّف الفاضل الصورة فنَظَم الفاضل بيتين وجهزهما إليه وهما [السريع]: أَهْدَتْ لكَ العَنْبَرَ في وَسْطِهِ زرِّ منَ الثُّبْر خفيّ اللَّحامِ فالزرُّ في العنبر معناهُما زُزْ هَكذا مختَفِياً في الظلامِ قال شمس الدين محمود المَزوَزي: كنت يوماً بحضرة القاضي الفاضل وكان العماد الكاتب عنده، فلما انفصل قال الفاضل للجماعة: بمَ تشَبُّهون العماد؟ وكانت عنده فترة عظيمة وجمود في النظر والكلام، فإذا أخَذ القلم أتى بالنظم والنثر فكلّهم شَبَهه بشىء، فقال لهم: ما أصبْتُم، هو كالزناد ظاهرُه باردٌ وباطنُه فيه نار. وقال له العماد الكاتب يوماً: سر فلا كبا بك الفرس، فقال الفاضل: دامَ علاءُ العماد. ومن كلام الفاضل في هذه المادة - أعني ما يُقْرأ: مقلوباً فلا يتغيَّر - قوله: ((أبداً لا تدوم إلَّ مودة الأدباء)). قلت: ولا يُعْلَم أن كاتباً بَلَغَ من الرتبة عند مخدومه ما بَلَغَهُ الفاضل عند صلاح الدين حتى أنه كان يقول: ما فتحت البلاد بالعساكر إنما فتَخْتُها بأقلام القاضي الفاضل. وعَمِلَ الخلفاء على أخذه منه واحتجُوا بأنهم يطلبونه لأمور لا تُقال إلاَّ للقاضي الفاضل في ما يتعلَّق بالفتوحات، فأذِنَ له فقال له: السلام عليك هو آخر العهد بك. ثم دافع عنه واعتذر بضَعْفه، فعملوا عليه لما حَجَّ وأرادوا أخذه غَضباً، فتعذّر ذلك. ويقال إن الناصر الإمام لما توفي صلاحُ الدين كَتَبَ إلى الفاضل، أو أرسل إليه، يقول له: أي من كان في أولاد صلاح الدين يَضْلُح للملك وله الأمر، وحكى شيخ الشيوخ شَرَفُ الدين عبد العزيز الأنصاري قال: لما مَرض السلطان صلاح الدين بحَرَّان مَرضاً شديداً حتى حَصَل اليأس منه، وبقي أياماً لا يأكل ولا يشرب، فدَخَل عليه القاضي ضياءُ الدين الشَّهْرَزُوِري عائداً فبكى السلطان، فقال له ضياء الدين: يا مولانا مثلك ما يُسامِح أنت ربيت بين سُمْر الرماح وبيض الصُّفاح وعَرَضْت نفسك على الموت مراراً في عدَّة حروبٍ وأنت الآن تفزع من الموت وأنت في هذا السن؟ فقال: والله ما خَطَر لي هذا بيال ولكن فكّرت الساعة في القاضي الفاضل كيف يكون إذا بَلَغته وفاتي، فأشْفَقْتُ عليه لعِلْمي به وما يَجِده من أجلي. ورأيت من تَمَكُّن الفاضل عند السلطان فصلاً كَتَبَه في معنى العادل أخي السلطان، وكان العادل يكره الفاضل لأنه أخَذَ حَلَب منه وأعطاها للعزيز عثمان، وبلَغَ الخادم أن المولى العادل (١) هو الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي، ملك مصر بعد أبيه سنة (٥٨٩هـ)، وتوفي بالقاهرة سنة (٥٩٥هـ). انظر: ((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٢٠/٦). ٢١٢ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات أنكر توالي الإنعام بعد الإنعام وتَتابُع الإكرام بعد الإكرام، وما علم أن آثار السيوف طاحت وبقي أثَّرُ الأقلام، وكم للخادم من موقفٍ مشكور يعْجَزُ عنه السَيْفُ المشهور والعَلَم المنشور، والمولى العادل يُمَنِّي نفسه، فأدام الله أيامَ المولى ما دامت السماوات والأرض، والخادم إن تقدم المولى فهو أكبر مراده، وإن كانت شَقُوة تطيل له البقاء فما يخرج المُلْك عن السادة الملوك من أولاده. قلت: من هذا الكلام يُعْرَف أين كان الفاضل في الرتبة عند صلاح الدين، وما أفاد هذا الكلام. ومات السلطان واستولى العادل على البلاد وسلَّ أولاد أخيه صلاح الدين واحداً بعد واحد وما نَفَعهم القاضي الفاضل. ومن إذلال الفاضل على السلطان ما رأيته في مكاتبة عنه إلى السلطان وهو: أن العزيز عثمان ولده كان معه في تلك السفرة فذَكَره الفاضل، وقال [الكامل]: مَمْلُوكُ مَوْلانا ومملُوكُ ابْنِه وأخيه وابنٍ أخيهِ والجِيرانِ لسلامِ مولانا ابْنِه عُثمانِ طَيِّ الكِتابِ إلیه منه إجابةً يَجْزي بأَحْسَنَ منه في القرءان واللَّهُ قد ذَكَر السَّلامَ وأنَّهُ ومَنْ اقْتَفاها كان بعدي الثّاني وغريبةٍ قَدْ جثْتُ فيها أولاً فرَسُولَيَ السُّلْطان في إبلاغِها والنَّاسُ رَسْلُهُمُ إلى السُّلْطانِ وترسُّلُه فلعلَّه يبلغ المائة مجلد، ونَظْمُه فقد قال في جملة رسالةٍ: إنِّي من مذْرَجة ستين وما قاربها وهي المدة من تاريخها قَدْح هجرة وكري، وعُلُوا سِعْر شِعْري، قد نَظَمْتُ ما بين خمسين ألف بيت من الشعر بشهادة عيانها وحضور ديوانها. ومثل هذا العدد لا يُغْرَف القديم ولا مُحدث في مثل هذه المدة، مثل قولي في صفة باذَهَنْج شديد الحرور ما يناهز ألف بيتٍ، ومثل قولي في رجلٍ طويل الآذان كأنهما في رأسه خُفَّان أو قد عُجِّل له منهما نَعْلان ما يقارب ألفي بيت، ومثل قولي في رثاء الوطن الذي دَرَجْتُ من وكره وخَرَجْتُ فلم أخرج عن ذكره ما يناهز عشرة آلاف بيت، ومثل قولي في مدائح منصوصة وأهاجي مخصوصة، ومثل قوافٍ لم أُسبق إلى ركوبها ولم يدر الزمان على مسامع أهله مثل کوبها. فأما نَثْرُه فمنه ما كتبه إلى موفَّق الدين خالد بن القَيْسَراني(١)، وقد وقَفَ له على رسالةٍ كتبها بالذهب: ((وَقَفَ الخادمُ على ما دبَّجَتْه أناملُ الحضرة التي إذا صاب سحابها روَّض لساعته، وإذا عُدِمَت حقيقة السحر فهي التي نفثَها بيانُه في روع يراعَته، فانتقل من الاستحسان (١) هو أحد وزراء نور الدين محمود، توفي سنة (٥٨٨هـ). انظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٤/ ٣١). ٢١٣ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد إلى التسبيح، لأن حروفَه شذور السُّبح وخلص من الترجيح بأول ما صافَح الطرف من الطُّرَف واللمح من الملح، فتناول منها جنة قد زُخرِفَت بنار، وليلة قد وُثْجت بهار، وروضة قد سُقِيَت بأنهار عقار، وعارِضُ ذَهَبٍ قد أذيب، يكاد سَنا برقه يذْهَب بالأبصار، فتعالى من ألان لداود عليه السلام الحديد، ولها الذهب، وأيْقَظ به جدَّ هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام فهبَّ، وأعْلَم الناس أنَّ القَلَم في يد ابن البؤَّاب للضرب لا للطَّرَب، وأن قيمة كل منها ومنه ما به في هذه الصناعة وكتب، وجلاَّها بتمّام البدور وأعطاه ما أعطى أباه من المحاق، وأخّر زمانها وقدَّم زمانه ورَزَقَها السَّبْق وحرمه اللحاق، فمِنْ ألفات ألِفت الهمزات غصُونَها حمائم، ومِنْ لامات بعدها يحسدها المحب على عِناق قدُودها النواعم، ومن صادرات نقعت غلل القلوب الصوادي والعيون الحوائم، ومن واوات ذكرت ما في جنة الأصداغ من العَطَّفات، ومن ميمات دَنَتْ الأفواه من ثغورها لتنال جَنْي الرشفات، ومن سينات كأنها التأشير في تلك الثغور، ومن دالات دالات على الطاعة لكاتبها بانحناء الظهور، ومِنْ جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين وخالدٌ فيها خالد، وتحيته فيها المَحامد، ويده تضرب في ذهب ذائب والخلق تضرب في حدید بارد، فهي اليدُ التي تَنْظم تيجان الملوك بدُرِّها وتُظهر آية الكرم على قراطيسها لما تُظْهره من تِبْرها، وما كنت قبل يدها أحسب أن سحاباً يمطر نُضاراً، ولا أن ماء يستمد ناراً، ولا أن أقلامها سفكت دم المال فأجرته أنهاراً، ولا قلَّ لحظها أن الشفق لا يُشْفق من طلوع الفجر، ولا أن لون الوَصْل ينقض على لون الهَجْر، ولا أن الليل يتشبث بعطف البرق فلا يريم، ولا أن ذهب الأصيل يجري به سواد الليل البهيم، ولا أن يداً كريمة تدَّعي من آيات قلمها وكرمها أن الجُلْمود بها يفارق الجمود، وأن اليراعة تستر فَرْقَدها على الظمأ فيشافه منهل النضارة المورود، وما كانت خطوط الفضلاء إلاَّ تجربة بين يدي تحريرها الآن، ولا أقلامها إلاَّ حَطباً أوقدته على الذهب فذاب لها ولان، ولا تحسب الخط إلاَّ بحسبها فغيرت له أثواب الحداد وجَلَت عرائس حروفه مضمخة الأجساد بالجساد، وأطلعت إنسان عين الإحسان، بدليل كونه لم يُلْمح إلاَّ في سواد، وسجد له والسجود فرضه لأنه ثوب التيجان، وقبّله والتقبيل حقَّه لأن الجنان تجاوزَ منه حور الجنان، كيف لا يُفَضَّل جوهرها بأن يفضل ويقابل حروفها بأن تُقَبَّل. وقد كتب الناس إليه وكتب بالعين وحصل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خُفَّي حنين وفازت بما أظهرت من ثروتها للنظار من النضار، وصحَّت لها الكيمياء لأنه كتب بشطر دينار سطراً بألف دينار، وأن له في نهارها بل في أنهارها سبْح طويل، وأنها على خِفَّة وزنها وقِلَّة أسطرها لتكلِّف من الشكر عبئاً ثقيلاً وكيف لا تخف ميزان الثناء على أنها رَجَحَته بذائب ذهب، وكيف يضل وفد الشكر وقد هدّبه بذوائب لهب، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يخلقه، وأسام فيه ناظراً لا يسأمه، فكان آخر ما يأمله أول ما رَمَقَه أمسى لافتتانه يعبد على حروفه أو ٢١٤ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات على ورقه، وورده إذا وَرَدَه فازداد - عطشاً على كثرة العَلِّ والنَّهَل، وأعشاه إذا عشاه وكثرة النور يُعشي ناظر المُقَل)) . ومنه ما وصف به الخيام فقال: ((إن الخيام فقد بَلِيَت وصارت أمْشاجاً ورقت فخالطت كأس الغمام مزاجاً، ولقيت معنا الشدّة وكانت شدتنا أن رأينا بها انفراجاً، وفيها من السماء رقاع وكأنما أخذها في شقّ الثياب سَمَاعٍ، وإذا هبَّت الرياح فهي بتقدمها وتأخّرها في نَزْع حثيث ونزع من الشيطان خبيث، طلقتنا وهي بعدُ في حبالنا، وطَعَنت وهي بعد في عِقالنا، إنّ أرسلت الريح آية ظلت أعناقُها لها خاضعة، وإن قَعَدنا فيها فعلى قارعة الطريق وهي قاعدة على طريق القارعة، وإن وقعت ليلاً فما لوقعتها الخافضة الرافعة، بها للدهر جِراح الإبر لا تقطبها، ومنها على الدهر أطلال تصدقها العين تارة وتكذبها، قد فرجت سماؤها وانشقت وأذنت لربّها وحقّت، لم يبق في أدمها بشرة تعاتب، ولا في صَبْرِها سكّة تجاذب، كأنها وأخواتها إذا هبَّت الرياح المجرمون رأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب بحيث يرى حِماها نافضاً، والعارض - وقد دخل عليها على الحقيقة - عارضاً فعمدها الأغصان هزها البارح وشرائطها الشرار أطاره القادح. أما إذا نشأت السحائب فسلّت سيوف بَرْقها وسلسلت سيول وذقِها، فإنها أمام تلك السيوف جَرْحى ووراء تلك السيول طَرْحى، تودُّ ما وذَّ ابن نوح يوم لا عاص، وتراها كبط الماء ونحن بين غريق وعائم، نضربها في كل يوم فوق الحد ونأخدها في المصيف بحرب حر وفي الشتاء ببرد برد)). ومنه كتاب أصدره من بَعْرين وهو: ((المستقر ببعرين حيث أخرجت السماء أثقالها، وفَتَحَت من عزِّ إليها أقفالها، وركضت خيلُ الرعود لابسة من الغيم جلالها، ثوب اللَّيل بماء الغَمام غسيل، وشَبَحُ الظلام بسيف البَرْق قتيل، وغراب الأفق في الجَو بازٍ لأنه في قوس قُزَح ناز، وكأن عَقارب الظلماء بالثلج أفاعي، فليكن ليل السّليم وكأن مواقع الرعد قواقع حلى على الغَواني فهو لا نام ولا تنيَّم. وكأنَّ الصباح قد ذاب في الليل قطراً، وكأن البَرْق لما ساوى من صَدَفَي الليل والنهار قد قال: آتوني أفرغ عليه قَطْراً، وقد ابتلَّ جَناحُ اللّيل الممُفدِق فما يطير، وأبطأ حمام الصُّبح خلاف ما يحياه في رسالة نوح فما يسير، والرياح قد أعْصَفَت فقَصَفَت عيدان نجد ورتمَها، وخيولها قد رَكَضَت في السحاب فكان البرق تحجيلها ورتمها، فأما الخيام التي قد نَضُجَت جُلودُها بإيقاد الشمس، واسْوَدَّت ثم نَضَحَت بدموع الغَمام فتراخت أجفانها بعدما اشتدّت، فما هي إلاَّ أعين سال منها بالدموع كُخلها، وخيول دُهْم جلَّ عنها بالرياح من الإطناب شكلها، ولا يزال الخصام بينها وبين الأهوية إلى أن تشق الثياب من حرمها كما شقها السّحاب من طربها. ونحن ندأب في عقد طنبها لندخل في عقد حسبها، وهيهات سُلِبَت في البيكار أشباحُها، وخرجت بالرياح أرواحُها، فالشَّمس إن طَلَعَت ألْقَى الشرق جامات تقرُّ على العيان، لا دنانير أبي الطيب التي تفرّ من البَنان وما لاذت بجانبها ٢١٥ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرّج بن أحمد الرياح وأَبَت على الأطناب من إرسالها في عنان الجماح إلاَّ أشبهت قَطاةً غَرَّها شَرَك وقد علق الجناح، وقَداةٌ هزَّها دَرَكْ وقد أبَت البَراح، وقد زادت السيول إلى أن صارت هذه الخيام عليها فواقع وهمهم الرعد قارياً فاستقلّت قيامُها بين ساجدٍ وراكع، وأنا فيها كعثمان في داره والخَطْبُ قد أخذ في حصاره، فلا يزال ويلُ الثَّبل مفرَّقاً ولا أزال على نفسي من السَّيل مخندقاً، وقد رَجَعْنا إلى النشأة الأولى فعُدْنا في هذا الماء عَلَقاً ولا كفران الله فإني ملقى على طرق الطَّوارق ملقىّ ما شاب العيش من فراق يشوب بالشّيب المُفارق. وما كنت أخشى أن ينقلني الدَّهر من دَرَجَة مجانيه المُقْتَطفة إلى مدرجة مجاريه المُجْتحفة، ولن يرى أعجب مني مُمحلاً وأنا أشكو الغدران الغادرة، ومجدباً أتظَلَّم من ظلمات اللَّيالي المَاطِرَة، وفَتَح الله بَعْرين وإن استَجَنّ منها أسَدُ الإسلامِ بعَرين، وأنا بريءٌ منها بعَدَد رَمْلٍ بیرین)). ومنه من جملة كتاب: «ثم وَرَدْتُ في هذه الساعة على العيون، عيون موسى، في ساعة بَكَتْ لها عيون أم أحمد وفي هَجِير ما يوقد بالنار بل النار به تُوقَد، والجو يتنفّس عن صدر مسجُور كصدر مهجور، والحرُّ وصاليه في نحو هذه الطريق جار ومجرور، والمَهامه قد نشر فيها مُلآء السراب، وزَخَر فيها بحر ماء ولدَ لغير رشدة وعلى غير فرش السحاب، وحرَّ الرمل قد مَنَعَ حثّ الرمل، ونحن في أكثر من جموع صِفْين، نَخافُ من العَطَش وَقْعَةِ الجَمَل، ووردنا ماء العيون وهو كما عيون المحابر يغترف المجرم منه مثل عمله ويرسله فلا يؤدي الأمانة إلى غلله، وهو مع هذا قليل كأنه مما جادت به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق، ولو لم يكن مما جادَت ما كان ملحاً طعمه نافذاً في القلوب سهمه، فيا لك من ماء لا تتميز أوصافه من التراب، ولا يعدو ما وُصِفَ له أهْلُ الجحيم في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِيْ الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩]، فنحن حولَه كالعَوائد حول المريض، بل الميت يُجَهَّز للدفن ونَعْشُه المزاد ويُخْفَر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد وفي غير من قد وأدت الأرض، فاطمع فما شئت من صارخ وصارخة وابن شمس، وهو وإن لم يكن من مُضَر فإنه ابن طابِخَة، وكلما عصفت الرياح تعاهدها منه نافخ وقابل صفحتها من صَحائف الوجوه منسوخٌ وناسخ، وكل لسانه كسباً به الفرق وإصبع الغرق قد جفَّت اللَّهَوات من الأرياق وفُدِيَ بياض الماء بسواد الأحداق، وسُئِلت الثماد عما عندها واقتدح الحَفْرُ زِنْدَها، فلا حجر يبضُّ ولا نقد ماء ينضّ، إنما هي يدُ البخيل إذا سُئِلَت، وإنما الموءودة وبيننا قتلت. فأما القلوب فقد أوقد لظى أنفاسها وسلط سلطان سوء الظن على وَسْواسها وخَنَّسها، ولا غَزْو فإن القلوب ما بَرِحَت تتبع العيون على عشقها وما برحت العيون تقودها إلى حتفها، وهذه قلوبنا الآن منقادة لحكم هذه العيون منتظرة على يدها المَنُون إلاَّ أن ماءً قد كشف الغرب خبيئته وزعم أن الطير كان ربيئته، والله ما عرفوه إلاَّ الآن على أنه لو كان دمعاً لَمَا بَلَّ الأجفان أو مالاً لما رفع كَفَّه الميزان، وإن امرءاً روحه في جلد غيره وهو الماء ٢١٦ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات الذي في المزاد وخصمه غير نفسه، وهو النار التي في غير الزناد، لجدير بأن يعزّى به أعزاؤه وأن يلام على مفارقة الأحباب ويقال: هذا جزاؤه. وأنا وإن كنت من الحرِّ في أجيج ومن العَرَق في خليج كإنسان العين ظام ماتح غَرِيق سابح، فإني إلى أخبار حضرته أشْوَق مني إلى ذلك الماء على ما ذكرته من هذه الغلل، وعلى ما اعترضنا في هذه الطريق من هذه الغِيّل ولو أنه علّلني بكتاب لعلّني بسحاب، ولو أنه زاد طرفي سواد مِدادِه لأعاد صبغة ما غسلته بكارة من سواده، ولو أنه بعث الطيف لقَدَّم لمسيره الطَرْف جواد رقاده وإن كان جواداً على النوى برقاده)). ومنه فصلٌ من كتابٍ يذكر فيه الجَرَب: ((وأشكو بعد قلبي جِسْمِي فقد ضَعُفَت قوَّتُه وقوي ضعفه، ونَسَجَت عليه همومي ثوباً دون الثياب وشعاراً دون الشعار من الجَرَب الذي عادى بيني وبيني، وأنتقم بيدي من جسمي وأستخدمها تحرث أرضه، فإن لم يكن لأرضه عجاج فلي عجيج، وإن لم يكن لي بذار فلي من الحبّ ثِمار، وإن لم يكن لي سنبلة فلي أنملة، وإن لم يكن في كل سنبلة مائة حبّة ففي كل أنمُلة مائة حبّة تأكلني. وقد كنت مسالماً لأعضائي إلاَّ سِنا أقرعها فما يخلو زمن من مندماتي أو إصبعاً أعضها، فما أكثر ما تأتي به الأيام من غايظاتي، والآن فقد زدت على الظالم الذي يعضّ يَدَيْه، فأنا أقرع جميع أعضائي وكلّها ثنيات، وأعضّ على جوارحي وكلَّها أنامل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرْ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]. والجَرَبُ همَّ للأجسام والهمُّ جَرَبُ القلوب، والفِكْرُ للقلب حك، والحكُّ للجسم فكرُ، وبالله ندْفَعُ ما لا نطيق، يا واهب العُمْر خلصه من الكَدَر)). ومنه يصف ما حصل له من النّفْرس : ((وجالي في النِّقْرس إلى هذه الغاية، الأرض من ذوات المَحارِم ما وطئتها برجلي وطُرُقها ضاحيةٌ مني ما كسوتها ظلِّي. والمملوك قد وَهَنت ركبتاه وضَعُفَ أطيباه، وكتبت لام ألف عند قيامه رِجْلاه، ولم يَبْقَ من نَظَره إلاَّ شفافة ومن حديثه إلاَّ حديث خُرافة)). ومن كلامه في وصف المكاتبات الواردة عليه: ((وَصَلَني كتابُهُ فَوصَلَني منه ما وصلني وعَرَفْتُ من بلاغته ما جهلني، وشربت من بحر كلامه ما شَرَّبني وأكَّلني، وعَلَوْتُ به قدراً على أنه صَهْوَة الكلام، استنزلني فإنها بدائع ما سِرُّ البلاغة قبلها بذائع، ووقائع خاطرٍ صَفَت صفاتها فهي التي رقَّته وروَّقته الوقائع، وغرائب سَهُلَت وجَزُلت فتارة أقول جرأة نبع وتارة أقول جرية نابع قد ضُمِن الدرُّ - إلاَّ أنه كما قال أبو الطَّيِّب - كَلِمُ. وأُحَيِّ حيّ الأشواق، إلاَّ أنه كما قال أبو تمَّام: لو مات من شُغل بالبَيْن ما علم(١). فَفَدَيْتُ يدها وقد مدَّت ظلاًّ كاد يقصر ظلاًّ من الخط، والله قلمها الذي طال وأناف (١) من قول أبي تمَّام («الديوان)» (١٦٦/٣): أظَلَّهُ البَيْنُ حتى أنَّه رَجَلٌ لو ماتَ من شغله بالبَيْن ما علما ٢١٧ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد منها كأنه تحيفه القط قط)). ومنه: ((وما أحْسَبُ الأقلام جعلت ساجدة إلاَّ لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خُرساً إلاَّ قبل أن ينفث سيدها في روعها رايع، هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت في دويّها إلاَّ ليبعثها، أمّا ينفخ فيها روحه في مرقدها، ولا سَّودَت رؤوسها إلاَّ لأنها أعلامٌ عبَّاسية تداولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحمي الحِمَى وتَسْفِك دماً، وتَّتشح بها يده عَنانا ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتّاب فرساناً، ويقوم الخطباء بما كتبت فتعلم الألْسِنَة أن في الأيدي كما في الأفواه لساناً، ولقد عجبت من هذه الأقلام تجرُّ ألسنتها قطعاً فتنطق فصيحة، وتجدَعُ أنوفها فتخرج صحيحة، وتجلى مليحة، وما هي إلاَّ آية في يد سيدنا البيضاء موسويَّة، وما مادتها في الفصاحة إلاَّ علوية، ولولا الخلق لقال علوية)). ومنه: ((ولو ادَّعى سحرُ البيان أنه يقضي أيسرَ حقوقه، ويثمر ما يجب من شُكر فروعه وعروقه، لكنت أفْضَح باطل سحره وأذيقه وبال أمره وأصلُب الخواطر السخَّارة على جذوع الأقلام وأعْقِدُ ألسنتها كما تَعْقِد السَّحَرة الألسنة عن الكلام)). ومنه: ((كتابٌ كريميٍّ من حيث النسبة إليه، كلِميٍّ من حيث نسبته إلى اليد البيضاء من يديه، مسيحيٍّ من حيث أنه أحيا ميت الأنس، محمَّديٍّ من حيث كاد يكون بما نَفَثَه في رَوْعي روح القُدُس، فلا عُدِمَت مخاطبته التي تخلعُ على الأيام يوم العيد، وعلى الليالي ليلة العُزْس. فأبقاه الله للسان العربي فلولاه كان مزويّاً لا مزويّاً ومدحوراً لا مذخوراً، ولولاه لحالت أحرفه عن حالها، وأبَت الفصاحة أن تكون قوائم الأحرف من آلاتها، وكانت تُقعد ألِفه القائمة وتَموت باؤه النائمَة، ويزيد حِنْيُ ظهر داله حتى يلحق بالرغام خدّها ويغضّ، وحتى تذْرَد أسنان سينه فلا يبقى لها ناجذٌ علیه تَعَضُ. ومنه: وقف عليه والشكر عن المُنْعم به غير واقفٍ، بل وقف واستمطر منه صوب الغَمَام فيما انقطع ولا كفَّ واكف، وأرى بنيان تبيان لو رأته المجارون. لأبي بنيانهم من القواعد فَخَرَّ عليهم السقف. فلله هو من بليغ أن قال، فالقول عنده أكثر يوم البين من ماءِ الطرف. وإن رام القول غيره فهو أقل عنده يوم الحُسَيْن من ماء الطفْ)). ومنه من جواب الشيخ تاج الدين الكِندي: ((وطننته وحقَّق الله فيه الظن، قد ارتقى الأسباب وأخذ اللفظ من القطر والقِرْطاس من السحاب. وآمَنْت بضحة رقيّه، وتبيّنت التقاطه للنجوم حين أوردها في بارع اللفظ. ونقيّه، وقلت للجماعة كلام التاج تاج الكلام، والمُلْك في كِنْدَة وكانت أقلامها سيوفاً وسيوفها الآن أقلام)). ومنه: ((فوقفت منه على طُرفِ الطرف وتحفة الطرف، وكدت أعبده منه على حرف، وكل جرفٍ ذلك الحرف، ولولا إشفاقي أن يفطن الدهر لمكانه من قلبي، وخوفي أن أعرّفه ٢١٨ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات بحسنته منه فأغريه منها بدفع أوزار حربي، لقلت قولاً يغضُّ الأوَّلين والآخرين من هذه الصناعة، وأنفذت فيهم سهاماً لا تحمي شاعراً منهم صخرة وجه، ولا كاتباً درع درَّاعَه، وما هي إلاَّ آيات كل واحدة أكبر من أختها، وفكرٌ مرزوقة في أيام الجمع كلها إذا أتت الفِكر أرزاقُها يوم سبقها)). ومنه: ((كتبٌ كريمة كادت ألفاظُها تتبسَّم، ومعانيها تتكلّم، وكادت حروفها تكون أناسی لعين المسار، وكادت سطورها تحلّي عرائس وعليها من الشكل حلى ومن النقط نثار)). ومنه: ((كتابٌ سنيُّ المعاني سينيُّ القوافي، وحق سينه أن يخلص لها الإقبال، والسين تصحب الفعل فتخلصه للاستقبال، وهذا أفقٌ لا مَطار فيه إلاَّ للعُقاب وابنه، وبحرّ لا سَبْح فيه إلاَّ لمن يُخرج الدُرَّ من فيه، ويدخل البحر في ردنِه. وما عنيت ها هُنا بالبحر إلاَّ يده الكريمة، فأمَّا البحر فلم أعنه)). ومنه: «كتب المجلس روَّح وأتاح فريَه، ولا برحت أقلامه سلاح أوليائه على الزمن إذا خافوا حربه تؤنس راجيها وتؤنس مجاريها، وتخضب بها السمع ويتظاهر بها النفع، لولا أنها تُغَيِّر علينا شِيَمَنا فتخلق فيها الحَسَد، وتشُدُّ أيدينا إذا تعاطينا المجاراة بحبل من مَسَد)). ومنه: ((وسيّدنا ما بعد بيانه بيان، وبين فكّيه سيفٌ وبين فكّي كل إنسان لسان، فقولي يا أقلامَه، فقد خرست في الغُمود المناصِل، وتَبَختَري يا تغلب ابنة وائل، فقد أعطى التقدمة من البلغاء وهم صاغرون، وأفلح المعترف بفضله وقد علم: ﴿أَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ﴾)» [المؤمنون: ١٧]، و[القصص: ٨٢]. ومنه: ((ولكن اعتزل الناس السماك الأعزل، وارتفع أهل الدَّرج العليا وانخفض أهل الدَّرك الأسفل، وضيَّع الناس السهام وأصبت أنت بواحدها المقتل، فأنت الرامي وغيرك الرائم، وأنت الحامي وغيرك الحائم، وحروفك الأزهار وكتبك الكمائم، وقلمك الساقي وخاطرك الغمائم، وبقولك يُضَنّ ويُغالى، وإذا قلت: يا خيل الأقلام اركبي، ملأت الأرض تصهالاً وصيالاً، ونَفَرت إليك المعاني خفافاً وثقالاً، وأذَّنت فيها بالحج فأتَتْ ضمائر على كل ضامر ورجالاً، وأنت الحاضر والغيث الحضور، وأنت السيد وغيرك الحَصُور، والأسماع إلى ما تقول في دمشق صُوَر، ولو قدحت الماء لاستطار شراراً، ولو أجَرْت وزدَ الخدّ لكنت له من بنَفْسَج العذار جاراً». ومنه: ((ووقفت على الميمية فأطاف به منها الطوفان وحيَّاه منها الرَّوح والريحان، وهي ممّا أمْلاَه مَلَكٌ إن كان يُمْلي الأشعار شيطان. وعجبت لاطراد تلك القوافي، ورأيت الشعراء أتت بما ألِفَت في ضيق الأودية، وخاطره وقلمه أتيا بما ألفيا في الفيافي وكل بيتٍ منها بديوان، كما أن قائلها إنسان يُعَدُّ بألف إنسان، كما أن قلمه قصير فما جُدِع أنفه إلاَّ ليأخذ ثأر ٢١٩ عبد الرَّحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرِّج بن أحمد القلم من السِّنان». ومنه: «وارتحت لمَّ امتحتُ على بُعد أرضى من غَمامِه، وداويتُ القلب الدَّويَّ من آلامه بلمامه، وأعاد عليَّ زمن رامة كما هو بآرامه، وأطْلَع عليَّ مطالع الأهِلَّة، وما الأهِلَّة وهل هي إلاَّ قُلامة أقلامه)). ومن كلامه: ((وأنتم يا بني أيُّوب لو ملكتم الدَّهرَ لأمطيتم لياليه أداهم، وقلَّدتم أيامَه صَوارِم، ووَهَبْتم شموسه وأقماره دنانير ودراهم، وأيامكم أعراسٌ وما تمَّ فيها على الأموال مآتم، والجُودُ في أيديكم خاتم ونفسُ حاتم في نقش تلك الخاتم)). ومنه: ((ونزلنا قلعة كوكب وهي نجمٌ في سحاب، وعُقاب في عِقاب، وهامَةٌ لها الغَمامة عمامة، وأنمُلة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة)). ومنه: ((والفضلُ والفصل اللذين وردا بالإسهاب والإيجاز، والجميل المخلَّد الذكر فإنه تنجيز وعد الخلود وإن جاز فيه إنجاز)). ومنه: ((وعرفتُ الإنعام بالخِلَع ومن تكفَّلَ في مواقف المناظرة بطيّ لسانها، تكفَّلت له المملكة بأن يُزهى بطيلسانها، وأحلّته من سواد الخِلَع في خلعة إنسانها». ومنه: ((واطلعت شرف الأربعين وما تركت سرف العشرين، وقلت للنفس إنساني نيسان ما تشرين لتشرين)). ومنه: ((وأوحشني قوله: إني بعثت بالكتاب مستأذناً وكيف يرى في مَعْشّر طلبتُه بالحقوق لأستاذنا». وأما شعره فكثيرٌ، وتقدّم التنبيه عليه وكلُّه قصائد مطوّلة، ومعانيه معاني الكُتّاب لا معاني الشعراء، فلذلك قلَّ دَوْرُه على الأَلَسِنَة. ومن شعره ما هو مشهور [السريع]: بِثْنا على حالٍ يسُرُّ الهَوَى وربما لا يحسنُ الشرخُ إن نِمْتَ عنَّا هَجَمَ الصَّبْحَ بوَّابُنا الليلُ فقلنا له: ومنه [الكامل]: لم أشْف من ماءِ الفُرات غَليلا باللَّه قُلْ للنّيل عنّي: إنني إن كان جفني بالدموع بخيلا وسَلٍ الفؤاد، فإنه لي شاهدٌ وأُعيذُ صبْرَك أن يكون جميلاً يا قَلبُ كَم خَلَّفتَ ثَمَّ بِئَيْئَةً ومنه [البسيط]: وكيف أحسب ما يعطى العفاة وما حَسِبْتُ الذي ما زال يعطيني ٢٢٠ الجزء الثامن عشر من كتاب الوافي بالوفيّات الكتبُ تَشْكُره عنَّا ولا عجبٌ ما تشكر السحب إلاَّ بالبساتين ومنه [الكامل]: للناس أغصانٌ وقد يجنونها وعَلِقْتُ غصناً دونها وجنان شرَع التعانق في غصون البان ويدُ النسيم كريمةٌ عندي بما وعلى الحمائم رقبةُ الأغصان والطيرُ يمسك غصنه بعنان فأقول هل غنَّاه أو غنّاني وعلى الأحبة من عداهم رقبة والريح تحت الطير تجري خيلها ويهزني كالغصن خمر غنائه ومنه [المتقارب]: وأَغيد لمَّا رَجاعتبُنا تبدَّى على الخدّ منهُ شَفَق فكان الحباب عليه العرق طَرا في هَواه وخطبٌ طرق فلَيت الضعيف لضَعْفِيَ رَقّ فلا تلك هانت ولا ذا اتفق وهذا أقامَ وذاك اتْدَفقْ صَفَا فَوقَ خذَّیه خمرُ الصِّبا إلى اللَّه أشكو فکم حادثٍ ضعيفين من جفنه والوداد وصعبين من لوعتي والوصال وماءَين من وجهه والعيون ونارَيْن في خدِّه والقلوب سناها لغيري وعندي الحُرَقْ ومنه [البسيط]: كم بتُّ أسْري على ظهر الكؤوس إلى أنْ أصْبَحِ الدَّنُّ في آثارها طَلَلاً فالدَّنُّ مِنْ أَنْطقِ الأطلالِ أن يُسَلاَ فاسْأَلْهُ لا تسأل الأَطْلالَ حادِثَهُ أما الشّبابُ فأبْكاني برخلَتِه فقال: إن كُنتَ تَنْعِي فابْكِ مَنْ رَحَلاَ فقلت: هل بَعْدَك الأيام واسِعَةٌ أوْ لا فقد جاءَني ما ضَيَّقَ السُّبُلا ومنه من وَصْف قصيدة [الطويل]: يدُ الجودِ عندي من يدَيْك عظيمةٌ وأعْظَمُ منها عِنْدِيَ الحمدُ والشُكْرُ ومجلسُكَ الأعْلَى المطهّرُ مسجدٌ فما قلتُ خُذها خيفة أنها خمرُ ومنه [الكامل المجزوء]: والمُدْنُ إنْ رَجَع المُسا فِر أو إذا خَرَجَ المُسافِزْ ما استَقْبَلَتْه وودَّعَتْـه المُدْنُ إلاَّ بالمَقابِزْ