Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
حُسين بن عَزِيز بن أبي الفَوارس
٣٦٢٨ - ((جمال الدِّين بن رَشِيق المالكيّ)) الحُسين بن عَتِيق بن الحُسين بن عَتِيق بن الحُسَيْن بن
رَشِيق بن عبد الله، الفَقِيه العالِم، جمال الدّين أبو عليّ الرَّبَعِيّ المالِكيّ المِصريّ. شهد عند قاضي
القضاة، صدر الدِّين عبد الملك بن دِرْباس، فَمَنْ بعده، وأفتى وصنّف في المذهب، وتفقّه به جماعة.
وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. وكان ديّناً وَرِعاً، وروى عنه الحافظ المُنْذِرِيّ، وهو من
بيت فُضَلَاء.
٣٦٢٩ - «أبو علي بن رَشِيق)) الحُسَين بن عَتِيق بن الحَسن بن رَشِيقِ الرَّبَعِيّ الأندلسيّ.
أخبرني من لفظه الإمام العلامة أثير الدِّين أبو حَيَّان، قال: كان بسِبْتَة في كَنَفِ العرفيِّين، يكنى أبا
عليّ، له فُنونٌ من المعارف، وله تصانيف وأدبٌ كثير.
قال يمدح الرئيس أبا الحَسن عليَّ بن نصر، صاحب المريَّة [الكامل]:
فِعْلُ النَّوَى مُلغىّ لبعضٍ نَوَالِكَا فَأَشْفِ الخَيالَ ولو بطيفِ خَيَالِكًا
أرِدُ السَّرابَ بها مكان زُلالِكًا
ما ضَرَّ لو سامحتَ منهُ بِزَوْرَةٍ
صِدْقُ الهَوَى يُرضیهِ زُورُ وِصَالِكًا
ما زورةُ الطَّيْفِ المُرَادِ وإنّما
أَوَ مَا ضيَاعَةُ مُهجتِي من مالِكًا
يا مالِكاً رِقِّي أَمَا لَكَ رِقَّةٌ
ناداكَ مُضْطَرّاً إلى إمهالِكًا
حاشَاك مِن إهمالٍ عَبْدِكَ عندما
واللَّطْخُ من دَمِهِ بصَفْحَةٍ خَالِكًا
أتظنُّ قلبِي لست مطلُوباً به
كم ارتضِي إذلال نفسِي في الهَوَى وأراك مُرْتَكِباً مَدَى إِذْلاَلِكًا
قلت: قافية صعبة.
٣٦٣٠ - ((الأمير ناصر الدِّين القَيْمُرِيّ)) حُسين بن عَزيز بن أبي الفَوارس، الأمير ناصر الدّين
أبو المعالي القَيْمُرِيّ. صاحب المدرسة القَيْمُرِيّة الكبرى التي بسوق الخُرَيْمِيِين. كان من أعظم
الناس وجاهةً وإقطاعاً، وكان بطلاً شجاعاً، وهو الذي مَلَّكَ النّاصِرَ دمشقَ.
٣٠٨)، و((طبقات أعلام الشيعة)) لآغا بزرك الطهراني (٦٤)، والإعلام بوفيات الأعلام)) للذهبي (٢٧٩/١)
-
ترجمة (١٨٥٥) وفيات سنة (٤١٤ هـ)، و((العبر في خبر من غير)) له (٢٢٦/٢) وفيات سنة (٤١٤ هـ)،
و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٢٠٠/٣) وفيات سنة (٤١٤ هـ)، و((مجمع الرجال)) للقهبائي (٢/
٣٨٢)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤٣/٢)، والعُطّارِديّ: بضم العين، وفتح الطاء، وكسر الراء، والدال
المهملات، هذه النسبة إلى (عُطارِد) هو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه. انظر ((الأنساب)) للسمعاني (٤/
٢٠٨)، والغضائري: بفتح الغين والضاد المعجمتين والياء المنقوطة من تحتها باثنتين وفي آخرها الراء، هذه
النسبة إلى الغضارة وهو إناء يؤكل فيه الطعام ونسب جماعة إلى عملها أو واحد من آبائهم. انظر ((الأنساب))
للمعاني (٢٩٩/٤).
٣٦٢٨ - ((الإحاطة في أخبار غرناطة)) لابن الخطيب (٤٨٠/١)، و((الديباج المذهب)) لابن فرحون (١٠٥)، و((حسن
المحاضرة)) للسيوطي (١٩٣/١).
٣٦٣٠ - ((العبر)) للذهبي (٢٨٠/٥)، و((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٣٦٦/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣١٨/٥).

٢٦٢
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
وكان أبوه شمس الدِّين من أجِلاَّء الأُمراء.
وتُوفّي مُرابطاً بالسَّاحِل، سنة خمس وستّين وستمائة.
وكان الظاهر قد أقطعه إقطاعاً جَيّداً، وجعله مُقَدَّم العساكر بالسَّاحِل فمات به، وعُمِل عزاؤُه
بالجامع .
وكان يُضاهي الملوك في مَرْكَبه، وتجمُّله، وغلمانه، وحاشيته، وقيل: إنَّه غَرِم على
السّاعات التي على باب مدرسته، ما يزيد على أربعين ألفَ دِرهم.
٣٦٣١ - ((ابن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما)) الحُسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله
عنهما. رَيْحَانَة رسول الله وَّرَ، وابن ابنته فاطمةَ الزَّهراء رضي الله عنها، وأحد سَيِّدِي شَباب أهل
الجنة، هو وأخوه وأمّه وأبوه وأهلُ البيت، الّذِينَ أذهبَ الله عنهم الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً(١).
حَدَّث عن النبيّ وَّرَ، ووَفَد على معاويةَ رضي الله عنه، وتوجه غازياً إلى القُسطنطينية، في
الجيش الذي كان أميرُه يزيد بن معاوية .
ولد لليالٍ خَلَوْنَ من شعبان، سنة أربع من الهجرة، وقَطَّع النبيّ وَّهِ، سُرَّتَه، وتَفَلَ في فِيه،
وسَمَّاه ((حُسَيْنَا))، ودفعه إلى أمّ الفَضْل، وكانت ترضعه بلبن قُثَمَ.
وقيل: بين الحَسَن والحُسَين طهراً واحداً، وقيل سنة وعشرة أشهر.
وكان عليٍّ سمّاه ((جَعفراً))، وقيل: ((حَرْباً))، فغيّره رسول اللهِ وَله.
وكان الحُسين يشبه النبيّ وََّ، في النصف الأسفل من جسده، والحَسَن رضي الله عنه يشبه
النّصف الأعلى.
وقال رسول الله وَله: (حُسَيْن مِنِّي وأنا من حُسين، أحَبَّ اللَّهَ مَنْ أحَبَّ حُسَيْناً، حُسَيْن سِبْطٌ من
الأَسباط، من أحبَّنِي فَلْيُحِبَّ حُسَينا)). وكان يقول لفاطمة: ((ادْعِي لي ابْنَيَّ)) فيشمّهما ويضمّهما إليه.
وقد مرت الأحاديث التي يشترك هو وأخوه في فضلها في ترجمة أخيه ((الحَسن)) رضي الله
عنهما .
وعن عليّ رضي الله عنه، أنّه قال: ((إنّ ابني هذا سيخرج من هذا الأمرِ، وأَشْبَهُ أَهْلِي بي
الحُسَیْن)).
٣٦٣١ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٣٨١/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٢٤٩/٣)، و((الثقات)) لابن
حبان (٦٨/٣)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١/) ٣٩٢، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٨٦/١)،
و(«الكاشف)» للذهبي (٢٣٢/١)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٢٨٠/٣)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٨/٢)،
و((الإصابة)) لابن حجر (٧٦/٢)، و((تهذيب التهذيب)) له (٣٤٥/٢)، و((تقريب التهذيب))، له (١٧٧/١)،
و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٤٩/٨)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٠/١ - ١٦).
يشير إلى قوله تعالى في سورة [الأحزاب: ٣٣] ﴿يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيراً﴾ .
(١)

٢٦٣
الحُسين بن عليّ بن أبي طالب
وكان الحَسن يقول للحُسين: ((وَدِدْتُ أنّ لي بعضَ شِدَّة قلبك))، فيقول الحسين: ((وأنا
وَدِدْتُ أنْ يكون لي بعضُ ما بُسِطَ لك من لسانك)).
وقال له أبو هريرة: ((لو يعلمُ النّاسُ منك ما أعلم، لحملوكَ على رقابهم)). وكان عَلَى ميسرة
أبيه يوم الجمل. وفيه يقول الشاعر [البسيط]:
مُطهَّرون نَقِيّاتٌ وُجُوهُهُمْ تجرِي الصَّلاة عليهم أينما ذُكِرُوا
وكان النبيّ وََّ، قد أخبر أنّه يُقتلُ بأرض العِراق بالطَّفِّ بكربلاء، وأتاه جبريلُ عليه السّلام
بتربة الأرض التي يقتل بها، فَشَمَّها رسول الله وَّرَ، وأعطاها أُمَّ سلمة وقال لها: ((إذا تَحَوَّلَتْ هذه
التُّربة دماً، فاعلمي أنّ ابني قُتِلَ)). ثم جعلتْ تنظرُ إليها، وتقول: ((إن يوماً تُحَوَّلين دَماً ليومٌ
عظيمٌ)). فقُتل يومَ الجمعة، وقيل يومَ السّبت، يومَ عاشوراء سنة ستّين، أو إحدى وستّين، أو
اثنتين وستين للهجرة، وله ستّ وخمسون سنة.
وكان أهل المدينة قد نصحوه، وقالوا له: («تَثَبَّتْ فإنّ هذا موسمُ الحاجّ، فإذا وصلُوا،
اخْطُبْ في الناس، وادعُهم إلى نفسك، فنبايعُكَ نحن وأهلُ هذا الموسم، ويتذكّر بك الناسُ
جَدَّك، ونمضي حينئذٍ في جُملتهم في جماعة ومَنَعَةٍ وسِلاح وعُدَّة))، فلم يصبرْ، فلمّا كان في
بعض الطّريق، لَقِيَه الفرزدقُ الشّاعِرُ، فقال الحُسين: ((يا أبا فِراس، كيف تركتَ الناسَ وراءك؟))،
فَعَلِمَ عن أيّ شيء يسأله، فقال: ((يا ابنَ بنت رسول الله، تركتُ القُلوبَ معكُمْ، والسُّيوفَ مع بني
أميّة)). فقال: ((هَا إنّها مملوءةٌ كُتُباً))، وأشار إلى حَقِيبة كانت تَحْتَه. ثم كان ما كان.
ورُوِيَ عن أبي سعيد المقبرِيّ، قال: والله لرأيتُ حُسيناً، وإنّه ليمشي بين رجُلَين يعتمد على
هذا مرّةً ومرّةً على هذا، حتّى دخل مسجدَ رسول الله وَلّر، وهو يقول [الخفيف]:
لاَ ذَعَرْتُ السَّوامَ في غَلَسِ الصُبْ ـحِ مُغِيراً ولا دعوتُ يَزِيدًا
يوم أُعْطِي مَخافَة الموت ضَيْماً والمنايَا يَرْصُدْنَنِي أن أحِيدًا
قال: فعلمتُ عند ذلك، أنّه لا يلبثُ إلاّ قليلاً حتى يَخْرُجَ. فما لبث حتى لَحِقٍ بمكَّة لما
أُخِذَتِ البَيْعَة ليزيدَ بنِ معاوية، لم يبايعْهُ الحُسين.
وكان أهلُ الكُوفة كَتُبُوا إلى الحُسين، يدعونه إلى الخروج زَمَنَ معاوية، وهو يأبى، فقدِمَ قومٌ
منهم، ثم غُلِبَ على رأيه، فخرج ومعه من أهل المدينة تسعةَ عشرَ رجلاً، نساء وصبيان، وتبعه
محمّد بن الحَنَفِيّة، وأعلمه أنّ الخروج ليس برأي، فأبى الحُسين، فحَبَس محمّدٌ وَلَدَه.
وخرج من مكّة متوجّهاً إلى العِرَاق في عشر ذي الحجّة، فكتب يزيد إلى عُبيد الله بن زياد،
أنّ حُسيناً صائرٌ إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانُك من بين الأزمان، وبلدُك من بين البُلدان، وعندها
تُعْتَقُ أو تعود عبداً(١) .
(١) انظر في ذلك: ((الكتَّاب والوزراء)) للجهشياري (٣١).

٢٦٤
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
فَتَدَبَ له عُبيدُ الله بن زياد، عُمَرَ بن سعد بن أبي وقّاص، فقاتَلَهم، فقال الحسين: ((يا عُمَرُ،
اختر منّي إحدى ثلاث: إمَّا تتركني أرجع، أو تسيِّرني إلى يَزيدَ، فأضع يدي في يده فيحكم فيَّ ما
يَرَى، فإن أبيتَ فسيّزْنِي إلى التُّرْك فأقاتلُهم حتى أموت)). فأرسل عمر بذلك إلى ابن زياد، فهَمَّ أن
يسيره إلى يزيد، فقال شَمِرُ بن ذي الجَوْشَن: ((لا، أيها الأمير، إلا أن ينزلَ على حُكمك)).
فأرسل إليه؛ فقال الحسين: ((والله لا أفعلُ))، وأبطأ عُمَرُ عن قتاله، فأرسل إليه ابن زياد شَمِراً،
وقال: إن تَقَدَّمَ عُمَرَ وقَاتَلَ وإلاّ فاقْتُلْهُ، وكُن مكانه)).
فقاتلوه إلى أن أصابه سَهْمٌ في حَنَكِه فسقط عن فَرَسِه، فنزل الشّمر، وقيل غيرُه فاحتَزَّ رأسه.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
وقتل معه يومَ عاشُوراء إخوتُه، بنو أبيه: جعفر، وعَتِيق، ومحمد، والعبّاس الأكبر بنو عليّ،
وابنه الأكبر عليّ، وهو غير ((عليّ زين العابدين))، وابنه عبد الله بن الحُسين، وابن أخيه القاسم بن
الحَسَن، ومحمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأخوه عَوْن، وعبد الله، وعبد الرّحمن ابنا
مُسلم بن عَقيل، رضي الله عنهم.
وحُمِل رأسُ الحُسين إلى يزيد، فوضعه في طَسْتٍ بين يديه، وجعل ينكتُ ثناياه بقضيبٍ في
يده، ويقول: ((إنْ كَانَ لحَسَن الثَّغر!))، فقال له زيدُ بن أرقم: «ارفع قَضِيبَكَ، فطالما رأيتُ رسولَ
اللهِ وَِّ يَلْثِمُ موضِعَه))، فقال: ((إنك شيخ قد خَرِفْتَ))، فقام زَيْدٌ يجرُّ ثَوْبَه.
وعن محمد بن سُوقة عن عبد الواحد القُرشيّ، قال: لما أُتِيَ يَزِيدُ برأس الحُسين، تناوله
بقضيب، فِكَشَف عن ثَناياه، فوالله ما البَرَدُ بأبيضَ من ثناياه، ثم قال [الطويل]:
نُفَلْقُ هاماً من رجالٍ أَعِزَّةِ علينا وَهُمْ كانوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
فقال له رجل كان عنده: ((يا هذا، ارفع قضيبَك، فوالله لَرُبَّما رأيتُ هنا شَفَتَيْ
رسولِ اللهِ وَ﴾؟، فرفعه متذَمِّماً عليه مُغضباً.
وذكر ابنُ سَعد أنّ جَسده دُفن حيث قُتِل، وأنّ رأسَه كَفَّنه يزيدُ وأرسَلَه إلى المدينة، فدُفِن
عند قبر فاطمةً رضي الله عنهما.
وقال الشيخ شمس الدّين: ثم عُلِّق الرأسُ - على ما قيل - بدمشق ثلاثةَ أيّام، ثم مكث الرأسُ
في خزائن السّلاح، حتى وَلِيَ سليمانُ الخِلافةَ، فبعث فجِيءَ به، وقد بقي عَظْماً أبيضَ، فجعله في.
سَفَطِ، وَيَّبه وكَفَّنه، ودَفَتَه في مقابر المسلمين. فلمّا دَخَلت المُسَوّدَةُ، نَبَشُوه وأخذوه، والله أعلم
بمكانه الآنَ من ذلك الوقت.
قلت: وبعضهم زعم أنّ الخلفاء الفاطميّين لما كانوا بمصر، تَتَبَّعُوه فوجدُوه في عُلْبة رصاص
بعَسْقَلان، فحملوه إلى مصر، وجعلوه في المكان الذي هو اليوم معروف بمشهد الحُسَين بالقاهرة،
وكان ذلك عندهم في داخل القَصْر يزورُونه. والله أعلم.

٢٦٥
الحُسين بن عليّ بن أبي طالب
وقيل: اسودَّت السَّماءُ يومَ قُتل الحُسين، وسَقَط تُرابٌ أحمر، وكانوا لا يرفعون حجراً إلا
وجدوا تحته دَماً.
وعن عمر بن عبد العزيز : «لو كنتُ في قَتَلة الحُسين وأُمِرتُ بدخول الجنّة، لما فعلتُ حياءَ
أن تقعَ عيني على محمّد)).
ولما قُتل، قالت مَرْجَانَةُ ابنة عُبيد الله بن زياد: ((خبيث! قتلتَ ابنَ رسول الله بَّهِ، لا تَرَى
الجَنَّةَ أبداً».
وقال أعرابي: ((انظروا ابنَ دَعِيِّها، قَتل ابنَ نَبِيّها)).
وعن رأس الجالوت: ((والله، إنّ بيني وبين داودَ سبعين أباً وإنّ اليهودَ لَتَلْقَاني فتعظُّمُني،
وأنتم ليس بينكم وبين نبيّكم، إلا أبّ واحد، قتلتُم وَلَدَه)).
ولما أصبح الحُسين يومَ قُتل، قال: ((اللّهُمّ أنتَ ثِقِتِي في كلّ كَرْب، ورَجَائِي في كلّ شِدّة،
وأنتَ لي في كل أمْرٍ نَزَل بي ثِقَّةٌ، وأنت وَلِيّ كُلّ نِعمة، وصاحب كلّ حَسنة)).
وعَطِش، وقد قاتَل أشدَّ القِتال، فاستسقى فجِيء بماء، فرام الشُّرْبَ، فَرُمِيَ بسهم في فِيه،
فجعل يتلقّى الدَّم بيده ويحمَدُ الله، وقيل: إنه رَمَّى بالدَّم نحوَ السَّماء، وقال: ((أَطْلُبْ بدم ابن بنت
نبيِّك))، وتوجَّه نحو الفُرات، فَعَرَضُوا له، وحالوا بينه وبين الماء - أشار بذلك رجلٌ من بني أبان
ابن دارم - فقال الحسين: ((اللهم أَظْمِتْهُ))، فما لبث الأبانيُّ إلا قليلاً، حتى رُؤي، وإنه ليؤتَى بِعُسِّ
يَرْوِي عِدَّةً فيشربه، فإذا نزعه عن فيه قال: ((اسقُوني، فقد قتلني العَطش))، فانقدّ بطنُه كانقداد
البعير .
وبقي الحُسين رضي الله عنه فريداً، وقد قُتِل جَميع من كانُوا معه من المُقاتِلَة، أهلُه
وغيرُهم، فلم يَجْسُرْ أحدٌ أن يتقدّم إليه، حتّى حرَّضهم شَمر بن ذِي الجَوْشَن، فتقدم إليه مَن
طَعَنَه، ومَنْ ضربه بالسّيف، حتى صُرِع عن جَوَادِهِ، ثم حُزَّ رأسُهُ.
قال الزبير: قتله سِنَان بن أبي أَنس النَّخْعِيّ، وأجهز عليه خَوْلِيّ بن يزيد الأَصبَحِيّ من
حمير.
وعن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله وَّر في المنام، وعلى رأسه ولحيته ترابٌ فقلت: مَا
لَكَ يا رسولُ الله؟ قال: شهدتُ قَتْلَ الحُسينِ آنفاً.
وعن ابن عباس: رأيت رسولَ الله وَّل، فيما يرى النائم، بنصف النّهار أَغْبَرَ أَشعثَ، وبيده
قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: دم الحُسين وأصحابه، لم
أزل منذ اليوم ألتقطه. فأحصى ذلك اليوم، فوجدوه قد قُتل يومئذ.
وقال محمّد بن الحنفيّة: قد قتلوا سبعةَ عشرَ شابّاً كلُّهم قد ارتكضُوا في رَحِم فاطمة، ونجا
ذلك اليومَ من القَتل: الحَسنُ وعَمْرٌو ابنا الحُسين وعليٍّ الأَصغر بن الحُسين، والقاسم بن عبد الله
ابن جعفر، ومحمد الأصغر بن عَقِيل، لِصِغَرهم وضَعفهم.

٢٦٦
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
وقيل: إنّ النبيّ ◌ََّ، رأى في نومه كأنّ كَلْباً أَبْقَع وَلِغَ في دمه، فلما قُتل الحُسين، وكان
شَمِرُ بن ذي الجَوْشَن به وَضَحْ، تفسَّرت رُؤياه.
ويروى لأبي الأسود الدؤلي، وقيل لغيره [الوافر]:
أيرجُو مَغْشَرٌ قَتَلُوا حُسَيْناً شفاعةَ جَدِّه يومَ الحِسابِ
وجَدتُ لبعضهم [الخفيف]:
عبدُ شمسٍ قد أضرمتْ لبني ها شِم حَرْباً يَشِيبُ منها الوَلِيدُ
فابنُ حَرْبٍ للمُصْطَفَى وابنُ مِنْدٍ لِعَلِيٍّ وللحُسين يَزِيدُ
وقال سُليمان بن قَتَّة العَدَوِيّ [الطويل]:
إِلاَ إِنَّ قَتْلَى الطَّفِّ من آل هاشِمٍ أَذَلَّتْ رِقاباً من قُريش فَذَلَّتِ
فقال عبد الله بن حسن بن حَسن: ويحك أَلاَّ قُلْتَ: ((أَذَلَّتْ رِقَابَ المسلمين)) !.
مررت على أبياتٍ آل محمّد فلم أَرَهَا أَمثالَها يوم حَلَّتِ
فلا يُبْعِدُ اللَّهُ الدّيارَ وأهلَها وإن أصبحَتْ منهم بِرَغْمِي تَخَلَّتِ
ألا عَظُمت تلك الرَّزايا وجَلَّتِ
لفقد حُسَين والبلادُ اقشعرَّتِ
وكانوا غِيائاً ثم صاروا رَزِيئة
أَلَم تَرَ أَنّ الأَرْضَ أضحت مريضةً
فإن تتبعُوه عائذ البيت تُصبحوا كعادٍ تَعَمَّت عن هُداها فَضَلَّتِ
وقد رثاه من المتقدمين والمتأخّرين خَلْقٌ لا يُخْصَون، وخَمَّسوا القصائد المشهورة مَرَاثِيَ
فيه؛ ومنهم: ((الحكيم الموفّق)) المعروف (بالوَرَل))؛ خَمَّس: ((الدريدية)) مَرئيةً فيه، و((السّرَاجُ
الوَرَّاق)) خَمَّس قصيدتَيْ أبي تَمّام الطائي مَرثيةً فيه؛ الأولى قوله [الطويل]:
أصمّ بك النّاعِي وإن كان أسْمَعَا وأصبحَ مَغْنَى الجُود بعدكَ بَلْقَعَا
والأخرى قوله [البسيط]:
أيّ القُلوب عليكمْ ليس تَنْصَدِعُ وأيّ نَوْمِ عليكمْ لیس یَمْتَنِعُ
٣٦٣٢ - ((أخو الباقر)) الحُسين بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه،
أخو ((الباقر)). قال النسائي: ((ثقة)). وروى له التّرمذي والنسائيّ. وتوفي في حدود الخمسين
والمائة، رحمه الله تعالى.
٣٦٣٣ - ((الحافظ أبو علي النيسابوريّ)) الحُسين بن عليّ بن يَزيد بن داود بن يَزيد، أبو عليّ
٣٦٣٢ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢/ ٣٨١)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٥٥/٣)، و((الثقات)) لابن
حبان (٢٠٥/٦)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٥٤٤/١)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٤٥/٢)،
و((تقريب التهذيب)) له (١٧٧/١)، و((لسان الميزان)) له (٥٦٥/٢) ترجمة (٢٨٠٣).
٣٦٣٣ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (٣٩٦/٦)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٧١/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي =

٢٦٧
الحُسين بن عليّ بن يَزِيد الكرابيسيّ البغداديّ
النيسابوريّ، الصائغ الحافظ. رَحَل وطَوَّف، وجمع وصنّف. وسمع بدمشق أبا الحسن بن
جُوصًا، وغيره، وإبراهيم بن أبي طالب، وغيره.
قال الحاكم: ((هو واحدُ عصره في الحفظ والإتقان، والورع والذاكرة والتّصنيف)). ولد سنة
سبع وسبعين ومائتين، وتوفّي في جمادى الأولى، سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
٣٦٣٤ - - ((الكَرابيسيّ الشافعيّ)) الحُسين بن عليّ بنِ يَزِيد الكَرابيسيّ البغداديّ. صاحبُ
الشافعيّ رضي الله عنه، وأشهرُهم بانتياب مجلسه، وأحفظُهم لمذهبه. وله تصانيف كثيرة في
(٩٠٢)، و((العبر)) له (٢٨١/١)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٧٦/٣)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير
=
(٢٣٦/١١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٤٣/٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٣٢٤/٣)،
و ((تهذيب ((تاريخ ابن عساكر)» لبدران (٣٤٧/٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٨٠/٢).
٣٦٣٤ - ((الميزان)) للذهبي (٥٤٤/١)، ترجمة (٢٠٣٢)، و((المغني)) له (١٧٣/١) ترجمة (١٥٥٢)، و((تاريخ
الإسلام)) للذهبي وفيات سنة (٢٤٥ هـ) الصفحة (٢٤١) ترجمة (١٥٥)، و((ديوان الضعفاء والمتروكين)) له
أيضاً (٢٠٣/١) ترجمة (٩٩٩)، و((الكامل في ضعفاء الرجال)) لابن عدي (٣٦٥/٢ - ٣٦٧) ترجمة (١٢٦/
٤٩٥)، و ((تاريخ بغداد)» للخطيب (٦٤/٨ - ٦٧) ترجمة (٤١٣٩)، و (سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٧٩/١٢ -
٨٢) ترجمة (٢٣)، و((الفهرست)) لابن النديم الصفحة (٢٣٠ - ٢٣١)، و((طبقات الفقهاء)) للشيرازي الصفحة
(١٠٢)، و((الأنساب)) للسمعاني (٤٢/٥)، و((اللباب)) لابن الأثير (٨٨/٣)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان
(١٣٢/٢ - ١٣٣) ترجمة (١٨١)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٤٥٦/٦ - ٤٥٧ هامش)، و((تهذيب التهذيب))
لابن حجر (٣٤٥٩/٢ - ٣٦٢) ترجمة (٦١٨)، و((تذهيب التهذيب)) للذهبي (١/١٥٨/١)، و((العبر)» له (١/
٣٥٤ _ ٣٥٥)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١١٦/٢ -١٢٧) ترجمة (٢٥)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(٥/١١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٣٢١/٢)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤٤/٢)، و((خلاصة
تذهيب التهذيب)» الخزرجي الصفحة (٨٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (١١٧/٢)، و((الانتقاء))
لابن عبد البر الصفحة (١٠٦)، و((الضعفاء والمتروكين)) لابن الجوزي (٢١٦/١) ترجمة (٩٠٢)، و((الثقات)»
لابن حبان (١٨٩/٨)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (١٤/١٢) ترجمة (١٥٠٩) و (٢٧٣/١٠)، و(«طبقات
الفقهاء الشافعية)) للنووي (٧٤٤/٢)، و((طبقات الفقهاء الشافعية)) للعبادي الصفحة (٢٣)، و((طبقات
الشافعية)) للآسنوي (٢٦/١)، و((طبقات الفقهاء الشافعيين)) لابن كثير (٢٧أ - ب من المخطوطة)، و((طبقات
الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٦٣/١ - ٦٤) ترجمة (٨)، و((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢٨٤/٢)،
و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٥٥/٢)، و((طبقات الشافعية)) لابن هداية الله الصفحة (٢٦)، و((مفتاح السعادة
ومصباح السيادة)) لطاش كبري زادة (١٦١/٢)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٢٧٢/٢)، و((معجم
المؤلفين)) لكحّالة (٣٨/٤)، و((تاريخ ابن أبي عدسة)) (٢٤/٣ مخطوط)، و(«مناقب الشافعي وطبقات
أصحابه من تاريخ الذهبي ((لابن قاضي شهبة (٢/٣٥، ١/٣٦ من المخطوطة)، و((مختصر دول الإسلام))
(١١٦/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٨٩/١)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب الصفحة
(٢٦٥)، و(أدب القاضي)) للماوردي (٩٧/٢، ٣٢٧، ٣٧٨)، و((الكامل)) لابن الأثير (٩٢/٧)، و((دول
الإسلام)» للذهبي (١٤٩/١)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (٤١/٢)؛ و((تاريخ ابن الوردي)» (١/
٢٢٨)، و((المغني في ضبط أسماء الرجال)) لمحمد بن طاهر الهندي (٢١٤)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر
(١٧٨/١) ترجمة (٣٧٨)، و((الإعلام بوفيات الأعلام)) للذهبي (١٧٥/١) ترجمة (١٠٨١)، و((حلية
الأولياء)) لأبي نعيم (٩/ ٧٠، ١٠٣). والكرابيسي: نسبة إلى بيع الكرابيس وهي الثياب، انظر ((لب اللباب))
للسيوطي (٢٠٤/٢) رقم (٣٣٨٤)، و((الأنساب)) للسمعاني (٤٢/٥)، و((اللباب)) لابن الأثير (٨٨/٣).

٢٦٨
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
أصول الفقه وفروعه. وكان متكلّماً، عارفاً بالحديث، وصنّف أيضاً في الجَرْح والتَّعْدِيل، وأخذ
عنه خلق كثير. وتوفّي سنة خمس وقيل: سنة ثمان وأربعين ومائتين.
قال الشيخ شمس الدّين: تكلّم في أحمد بن حنبل. وقال ابن مُعين لَمّا بلغه ذلك: ما
أحوجَه إلى أن يُضْرَب! ولَعَنَه.
وكان يقول: كلام الله مُنْزَلٌ غيرُ مخلوق، إلاّ أن لَفْظِي بالقرآن مخلوق، ومن لم يقلْ إن
لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر.
قال أبو عبد الله: بل هو كافر، أي شيء قالت الجهمية غير ذلك؟
٣٦٣٥ - ((مؤيّد الدِّين الطّغْرائِ)) الحُسين بن عليّ بن محمّد بن عبد الصّمد، العميد، فَخر
الكُتَّاب أبو إسماعيل، مؤيد الدّين الطّغْرَائِيّ- بضم الطاء المهملة، وسكون الغين، وبعد الراء ألف
ممدودة، وياء النسب هذه، نسبة إلى من يكتب الطُّغْرَاء، وهي الطُّرَّة التي في أعلى المَنَاشِير،
والكُتب، فَوق البَسْمَلة - الكاتب المنشىء.
وَلِيَ الكتابة مدة بإربل. وكان وَزيرَ السّلطان مسعود بن محمد السَّلجُوقَيّ بالمَوْصِل.
ولما جَرَى بينه وبين أخيه السُّلطان محمود، المصافُّ بالقرب من هَمَذَان، وكانت النُّصرة
لمحمود، أوّلُ مَنْ أُخِذَ الأستاذ أبو إسماعيل وزيرُ ((مسعود)»، فَأَخْبِرَ به وزيرُ ((محمود)»، وهو:
الكَمالِ نظام الدّين أبو طالب عليّ بن أحمد بن حَرْب السُّمَيْرَمِيّ. قال الشهاب أسعد - وكان
طغرائيّاً في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب: ((هذا الرجل مُلحِد))، يعني الأستاذ، فقال
وزير محمود: ((من يكون ملحداً يقتل))، فَقُتِلَ ظُلْماً. وقد كانوا خافوا منه، فاعتمدوا قَتْلَه.
وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وقيل: إنه قُتل سنة أربعَ عشرةَ، وقيل:
ثماني عشرة، وقد جاوز الستّين.
وقيل: إنّ أخا مَخْدُومه، لما عَزَم على قتله، أَمر أن يُشَدّ إلى شجرة، وأن يقفَ تِجَاهَهُ
جماعةٌ يَرْمُونه بالنُّشّاب، وأوقف إنساناً خلفَ الشّجرة من غير أن يَشْعُر به، ليسمع ما يقول، وقال
لأرباب السّهام: ((لا ترمُوا إلاّ إذا أشرتُ إليكم))، فوقفوا تِجَاهَهُ والسِهامُ بأيديهم مُفَوَّقَةٌ نحوَه،
فأنشد الطغرائي [الكامل]:
نحوِي وأسيافُ المنيَّةِ شُرَّعُ
ولقد أقولُ لمن يسَدِّدُ سهمَهُ
دُونِي وقَلبي دُونه يتقطّعُ
والموتُ في لحظاتٍ أَخْزَرَ طَرْفُه
فيه لغيرِ هَوَى الأَحِبَّةِ مَوْضِعُ
باللَّهِ فَتَشْ عن فُؤادِي هل ترى
عهدُ الحَبيبِ وسِرُّه المُسْتَوْدَعُ
أَهْوِنْ به لو لم يكنْ في طَيْه
٣٦٣٥ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٥٦/١٠)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٨٥/٢)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(١٩٠/١٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٢١٠/٣)، و((العبر)) للذهبي (٣٢/٤)، و ((مرآة الزمان)) لسبط ابن
الجوزي (٩٢/٨)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٤١/٤)، و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٧٦/٢٧).

٢٦٩
الحُسين بن عليّ بن محمّد بن عبد الصّمد
فَرَقَّ له وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت.
ثمٍ إِنّ الوزير عَمِلَ عليه بعد ذلك وقَتَلَه، رحمه الله. ثم وثب على الوزير عَبْدٌ من عبيد مؤيّد
الدّين الطّغرائي، فقتله بعد سنة.
وله القصيدة اللامية المعروفة ((بلامية العجم))، التي أوّلها [البسيط]:
أَصَالَةُ الرّأي صَانَتْنِي عن الخَطَلِ وحِلْيَةُ الفَضلِ زانتني لَدَى العَطَلِ
وهي من غُرر القَصائد، ودُرر الفوائد، لِمَا اشتملت عليه من لُطف الغَزل، واحتوت عليه من
الحِكم والأمثال، وقد وضعتُ عليها شرحاً في أربع مجلدات.
وتَقَوَّى بذهنه الوَقَّاد، حَتَّى حَلَّ رُموز الكِيمياء. وله في ذلك تصانيفُ معتبرةٌ عند أرباب هذا
الفن منها: كتاب: ((مفاتيح الرحمة))، و ((مصابيح الحكمة))، و((جامع الأسرار))، وكتاب: («تراكيب
الأنوار))، ورسالة رسمها ((بذات الفوائد))، و((حقائق الاستشهادات))، يبين فيه إثبات صناعة
الكيمياء، ويردّ على ابن سينا في إبطالها بمقدمات من كتاب ((الشفاء»، وله ((مقاطيع شعر)) في
الكيمياء .
ومن شعره [الطويل]:
ومن عَجَبِ الأَشياء أَنّيَ واقفٌ على الكَنز من يَظْفَرْ به فهو مَبْخُوتُ
وأنّ كُنوز الأرض شرقاً ومَغْرِباً مفاتحُها عندي ويُعْجِزُني القُوتُ
ولولا مُلوك الجَوْر في الأرض أصبحت وحصباؤها دُرِّ لَدَيَّ وياقُوتُ
ومنه [الكامل]:
أَمَّا العُلومُ فقد ظفرتُ ببُغْيَتِي فيها فما أحتاجُ أن أتعلَّمَا
عِلْماً أنار لي البَهِيمَ المُظْلِمَا
ما زال ظَنّاً في الغُيوب مُرَجَّمَا
كشفتْ لِيَ السِّرَّ الخَفِيَّ المُبْهَمَا
من حِكْمتي تَشْفِي القُلوبَ من العَمَى
عُلّمْتُه والعقلُ يَنْهَى عَنْهُمَا
في العالمينَ ولا لبيباً مُعْدِمًا
فمتى أطيقُ تكرُّماً وتَكَلُّماً
وعرفت أسرارَ الخَلِيقة كلِّها
وَوَرِثْتُ هِرْمِسَ سِرَّ حِكمته الذي
وملكتُ مِفتاحَ الكُنوز بفِطنةٍ
لولا الثَّقِيَّةُ كنتُ أُظهر مُعْجِزاً
أَهْوَى التکرُّمَ والتَّظَاهُرَ بالذي
وأُرِيد لا أَلْقَى عَبِيّاً موسراً
والنّاسُ إِمَّا ظالمٌ أو جاهلٌ
ومنه [الطويل]:
سأحجبُ عنّي أُسرتي عند عُسْرَتِي
وأَبْرُزُ فيهم إن أصبتُ ثَرَاءَ
وَلِي أُسْوَةٌ بالبَذْرِ يُنفقُ نُورَهُ فيخفَى إلى أن يستجدَّ ضِيَاءً

٢٧٠
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
قلت: أخذه من قول أبي بكر الخوارزميّ [الطويل]:
رأيتُكَ إن أيسرتَ خَيَّمتَ عندنا لزاماً وإن أعسرتَ زُرت لِمامَا
فما أنت إلا البدرُ إن قَلَّ ضَوْؤُه أغبَّ وإن زاد الضياءُ أَقَامَا
ومن شعره [الطويل]:
وقد عَلِقَتْ بالغَرب أيدي الرَّكائِبِ
وَرَذْنَا سُحيراً بين يوم وليلة
من الصُّبح واسترخى عِنان الغَياهِب
على حِين عَرَّى منكبَ الشرق جَدْبَةٌ
ومنه [الطويل]:
ونفس بأعقاب الخُطوب بَصيرةٌ لها من طِلاعِ الغَيب حادٍ وقائِدُ
إذا هي لم تَشْتَقْ إليها الموارِدُ
وتأنفُ أن يَشْفِي الزُّلالُ غَلِيلَها
ومنه [الكامل]:
إني لأذكركُمْ وقد بَلغ الظّما منِّي فأشرقُ بالزُّلال البارِدِ
وأقولُ ليتَ أَحِبَّتِي عايَثْتُهُمْ قبْلَ المَمَاتِ ولو بيومٍ واحِدٍ
ومنه [الكامل]:
مَرِض النّسيمُ وصَحَّ والّداءُ الذي
أشكُوه لا يُرجَى له إِفْراقُ
وهَدَا خُفوقُ البَرْق والقلبُ الذي ضُمَّتْ عليه جَوَانِجِي خَفَّاقُ
ومنه [البسيط]:
تاللَّهِ ما استحسنتْ من بعد فُرْقَتِكُمْ
إن كان في الأرض شيءٌ غيرُكم حَسَناً
ومنه [الخفيف]:
خَبَّروها أنّي مَرِضتُ فقالت
وأشارُوا بأن تعودَ وِسَادِي
وأتتنِي في خِفية وهي تشكُو
ورأتنِي كَذَا فلم تتمالك
ومنه [المتقارب]:
غُصُون الخِلاف اكتستْ فانبرتْ لها الطَّيْرُ دراسةً شَجْوَهَا
ـع تَشْخَصُ أبصارُنا نَحْوَهَا
فجاءتْ وقد قلبتْ فَرْوَهَا
مقدَّمة لِوُرُودِ الرَّبِيـ
أحَسَّت برحلةٍ فصل الشَّتَاءِ
يشبه قول الآخر [السريع]:
عيني سِواكُمْ ولا استمتعتُ بالنَّظَرِ
فإن حُبُّكُمْ غَطَّى على بَصَرِي
أَضَنىّ طارفاً شَكًا أم تَلِيدَا
فأبتْ وهي تشتهِي أن تَعُودَا
أَلَمَ الوَجْدِ والمزارَ البَعِيدَا
أن أمالتُ عليَّ عِطْفاً وَجِيدَا

٢٧١
الحُسين بن عليّ بن محمّد بن عبد الصّمد
قد أقبل الصيفُ ووَلَّى الشَّتا
أما تَرَى البانَ بأغصانه
وقال الطغرائي في ((الشمعة)) [الكامل]:
يُخبِي بما يَفْنَى به من جِسمه
ساويتُه في لونه ونُحوله
هَبْ أنّه مِثلي بحُرْقَةِ قَلْبِه
أفوادِعْ طولَ النّهارِ مُرَفَّةٌ
قلت: شعر جيّد في الذروة.
وعن قليلٍ نسأمُ الحَرَّا
قد قَلَب الفَرْوَ إلى بَرًّا
فحياتُهُ مرهونةٌ بِفَنائِهِ
وفَضَلْتُه في بُؤسه وشَقائِهِ
وسُهاده طُولَ الدُّجَى وبُكَائِهِ
كمعذَّبِ بصبَاحِهِ ومَسائِهِ
وأما قصيدته اللامية، فلا بأس بإيرادها، وهي [البسيط]:
أصالةُ الرَّأي صانتني عن الخَطَلِ وحِلْية الفَضل زانتني لَدَى العَطَلِ
والشمس رَأْدَ الضُّحَى كالشمس في الطَّفَلِ
مجدِي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ
فيما الإقامةُ بالزّوْرَاء لَا سَكَّنِي
ناءٍ عن الأهل صِفْرُ الرَّحْلِ منفردٌ
فلا صديقٌ إليه مُشتكَى حَزَنِي
طال اغترابِي حتى حنَّ رَاحِلَتِي
وضَجَّ من لَغَبٍ نِضوِي وعَجَّ لِمَا
أريدُ بسطةَ كَفّ أستعينُ بها
والدهرُ يعكس آمالي ويُقْنِعني.
وذي شِطاطِ كصدُ الرُّمح مُعْتَقِلٍ
حُلوِ الفُكاهة مُرِّ الجدّ قد مُزجتْ
طردتُ سَرْحَ الكَرَى عن وِرْد مُقْلَتِهِ
والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرَبٍ
فقلت أدعوك للجُلَّى لتَنْصُرَنِي
تنامُ عيني وعينُ النَّجم ساهِرَةٌ
فهل تُعينُ عَلَى غَيِّ هممتُ به
إني أريد طُرُوقَ الحَيِّ من إِضَمٍ
يَحْمُونَ بالبِيض والسُّمر اللّدَان به
فَسِرْ بِنَا في ظَلام اللّيل مهتدياً
بها ولا نَاقَتِي فيها ولا جَمَلِي
كالسّيف عُرِّيّ مَثْنَاهُ من الخَلَلِ
ولا أنيسٌ إليه مُنْتَهَى جَزَلِي
ورحلُها وقِرَى العَسَّالة الذُّبُلِ
يَلْقَى رِكابي ولَجَّ الرَّكبُ في عَذْلِي
على قضاءٍ حُقوقٍ للعُلا قِبَلي
من الغَنْيمة بعد الكَدِّ بالقَفَلِ
لمثله غيرَ هَيَّابٍ ولا وَكِلٍ
بقسوةِ البأس منه رِقَّةُ الغَزَلِ
والليل أغرى سَوامَ النَّوم بالمُقَلِ
صاحٍ وآخر من خمر الكَرَى ثَمِلٍ
وأنتُ تخذُلُنِي في الحادث الجَلَلِ
وتستحيلُ وصِبْغُ اللّيل لم يَحُلِ
والغَيُّ يزجرُ أحياناً عن الفَشَلِ
وقد حَمَاهُ رُماةٌ الحيّ من ثُعَلٍ
سُمْرَ الغَدَائِرِ حُمْرَ الحَلْىِ والحُلَلِ
فَنَفْحَة الصَّبِّ تهدينا إلى الحِلَلِ

٢٧٢
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
فالحُبّ حيثُ العِدَا والأسد رابضةٌ
نؤُمُّ ناشئةَ بالجِزِعِ قد سُقِيَتْ
قد زاد طِيبَ أحاديثِ الكرام بها
تبيتُ نارُ الهَوَى منهن في حُبِدٍ
يَقْتُلْنَ أنضاءَ حُبُّ لا حَرَاك بها
يُشْفَى لَدِيغُ العَوَالِي في بيوتهمُ
لعلَّ إلمامةً بالجزع ثانيةً
لا أَكرِهُ الطَّعنةَ التّجلاء قد شُفِعَتْ
ولا أَخاف الصِّفاحَ البِيضَ تُسعدني
ولا أُخِلُّ بغزلانٍ تُغَازِلُني
حُبّ السَّلامة يُثْنى حُبَّ صاحبه
فإن جنحتَ إليه فاتّخذْ نَفَقاً
ودَعْ غِمَار العُلاَّ للمُقْدِمِينَ عَلَى
رِضَى الذَّلِيلِ بِخَفْضِ العَيش يَخْفِضُهُ
فادرأ بها في نُحور البِيد جافلةً
إن العلا حَدَّثَتْنِي وَهْيَ صادقةٌ
لو كان في شَرف المَثْوَى بلوغُ مُنىّ
أهبتُ بالحَظِّ لو ناديتُ مستمعاً
لعلَّه إن بَدَ فَضْلِي ونقصُهُمُ
أُعلِّلُ النفسَ بالآمال أرقُبُهَا
لم أرض بالعيش والأيّام مقبلةٌ
غَالَى بنفسِيَ عِرْفَانِي بقيمتها
وعادةُ النَّصل أن يُزْهَى بجوهره
ما كنت أُوثرُ أن يمتد بي زَمَنِي
تقدّمتني أناسٌ كان شَوْطُهُمُ
هذا جزاءٌ امرىء أقرانُه دَرَجُوا
وإِن عَلَنِيَ مَنْ دُوني فلا عَجَبٌ
فاصبر لَها غيرَ مُحتال ولا ضَجِرٍ
حول الكِناس لها غابٌ من الأَسَلِ
نِصالُها بمياه الغُنْجِ والكَحَلِ
ما بالكَرائم من جُبْنٍ ومن بَخَلٍ
خَرَّى ونارُ القِرَى منهم على قُلَلِ
ويَنْحَرُونَ كِرامَ الخَيْلِ والإِبِلِ
بنَهْلَةٍ من غَدِيرِ الخَمرِ والعَسَلِ
يدبُّ منها نسيمُ البُرءِ في عِلَلٍ
برَشْقَةٍ من نِبال الأَعْيُنِ النُّجُلِ
باللَّمح من صَفَحات البِيض في الكِلَلِ
ولو دَهَتْنِي أسودُ الغِيل بالغِيَلِ
عن المَعَالِي ويُغْرِي المَرْءَ بِالكَسَلِ
في الأَرض أو سُلَّماً في الجَوِّ فاعتَزِلِ
رُكوبِهَا واقتنع منهنّ بالبَلَلِ
والعز عند رسيم الأَيْثُقِ الذُّلْلِ
معارضاتٍ مَثَانِي اللُّجْم والجُدُلِ
فيما تحدِّث أنّ العِزَّ في النُّقَلِ
لم تبرح الشّمس يوماً دارةَ الحَمَلِ
والحظُّ عَنِّيَ بالجُهَّال في شُغُلٍ
لعينه نامَ عنهُمْ أو تَتَبَّهَ لِي
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسْحَةُ الأَمَلِ
فكيف أرضى وقد وَلَّتْ على عَجَلٍ
فصنتُها عن رَخيص القَدْر مُبْتَذِلٍ
وليس يعملُ إلاّ فِي يَدَيْ بَطَلٍ
حتى أرى دَوْلَة الأوغادِ والسَّفَلِ
وراء خَطْوِيَ إِذْ أَمْشِي على مَهَلٍ
من قَبله فتمثَّى فُسْحَةَ الأَجَلِ
لي أسوةٌ بانحطاط الشّمس عن زُحَلِ
في حادث الدَّهر ما يُغْنِي عن الحِیَلِ

٢٧٣
الحُسين بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن محمّد بن يُوسف بن بَحر بن بَهْرام
أَعْدَى عَدُوَكَ أدنى من وثِقتَ بِهِ فحاذر النَّاسَ وَأُصحَبْهُمْ عِلَى دَخَلٍ ..
وإنّما رجلُ الدنيا وواختَدُها من لا يعرَّجُ في الدُّنيا على رَجُلٍ
غاض الوَفَاءُ وفاض الغَذرُ وانفرجت
مساقَةُ الخُلف بين القَولِ وَالْعَمَلِ
وحُسْنُ ظَنّك بالأيام مَعْجَزَةٌ فَظُنَّ شَرّاً وكن منها على وَجَلِ
وشانَ صِدْقَك عند الناس كِلْبُهُمْ وَهل يُطَابَقُ مُعْوٌَ بمعتدلِ
إن كان يُنْجَعُ شَيءٌ فِي ثَبَّاتِهِمْ
يَا وَرداً سُؤْرَ عَيْشِ كُلُهُ كَدَرٌ
فيما اعتراضُكِ لُجَّ البحر تركّبُه.
على العهود فسبقُ السيف للعَذَلِ
أنفقتَ عُمْرَك في أيَّامِكَ الأُوَلِ
وأنت يكفيكَ منه مَصَّةَ الِوَشَلِ
مُلكُ القناعة لا يُخْشَّى عليه ولا !. يُحتَاجُ فيه إلى الأنصار والخَوَلِ
ترجو البقاء بدارٍ لا بَقَاء لها
فهل سمعتُ بظِلٌ غير مُنْتَقِلِ
ويا خَبِيراً على الأَسِرارِ مُطَّلِعاً أُضْمُتْ فِفَي الصَّمْتِ منجاةٌ من الزَّلْلِ
قد رشحوك لأمر إن فظنت لله قارباً بنفسكَ أنْ تَرْعَى مع الهَمَلِ
٣٦٣٦ - ((ابن الخازن الكاتب)) الحُسين بن عليّ بن الحُسِين، أبو الفوارِس المعروف بابن الخازِن
الكاتب. كان فريدَ عصره في الكتابة . كتب خمسمائة مصحف ما بين رَبْعَةٍ وجامع، خلا ما كَتَبَهُ من
كُتب الأدب. وخَطّه مشهور. وكتب من «الأغاني)) ثلاث نسخ. وتوفي فُجَاءَةً سنة اثنتين وخمسمائة.
وله شعر منه [المديد]:
وَأستراح الزَّاهِدُ الفَطِنُ
عَنْتِ الدُّنيا لطُلأَّبها
حَسْبُهِ مِمّا حَوَى كَفَنُ
كلُّ مِلْكِ نِاِلِ زُخْرُفَهَا.
في كلا الحالين مُفْتَتّنُ
الأيقُنِي مَالاً وَيَرَكُه
أَمَلِي كُونِي على ثِقَة من لقاءِ اللهِ مُرْتَـهَنُ
أكترهُ الدّنيا وكيلفِ بها والذي تَسْجُو بِه وَسَنُ
فلماَذَا الْهُمْ وِالحَزِّنُ(١)
ومفصل
لم تَدُمْ قَبْلِي عَلَى أَحَدٍ
قلت: شعر مقبول عام٢ ١٠
٣٦٣٧ - ((الوزير المغربيَّ)) الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن محمّد بن يُوسف بن بحر
١٨
٣٦٣٦ - ((الكامل)) لابن الأثير (١٧٠/١٢)، و«البداية والنهاية)» لابن كثير (١٧٠/١٢)، و«وفيات الأعيان)» لابن
٦
خلكان (١٩١/٢)، و(الروضتين)) لأبي شامة (١٩/١).٥) تافتحها الجفاء٠ ٢ معينة:١٠١٦٠\٣)
(١):") الأبيات السنة في وفيات الأعيان (١٩٨/٢٠) :... ( طعضما (٠٠ ٢ \٣٣ -٦٠١٨٨) وحدة علة
٣٦٣٧ - ((المنتظم في تاريخ الملوك والأمنم)) لابن الجوزي (٦١٨٥/١٥ ١٨٧) رقم (٣٠١٥٠)، و«تاريخ الإسلام» =

٢٧٤
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
بن بَهْرام بن المَرْزُبان بن مَاهَان، ينتهي إلى بَهْرَام جُور، المعروف بأبي القاسم، الوزير المغربي.
وهارون بن عبد العزيز الأَوارِجِيّ، الذي مَدَحَه المتنبّي بالقصيدة التي أوّلها: [الكامل]:
أَمِنَ ازديارَكِ في الدُّجَى الرُّقباءُ إذ حيثُ كنتِ مِن الظَّلامِ ضِياءُ
هو خالُ أبيه.
كان كاتباً ناظماً ناثراً فاضلاً، ساق صاحبُ الذخيرة له رسالةً، سأل فيها مسائلَ تَدُلُّ على
وُفُورِ فَضْلِه. ووجد بخط والده على ظهر ((مختصر إصلاح المنطق)) الذي اختصره ولده الوزير أبو
القاسم: ((وُلِدَ سَلَّمه الله، وبلَّغه مبالغَ الصّالحين، أوّلَ وقت طُلوع الفجر، من ليلةٍ صَبَاحُهَا يَوْمُ
الأحد، الثالث عشر من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمائة، وأَسْتَظْهَرَ القرآنَ العزيز، وعدّةً من
الكُتب المجرّدة في النحو واللغة، ونحوَ خمسةَ عشرَ ألفَ بيتٍ من مختار الشّعر القديم، ونَظَم
الشّعر، وتصرَّف في النَّثر، وبلغ من الخَطّ إلى ما يَقْصُر عنه نُظراؤُه، ومن حساب المَوْلِد والجَبْر
والمُقَابلة إلى ما يستقلَّ بدونه الكاتب، وذلك قبل استكماله أربع عشرة سنة، واختصر هذا الكتاب
للذهبي وفيات (٤١٨ هـ) الصفحة (٤٤٠ - ٤٤٥) رقم (٣٢٤)، و((تاريخ حلب)) للعظيمي الصفحة (٣٢٨)،
==
و((رجال النجاشي)) تحقيق النائيني (١٩١/١ -١٩٢) رقم (١٦٥)، و((دمية القصر)) للباخرزي (١١٥/١ -
١٢٠)، و((الإشارة إلى من نال الوزارة)) لابن منجب الصفحة (٤٧)، و((الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة))
لابن بسام (ق ٤ مجلد ٤٧٥/٢ - ٥١٥ من المخطوطة)، و(تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران (٣١٢/٤ - ٣١٤)،
و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (١١٢/٧ - ١١٤) رقم (١٢٣)، و((معجم البلدان)) لياقوت الحموي
(١٧٧/٥)، و(معجم الأدباء)) له أيضاً (٧٩/١٠ - ٩٠)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٣٢١/٩،
٣٣١، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٤٩، ٣٦٢) و(١٨/١٠)، و((بغية الطلب في تاريخ حلب)) لابن العديم (١٤/٥ -
٣٠) من المخطوطة و(١١١ - ١١٢) من طبعة أنقرة في ترجمة (حسن بن أسد الفارقي)، و((بدائع البدائه))
لابن ظافر الأزدي (٣٦٠ - ٣٦١) رقم (٤٢٥)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٧٢/٢ - ١٧٧) رقم
(١٩٣)، و((رجال الحلي)) الصفحة (٥٣) رقم (٢٩)، و((معجم رجال الحديث)) للخوئي (٤٤/٦) رقم
(٣٥٢١)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (١٥٥/٢)، و((تتمة يتيمة الدهر" للثعالبي (٣٤/١)،
و(سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٩٤/١٧ - ٣٩٦) رقم (٢٥٧)، و«تتمة المختصر في أخبار البشر)» لابن
الوردي (٥٠٧/١)، و((العبر في خبر من غبر)) للذهبي (٢٣٥/٢)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٩/١٢)،
و((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٢/٣ - ٣٣)، و((إعتاب الكتاب)) لابن الأبار الصفحة (٢٠٦)، و((الدرة المضية في
أخبار الدولة الفاطمية)) لابن أيبك (٣٠٩/٦ - ٣١٢)، و((فحول البلاغة)) الصفحة (١٨٩)، و((إتعاظ الحنفا))
للمقريزي (٨٢/٢، ١٥٠)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٦٦/٤)، و((شذرات الذهب)» لابن
العماد الحنبلي (٢١٠/٣)، و((مجمع الرجال)) للقهبائي (١٨٩/٢)، و((طبقات أعلام الشيعة)) للطهراني
(النابس في القرن الخامس) الصفحة (٦٥)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٠٨، ١٢٩، ٢١١، ٨١٤،
١٤٤١، ١٥٧٣)، و((روضات الجنات)) للخوانساري (٢٤١)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٤٩/١، ١٧
و٣٠٤/٢، ٣١٥، ٤٣٠، ٥٦٧)، و((تنقيح المقال)) للمامقاني (٣٣٨/١)، و((أعيان الشيعة)) لمحسن الأمين
(١١١/٦)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (٣٠/٤)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤٥/٢)، و((عيون التواريخ)) لابن
شاكر الكتبي (٨٩/١٣ -٢/٩٣ من المخطوطة). و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٥٥/١) رقم (١٤٩)،
و((المقفى)) للمقريزي (ورقة (٣٩٠) من المخطوطة، و((تاريخ مدينة دمشق)) لابن عساكر (٩/٥).

٢٧٥
الحُسين بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن محمّد بن يُوسف بن بَحر بن بَهْرام
فَتَنَاهَى في اختصاره، وأَوْفَى على جميع فوائده، حتّى لم يَفُتْهُ شيءٌ من ألفاظه، وغيّر مِنْ أبوابه ما
أوجبَ التَّدبيرُ تَغْيِيرَه للحاجة إلى الاختصار، وجَمَعَ كُلَّ نوع إلى ما يليقُ به. ثم ذكرتُ له نَظْمَهُ
بعد اختصاره؛ فابتدأ به، وعَمِل منه عِدَّةَ أوراقٍ في ليلة، وكان جَمِيعُ ذلك قبل استكماله سبع
عشرة سنة، وأرغبُ إلى الله في بقائه ودَوَام سلامته)). انتهى.
وكان الوزير المغربيّ خبيثَ الباطن، شديد الحَسَد على الفضائل، وكان إذا دخل إليه
النَّحْوِيّ، سأله عن الفِقه، وإذا دخل إليه الفَقِيه، سأله عن النّحو، وإذا دخل إليه الشاعر، سأله عن
القرآن قصداً للتّبْكِيت.
وقال فيه بعض الشعراء [المجتث]:
وَيلّ وعَوْلٌ ووَيِْهِ لدولة ابن بُوَيْهِ
سياسة المُلْكِ ليست ما جاء عن سِيبَوَيْهِ
وكان الوزير المذكور من الدُّهاة العَارِفين، ولما قَتَّل «الحَاكِمُ)) أباه وعَمَّه وإخْوَتَه، هرب
الوزيرُ، ووصل إلى ((الرَّمْلَة)) واجتمع بحَسَّان بن مُفَرّج بنِ دَغْفَل صاحبها، وأفسد نِيَّتَه ونِيَّة جماعتِهِ
على ((الحَاكِم))، وتَوَجَّه إلى الحجاز، وأطمع صاحبَ مكّة في ((الحاكم)) ومملكةِ الدّيار المصرية،
وعمل في ذلك عَمَلاً قَلِقَ ((الحاكمُ)) بسببه، ولم يزل ((الحاكم) يعمل الحِيَلَ إلى أن استمال هؤلاء،
فقصد الوزيرُ العراقَ هارباً من الحاكم، وقصد فَخْرَ المُلْك أبا غالب بنَ خَلَفِ الوزير، فرفع خَبَرَه
إلى الإمام ((القادر))، فاتَّهمه أنّه ورد لإفساد دَوْلَتِهِ، وراسل فَخْرَ المُلْك في إبعاده، فاعتذر عنه فَخْرُ
المُلْك، وقام في أمره، وانحدر فَخْرُ المُلْك إلى وَاسِط، وأخذ الوزير أبا القاسم معه، ولم يَزَلْ
عنده في رعايةٍ وكَرَامَة، إلى أن تُوُفّي فَخْرُ المُلْك مقتولاً .
وشرع الوَزيرُ في استعطاف قلب الإمام القَادِر، حتى صَلَح له بعضَ الصَّلاح، وعاد إلى بغداد
قليلاً، فاتَّفق موتٌ كاتب ((أبي المَنِيع قِرْوَاش))، فتقلّد الوزيرُ موضِعَه.
وشرع يسعى في وزارة الملك مُشَرّف الدولة البُوَيْهِيّ، فلما قُبِض على الوزير مُؤَيّد المُلْك
أبي عليّ، كوتب الوزيرُ أبو القاسم بالحضور من المَوْصِل إلى الحضرة، وقُلّد الوزارة من غير
خِلَعٍ، ولا لَقَبٍ ولا مُفارقة الدُرَّاعَةِ.
وأقام كذلك حتى خرج مُشَرّف الدولة من بغداد، فخرج معه، وقَصَدًا («أبا سنان غريبَ بن
محمّد بن مَعْن))، ونزلا عليه وأقاما بأَوَانا، وبَيْنَا هو كذلك، عَرَضَ له إشفاقٌ من مَخْدُومِه مُشَرّف
الدّولة، ففارقه وانتقل إلى «أبي المَنِيع قِرْوَاش))، وأقام عنده.
ثم تجدَّدَ من سُوء رأي الإمام القادر فيه، فكتب إلى ((قرواشٍ)) بإبعاده، فقصد ((أبا نصر بن
مروان)) بميَّفارِقين، وأقام عنده إلى أن توفّ ثالث عشر شهر رمضان، سنة ثماني عشرة وأربعمائة،
وحُمِل إلى الكُوفة بوصيَّةٍ منه، ودُفن بها في تُربة تُجاوِرُ مَشْهَدَ الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله
عنه، وأوصى أن يُكتب على قبره [الخفيف]:

٢٧٦
- الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
لهم:كنتُ فِي سَفْرَةِ الغَوَايَةِ وَالِجَهْـلِ مُقيماً فِجَانِ مِنّي قُدُومُ ..
من تُبْتُ من كلّ مأثُمْ فَعَشَى يُمْ حَى بَهَذا الْحَديثِ ذاكَ القَدِيمُ
بعد خمس وأربعين لَقَدْمَا طَلْتُ إلاّ أنّ العَرِيمُ كَرِيمٌ:
وقيل: إنّه لم يكن مغربيَّ الأصل، وإنّما أحدُ أجداده، وهو الحُسيْنَ بن عليّ بن محمَّد،
كانت له ولاية في الجانب الغربيّ ببغداد، وليس ذلك بشيء؛ فإنه قال في ((أدبّ الخَوَاصُ﴾، وقد
ذكر ((المتنبي)): ((وإخواننا المغاربة يسمُونِه المُتَنَبِه)).
وله ((ديوان شعر)) و((ديوان ترسل)) و((اختصار إصلاح المنطق))، و((اختصار الأغاني))،
وكتاب ((الإيناس))، و((أدب الخواص))، و((المأثور في مُلحَ الخُدُور))، و((تفسير القرآن))، في
مجلد، وغير ذلك، ورأيت ((السيرة النبويّة))، بخطّه في أجزاءٍ صغار، وهي كتابةٌ مليحةٌ صحيحة.
وإليه كتب أبوِ العَلَاَءِ المَعَرّي ((رِسالَتهِ الإغريضية))، التي أولها: ((السَّلامُ عليكِ أيتها الحكمة
المَغْرِبِيَّةِ)). ونَفَّذِ الوزير المغربي إلى أبي العَلَاءِ المَعَرِّي قصيدةً؛ وكان من جملةٍ ما كَتَب في
تَقْريظها: ((والله لولا أن يقالَ غاليت؛ لكتبتُ تحت كل بيت ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣].
ومن شعره [الكامل]:
لِي كُلَّما ابتسمَ النهارُ تَعِلَّةٌ بمحدّثٍ ما شَانُ قلبي شَانُهُ
فهناك يَذْرِي الهَمّ أينَ مكانُهُ
فإذا الدُّجَی وافَى وأقبل جُنْحُه
ومنه [الطويل]:
أقولُ لها والعِيسُ تُخْدَجُ للسُّرَى أَعدّي لِفَقْدِي ما استطعتٍ من الصَّبْرِ
على طَلَبِ العَلْيَّاءِ أو طَلَّبِ الأَجْرِ
سأُنْفِقُ رَيْعَانَ الشَّبِيبَة آنفاً
تَمُرُ بِلا نَفْع وتُحْسَبُ مِنْ عُمْرِي
أليس من الخُسرانِ أَنَّ لَيَالياً.
ومنه [الطويل]:
٤٤
٠٠٠
أرى النَّاسَ في الدُّنْيا كَرَاع تنِكِّرتْ مَرَاعِيهِ حِتِى لَيْسَ فِيهِنَّ مَّرْتَعُ
فماءٌ بلا مَرْعىّ ومَرْعىّ بغير ما وحيثُ تَرَى ماءً وَمَوَعَى فَبِمَسْبَعُ هِلْهَ
سري علينا دوينة ويضاريف شلالا ولقل
ومنه [مجزوء الكامل]:
إنّي أبتُكَ عن خَدِي هِي والحديثُ لهِ شُجُونٌ ..
لَيْلاَ فِفارقَنِي السُّكُّونَ
غَيَّرْتُ مَوْضِعَ مَرْقَدِي
قُل لِيُّ فَأَوَّلُ ليلةٍ فِي القَبر كيف تُرَى أَكُونْ
رجال
ومنه [الخفيف]:
حَلَقُوا شَعره ليكسُوهِ قُبْحَاً غَيْرَةً مِنْهِمِ عِلِيهِ وَشُحَا

٢٧٧
الحُسين بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن محمّد بن يُوسف بن بَحر بن بَهْرام
كان صُبْحاً عِلاه ليلٌ بَهِيمٌ فَمَحَوْا لَيْلَهُ وأَبْقَوْهُ صُبْحَا
قلت: وأحسن من هذا قول يَأُول الكاتب، لولا ثِقَل القافية بالهمزة [الكامل]:
فازداد وجهُك بهجةً وضياءً
حَلَقُوكِ تقبيحاً لحُسنك رغبةً
كالخَمْرِ فُكَّ ختامُها فتشعشعت كالشَّمْعِ قُطَّ ذِبالُه فأضَاءَ
ومنه [الوافر]:
غزالٌ حُبُّه للصَّبْرِ غَرْبٌ ولكنْ وجهُه للحُسنِ شَرْقُ
وقلتُ له تُرَى لي فيك رِزْقُ
ولا قَدْرِي لِقَدْرِك فِيه وَفْقُ
من الدُّنيا الذي لا يَسْتَحِقُّ
رددتُ وقد تبسَّم عنه طَرْفِي
سأَرْجُو الوَصْلَ لا أَنْي جَدِيرٌ
ولكنْ لستُ أوَّلَ من تَمَنَّى
ومنه في غلام يسبح [مجزوء الكامل]:
عُلّمْتُ منطقَ حَاجِبَيْهِ
ولقد أَراه في الخَلِيـ
والنَّهِرُ مثلُ السَّيف وَهْـ
لا تشربُوا من مـائِـهِ
قد دَبَّ فِيه السّخْرُ مِنْ
هَا قَدْ رَضِيتُ من الحَيَا
ومنه [الهزج]:
والبَيْنُ يَنْشُرُ رَايَتَيْهِ
ـج يشقُّه من جَانِبَيْهِ
وَ فِرِنْدُهُ فِي صَفْحَتَيْهِ
أبداً ولا تَرِدُوا عَلَيْهِ
أجفانِهِ أَو مُقْلَتَيْهِ
ةِ بنظرةٍ مِنّي إلَيْهِ
كسانِي الحُبُّ ثوباً من نُحولٍ مُسْبَل الذَّيْلِ
من الدَّمْعِ سوَى لَيْلِي
فإن صحّ فَوَا وَيْلِي
وما يعلَمُ ما أُخْفِي
وقد أُرْجِفَ بالبَيْنِ
ومنه [المنسرح]:
قارعَتِ الأيام منّي امْرءاً قد عَلِقُ المَجْدُ بِأَمْرَاسِهِ
ويستدِرُّ العِزَّ من بَاسِهِ
والسّيفُ مَسْلُولٌ على رَاسِهِ
يستنزل الرِّزْقَ بأقْدَامِهِ
أَرَوَعُ لا ينحَطُّ عن قَدْرِهِ
ومنه [الطويل]:
أيا أُمَّتَا إنْ غالني غَائِلُ الرَّدَى فلا تَجْزَعِي بل أَحْسِنِي بَعْدِيَ الصَّبْرَا
فِعَالِيَ واستوفَتْ مَنَاقِبِيَ الفَخْرَا
فَمَا مُتُّ حتى شِيَّد المَجْدُ والعُلا
وحتى شَفَيْتُ النَّفْسَ من كُلِّ حاسِدٍ وأبقيتُ في أعقابِ أولادِكِ الذِّكْرَا

٢٧٨
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
ووُلِدَ للوزير أبي القاسم وَلَدَهُ ((أبو يحيى عبد الحميد))؛ فكتب إليه ((أبو عبد الله محمد))
صاحب ديوان الجيش بمصر [مخلع البسيط]:
يُذْرِكُه العَالِمُ الذِّكِيُّ
قد أطلعَ الفَأْلُ منه مَعْنىّ
فقلتُ جَدُّ الفَتَى عَلِيُّ
رأيتُ جَدَّ الفَتَى عَلِيّاً
٣٦٣٨ - ((سعد الدين بن شَبِيب)) الحُسين بن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد بن بكر بن شَبِيب
الطّيبِيّ. أبو عبد الله الكاتب، سَعد الدّين. كان من الأعيان الفُضلاء، المشهورين بالأدب وكمال
الظرف. اختَصَّ بخدمة الإمام المُسْتَنْجِد بالله وقُرْبِهِ ومُنادمتِه.
وَلِيَ الإشراف بالمخزن أيّامَ المُستضيء، ولَمّا عُزِل ((ابنُ العَطَّار)) عن نظر المَخْزَن، تولى
سَعد الدّين مكانَه، أيام النّاصر سنة خمس وسبعين، ثم عُزِل في سَنته.
دخل على ((المستنجد)) يوماً فقال له: ((أينَ شَتِيت؟))، فقال له: ((عِنْدَكَ يا أميرَ المؤمنين)).
فأَعْجَبَهُ هذ التّصحیف منه.
وذكره العماد الكاتب في: ((الخريدة))؛ فقال: ((ابنُ شَبيبٍ، حُلُوُ التَّشبِيب، رقيقُ نَسِيم
النَّسِیب)).
وقال ابن شبيب في المستنجد [البسيط]:
من نّابَ بعدَ رسُولِ اللَّه أو خَلَفَا
أنتَ الإمامُ الذي يَحْكِي بسيرَتِهِ
إِنُ عُدّدَتْ بحُروف الجُمَّلِ الخُلَفَا
أصبحتَ لُبَّ بني العبّاس كُلّهِمُ
((المستنجد)) هو الثاني والثلاثون من الخلفاء، و((لُبُّ)) جُمَّلُ حُروفها: اثنان وثلاثون.
ولد ابن شبيب سنة خمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة مَعْرُوف
الگزخِيّ.
ومن شعر ابن شبيب [الطويل]:
يَدُ الذَّهر حتى دبَّ في عاجِهِ الثَّمْلُ
وأغيدَ لم تَسْمَخْ لنا بوِصالِهِ
ولم أَرَ إنساناً تمثَّى العَمَى قَبْل
تمثَّيْتُ لمّا اختط فقدانَ ناظِرِي
خَيَالِي وفي عَيْنِي لمنظره شَكْلُ
لِيَبْقَى عَلَى مَرِّ الزَّمانِ خَيَالُه
ومنه [الطويل]:
سَرَى والدُّجَى تُصْبِي غَدَائِرُهُ الجُونُ
نسيمٌ على سِرِّ الأَحِبَّة مأمونُ
نَشَاوَى فقد كادت تَمِيد المَیادِینُ
فراحَتْ قُدودُ البانِ من سُكْرٍ رَاحِهِ
٣٦٣٨ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٧٦/١)، و((خريدة القصر)) للعماد (قسم شعراء العراق) (١/ ١٨٧)،
و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٢٦/١٠).

٢٧٩
الحُسين بن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد بن بكر بن شَبِيب الطَّبِيّ
وشَقّ له وَرْدُ الشَّقائِقِ جَيْبَهُ
وغَنَّتْ له الوَرْقَاءُ بين مُوَرّقٍ
فَبَلَّغَ من سِرّ الثَّحايا لَطَائِماً
تَهَادَى به طَيْفُ البَخِيلَة وآهْتَدَی
عليه من الظَّلماءِ رَيْطٌ مُمَسَّكٌ
وما استيقظ الواشُون إلا بنّشْرِهِ
وعَرِّجَ عنّا يجعلُ اللَّيلَ مَرْكَباً
صَباً أذكرتْ عَهْدَ الصّبًا وصَبَابَتِي
سَرَى حيث لا تَسْرِي الشّمُولُ ودُونَهُ
وبحر الهَوَى حامي الغوارِبِ مُزْبِدٌ
مَشارِعُ للعُشّاق فيها مَنَاسِكٌ
صَحا القَلْب إلاّ عن هَواهًا فإنني
إذا جَنَّ لَيْلِي جُنَّ حُبّي صبابةٌ
وقد ظنَّ خالٍ من جَوَى الحُبّ أنّما
لعمرُك كم للعامريَّات مَنْ به
وكم لأمير المؤمنين صَنَائِعٌ
ومنه [المتقارب]:
من الوَجْد وارتاحتْ إليه الرَّياحِينُ
تُجاوِبُها من جَانِبَيه الوَرَاشِينُ
فهاج غراماً بالأضالع مَكْنُونُ
ومِن دُوننا البَيْنُ المُشِثِّ أو الچِينُ
وفي جِيده من لُؤلؤ الطَّلّ مَوْضُونُ
فقالوا وما قالوه حَذْسٌ وتَحْمِينُ
له وقُمَيْر الفجر في الشّرق عُرْجُونُ
بأسماءَ إذْ دارُ الأَحبَّةِ دَارِينُ
هَوىّ دافنٌ بين الجوانح مَدْفُونُ
مَخُوفٌ وفُلْكِي بالصَّبابة مَشْحُونُ
لدِين التَّصابِي والتُّفُوسُ قَرَابِينُ
بها بعدَ هِجْرَانِ الغَوَايَةِ مَفْتُونُ
بهم وليالي العاشقينَ بحارِينُ
يُخَصُّ به الماضُون قَيْسٌ ومَيْمُونُ
جُنون وكم للدّارِمِيّات مِسكِينُ
هي الرَّمْلُ ما ضَمَّتِ زَرُودُ وَيَبْرِينُ
إذا حلَّ تِشْرِينُ فاخلُلْ (أَوَانَا)) فإنّ لِكُلّ سُرورٍ أَوَانًا
فهذا الربيع ضَفَا ظِلُهُ وَرَقَّ النسيمُ سُحَيْراً وَلاَنَا
منها [المتقارب]:
وبان الوَقَارُ عليها وآَنَا
وقد سَكَّنَتْ نَزَواتُ العُقَارِ
وصهباءَ لم تَبْتَذِلْها اليَهُودُ
تأنَّق في عَصْرِهَا المسلمونَ
فمازجَ نَشْوَتَها عِزَّةٌ
فقد حَزَّموها لأنّ الوَضِيـ
ونَذْبٍ نَدَبْنَا لتحصِيلها
فجاء بها عَطِرٌ نشْرُها
ولا دَوَّسَتْهَا النَّصارى أَمْتِهَانَا
بأيمانِهِمْ يملؤون الدِّنَانَا
فصَالت على العَقلِ حتّى أَسْتَكَانًا
ـحَ من جَهله بالشّريف آسْتَهانًا
فما جَشَرِ الصُبح حتّى أَتَانًا
فأهدت عن السَّفْحِ رَنْدا وبَانَا
وقُمنا نُقَبّلُ تِيجانَها ونشكرُ من باعها واشْتَرَانًا

٢٨٠
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
أهَنَّا الكَرَائمَ في مَهْرِها ولن يُكْرَم المرءُ حتّى يُهَانَا
غزالٌ إذا صَدَق الوَعْدُ مَانَا
وطاف بها وبَضَّراتِها
نَهاراً وما جُبْتَ عنها الصّوَانًا
فما دُرَّةٌ شَدَخَتْ بالضّياءِ
لَدَيْها وأَسْجَدَتِ المَرْزُبَانَا
تراءَتْ فكفَّر غَوَّاصُها
بأحسَنَ ممّن أدار المُدامَ فوَرَّسَتِ الكأسُ منه البِّنَانَا
قلت: شعر جيّد، وقوله ((فمازج نَشْوَتَها عِزَّة ... البيتين))، يشبه قولَ الحَیْص بَیْص
[الخفيف]:
لا تَضَع من عَظِيم قَدْرٍ وإن كُثْ ـت مُشاراً إليه بالتَّعْظِيمِ
فالشَّرِيفُ الرَّفِيعُ يَسْقُط قَدْراً بالتَّجَرّي عَلَى الشَّرِيف العَظِيمِ
وَلَعُ الخمر بالعقول رَمَى الخَمْ رَ بِتَنْجِيسِها وبالتَّخْرِيمِ
وكان مِقْداماً على حلّ الأَلغاز، لا يكاد يَتَوَقَّف عما يُسْأَلُ عنه، فتفاوَضَ أبو غالب بن
الحُصَين، هو وأبو منصور محمد بن سُليمان بن قتلمش، الذي تقدَّم ذِكْرُه في المحمّدِين، في أمر
ابن شبيب هذا وما هو عليه من حَلّ اللَّغز؛ فقال أبو منصور: تعالَ حتّى نعملَ لُغْزاً مُحَالاً، ونسأله
عنه؛ ونظم أبو منصور [الوافر]:
وما شيءٌ له في الرَّأسِ رِجْلٌ ومَوْضِعُ وَجْهِهِ مِنْهُ قَفَاهُ
وإن فَتَّحْتَ عينَكَ لا تَرَاهُ
إذا غَمَّضْتَ عينَكَ أبْصَرَتْهُ
ونظم أيضاً [الهزج]:
وجارٍ وهو تَيَّارُ ضَعِيفُ العَقْلِ خَوَّارُ
بلا لَخم ولا رِيشِ ولكِنْ هُوَ طَيَّارُ
بطبع باردٍ جدّاً ولكن كُلُّه نَارُ
وأنفذ اللُّغْزَين إليه، فكتب على الأول: هو ((طَيْف الخيال))، وكتب على الثاني: هو
(الزئبق)). فجاء إليه، وقالا له: «هَبِ اللُّغْزَ الأوّل هو طَيْف الخيال، والبيتُ الثاني يساعدُك عليه،
فكيف تعمل في الأول؟))، فقال: ((لأنّ المنامات تُفَسَّر بالعكس؛ لأن مَنْ بَكَى يُفَسَّر له بالضَّحِك،
ومن مات فُسّر له بطُول العُمر)». وفَسَّرَ اللُّغز الثاني، فقال: («أبو منصور تَكَلَّمَ عليه كلاماً شَذَّ
عَنّي)).
قلت: قوله: ولكن هو طَيّار؛ أربابُ صناعة الكيمياء يرمزون للزئبق بالطَّيّار، والفَرّار،
والآبِق، وما أشبه ذلك مما يُناسب صِفَتَه، وأما بَرْدُه فظاهر، ولإفراط برده ثَقُلَ جِرْمُهُ، وكُلُّه نارُ
لِسُرعة حَرَكته وتشكُّله في أَفْتِرَاقِهِ وَالْتِتَامِهِ كألْسِنَة النَّار، وعلى كلّ حال ففي ذلك تسامح، يجوز في
مثل هذه الأشياء الباطلة، إذا نَزَلَت على الحقائق.