Indexed OCR Text
Pages 1-20
ا كُتَابٌ الوَافِى الوفيات تأليف صَلاَحُ الدّين خليل بن أيبك الصَّفَدي ٧٦٤٢ اخر السادس (إبراهيم بن سَهْل - أحمد بن طولوت) طالعه يحيى بن حجى الشافعي ابن أبيك الصفدي تمثله أحمد بن مسعود تَقِيق وَاعْتِناء أحمد الأرناؤوط تركي مصطفى دَارَ إجمَاءُ الزّار العربي بيروت - لبنان حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٠ هـ-٠٠ ٢٠٠٠٠ م الطبعة الأولى دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI Publishing & Distributing بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣ ص.ب: ١١/٧٩٥٧ Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11 كُتَابُ الوَافِى الْوَفِيَاءُ ٦ > ٥ إبراهيم بن سهل الإسرائيلي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ (إبراهيم بن سهل - أحمد بن طولون) ٣٨٧ - ((الإشبيلي الإسرائيلي)) إبراهيم بن سهل الإسرائيلي، قال ابن الأبار في ((تحفة القادم))(١): كان من الأدباء الأذكياء الشعراء، مات غريقاً مع ابن خلاص والي سَبتة في الغراب(٢) الذي غرق بهم في قدومهم إلى إفريقية مع أبي الربيع سليمان بن علي الغُريغر قبل سنة ست وأربعين وستمائة، انتهى. قلت: وقيل إنّه توفي سنة تسع وأربعين وستمائة ولمّا مات أثكل ابن خلاص به، واختُرم(٣) في نحو الأربعين أو فوقها بقليل كما أُخبر، وذُكر أنّه أسلم وقرأ القرآن وأخذ كتب الآداب بالمغرب والأندلس ثم إنّه كتب لابن خلاص بسبتة فكان من أمره ما كان. أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيّان قال: هو ابن سهل الإشبيلي الإسلامي أديب ماهر دوّن شعره في مجلّد وكان يهوديّاً فأسلم وله قصيدة يمدح بها سيدنا رسول الله وَ الر قبل أن يسلم، وأكثر شعره في صبيّ يهودي اسمه موسى كان يهواه وكان يقرأ مع المسلمين. قلت: والقصيدة النبوية عينية ذكرها ابن الأبار في ترجمة المذكور. وما زال ابن سهل هذا يختلط مع المسلمين ويخالطهم إلى أن أسلم، توفي شهيداً بالغرق رحمه الله. أخبرني قاضي الجماعة بالأندلس أبو بكر محمد بن أبي نصر بن علي الأنصاري الإشبيلي رحمه الله تعالى قال: كان إبراهيم بن سهل يهوى يهوديّاً اسمه موسى فتركه وهوي شاباً اسمه محمد فقيل له في ذلك، فأنشد [من الطويل]: ولولا هُدى الرحمن ما كنتُ أهتدي تركتُ هوَى موسى لحبّ محمدٍ شريعةُ موسى عُطّلتْ بمحمَّدٍ وما عن قِلىَ(٤) منّي تركتُ وإنّما ٨٧م - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٣/١ -٢٧)، و((المنهل الصافي)) لابن تغري بردي (٥١/١ - ٥٦)، و((نفح الطيب)) للمقري (٣٥١/٢)، و((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٤٧٦/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٧٦٣)، و((معجم المصنفين)) للتونكي (١٥٦/٣ - ١٥٨)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٤٤/٥). (١) لم يرد للإسرائيلي ذِكْر في ((المقتضب من تحفة القادم)). (٢) الغراب: نوع من أنواع السفن الإسلامية على شكل الغراب. (٣) اخترم: شُقَّ ما بين منخريه. وشُّق طرف أنفه شقّاً لا يبلغ الجدع. انظر: ((المعجم الوسيط)) (ص ٢٣٠) مادة (خرم). (٤) قِلىّ: أي أبغضه وهجره. ٦ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات وأخبرنا قاضي القضاة المذكور قال: نظم الهيثم قصيدةً يمدح بها المتوكل على الله محمد ابن يوسف بن هود ملك الأندلس وكانت أعلامه سُوداً لأنّه كان بايع الخليفة ببغداد وقُدم عليه من بغداد بالتولية والولاية والنيابة ولا يُعلَم أن أحداً قط بايع(١) بالأندلس لعباسيّ منذ افتتحت وإلى اليوم، فوقف إبراهيم بن سهل على قصيدة الهيثم [وهو ينشدها لبعض أصحابه وكان إبراهيم إذ ذاك صغيراً فقال إبراهيم للهيثم]: زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني [من البسيط]: كأنهنّ بخدّ المُلك خِيلانُ أعلامُه السُود إعلامٌ بسؤدده فقال الهيثم: هذا البيت شيء ترويه أم نظمتَه؟ فقال: بل نظمتُه الساعة، فقال الهيثم: إن عاش هذا فسيكون أشعر أهل الأندلس، أو كلاماً هذا قريب من معناه، انتهى ما أخبرني به الشيخ أثير الدين. قلت: وقد وجدت هذين البيتين الداليّين قد ساقهما ابن الأبار في ((تحفة القادم))(٢) لأبي زيد عبد الرحمن السالمي من أهل إستجّة(٣) والذي استقرَّ بين الأدباء أنهما لابن سهل. ومن شعره في موسى [من الطويل]: أقلّد وجدي فليبرهنْ مفنّدي(٤) هبوا نصحكم شمساً فما عينُ أرمدٍ غزالٌ براه اللَّه من مِسكةٍ سبى وألطفَ فيها الصُّنْعَ حتى أعارها وأبقى لذاك المسك في الخدّ نقطةً تأمَّلْ لظى شوقي وموسى يَشُبّها إذا ما رنا شَزْراً(٨) فعَنْ لحظ أحوَرٍ (٩) وما أضيَعَ البرهانَ عند المقلّدِ بأكره في مرآه من عينٍ مُكمَدٍ(٥) بها الحُسنُ منّا مُسكةَ المتجلّدِ (٦) بياضَ الضحى في نَعْمة الغُصُن الندي على أصلها في اللون إيماءَ مرشِدٍ (تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقدٍ)) (٧) وإن يَلْوِ إعراضاً فصفحة أغيَدٍ(١٠) (١) كانت بيعة ملوك دول الطوائف للممالك الإسلامية الأخرى لا تنبع من دوافع إسلامية؛ الهدفُ منها وحدة وتضامن المسلمين، إنّما كانوا يبحثون عن توازن سياسي حيال الوضع المتدهور في الأندلس. (٢) ((المقتضب من تحفة القادم)) (ص ٦٠). (٣) إستجة: اسم لكورة بالأندلس متصلة بأعمال ريَّة بين القبلة والمغرب من قرطبة. انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (١٤٣/١). (٤) أي ضعيف الرأي، المكذب. (٥) أي حزيناً حزناً شديداً لا يظهره. (٦) الصابر. (٧) عجز البيت للأعشى في ((ديوانه)) ص (٥١)، و((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني (١٦٨/٢)، و((لسان العرب)) لابن منظور (٥٧/١٥) مادة (عشا)، وتمام البيت: متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ تَجدْ خير نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدٍ والشاهد فيه: رفع ((تعشو)) لاعتراضه حالاً بين الشرط والجزاء. (٨) نظر إليه بمؤخر عينِهِ . (٩) شدة بياض بياض العين مع شدة سواد سَوادها. (١٠) ناعمةٌ تتثنى في مشيتها. ٧ إبراهيم بن سهل الإسرائيلي وعذَّب بالي نعَّم اللَّهُ باله وسهّدني(١) لا ذاق بَلْوَى تسهُّدي ومنه أيضاً [من البسيط]: وخالُه نقطةٌ من غنج(٢) مُقلته جاءت بها العين نحو الخدّ زائرةٌ والقصيدة العينية قالها يمدح سيّدنا رسول الله وَ﴾ [من الطويل]: ورَكْبٍ دَعَتْهم نحو يثربَ نيّةٌ يسابق وَخْدَ العِيس(٣) ماء شؤونهم إذا انعطفوا أو رجّعوا الذكر خلتهم تضيء من التقوى خبايا صدورهم تكاد مناجاة النبيّ محمّدٍ تَلاقى على ورد اليقين قلوبُهم قلوبٌ عرفنَ الحقّ فهي قدِ انطوتْ سقى دمعهم غرس الأسى في ثرى الجوى تساقَوا لبان الصدق محضاً بعزمهم وهي طويلة. وله موشحة [من الطويل]: يالحظات للفتن في كرّها أوفى نصيبْ اللوم للأحي(٦) مباخ علقتُه وجه صباخ كالظبي ثغره أقاح (٧) يا ظبيُّ خذ قلبي وطن فأنتَ في الإنس غريبْ (١) أَرَّقني. (٢) المرأةُ تتدلل على زوجها بملاحة. (٣) اسم من أسماء الجَمَل (الإبل). (٤) أي ردّدث صوتها على طريقة واحدة. (٥) الأسود. (٦) العاذل اللائم. (٧) نبت زهره أصفر أو أبيض. أتى بها الحُسن من آياته الكُبَرِ فراقها الوردُ فاستغنتْ عن الصَّدَّرِ فما وجدتْ إلاّ مطيعاً وسامعا فَيَقْفون بالشوق المليّ المدامعا غصوناً لِداناً أو حماماً سواجها (٤) وقد لبسوا الليل البهيم(٥) مَدارعا تنمُّ بهم مِسكاً على الشمّ ذائعا خوافقَ يذكرن القطا والمشارعا عليها جنوبٌ ما عرفنَ المضاجعا فأنبت أزهار الشحوب الفواقعا وحرّم تفريطي علي المراضعا ترمي وكلّي مَقتلُ وكلُّها سهمٌ مصيبْ أمّا قبوله فلا ريق طِلاعين طـلا بما ارتعاه في الفلا وارتع فدمعي سلسلُ ومهجتي مرعىّ خصيبْ ٨ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات بين اللَّما والخَوَر سقتْ مياهُ الخَفَر(٢) زرعتُه بالنّظر في طرفها الساجي(٣) وَسَن سهّد أجفان الكئيب أهدت إلى حَرّ العتاب فلو لثمتُه لذابْ ثم لوت جيدَ كعاب في نزعة الظبي الأغنّ(٥) وهزَّة الغصن الرطيب أأنت خَوْرا أرسلكْ قُطّعت القلوبُ لكْ أُمّ الصفا مضنىّ هلكْ حبّي تزكّيه المِحن أمرُ الهوى أمرٌ غريبْ أغربت في الحسن البديغ شملُ الهوى عندي جميع فاستمعي عبداً مطيغ هذا الرقيب ما أسوءه يظن أيش(٧) كان لو لإنسان مريب منها الحياة والأجل(١) في خدها وردَ الخجلْ وأجتنيه بالأمل والردف فيه ثِقلُ خفَّ له عقل اللبيبْ برَد اللَّما وقَدْ وَقَدْ من زفرتي ذاك البرَدْ ما حَلْيُه إلاّ الغَيَدْ يجري لدمعي جدولُ فينثني منهُ قضيبْ رضوانُ(٦) صدقاً للخبز وقيل ما هذا بشرْ من النوى أم الكدر كأنّ عشقي مندلُ زاد بنار الهجر طيب فصار دمعـي مُغرِبـا وأدمعي أيدي سبًا غنّى لبعض الرُّقَبا مولاي قم تانعملو ذاك الذي ظن الرقيب (١) المعنى: بين سمرة شفتيها وشدة سواد سواد وبياض بياض عينيها تكون حياتي أو مماتي. المفردات: اللَّمى: سُمرة في الشَّفة تستحسن. (٢) الخفر: شدة الحياء. (٣) الساجي: أي طرفها الفاتر الساكن. (٤) الردف: العَجْزُ. (٥) الأغن: في صوته غُنَّة. (٦) إشارة إلى الملك رضوان حازنُ الجنَّة. (٧) أيش: منحوت من (أي شيءٍ). بمعناه، وقد تكلمت به العرب. ٩ إبراهيم بن سهل الإسرائيلي ومن موشحات ابن سهل يعارض قولهم [من المنسرح]: أما ترى الشمس حلّت الحملا فطاب وزن الزمان واعتدلا فاشربْ والأصل قصيدة لأبي نواس وإنّما وشّحوها، فقال ابن سهل [من المنسرح]: روضٌ نضِيرٌ وشادنٌ وطِلا فاجتنٍ زهر الربيع والقُبَلا واشربْ يا ساقياً ما وُقِيتُ فِتْنتَهُ جَلَتْ رحيقُ الكؤوس صورتَهُ فمثّلَتْ ثغره ووجنتَهُ هذا حبابٌ كالسّلْك معتدلا وذا رحيقٌ لذا الزجاج علا كوكبْ أقمتُ حربَ الهوى على ساقٍ وبعتُ عقلي بالخمر من ساقٍ أسهرَ جفني بنوم أحداقٍ تمثّل السحر وسطها كحلا معتلّة وهي تبرىء العِلَلا فاعجبْ قلبك صخرٌ والجسم من ذهبٍ أيا سميَّ النبيِّ يا ذهبي جاورتَ من مُهجتي أبا لهبٍ يا باخلاً لا أذُمّ ما فعلا صيّرت عندي محبّة البُخَلا مذهبْ يا مُنيتي والمُنى من الخدعِ ما نِلتُ سؤلي ولا الفؤاد معي هل عنك صبرٌ أو فيك من طمعٍ أفنيتُ فيك الدموع والحِيَلا فلا سُلوّي في الحبّ نلتُ ولا مأرب أتيتُ أشكوه لوعتي عجبا فصدَّ عنّي بوجهه غضبا فعند هذا ناديتُ يا حربا وأشتكي من صدودك المِلَلا تغضبْ تصدُّ عنّي يا منيتي مللا وقال ابن سهل أيضاً [مفرع من السريع]: بشرب راخ فما على أهل الهوى من جُناخ باكِز إلى اللذّة والاصطباخ اغنمْ زمان الوصل قبل الذهاب فالروض قد روّاه دمعُ السحاب وقد بدا في الروض سرٌّ عُجاب ١٠ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات ورُدّ ونسرينّ وزهر الأقاخ كالمسك فاخ والطير تشدو باختلاف النواخ انهضْ وباكز للمُدام العتيق في كأسها تبدو كلون العقيق بكفّ ظبيٍ ذي قَوامٍ رشيقْ عصيتُ من وجدي عليه اللواخ كالبدر لاخ مُهفهفِ القامة طاوي الوشاخ لمّا رأيتُ الليل أبدى المشيب والأنجمَ الزُّهر هوت للمغيبْ والورق تُبدي كلّ لحن عجيبْ ناديتُ صحبي حين لاح الصباح قولاً صراخ حيَّ على اللذَّة والإصطباخ سبحانَ من أبدعَ هذا الرشا قلتُ له والنار حشو الحشا جُذْلي بوصلٍ يا مليحاً نشا فسَلَّ من جفنيه بيض الصفاخ يبغي كِفاخ فأثخن القلب المعنَّى جِراخ أصبحتُ مضنىّ وفؤادي عليلْ في حبّ مَن أضحى بوصلُو بخيل كم قلتُ: دَغْ هذا العتاب الطويل أما تراني قد طرحتُ السلاح أيّ اطّراخ أحلى الهوى ما كان بالإفتضاخ ٨٨ - ((الزارع)) إبراهيم بن أبي سُويد الزارع(١) الحافظ، قال أبو حاتم: ثقة رِضىّ ولا رواية له في كتب الستة، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. ٨٩ - ((أبو إسحاق الكاتب)) إبراهيم بن سَيابة أبو إسحاق الكاتب مولى ثقيف أصله من الحجاز وهو من الكوفة، كان شاعراً مليحاً صحب المهدي والرشيد وذكر العوفي [أن] أباه سيابة كان حجّاماً، وفي إبراهيم يقول عتبة الأعور(٢) يهجوه [من المنسرح]: أبوك أوهى النجادُ عاتِقَهُ كَم من كميٍّ أودى ومن بِطَلٍ ٨٨ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٣١١/١)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (١٢٢/٢)، و((الثقات)) لابن حبان (٥٩/٨)، و((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٦٠/١)، و((الكامل في ضعفاء الرجال)) لابن عدي (٢٣٠/١)، و ((معرفة الرجال)) لابن معين (١٣٨/٣)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٥٣/١)، و((العبر» للذهبي (٣٨٩/١). و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٥٣/٢). (١) في ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٥٩/١): هو إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني أبو إسحاق، الذَّارع. ٨٩ - ((طبقات الشعراء)» لابن المعتز (ص ٩٢). (٢) هو عتبة بن أبي عاصم الحمصي. انظر: ((معجم الشعراء)» للمرزباني (ص ١٠٦). ١١ إبراهيم بن سيّابة لم يُمسِ من ثأره على وَجَلٍ يأخذ من ماله ومن دمه من بين حافٍ وبين منتعل له رقاب الملوك خاضعةٌ قلت: ما للمتقدمين في التهكّم أحسن من هذه الأبيات لأنّه هجوّ بالغ أبرزه في صورة المدح. وكان إبراهيم يُرمى بالزندقة وكان المهدي أخذه وأحضر كتبه فلم يجد فيها شيئاً من ذلك فأمنه، وكان يكتب في مجلسه بين يديه وكان من أبلغ الناس وأفصحهم ثم صحّ عنده أن فيه شيئاً مما كان اتّهم به فاطرحه وأقصاه فساءت بعد ذلك حاله واحتاج إلى مسألة الناس، وكان أحد المطبوعين محجاجاً منطقيّاً، ومن نظمه لمّا رُمي بالزندقة [من الكامل]: قد كنتُ قبل اليوم أُدعى مؤمناً فاليومَ صار الكفر من أسمائي ومن نظمه لما اختلّت حاله يخاطب بعض إخوانه [من مرفل الكامل]: أو درهمَيْن إلى ثلاثَة هَبْ لي - فديتُك ــ درهماً ـلِ(١) ولا أحبّ بني علائَه(٢) إنّي أُحبّ بني الطّفيـ ومنه [من الطويل]: بجهلٍ مُضلّ منه تُهدى ركائبُه إذا ما منحتَ الجاهل الحلم لم تزل بفضلك فانظر أين إذ أنت راكبُه وإنّ عقاب الجاهلين لذاهبٌ قال المرزباني: أحسبه بقي إلى المأمون، وقال محبّ الدين ابن النجار: ذُكر أنّه مات سنة ثمان وتسعين ومائة، قلت: وسيابة بالسين المهملة والياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة وهاء على وزن أراكة وهي البلحة وبها سُمّي الرجل فإذا شدّدته ضممته وقلت سُيّابة على وزن جُمّارة. ٩٠ - إبراهيم بن سيَابة، قال صاحب ((الأغاني)): هو من موالي بني هاشم وليس له شعر شريف ولا نباهة وإنّما كان يميل بمودّته إلى إبراهيم الموصلي وابنه فغنّيا في شعره وذكراه عند الخلفاء والوزراء وكان خليعاً طيّب النادرة، ويُحكى أنّه عشق سوداء فلامه أهلُه فيها فقال [من الوافر] : فيكسوه الملاحة والجمالا يكون الخالُ(٣) في وجهٍ قبيحٍ يراها كلَّها في العين خالا فكيف يُلام معشوق على مَن (١) الطفيل: هو الذي يغشى الولائم والأعراس والمجالس ونحوها من غير أن يُدعى إليها، وذلك نسبة إلى ((طُفيل)) وهو رجل من أهل الكوفة من بني عبد الدار من غطفان كان يأتي الأعراس والولائم ونحوها لا يقعد عن وليمة ولا يتخلف عن عرس، فنُسِبَ إليه كل مَن يفعل فعله. (٢) العلاثة: كل شيئين خُلِطًا، والرجل يجمع من ها هنا وها هنا. ٩٠ - ((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني (٨٨/١٢). (٣) الخال: الشامة. ١٢ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات كتب إلى صديق له يقترض منه شيئاً فكتب إليه يعتذر ويحلف أنّه ليس عنده ما سأله، فكتب إليه: إن كنتَ كاذباً فجعلك الله صادقاً وإن كنتَ ملوماً فجعلك الله معذوراً. وكان بين جماعة ينشدهم من شعره ويتحدثون فتحرّك فضرط فضرب بيده على استه غير مكترث ثم قال: إمّا أن تسكُتي حتى أتكلم وإما أن تتكلمي حتى أسكُت. وجاء إلى بشّار بن بُرد فقال له: ما رأيتُ أعمى قطّ إلاّ وقد عوّضه الله من بصره إمّا الحفظ أو الذكاء أو حُسن الصوت فأيَّ شيءٍ عُوّضتَ؟ قال: أنّي لا أرى مثلك، ثم قال: مَن أنت ويحك؟ قال: ابن سيابة، فقال: لو نُكح الأسد في استه ذَلَّ، وكان ابن سيابة يُرمى بذلك، ثم قال بشار [من المنسرح]: لو نُكح الليثُ في استِه خَضَعَا ومات جوعاً ولم يَثَلْ طَبَعَا (١) لو بصق الناسُ فيه ما قطعا كذلك السيفُ عند هِزّته وقيل: إنّه أتى إلى ابن سَوّار بن عبد الله القاضي وهو أمرد فعانقه وقبّله وكان إبراهيم سكران وكانت مع [ابن] القاضي دايةٌ يقال لها رُحاص فقيل لها: لم يقبّله تقبيلَ السلام وإنّما قبّله شهوةً، فلحقته الداية وشتمته وأسمعته كلَّ ما يكره وهجره الغلام، فقال [من المجتث]: فأبصرَتْني رُحـاصُ أإن لثمتك سرّاً على انتقاصي حِراصُ وقال في ذاك قومٌ شتيمةٌ وانتقاصُ هجرتّني وأتثني إنّ الجروح قِصاص(٢) فهـك فـاقـتـصَّ منّي ٩١ - ((النظّام المعتزلي)) إبراهيم بن سيّار بن هانىء البصري المعروف بالنظّام بالظاء المعجمة المشددة، قالت المعتزلة: إنّما لُقّب بذلك لحُسن كلامه نظماً ونثراً، وقال غيرهم: إنّما سُمّي بذلك لأنّه كان ينظم الخرز بسوق البصرة ويبيعها. وكان ابن أخت أبي الهُذيل العلاف شيخ المعتزلة. وكان إبراهيم هذا شديد الذكاء، حُكي أنّه أتى أبو الهذيل العلاف إلى صالح بن عبد القدوس وقد مات له ولد وهو شديد التحرّق عليه ومعه النظام وهو حَدَثٌ فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لتحرُّقك وجهاً إذا كان الناس عندك كالزرع، فقال: إنّما أجزع عليه لأنّه لم يقرأ كتاب ((الشكوك))، فقال: وما هو؟ قال: كتابٌ وضعتُه مَن قرأه شكّ فيما كان حتى يتوهّم فيما كان أنّه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظنّ أنّه كان، فقال النظّام: فشُكَّ أنت في موت ابنك واعملْ على أنّه لم يمت أو أنّه عاش وقرأ هذا الكتاب ولم يمت إلا بعد ذلك، فبهت صالح وحصر. ويُحكى عنه أيضاً أنّه أُتي به إلى الخليل بن أحمد فيما أظنّ ليتعلم البلاغة فقال له: ذُمَّ هذه النخلة! فذمّها (١) المعنى: لو أنَّ السَّبع نُكح في مؤخرته لماتَ ذُلاً وخجلاً وحياءً لهذا الفعل القبيح. (٢) المعنى: أي تعال قبلْني كما قبلَّتك. ٩١ - (الفهرست)) لابن النديم (١٦٣/١)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٩٧/٦)، و((الملل والنحل)) الشهر ستاني (٦٧/١ - ٧٤)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٦٧/١)، و((الأعلام)) للزركلي (٣٦/١). ١٣ إبراهيم بن سيّار بن هانیء بأحسن كلام، فقال له: امدخها! فمدحها بأحسن كلام فقال: اذهب فما لك إلى التعليم من حاجة. وقال ابن أبي الدَّم(١) قاضي حماة وغيره في كتب الملل والنحل إن النظام كان في حداثته يصحب الثنويّة وفي كهولته يصحب ملاحدة الفلاسفة فطالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة وصار رأساً في المعتزلة وإليه تُنسب الطائفة النظامية. ووافق المعتزلةً في مسائلهم وانفرد عنهم بمسائل أخرى: منها: أنّ الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرّ والمعاصي وقال المعتزلة: هو قادر عليها لكنه لا يفعلها لقبحها. ومنها: أنّ الله تعالى إنّما يقدر على فعل ما علم أن فيه صلاح العباد هذا بالنظر إلى أحكام هذه الدنيا وأمّا في الآخرة فلا يوصف بالقدرة على زيادة عذاب أهل النار ولا ينقص منه شيئاً ولا يقدر على أن يُخرج أحداً من الجنة. ومنها: أنّه نفى إرادة الله تعالى حقيقةً فإذا قيل إنّه مريد لأفعال العباد فالمراد أنّه أمر بها، وعنه أخذ هذا المذهب أبو القاسم الكعبي(٢). ومنها أنّه وافق الفلاسفة على أن الإنسان حقيقةً هو النفس، والبدن قالبها، ثم إنّه قصر عن إدراك مذهب الفلاسفة فمال إلى قول الطبيعيّين فقال: الروح جسمٌ لطيف مشابك للبدن داخِل بأجزائه فيه كالدهن في السمسم والسمن في اللبن. ومنها أنّه وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ، وما أحسنَ قول ابن سناء الملك [من الطويل]: ولو عاينَ النّظامُ جوهرَ ثغرِها لما شكّ فيه أنّه الجوهرُ الفردُ(٣) ولما أُلزم النظام مشيَ نملةٍ على صخرة من طرفٍ إلى طرفٍ أنها قطعت ما لا يتناهى وهي متناهية فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى أحدث القول بالطّفرة (٤) وقال: تقطع النملة بعض الصخرة بالمشي وبعضها بالطفرة، واستدلّ على ذلك بأدلّة كثيرة مذكورة في كتب الأصول منها أنّا لو فرضنا بئراً طولها مائة ذراع وفي وسطها خشبة معترضة ثابتة وفي الخشبة حبلٌ مشدود من الخشبة إلى الماء يكون طول الحبل خمسون ذراعاً وفي رأس الحبل دلوٌ مربوط فإذا أُلقي من رأس البئر إلى الخشبة المذكورة حبلٌ طوله خمسون ذراعاً في رأسه علاقٌ فجُرَّ به الحبل المشدود (١) ستأتي ترجمته برقم (١١٢). (٢) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي شيخ من شيوخ المعتزلة. كان رأساً لطائفة منهم سموها الكعبية نسبة إليه، توفي سنة (٣١٩ هـ). انظر: ((العبر)) للذهبي (١٧٦/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢/ ٢٨١). (٣) انظر: ((ديوان ابن سناء)) (٧٢/٢) تحقيق محمد إبراهيم نصر. (٤) الطفرة: الوثبة، والمراد هنا انتقال جسم من أجزاء المسافة إلى أجزاء أخرى منها من غير أن يحاذي ما بينهما من أجزائها. والنظام ممّن قال بالطفرة. ١٤ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات في الخشبة فإن الدلو يصعد إلى رأس البئر بالحبل الأعلى الذي فيه العلاق وطوله خمسون ذراعاً ويقطع مائة ذراع في زمان واحد وليس ذلك إلاّ أن البعض انقطع بالطفرة، فضُرب المثل بهذه المسألة فقيل: طفرة النظام، فإنها ضحكة. وقد أجاب الأصحاب عن هذه المسألة بأن الطفرة قطعُ مسافةٍ قطعاً ولكن الفرق بين المشي والطفرة راجعٌ إلى بُطْءٍ وسرعة. ومنها أنَّه قال: إن الجوهر مؤلّف من أعراض اجتمعت وإن الألوان والطعوم والروائح أجسامٌ . ومنها أن الله تعالى خلق جميع الحيوانات دفعةً واحدةً على ما هي عليه الآن حيوانات وإنس ونبات ومعدن ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده ولكن الله أكمن بعضها في بعض فالتقدم والتأخر إنّما يقع في ظهورها من مكانها لا في حدوثها، وهذه المسألة أخذها من أصحاب الكمون والظهور وأكثر ميل النظام إلى مذاهب الطبيعيّين دون الإلهيين. ومنها أن القرآن ليس إعجازه من جهة فصاحته وإنّما إعجازه بالنظر إلى الأخبار عن الأمور الماضية والمستقبلة . قلت: وهذا ليس بشيء لأن الله تعالى أمره أن يتحدّى العرب بسورة من مثله وغالب السور ليس فيها إخبار عن ماضٍ ولا مستقبل فدلّ على أن العجز كان عن الفصاحة(١). ومنها أنّه قال: الإجماع ليس بحجّة في الشرع وكذلك القياس ليس بحجّة وإنّما الحجّة قول الإمام المعصوم (٢). (١) راجع ((مقالات الإسلاميين)) لأبي الحسن الأشعري (٢٢٥/١). (٢) وبهذا القول يوافق آراء الشيعة الإمامية وغالبية فرقهم التي تقول: إن الأئمة تمَّ تعيينهم من عند الله، وهم معصومون ومفترضوا الطاعة، وأن منزلتهم تساوي منزلة رسول الله وَله، وإنَّ حجة الله لا تقوم على خلقه بدون الإمام، وإنَّ هذا لا يتمُّ ما لم يُعلم به، وإن معرفة الإمام شرط للإيمان، وطاعتهم واجبة كطاعة الرسل . إنَّ معتقدات الشيعة المغالية عن الإمامة والأئمة، تعتبرهم شخصيات تفوق البشر أجمعين، ونحن بدورنا ندعو إخواننا في جميع الأمصار الإسلامية إلى الحوار وتحكيم العقل دون تشنج أو غلو أو تطرف بشأن هذا المعتقد. إن النبي ◌َّ شمسٌ مشرقةٌ للعالم كله، وكل من عداه سواء كان من الصحابة الكرام أو المجددين، أو مؤسسي الحكومات والممالك أو قادة الثورات، فهو ذرة تستنير بنور هذه الشمس المشرقة، وتنير. والمسلمون على اختلاف فرقهم يؤمنوا بظهور المهدي كمصلح اجتماعي على مستوىّ كبيرٍ، وجاءت الأحاديث مشيرةً إلى المهدي في ((البخاري))، وغير ذلك من كتب الحديث التي أثبتت ظهوره، بخلاف الحكايات والادعاءات التي جعلت الناس يتشككون في حقيقة أمره. ١٥ إبراهيم بن سيّار بن هانىء ومنها ميلُه إلى الرفض ووقوعُه في أكابر الصحابة رضي الله عنهم وقال: نصَّ النبيُّ نََّ على أن الإمام عليٍّ وعيّنه(١) وعرفت الصحابة ذلك ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما، وقال: إنّ عمر ضرب بطن(٢) فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسّن من بطنها، ووقع في جميع الصحابة فيما حكموا فيه بالاجتهاد، فقال: لا يخلو إمّا أن جهلوا فلا يحلّ لهم أو أنهم أرادوا أن يكونوا أرباب مذاهب فهو نفاق، وعنده الجاهل بأحكام الدين كافر والمنافق فاسق أو كافر وكلاهما يوجب الخلود في النار. ومنها أنّه قال: مَن سرق مائة درهم وتسعةً وتسعين درهماً أو ظلمها لم يفسق حتى يبلغ النصاب في الزكاة وهو مائتان. نعوذ بالله من هوىّ مُضِلّ وعقل يؤدّي إلى التديّن بهذه العقائد الفاسدة . وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النظّام كان في الباطن على مذهب البراهمة(٣) الذين ينكرون النبوّة وأنّه لم يظهر ذلك خوفاً من السيف، فكفّره معظم العلماء وكفّره جماعة من المعتزلة حتى أبو الهذيل والإسكافي وجعفر بن حرب كلٌّ منهم صنّف كتاباً في تكفيره، وكان مع ذلك فاسقاً مدمناً على الخمر وكان آخر كلامه أن القدح كان في يده وهو سكران، فقال وهو في علّيّة له يشرب فيها [من الكامل]: اشربْ على طربٍ وقُلْ لمهدّدٍ هوّنْ عليك يكون ما هو كائنٌ فلما فرغ من كلامه سقط من العليّة فمات من ساعته في سنة ثلاثين ومائتين تقريباً. وشعره في غاية الجودة لكنه يبالغ في مقاصده حتى يُخرج كلامه إلى المحال، من ذلك قوله [من الطويل]: فصار مكان الوهم من نظري إثرُ توهّمه طرفي فآلمَ خدَّهُ وصافحَهُ كفّي فآلم كفّه فمن صَفْح قلبي في أنامله عَقْرُ ولم أر خلقاً قطّ يجرحه الفكرُ ومرّ بذكري خاطراً فجرحتُه يقال: إن الجاحظ فيما أظنّ لما بلغه ذلك قال: هذا ينبغي أن لا يُناك إلاَّ بأير من الوهم أيضاً. [ومنه قوله في نصرانيّ [من الكامل]: نِصْفَيْن من غُصِنٍ ومن رَملِ ومزنَّرِ قسم الإلهُ مثالـه جرحتْه لحظةُ مقلة الظّلّ فإذا تأمّل في الزجاجة ظلَّهُ (١) هذا كلام مردود على قائله، فلقد أجمعت الأمة على أن النبي صل﴿ ما نصَّ على أحد يكون من بعده راجع ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٦٦/٤) حديث فضيل بن مرزوق عن الحسن المثنى الذي أخرجه الحافظ البيهقي. (٢) هو كذب وزورٌ وبهتان. (٣) نسبة لرجل يقال له براهم، الذي زعم نفي النبوات. انظر: ((الملل والنحل)) الشهر ستاني (٦٠١/٢ - ٦٠٣). ١٦ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات ومنه قوله أيضاً [من الكامل]: أسرفتَ في الهجران والإبعادِ يا تاركي جسداً بغير فؤادٍ فادخلْ إليّ بعِلّة العوّادِ إن كان تمنعك الزيارةَ أعينٌ ملكت يداك بها منيع قيادي كيما أراك وتلك أعظمُ نعمةٍ كانت بليتها على الأجسادٍ(١) إنّ العيون على القلوب إذا جنتْ ٩٢ - ((بهاء الدين القاضي المعري)) إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن سليمان القاضي الجليل بهاء الدين أبو إسحاق بن أبي اليُسْر التنوخي المعرّي ثم الدمشقي الشافعي الخطيب، وُلد بدمشق سنة خمس وستين وخمسمائة وتوفي رحمه الله سنة ثلاثين وستمائة، سمع وحدّث ودرس، وكان أديباً مترسلاً شاعراً كثير المحفوظ مداخل الدولة، ترسّل عن العادل، ولي قضاء المعرّة وعمره خمس وعشرون سنة فأقام في القضاء خمس سنين، فقال [من الوافر]: وليتُ الحكم خمساً هنّ خُمسٌ لعَمْري والصّبا فى العُنفوانِ فلم تضع الأعادي قَدْرَ شاني ولا قالوا: فلانٌ قد رشاني قلت: كذا نقلتُه من خطّ شمس الدين ولعلّه ولي القضاء وعمره عشرون سنة حتى يصحّ قوله ((وليت الحكم خمساً هنّ خمس لعمري)) وكانت عنده بذاذة وفحش ولم يكن محمود السيرة، اشتغل بالولايات والتصرف. ٩٣ - ((المراغي)) إبراهيم بن شمس أبو إسحاق المراغي الشاعر، ورد بغداد تاجراً وأقام بها غير مستميح، أورد له ابن النجار [من مرفل الكامل]: ووقوفِ حُجّابٍ ببابِكْ إني لأعجبُ من حجابِكْ عِكَ والرفاهة في جنابِكْ أين السماحة في طبا ئي أو غنائي في ثوابك أم أين صدقي في ثنا زُ عليك غائلةَ اغتيابِكْ لا يأمن الضيفُ الـعـزيـ ف في خطابك أو جوابك ما شئتَ من سَفَهِ وسَخْـ ونبوح كلبٍ في ثيابِكْ وتشدُقٍ وتمطُقٍ ٩٤ - ((القرميسيني الصوفي)) [إبراهيم بن شيبان] أبو إسحاق القِزميسيني الصوفي شيخ الجبل (١) انظر: ((ديوان أبي نواس)) (ص ٢٠٢). ٩٢ - ((مرآة الجنان)) اليافعي (٦٩/٤)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٨١/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٣٥/٥)، و((تاريخ معرة النعمان)) للجندي (٢٠٩/٢). ٩٤ - ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم الأصبهاني (٣٦١/١٠)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤١٨)، و((العبر)) للذهبي (٢/ ٢٤٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٤٤/٢)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران (٢١٨/٢). ١٧ إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس في زمانه، صحب إبراهيم الخوّاص وغيره، قال: الخوف إذا سكن القلب أحرق مواضع الشهوة، توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة . ٩٥ - ((المنصور صاحب حمص)) إبراهيم بن شيركوه السلطان الملك المنصور ناصر الدين صاحب حمص ابن الملك المجاهد أسد الدين بن الأمير ناصر الدين محمد بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، كانت سلطنته ستَّ سنين ونصفاً وتوفي رحمه الله تعالى عقيب كسرة الخوارزمية سنة أربع وأربعين وستمائة في صفر بدمشق في الدهشة في النَّيْرَب وحُمل إلى حمص، وملك بعده الأشرف موسى وله يومئذ سبع عشرة سنة وهو الذي كسر التتار على حمص سنة تسع وخمسين. وكان المنصور بطلاً شجاعاً عالي الهمّة وافر الهيبة، هزم جلال الدين خوارزم شاه وعسكره مع الأشرف سنة سبع وعشرين وستمائة فإنّ والده سيّره نجدةً للأشرف، ثم كسر الخوارزمية بالشرق مرّتين وكسرهم الكسرة العظمى بعيون القصب، وكان محسناً إلى رعيّته سمحاً حليماً مرض بالسلّ إلى أن خارت قواه ومات. ٩٦ - ((عزّ الدين ابن العجمي)) إبراهيم بن صالح بن هاشم الشيخ الجليل المعمَّر بقيّة المشايخ عزّ الدين أبو إسحاق ابن العَجَمي الحلبي الشافعي من بيت العلم والرئاسة، كان خاتمة مَن روى بالسماع عن الحافظ ابن خليل، سمع بدمشق من خطيب مَرْدا ولم يكن بالمكثر وحدّث بدمشق وحلب، يأخذ عنه الشيخ شمس الدين، وكان من أبناء التسعين، توفي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة . ٩٧ - ((الأمير العباسي متولي مصر)) إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، ولي إمرة دمشق للمهدي ثم ولي مصر للرشيد وتزوّج بأخت الرشيد عَبّاسة، توفي ببغداد رحمه الله تعالى قبل الثمانين والمائة تقريباً تفريقا وحضر الرشيد لجنازته فحلف ابن بهلة الطبيب أنّه لم يمت ونخسه بإبرة تحت ظفره فحرّك يده ثم أمر بنزع الكفن عنه ودعا بمنفخة وكُنْدُس فنفخ في أنفه فعطس وفتح عينيه فسأله الرشيد: كيف أنت؟ فقال: كنتُ في ألذّ نومةٍ فعضّني [كلب] بشيء من إصبعي فانتبهتُ، ثم إنّه عوفي وتزوّج عبّاسة وولي إمرة مصر بعد ذلك وبها مات، فكانوا يقولون: مات ببغداد ودُفن بمصر في التاريخ المذكور أوّلاً، وحكايته مع ابن بهلة الطبيب المذكور مبسوطة في ترجمة ابن بهلة في ((تاريخ الأطباء» لابن أبي أصيبعة وساقها محب الدين بن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد))، وولي إبراهيم أيضاً الجزيرة(١) للهادي. ٩٥ - ((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردى (٢٥٦/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٢٩/٥). ٩٦ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢٧/١)، و((المنهل الصافي)) لابن تغري بردي (٦٤/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٦ /٩٥). ٩٧ - (ولاة مصر)) للكندي (ص ١٢٣)، و((عيون الأنباء) لابن أبي أصيبعة (٣٥/٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردی (٤٩/٢)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران (٢١٩/٢). (١) الجزيرة: هي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات، وهي مثلث يضم أراضٍ عراقية وسورية وتركية. ١٨ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات ٩٨ - ((الوراق)) إبراهيم بن صالح الورّاق تلميذ أبي نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهري، ذكره الباخرزي في ((الدمية)) فقال: أنشدني له الأديب يعقوب بن أحمد وهو أحسنُ ما قيل في معنى دُود القزّ [من الكامل]: ووأَذْتُها فنَفَعْنَني بقبورِ وبناتِ جَيب ما انتفعتُ بعيشها قرنُ الكباش إلى جناح طيور ثم انبعثنَ عواطلاً فإذا لها وقال أبو إسحاق يهجو ابن زكرياء الأصبهاني المتكلم [من الطويل]: أبا أحمدٍ يا أشبهَ الناسِ كلّهم خلاقاً وخُلقاً بالرخال(١) النواسجِ قلت: لا يجوز هذا الجمع لأن فواعل جمع فاعلة ولم نسمع قول أحد يقول امرأة ناسجة نعم قد جاء فواعل مثل جوهر وجواهر وكوثر وكواثر. ٩٩ - ((أبو طاهر البغدادي)) إبراهيم بن صالح أبو طاهر المؤدَّب، أديب سكن نصيبين من أرض الجزيرة أصله من بغداد، أورد له ابن النجار في الدولاب [من المنسرح]: باكيةٌ ما تزال مُذ خُلقتْ ما فقدتْ من أخٍ ولا ولدِ بحُسن زهرٍ غضّ النبات ندٍ تبكي فتُضحي الرياض باسمةً ١٠٠ - ((ابن صليبا)) إبراهيم بن صليبا الطبيب، كان أبوه طبيباً نصرانيّاً، وإبراهيم هذا شاعر ظريف أديب وكان متصلاً بأبي أحمد يحيى بن علي المنجّم، ذكره عبد الله بن أحمد بن أبي طاهر (٢) في من كان بسامرًا من الأدباء والشعراء، ومن شعره: . ١٠١ - ((أبو سعيد الخراساني)) إبراهيم بن طَهْمان بن شعبة الإمام أبو سعيد الخراساني شيخ خراسان، وُلد بهراة واستوطن نيسابور وجاور بمكة مدةً، قال أحمد بن حنبل: كان مرجئاً شديداً على الجهمية، قال أبو زرعة: كنت عند أحمد بن حنبل فذُكر إبراهيم بن طهمان وكان متكئاً من علّة فجلس وقال: لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فَتَتْكِىء، قال الشيخ شمس الدين: هذا يدلّ على أن الإرجاء عند أحمد بدعة خفيفة، قال الخطيب: وكان له رزق على بيت المال فسئل يوماً في مجلس أمير المؤمنين فقال: لا أدري، فقيل له: أتأخذ في الشهر كذا وكذا ولا تُحسن هذه؟ ٩٨ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (١٦٢/١)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١٦٩/١)، و((دمية القصر)) للباخرزي (٣٠٨). (١) الرَّخالُ: مفردها ((الرَّخل))، وهي الأنثى من أولاد الضأن. (٢) بياض في الأصل. ١٠١ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢٩٤/١)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٣٧٠/٢)، و((الثقات)) لابن حبان (٢٧/٦)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١٠٥/٦)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٥٦/١)، و((الكاشف)) للذهبي (٨٢/١)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (١٩/١ - ٣٨)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١/ ٢١٣)، و((سير الأعلام)) للذهبي (٣٧٨/٧)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٤٧/١ - ١٤٨)، و«تقريب التهذيب)» لابن حجر (٣٦/١)، و((بحر الدم)) لابن عبد الهادي (١٥)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (٩٠). ١٩ إبراهیم بن العباس بن محمد بن صُول فقال: إنّما آخذ على ما أُحسِن ولو أخذتُ على ما [لا] أحسن لفَنِيَ بيت المال. وهو من ثقات الأئمة وقد تفرّد عن الثقات بأشياء معضلة، روى له الجماعة وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وستین ومائة. ١٠٢ - إبراهيم بن عبّاد بن إساف بن عدي بن زيد بن جُشَم بن حارثة الأنصاري الحارثي شهد أُحداً رضي الله عنه. ١٠٣ - ((الصولي)) إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول مولى يزيد بن المهلَّب بن أبي صُفْرة، هو أبو إسحاق الصولي البغدادي الأديب أحد الشعراء المشهورين والكتّاب المذكورين، له ديوان شعر مشهور، كان جدّه صول المذكور مجوسيّاً ملك جرجان أسلم على يد يزيد وقُتل مع يزيد بن المهلَّب هو وجماعة من أصحابه وغلمانه. قال [محمد بن] داود بن الجرّاح في كتاب ((الورقة)): أشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع. قلت: ما كان المتنبي قد لحق عصراً قيل فيه مثل هذا لأني أرى المتنبي أحذق منه بوصف الزمان وأهله وشعرُه ملآن من ذلك ولو لم يكن إلا قوله [من الطويل]: ومَن عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روَى رمحَهُ غير راحم فليس بمرحوم إذا ظفروا به . ولا في الردى الجاري عليهم بآثم(١) وكان صول وفيروز أخوين ملكا جرجان وهما تركيّان تمجّسا وصارا أشباه الفُرس فلما حضر يزيد بن المهلَّب [جرجان] أمّنهما فأسلم صول على يديه ولم يزل معه إلى أن قُتل يوم العَقر، واتّصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل ثم إنّه تنقّل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي رحمه الله تعالى بسُرَّ مَن رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال دِغْبِل الخزاعي: لو تكسّب إبراهيم الصولي بالشعر لترَكنا في غير شيء. كتب عن أمير المؤمنين إلى بعض الخارجين: أمّا بعد فإنّ لأمير المؤمنين أناةً فإن لم تُغنِ عقّب وعيداً فإن لم يُغنِ أغنت عزائمه والسلام، وهذا غاية في البلاغة ينظم منه بيت [شعر] وهو [من الطويل]: أناةٌ فإن لم تُغنِ عقّبَ بعدها وعيداً فإن لم يُغنِ أغنت عزائمُهْ ١٠٢ - ((أُسد الغابة)) لابن الأثير (٤١/١)، و((الإصابة)) لابن حجر (١٥/١). ١٠٣ - ((مروج الذهب)) للمسعودي (١٢/١ - ١٣) و((تاريخ جرجان)) للسهمي (٩٦)، و((الفهرست)) لابن النديم (١/ ١٢٢ - ١٦٦ - ٣١٧)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١١٧/٦ - ١١٨)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١/ ١٦٤ - ١٩٨)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٢/١ - ١٣)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٤٣/٢ - ١٤٤) و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٣٤٤/١٠ - ٣٤٥)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٣١٥/٢)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٧٩٨)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٠٢/٢ - ١٠٣)، و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٢٧٧/٥ - ٣٠٤، ١٦/٦ - ١٨). (١) انظر: ((ديوان المتنبي)) (ص ٣١٧). ٢٠ الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات ومن شعره [من مرفل الكامل]: وعليك فالتمِس الطريقا خَلّ النفاق لأهله إلاّ عدوّاً أو صديقاً وارغَبْ بنفسك أن ترى وكان إبراهيم يهوى جاريةً لبعض المغنّين بسُرَّ مَن رأى يقال لها ساهِرُ شُهر بها وكان منزله لا يخلو منها ثم دُعيت في وليمة لبعض أهلها فغابت عنه ثلاثة أيام ثم جاءته ومعها جاريتان لمولاها وقالت: قد أهديتُ صاحبتيّ إليك عوضاً عن مغيبي عنك، فقال [من البسيط]: أقبلْنَ يحفُفْنَ مثل الشمس طالعةً قد حسّن الله أولاها وأُخراها ما كنتِ فيهنّ إلا كنتِ واسطةً وكَنَّ دونك يُمناها ويُسراها وجلس يوماً مع إخوانه وبعث خلفها فأبطأت فتنغّص عليهم يومهم وكان عنده عدّة من القِيان ثم وافت فسُرّي عنه وشرب وطاب وقال [من المتقارب]: ولم تأتِ من بين أترابها ألم ترني يومَنا إذ نأت بإشعالها وبإلهابها وقد غمرَتْنا دواعي السرور وبدرُ الدُّجى تحت أثوابِها ونحن فتورٌ إلى [أن] بدت ولمّا دنت كيف صِرْنا بها ولمّا نأت كيف كنّا بها فتغضّبت فقالت: ما القصّة كما ذكرتَ وقد كنتم في قَصْفكم مع من حضر وإنّما تجمّلتم لمّا حضرتُ، فقال [من المجتث]: ومَن فؤادي لديهِ يا مَن حنيني إليه ـمهم أسِفتُ عليهِ ومَن إذا غاب من بَيْـ إذا حضرتَ فمن بَيْـ ـمهم صبوتُ إليهِ مَن غاب غيرك منهم فإذنُه في يديهِ فرضيت فأقاموا يومهم على أحسن حال. ثم طال العهد بينهما فملّها وكانت شاعرةً تهواه فكتبت إليه تعاتبه [من المنسرح]: بعدك من أهل وُدِّنا أثِقُ؟ بالله يا ناقِضَ العهودِ بمَنْ واسَوأتا ما استحَيْتَ لي أبداً لا غَرَّني كاتبٌ له أدبّ كنتَ بذاك اللسانِ تختلني إن ذكر العاشقون من عشقوا ولا ظريفٌ مهذَّبٌ لَبقُ دهراً ولم أدرِ أنّه مَلَقُ(١) (١) المَلَقُ: الكذب.