Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
محمد بن قلاوون
وفي سنة سبع وعشرين طُلب الأمير شرف الدين حسين بن حندر من دمشق إلى مصر ليقيم
بها أميراً وطلب قاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى مصر ليكون بها حاكماً وفيها كان عُرْس
ابنة السلطان على الأمير سيف الدين قوصُون على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى وفيها
كانت الكائنة بالإسكندرية وتوجه الجمالي إليها وصادر الكارم والحاكة وغيرهم وضُرب القاضي
ووُضع الزنجير في رقبته وكان ذلك أمراً فضيحاً.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة دخل ابن السلطان آنُوك بن الخَوَنْدة طَغاي على بنت
الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الساقي وكان عرساً عظيماً حضره تنكز نائب الشام وسيأتي ذكر ذلك في
ترجمة آنوك إن شاء الله تعالى. وتوجه السلطان فيها إلى الحج واحتفل الأمراء بالحج وفي العود
توفي الأمير سيف الدين بكتمر الساقي وولده أمير أحمد. وفيها أُمسك الصاحب شمس الدين ناظر
دمشق وأُخذ خطه في مصر بألفي ألف درهم على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وفي سنة ثلاث وثلاثين عمر نائب الشام الأمير سيف الدين تنكز قلعة جعبر وصارت ثغراً
للمسلمين .
وفي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة حضر (مُهَنّا) أمير العرب إلى السلطان وداس بساطه بعد
عناء عظيم وتسويف كثير فأقبل عليه وأعطاه شيئاً كثيراً وعاد إلى بلاده. وفيها أخرج السلطان من
السجن ثلاثة عشر أميراً منهم بيبرس الحاجب وتَمُر الساقي.
وفي سنة ست وثلاثين توفي بو سعيد رحمه الله تعالى على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله
تعالی.
وفي سنة أربعين وسبعمائة أمسك السلطان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى في ثالث
عشرين ذي الحجة على ما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وفي سنة إحدى وأربعين توفي آنوك رحمه الله تعالى ولد السلطان. وفيها توفي السلطان
الملك الناصر رحمه الله تعالى وعفا عنه بعد ولده بأشهر قليلة في التاريخ المذكور. وقام في
الملك بعده ولده الملك المنصور أبو بكر بوصيّة أبيه على ما سيأتي في ترجمته رحمه الله تعالى.
وكان السلطان الملك الناصر ملكاً عظيماً محظوظاً مطاعاً مهيباً ذا بطش ودهاء وحزم شديد
وكيد مديد، قلّما حاول أمراً فانجزم عليه فيه شيء يحاوله لأنه كان يأخذ نفسه فيه بالحزم البعيد
والاحتياط، أمسك إلى أن مات مائة وخمسين أميراً، وكان يلبس الناس على علاّتهم ويصبر الدهر
الطويل على الإنسان وهو يكرهه، تحدث مع أرغون الدوادار في إمساك كريم الدين الكبير قبل
القبض عليه بأربع سنين وهمّ بإمساك تنكز. لما ورد من الحجاز سنةٍ ثلاث وثلاثين بعد بكتمر ثم
إنه أمهله ثماني سنين بعد ذلك. وکان ملوك البلاد الكبار يهاذونه ویراسلونه وكانت ترد إليه رسل
صاحب الهند وبلاد أُزْبَك وملوك الحبشة وملوك الغرب والفرنج وبلاد الأشْكري وصاحب اليمن.
وأمّا أبو سعيد ملك التتار فكانت الرسل لا تنقطع بينهما ويسمّي كلّ منهما الآخر أخاً وصارت
الكلمتان واحدةً والمملكتان واحدةً ومراسيم السلطان تنفذ في بلاد بو سعيد ورسله يتوجّهون
بأطلابهم وطبلخاناتهم بأعلامهم المنشورة. وكلّما بَعُدَ الإنسان عن بلاده وجد مهابته أعظم ومكانته

٢٦٢
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
في القلوب أعظم. وكان سمحاً جواداً على من يقربه ويؤثره لا يبخل عليه بشىء كائناً ما كان.
سألت القاضي شرف الدين النشو قلت: أطلق يوماً ألف ألف درهم؟ قال: نعم كثير وفي يوم
واحد أنعم على الأمير سيف الدين بَشْتاك بألف ألف درهم في ثمن قرية ((يُبْنَى))(١) التي بها قبر
أبي هريرة على ساحل الرملة، وأنعم على موسى بن مهنّا بألف ألف درهم. وقال لي: هذه ورقة
فيها ما ابتاعه من الرقيق أيام مباشرتي وكان ذلك من شعبان سنة اثنتين وثلاثين إلى سنة سبع
وثلاثين وسبعمائة فكان جملته أربعمائة ألف وسبعين ألف دينار مصرية، كذا قال، وكان ينعم على
الأمير سيف الدين تنكز كلّ سنة يتوجَّه إليه إلى مصر وهو بالباب بما يزيد على ألف ألف درهم،
ولما تزوَّج الأمير سيف الدين قوصون بابنة السلطان وعمل عرسه حمل الأمراء إليه شيئاً كثيراً،
فلما تزوَّج الأمير سيف الدين طَغاي تَمُر بابنة السلطان الأخرى قال السلطان: ما نعمل له عرساً
لأن الأمراء يقولون: هذه مصادرة، ونظر إلى طغاي تمر فرآه قد تغيّر فقال للقاضي تاج الدين
إسحاق: يا قاضي أعمل لي ورقةً بمكارمة الأمراء لقوصون فعمل ورقة وأحضرها فقال: كَم
الجملة؟ قال له خمسين ألف دينار، فقال: أعطيها من الخزانة لطغاي تمر، وذلك خارجاً عما
دخل مع الزوجة من الجهاز. وأما عطاؤه للعرب فأمرٌ مشهور زائد عن الحدّ. وكان راتبه من
اللحم لمطبخه ولرواتب الأمراء والكتّاب وغيرهم في كلّ يوم ستة وثلاثين ألف رطل لحم
بالمصري، وأما نفقات العمائر إلى أن مات فكان شيئاً عظيماً، وبالغ في مشتَرى الخيول فاشترى
بنت الكردا بمائتي ألف درهم ومنها إلى العشرة آلاف، وبالغ أخيراً في مشتَرى المماليك فاشترى
بخمسة وثمانين ألف درهم وبما دونها إلى العشرة، وأمّا العشرون والثلاثون ألفاً فكثير جداً. وغلا
الجوهر في أيامه واللؤلؤ وما رأى الناس سعادة ملكه ومسالمة الأيام له وعدم حركة الأعادي في
البرّ والبحر هذه المدّة الطويلة من بعد شَقْحَب إلى أن مات.
وخلّف من الأولاد جماعة منهم البنون والبنات فأما البنون فمات له عقيب حضوره من
الكرك في المرّة الأخيرة عليّ، ومنهم الناصر أحمد وقُتل بالكرك، وإبراهيم وتوفي في حياة والده
أميراً، والمنصور أبو بكر وقُتل بعد خلعه في قوص، والإشراف كجك وقتله أخوه الكامل شعبان،
وآنوك وهو ابن الخَوَنْدة طَغاي لم أرَ في الأتراك أحسن شكلاً منه وتوفي قبل والده بنصف سنة،
والصالح إسماعيل وتوفي بعد ملكه مصر والشام ثلاثة أعوام، ويوسف وتوفي في أيام أخيه
الصالح، ورمضان وتوفي في أيام أخيه الصالح، والكامل شعبان وخُلع ثم قُتل، والمظفّر حاجّي
وخُلع ثم قُتل، وحسين، والناصر حسن، والملك الصالح صالح.
نوّابه: زين الدين كَتْبُغا العادل، سيف الدين سلاّر، الأمير ركن الدين بَيْبَرْس الدوادار، سيف
الدين بكتَمُر الجوكندار الكبير، سيف الدين أَرْغُون الدوادار مملوكه، وبعده لم يكن له نائب.
نوابه بدمشق: الأمير عز الدين أيبك الحموي، جمال الدين آقوش الأفرم، شمس الدين
(١) يبنى: بالضم ثم السكون ونون وألف مقصور: بليد قرب الرملة فيه قبر صحابي بعضهم يقول هو قبر أبي هريرة
وبعضهم يقول قبر عبد الله بن أبي سرح.
انظر (معجم البلدان)) لياقوت (٤٩٥/٤).

٢٦٣
محمد بن قلاوون
قَراسُقر، سيف الدين كراي، جمال الدين آقوش نائب الكرك، سيف الدين تنكز، علاء الدين
الطُّنْبُغا.
وزراؤه: علم الدين الشجاعي، تاج الدين بن حِنّا، فخر الدين بن الخليلي مرّتين، الأمير
شمس الدين سُنْقُر الأعسر، سيف الدين البغدادي، ناصر الدين الشيخي، أيبك الأشقر وسُمّي
المدبّر، ابن عطايا، ابن النَشائي، ابن التركماني وسُمَّّ مدبّراً، الصاحب أمين الدين مرّات، الأمير
سيف الدين بكتمر الحاجب، الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ولم يكن له بعده وزير .
قضاته الشافعية بمصر: الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، القاضي بدر الدين بن جماعة
مرتين، القاضي جمال الدين الزرعي، القاضي جلال الدين القزويني، القاضي عزّ الدين ابن
جماعة .
قضاته الشافعية بالشام: القاضي إمام الدين القزويني، القاضي بدر الدين بن جماعة، القاضي
نجم الدين بن صصرَى، القاضي جمال الدين الزرعي، جلال الدين القزويني مرتين، الشيخ علاء
الدين القونوي، القاضي علم الدين الأخنائي، القاضي جمال الدين بن جُملة، القاضي شهاب
الدين بن المجد عبد الله، القاضي تقي الدين السبكي.
كتّاب سرّه بمصر: القاضي شرف الدين بن فضل الله، القاضي علاء الدين بن الأثير القاضي
محيي الدين بن فضل الله، وولده القاضي شهاب الدين، القاضي شرف الدين بن الشهاب
محمود، القاضي علاء الدين بن فضل الله .
كتّاب سره بالشام: القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي شرف الدين بن فضل الله،
القاضي شهاب الدين محمود، وولده القاضي شمس الدين محمد، القاضي محيي الدين بن فضل
الله، وولده القاضي شهاب الدين، القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، القاضي جمال الدين
بن الأثير، القاضي علم الدين بن القطب، القاضي شهاب الدين بن القيسراني، القاضي شهاب
الدين بن فضل الله .
دواداريته: الأمير عز الدين أَيْدَمُر مملوكه، الأمير بهاء الدين أرسلان، الأمير سيف الدين
أُلْجاي، الأمير صلاح الدين يوسف، الأمير سيف الدين بُغا ولم يؤمَّر طبلخاناه، الأمير سيف
الدین طاجار.
نظّار الجيش بمصر: ابن الحلّي، القاضي فخر الدين مرتين، القاضي قطب الدين ابن شيخ
السلامية، القاضي شمس الدين موسى بن تاج الدين إسحاق، القاضي مكين الدين بن قَرْوينة،
القاضي جمال الدين جمال الكُفاة.
الذين درجوا في أيامه من الخلفاء: الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد،
المستكفي بالله أبو الربيع سليمان.
ومن الملوك: كَيْخَتُوا بن هولاكو، المستنصر بالله يحيى بن عبد الواحد صاحب إفريقية،

٢٦٤
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
الملك المظفر يوسف صاحب اليمن، السعيد أيلغازي صاحب ماردين، المظفّر تقي الدين محمود
صاحب حماة، المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، أبو عبد الله بن الأحمر محمد بن محمد
بن يوسف صاحب الأندلس، أبو نُمَيّ صاحب مكة، العادل زين الدين كَتْبُغا المنصوري، غازان بن
أرغون ملك التتار، أبو يعقوب المريني صاحب الغرب، المظفّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير،
ابن الأحمر أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد صاحب الأندلس، أبو عصيدة صاحب تونس،
المنصور غازي صاحب ماردين، طُقْطاي سلطان القبجاق، دوباج صاحب جيلان، علاء الدين
محمود صاحب الهند، خدابنده بن أرغون ملك التتار، دون بطرُو الفرنجي، حُميضة صاحب
مكة، المؤيّد داود صاحب اليمن، ابن الأحمر أبو الجيوش نصر بن محمد، اللحياني صاحب
تونس زكرياء، منصور بن جماز صاحب المدينة، الغالب بالله إسماعيل صاحب الأندلس،
أبو سعيد عثمان صاحب فاس وغيرها، المؤيد إسماعيل صاحب حماة، ابن الأحمر محمد بن
أبي الوليد صاحب الأندلس، ترمشين بن دوا سلطان بلخ وسمرقند وبخارى ومرو، بو سعيد ملك
التتار، أربكوون ملك التتار، صاحب تلمسان أبو تاشفين عبد الرحمن، موسى ملك التتار، مهنّا
بن عيسى.
١٩٢٠ - ((أبو الفضل قاضي البصرة)) محمد بن قَنان بن حامد بن الطيب. أبو الفضل الأنباري
الفقيه الشافعي. ولد ببغداد تفقّه على أبي إسحاق الشيرازي وبرع في المذهب والخلاف وصار من
أعيان تلامذته، وكان صهراً لأبي بكر الشاشي وخالاً لأولاده، ولي قضاء البصرة وتدريس النظامية
بها. وتوفي سنة ثلاث وخمسمائة.
١٩٢١ - ((المصيصي)) محمد بن كثير بن أبي عطاء المصيصي الصنعاني الأصل. روى له
أبو داود والترمذي والنسائي، ضعّفه الإمام أحمد وقال ابن معين: صدوق. توفي سنة ست عشرة
ومائتين.
١٩٢٢ - ((العبدي البصري)) محمد بن كثير العبدي البصري أخو سليمان. روى عنه البخاري
وأبو داود، وروى مسلم والترمذي وابن ماجه عن رجل عنه، قال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة
ثلاث وعشرين ومائتين.
١٩٢٠ - ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٩٦/٤).
١٩٢١ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢١٨/١)، و((تاريخ البخاري الصغير)) (٣٣٦/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي
حاتم الرازي (٣٠٩/٨)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (١٢٦/٣)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٧٣/٧)
ط. حيدرآباد، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤١٥/٩)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٠٣/٢).
١٩٢٢ - ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (١٦٩/١)، و((تاريخ البخاري الكبير)) (٢١٨/١)، و((تاريخ البخاري الصغير))
(٣٤٩/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٣١١/٨)، و((الثقات)) لابن حبان (٧٧/٩)،
و ((الأنساب)) للسمعاني (١٩٥/٩)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (١٨/٤)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٧)
٣٧٣) ط. حيدرآباد، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤١٧/٩)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٠٣/٢).

٢٦٥
محمد بن کرَّام بن عرَّاف بن خُرایه
١٩٢٣ - ((المجسم)) محمد بن كرَّام بن عرَّاف بن خُرايه (١). الشيخ أبو عبد الله السجستاني
الضالّ المجسّم شيخ الكرّاميّة. سمع الحديث والتفسير، وكان ملبوسه مَسْك ضأنٍ مدبوغ غير
مخيط وعلى رأسه قلنسوة بيضاء. وقد نصب له دكّان لَبِنٍ ويطرح له قطعة فرو فيجلس عليها ويعظ
ويذكر ويحدّث، وأثنى عليه ابن خزيمة واجتمع به غير مرّة وأبو سعيد الحاكم، قال الشيخ شمس
الدين: وهما إماما الفريقين (٢). مات بالشام في صفر سنة ست وخمسين ومائتين ومكث في سجن
نيسابور ثمان سنين ولما مات لم يعلم بموته إلاَّ خاصّته ودُفن في مقابر الأنبياء عند يحيى وزكرياء
بالقُدس ومات في زُغَر فحمله أصحابه إلى القدس ولما توفي كان أصحابه في القدس أكثر من
عشرين ألفاً على التقشّف والتعبّد. وكان نصر بن إبراهيم المقدسي ينكر عليهم ويقول: ظاهر
حسنٌ وباطن قبيح. وكان قد جاور بمكة خمس سنين ثم دخل نيسابور فحبسه محمد بن عبد الله
بن طاهر وطالت محنته. وكان يغتسل كلّ يوم جمعة ويتأهب للخروج إلى الجامع ويقول
للسجّان: أتأذن لي في الخروج؟ فيقول: لا، فيقول: أَّلهمَّ إنّي بذلت مجهودي والمنعُ من
غيري. وكان معه جماعة من الفقراء. ولما أُخرج من السجن وعُقد له مجلسُ علم قال له الأمير:
من أين لك هذا العلم الذي جئت به؟ فقال: إلحامٌ الحمنيه الله تعالى بالحاء المهملة بدلاً من
الهاء، فقال له: أتحسن التشهد؟ فقال: الطحيات بالطاء المهملة حتى بلغ قوله: السلام عليك
أيّها النبيّ ورحمة الله، فأشار إلى إبراهيم بن الحُصين فقال له: قطع الله يدك، وأمر به فصُفع
وأُخرج. وقال ابن حبان: كان قد خُذل حتى التقط من المذاهب أردأها ومن الأحاديث أوهاها،
ثم جالس الجويباري ومحمد بن تميم السعدي ولعلّهما قد وضعا على النبيّ وَالتّ مائة ألف حديث،
ثم جالس أحمد بن حرب فأخذ التقشّف عنه ولم يُحسن العلم ولا الأدب وأكثرُ كتبه صنّفها له
مأمون بن أحمد السلمي، ومن مذهبه: الإيمان قولٌ بلا معرفة، ويزعم أن النبيّ وَّ لم يكن حجّة
على خلقه لأنَّ الحجة لا تندرس ولا تموت، ويزعم أن الاستطاعة قبل الفعل، ويجسم الربّ جلَّ
وعلا، وكان داعيةً إلى البدع يجب ترك حديثه. وقال صاحب ((كتاب الفرق الإسلامية)): كان
محمد بن كرام من الصفاتية المثبتين لصفات الربّ تعالى لكنه انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه.
والكرامية فرقٌ يبلغون اثنتي عشرة فرقة لكن أصولها ستة: العائذية والنونية والإسحاقية
والواحدية(٣) والزرينية والهيصمية وأقربهم الهيصمية(٤)، ولكلّ فرقة رأيّ في التجسيم والتكييف إلا
١٩٢٣ - ((الأنساب)) للسمعاني (٤٢/٥)، و((الملل والنحل)) الشهرستاني (١٢٤/١)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٣/
١٢٧)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٥٣/٥ - ٣٥٤) ط. حيدرآباد.
(١)
في ((الكامل)) لابن الأثير (١٤٩/٧): خزانة، وفي «تاج العروس» للزبيدي (٤٣/٩): حزابة.
(٢)
الفريقان: هما الشافعية والحنفية.
بياض في الأصل، والمثبت من ((الملل والنحل)) للشهر ستاني (١٢٤/١).
(٣)
(٤)
هم أصحاب محمد بن الهيصم، وهو متكلم الكرامية، وقد ذهب إلى أنه تعالى ذات موجودة منفردة
بنفسها عن سائر الموجودات لا تحلّ شيئاً حلول الأغراض ولا تمازج شيئاً ممازجة الأجسام بل هو مباين
للمخلوقين إلاّ أنه في جهة فوق بينه وبين العرش بُعدٌ لا يتناهى. هكذا يحكي المتكلمون عنه. ولم أره =

٢٦٦
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
أنهم لما كانوا أغبياء جهلاء ذهبوا في التجسيم إلى اعتقادات خسيسة تُنافي العقل والشرع
وتخالفهما ولم يكن فيهم عالم معتبر ولا لهم قاعدة دينية يمكن القول بها في الجملة أعرضنا عن
ذكر كل فرقة واكتفينا بنقل مذهب زعيمهم محمد بن كرام إذ كان صاحب مقالاتهم فنقول: نصّ
محمد بن كرام على أن معبوده على العرش مستقرّ وعلى أنه بجهةٍ فوق ذاناً وأطلق عليه اسم
الجوهر وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا وجوّز الانتقال والتحوّل والنزول، ومن أصحابه من
قال: هو على بعض أجزاء العرش، ومنهم من قال: امتلأ به العرش، قلت: تعالى الله الذي
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. وقال الشهرستاني: كان محمد بن كرام
قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعفاً وأثبته في كتابه وروّجه على أغتام فانتظم ناموسه بسواد
خراسان وصار ذلك مذهباً نصره السلطانُ محمود بن سبكتكين وصبّ البلاء على أصحاب
الحديث من جهتهم انتهى. وكان قد نفاه الأمير يأنس وكان على الرملة والقدس. قال ابن الجوزي
في ((المرآة)): كان بالقدس رجل يقال له هجام يحبّ الكرامية ويُحسن الظنّ بهم فنهاه الفقيه نصر
بن إبراهيم المقدسي عنهم فقال: إن مالي ما ظهر منهم، فقال له: ظاهر حسن وباطن قبيح، فلما
كان بعد ليال رأى هجام في المنام كأنه اجتاز برباطهم وقد نبت النرجس في حيطانه فمدّ يده ليأخذ
طاقة منه فوجد أصوله في العَذِرة فقصّ رؤياه على الفقيه نصر فقال له: هذا تصديق ما قلت لك:
ظاهرهم حسن وباطنهم خبيث. وأصحاب ابن كرام اليوم بسجستان وخراسان منهم خلق كثير
ولهم معبد زائد ولهم مقالات في التشبيه والحلول انتهى.
١٩٢٤ - ((ناصر الدين الغزي)) محمد بن كشتغدي. الأمير ناصر الدين الغزّي المصري
الصيرفي. ولد سنة إحدى وستين وستمائة، سمع من النجيب والمعين الدمشقي أجاز لي بالقاهرة
سنة ثمان وعشرين وسبعمائة .
١٩٢٥ - ((ابن كناسة)) محمد بن كناسة. واسم كُناسة عبد الله قيل هو ابن أخت إبراهيم بن
أدهم العابد. روى عنه النسائي قال ابن معين وأبو داود وعلي بن المديني والعجلي وغيرهم: ثقة،
له علمٌ بالعربية والشعر وأيام الناس، مات بالكوفة سنة سبع ومائتين. وله ((كتاب الأنواء)) و ((معاني
الشعر)) و((كتاب سرقات الكميت من القرآن وغيره)) وكان راويةً للكميت. وقال إسحاق بن إبراهيم
الموصلي: أتيت محمد بن كناسة لأكتب عنه فكثر عليه أصحاب الحديث فتضجرّ بهم وتجهمهم
في شيء من تصانيفه وأحالوا ذلك لأن ما لا يتناهى لا يكون محصوراً بين حاصرتين وأنا أستبعد عنه
هذه الحكاية لأنه كان أذكى من أن يذهب عليه فساد هذا القول. انظر: ((نهج البلاغة)» شرح ابن
أبي الحديد (٢٩١/١).
١٩٢٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٥١/٤).
١٩٢٥ - ((الفهرست)) لابن النديم (١٠٥)، و((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني (١١١/١٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن
أبي حاتم الرازي (١٦٢٨/٧)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٤٠٤/٥)، و((الورقة)) لابن الجراح
(٨١)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٦٣/٧) ط. حيدرآباد، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢٢/٩)،
و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (١٧٧/٢ - ٢٠٣).

٢٦٧
محمد بن لُؤيَّ بن محمد بن عبد الله القرشي
فلما انصرفوا عنه دنوتُ منه فهشّ إليَّ واستبشر بي وبسط وجهه فقلت له: لقد تعجبتُ من تفاوت
حالتَيْك، فقال لي: أضجرني هؤلاء بسوء أدبهم فلما جئتني أنت انبسطت إليك وأنشدتك وقد
حضرني في هذا المعنى بيتان وهما [المنسرح]:
فيَّ انقباضٌ وحشمة فإذا
رأيتُ أهل الوفاء والكرمِ
وقلتُ ما شئتُ غير محتشِم
أرسلتُ نفسي على سجيّتها
فقال له إسحاق: وددتُ أنّي قلتها بما أملك، فقال ابن كناسة: ما ظهر عليهما أحدٌ فخذهما
وانحلهما نفسك وقد وفر الله عليك مالك وآ ما قلتهما إلا الساعة، فقال أستحي من نفسي أن
أدّعي ما لم أقل، أو قال: فكيف لي بعلم نفسي أنهما ليسا لي؟ وقال إسحاق: فذاكرت ابن
كناسة هذين البيتين في مجلس يحيى بن معين بعد فقال: لكني أنشدك اليوم [الطويل]:
ضعفتُ عن الإخوان حتى جفوتهم
ولكنَّ أيامي تخرّمنَ مُدّتي
وقال ابن كناسة بعد ما أسنَّ [البسيط]:
كأنَّ سبعاً مضت لي في تصعَّدها
لم يبق من مرّها إلاَّ تذكُّرها
وقال لما توفي إبراهيم بن أدهم [الطويل]:
رأيتُك لا يكفيك ما دونه الغِنَى
أخاً لك يحمي سيفه ولسانه
وكان يرى الدنيا صغيراً كبيرها
يشيع الغِنَى أن ناله وكأنما
وللحلم سلطانٌ على الجهل عنده
وأكثر ما تَلْقَاهُ في القوم صامتاً
يُرَى مستكيناً خاشعاً متواضعاً
وقال [الطويل]:
إذا المرء يوماً أغلق الباب مُرتجاً
وأُعرضُ حتى يحسب المرءُ أنني
وإنّي لأُغضي عن أمور كثيرةٍ
حفاظاً وضناً بالإخاء وعقدةً
على غير زُهدٍ في الإخاء وفي الودّ
فما أبلغ الحاجات إلاَّ على جهدٍ
إلى الثمانين كانت غدوة الغادي
كالحلم في طول إفراعي وإصعادي
وقد كان يكفي دون ذاك ابن أدهما
حِماك ولا يفني لك الدهر مجرما
وكان لحقّ اللَّه فيها معظّما
يلاقي به الباساء عيسى ابن مريما
فما يستطيع الجهل أن يترمرما
فإن قال بذّ القائلين وأحكما
وليثاً إذا لاقى الكريهة ضيغما
ليستر أمراً كنتُ كالمتغافلٍ
جهلتُ الذي يأتي ولست بجاهل
وفي دونها قطع الحبيبِ المواصل
إذا ضيّع الإخوانُ عقد الحبائلِ
١٩٢٦ - ((أبو منصور البغدادي)) محمد بن لُؤْيَّ بن محمد بن عبد الله القرشي. أبو منصور

٢٦٨
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
البغدادي الأديب من شعراء الديوان العزيز. كان مسناً عاش تسعين سنة وتوفي سنة ثمان وثلاثين
وستمائة. من شعره [الخفيف]:
إنَّ في القلب منه داءٌ دويُّ
تاه بالحسن شادن عربي
ساحراتٍ وسحرُها بابليُّ
بدر تمّ يسبي بغنج لحاظٍ
وجهه المشرق البهيّ الوضيُّ
يخجل الشمسَ حُسْنُه حين يبدو
ج ولكن له دبيب خفيُّ
بعذارٍ كالنمل دبّ على العا
ءِ وأندى وقلبه جَلْمَديُّ
رشا جسمه أرقُ من الما
وحواجيبُه الحسان القسيُّ
بجوادٍ له النبيّ سميُّ
قد رماني بأَسهُمِ من جفونٍ
أنا من عُظم هجره مستجيرٌ
قلت: شعر متوسط ولكن الأول ملحون القافية.
١٩٢٧ - ((أبو الربيع الفقيه الكاتب)) محمد بن الليث بن أذرباذ بن فيروز بن شاهين. يتّصل
نسبه بدارا بن دارا يُعرَف بالخطيب وبالفقيه ويكنى أبا الربيع. كتب ليحيى بن خالد وله ولاءٌ في بني
أُميّة، وكان بليغاً مترسلاً كاتباً فقيهاً متكلماً سمحاً وكانت البرامكة تقدمه وتحسن إليه وكان يُرمَى
بالزندقة. وله ((كتاب رسائله)) ((كتاب الهليلجة في الاعتبار)) ((كتاب الردّ على الزنادقة)) ((كتاب جواب
قسطنطين عن الرشيد)) ((كتاب الخطّ والقلم)) ((كتاب عظة هارون)) ((كتاب إلى يحيى بن خالد في الأدب)).
١٩٢٨ ((التاجر)) محمد بن ليث العِدَى. الحاج شمس الدين ابن الحاج الفقيه زين الدين
التاجر بمدينة سيّدنا الخليل ◌َّهور. توفي في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة رحمه الله وأوصى
أن يُصرف من تركته لعمارة حرم مكة وحرم النبيّ وَّه وحرم القُدس الشريف وحرم سيّدنا الخليل
لكلّ مكان منها مبلغ ثمانمائة دينار مصرية، فقال له شهاب الدين أبو العباس أحمد خطيب الحرم:
إن هذه الوصيّة إنما تنفذ من الثلث، فقال: أعرفُ ذلك وإن النبيّ وَ لّ قال لسعد: ((الثُلث والثلث
كثيرٌ))(١) وثُلث مالي يزيد على ذلك، وكُتب بذلك محضر وجُهّز إلى دمشق والنائب يومئذٍ الأمير
سیف الدین أرغون شاه.
١٩٢٩ - ((زَنْبَقة السمسار)) محمد بن ماهان السمسار زنبقة. بغدادي صدوق، وثّقه البرقاني
وتوفي سنة سبعين ومائتين.
١٩٢٧ - ((الفهرست)) لابن النديم (١٢٠/١).
١٩٢٨ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤/ ١٥٢).
(١)
رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٤٤٠٩) كتاب المغازي، باب حجة الوداع (ج ٨/ ص ٤٤٧)، ومسلم
في ((صحيحه)) (١٦٢٨) في الوصية، باب الوصية بالثلث، وأبو داود برقم (٢٨٥٦) كتاب الوصايا (باب ما
لا يجوز للموصي في ماله (٣ ص ٣٩١ - ٣٩٢)، والترمذي في سننه رقم (٢١١٦) كتاب الوصايا باب ما
جاء في الوصية بالثلث (ج ٤/ ص ٤٣٠) والنسائي في ((سننه (٢٤١/٦) في الوصايا، باب الوصية بالثلث،
وابن ماجه برقم (٢٧٤٠) في الوصايا، باب الوصية بالثلث.
١٩٢٩ - ((تاريخ بغداد)» للخطيب البغدادي (٢٩٣/٣).

٢٦٩
محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد
ابن المبارك
١٩٣٠ - ((القلانسى الصوري)) محمد بن المبارك بن يعلى. القرشي الصوري القلانسي. روى
عنه الجماعة يحيى بن معين ومحمد بن يحيى الذهلي، قال ابن معين: كان شيخ البلد يعني دمشق
بعد أبي مُسهر، توفي بدمشق سنة خمس عشرة ومائتين.
١٩٣١ - محمد بن المبارك بن علي. أبو عبد الله. توفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
من شعره في مغنٍ اسمه محمود يهجوه [الخفيف]:
ما تغنّى من فوقها محمودُ
لو أراد الإله بالأرض خصباً
ـب وغنَّى غطَّى عليه الجليدُ
كلّما أنبتتْ يسيراً من العشـ
١٩٣٢ - ((ابن الحصري)) محمد بن المبارك بن الحسين بن إسماعيل بن الخضر. أبو بكر
ابن أبي البركات. قرأ الفقه على مذهب أحمد بن حنبل على عبد القادر الجيلي ثم انتقل عنه إلى
القاضي أبي يعلى محمد بن محمد بن الفرّاء وصار به خصيصاً فلما ولي أبو يعلى قضاء واسط
انحدر ابن الحُصري معه وشهد عنده وولاه قضاء قريةٍ وأقام هناك إلى أن عزل وعاد معه إلى
بغداد. وكانت أوقاته محفوظةً بإقراء القرآن والفقه وسماع الحديث وحدث باليسير. وتوفي سنة
أربع وستين وخمسمائة .
١٩٣٣ - ((ابن الخل الفقيه)) محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد. الإمام
أبو الحسن بن أبي البقاء البغدادي المعروف بابن الخَلّ الشافعي. كان خبيراً بالمذهب إماماً، تفقّه
على أبي بكر الشاشي المستظهري، درّس وأفتى وصنّف وتفرّد بالفتيا في بغداد في المسألة
السُريجية، صنّف شرحاً للتنبيه سمّاه ((توجيه التنبيه)) وهو مختصر وهو أول شرح وُضع للتنبيه،
وكتاباً في أصول الفقه، وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة
١٩٣٠ - (تاريخ البخاري الكبير)) (٢٤٠/١)، و ((تاريخ البخاري الصغير)) (٣٣١/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي
حاتم الرازي (٤٤٥/٨)، و((الثقات)) لابن حبان (٧١/٩)، و((حلية الأولياء)) لأبي نعيم الأصبهاني (٩/
٢٩٨)، و((الأنساب)) للسمعاني (٣٢٤/٨)، و((العبر)) للذهبي (٣٦٧/١)، و((المشتبه)) للذهبي (٤١٣)،
و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٦٩/١٠)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢٣/٩)، و((تقريب التهذيب))
لابن حجر (٢٠٤/٢)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (١٦٦).
١٩٣٢ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (٢٢٩/١٠)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٢١٤/٤).
١٩٣٣ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (٧٩/١٠)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٥٩١/١)، و((طبقات الشافعية))
السبكي (٩٦/٤ - ٩٧)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٦٤/٤ - ١٦٥)، و((هدية العارفين)) للبغدادي
(٢/ ٩٣).

٢٧٠
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
وأبي الحسين عبد الله البسري وغيرهما، وروى عنه أبو سعد السمعاني وغيره. وقيل إنهم كانوا
يتحيلون على أخذ خطّه بالفتاوي لأنه كتب المنسوب إلى الغاية فضاقت أوقاته بالفتاوي وشغلته
الكتابة عليها فلما فهم ذلك كان يكسر القلم ويكتب على الفتاوي فقصروا عنه. وقيل إن الذي
كتب مليحاً أخوه أبو الحسين أحمد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. وتوفي سنة اثنتين وخمسين
و خمسمائة.
١٩٣٤ - ((أبو غالب)) محمد بن المبارك بن محمد بن محمد بن ميمون أبو غالب. أورد له
ابن الساعي في ((كتاب لطائف المعاني)) قوله ما يُكتب على مرآة [الخفيف]:
بهما الدهرَ ذات كبرِوتيهِ
فيَّ يا قوم خصلتان أراني
ـه وصدقي في كلّ ما أحكيهِ
جَلَبي الشكر والمحامد للـ
سئل عن مولده فقال: في سابع عشر المحرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وتوفي تاسع
جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسمائة ودفن بمقابر قريش.
١٩٣٥ - ((ابن مَشِقّ البغدادي)) محمد بن المبارك بن محمد بن محمد بن الحسين. المحدث
المفيد أبو بكر بن مَشِقّ البغدادي البيع. بلغت مجلّدات مسموعاته ست مجلدات. توفي سنة
خمس وستمائة. حدّث باليسير.
١٩٣٦ - ((الباخرزي)) محمد بن المبارك بن صدقة بن يوسف. الباخرزي أبو الحسين. قرأ
الأدب ببغداد وصحب العلماء وكتب بخطّه. وتوفي سنة إحدى عشرة وستمائة.
١٩٣٧ - ((أبو البقاء)) محمد بن المبارك بن المبارك بن هبة الله بن محمد بن بكري. أبو البقاء
بن أبي المعالي. من أهل الحريم الظاهري من أولاد المحدثين. وكان شيخاً صالحاً حسن
الطريقة. توفي سنة ست وثلاثين وستمائة.
١٩٣٨ - ((أبو المعالي المدائني)) محمد بن المبارك بن محمد بن محمد بن الخطيب.
أبو المعالي بن أبي المنصور من أهل المدائن. كان بها قاضياً وكان فاضلاً متأدباً شاعراً، سمع
الحديث ببغداد من محمد بن الزاغوني وأبي الوقت السجزي وغيرهما ولم يبلغ سنّ الراوية. توفي
ببغداد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وحمل إلى المدائن. ومن شعره [الطويل]:
إليك ولم تعطِفْ عليك أواصِرُه
إذا لم يكن خيرُ القريب مقرّباً
وخيرٌ من الأحياء مَن أنت قابِرُهْ
فأجوَدُ من ذي المال مَنْ كان مُعدماً
ومنه [البسيط]:
لمّا وليتَ ففي التغرير ما فيهِ
لا تغترِز بقبيلٍ صِرتَ سيّدهم
أفعَى يمجّ لعاب السمّ من فيهِ
ولا تقل إنّهم أهلي فإنّهمُ
وجودها وهي يا ذا اللبّ تُفنيهِ
کدودة المیت إن فگّرت منه بدا
١٩٣٩ - ((ابن مقبل الحمصي)) محمد بن مبارك بن مقبل بن الحسن. الأديب الرئيس جمال

٢٧١
محمد بن المثنّی بن عبيد بن قیس
الدين الغسَّاني الحمصي الشاعر الناثر. كان أبوه وزيراً من أجلاد الشيعة وغُلاتهم. وُلد محمد يوم
عيد الفطر سنة سبع وستمائة وتوفي سنة سبعين وستمائة تقريباً. ومن شعره ... (١).
١٩٤٠ - ((ابن جارية القصار)) محمد بن المبارك بن أحمد بن علي بن القصّار. الوكيل
أبو عبد الله بن أبي القاسم المعروف بابن جارية القصار. كان وكيلاً على أبواب القضاة، كانت أمّه
من جواري المقيّنات الموصوفات بالإحسان في الغناء، وكان محمد هذا شاعراً ظريفاً كاتباً
مطبوعاً، سمع الحديث ومات سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ولم يبلغ أوان الرواية. ومن شعره:
قد عقدتْ صُبْحَه بلَيْلهِ
وأدهَمَ اللونِ ذي حجولٍ
فجاء مستمسكاً بذَيْلِهِ
كأنَّما البرق خاف منه
وقال يستهدي مداداً [المتقارب]:
م شَيْبَ دواتيَ قبل الهَرَمْ
إليك اشتكائيَ يا ابن الكرا
يعدل في القبح شيب الِلمَمْ
وشيبُ الدويّ كما قد علمت
شبابٍ ذوائبها المُنعدِمْ
فُمِرْ بخضابٍ كفيلٍ برِدّ
١٩٤١ - ((اليماني)) محمد بن المبارك اليماني. قال العماد الكاتب: من فضلاء اليمن،
ونبلاء الزمن، سافر إلى بغداد بالبركة واليُمْن، وكان من الفصحاء اللُسْن، وأورد له قوله
[الکامل]:
أُولعتَ خوفَ العاذلين بطَيّها
فأنشر مَطارِفَ مَنْ هواك فطالما
لا تستبين رشادها من غيّها
ودَعِ التأمّل في العواقب إنّها
١٩٤٢ - ((المقرىء)) محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن. مولى بني هاشم اللؤلؤي المقرىء
صاحب يعقوب. توفي سنة ثماني وثلاثين ومائتين. أسند عن الفضيل بن عياض وغيره، وأخرج
عنه أبو داود في سننه وغيره، اتفقوا على صدقه وثقته. قال رأيت النبيّ وَّر في المنام فقلت يا
رسول الله أستغفر لي فقد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزهر عن جابر أنك ما سئلتَ شيئاً فقلتَ
لا، فتبسم وقال غفر الله لك.
١٩٤٣ - ((الحافظ العنزي)) محمد بن المثنَّى بن عبيد بن قيس. الحافظ أبو موسى العَنَزي
(١) بياض في الأصل.
١٩٤٢ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢٣٩/١)، و((الثقات)) لابن حبان (٨٨/٩)، و((الأنساب)) للسمعاني (٢٩٤/٩)،
و (ميزان الاعتدال)) للذهبي (٥٦/٣، ٢٣/٤)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٧٣/٧) ط. حيدرآباد،
و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢٤/٩)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٠٤/٢).
١٩٤٣ - ((تاريخ البخاري الصغير)) (٣٩٦/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (٤٠٩/٨)، و((الثقات))
لابن حبان (١١١/٩)، و((تاريخ بغداد)» للخطيب البغدادي (٢٨٣/٣)، و((الأنساب)) للسمعاني (٣٦٣/٩)،
و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٧٣/٧) ط. حيدرآباد، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢٥/٩)، و((تقريب
التهذیب)» لابن حجر (٢٠٤/٢).

٢٧٢
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
البصري الزمن. روى عنه الجماعة، والنسائي عن رجل عنه وجماعة كبار. كان أرجح من بُندار
وأحفظ لأنه رحل وبندار لم يرحل واتفقا في المولد والوفاة، توفي بعد بندار بثلاثة أشهر سنة
اثنتين وخمسين ومائتين، وكانا نظيرين في الإتقان والحفظ واتفق الأئمة على الرواية عنهما.
١٩٤٤ - ((العنتري الطبيب)) محمد بن المجلي بن الصائغ. أبو المؤيد الجزري الطبيب
المعروف بالعَنْتَري. لأنه كان في أول الأمر يكتب سيرة عنتر. كان طبيباً مشهوراً عالماً مذكوراً
حسن المعالجة فيلسوفاً متميزاً في الأدب. له شعر حسن منه قوله الأبيات السائرة التي منها
[الكامل]:
أَقِللْ نكاحك ما استطعتَ فإنَّه ماءُ الحياة يُراق في الأرحامِ
له ((كتاب الجمانة في الطبيعي والإلهي)) و((الأقراباذين)) وهو كبير مفيد و ((رسالة الشعرَى
اليمانية إلى الشعرَى الشمالية)) كتبها في عرفة النحوي بدمشق و ((رسالة الفرق ما بين الدهر والزمان
والكفر والإيمان)) ((رسالة العشق الإلهي والطبيعي)) و((النور المجتنى في المحاضرة)). توفي سنة
ستين وخمسمائة تقريباً. ومن شعره [الخفيف]:
كلُّ علمي تصوّرٌ وقياسُ
أَبلِغ العالمين عنّيَ أنّي
ظهرت لي وليس فيها التباسُ
عرف العلَمَ بالرجال الناسُ
قد كشفتُ الأشياء بالفعل حتى
وعرفتُ الرجال بالعلم لمّا
ومنه [الكامل]:
قالوا رضيتَ وأنت أعلمُ ذا الورى
تجتاب أبواب الخمول فقلتُ عن
لي همّةٌ مأسورةٌ لو صادفتْ
ضاق الفضاء بها فلا تسطيعها
ما للمقاصد جمّةٌ ومقاصدي
أَطْوي الليالي بالمُنَى وصروفها
إنّي على نُوَب الزمان لصابرٌ
أمّا الذي يبقى فقد أحرزتُهُ
ومنه [البسيط]:
بُنَيَّ كُنْ حافظاً للعلم مطّرحاً
فقد يسود الفَتَى من غير سابقةٍ
بحقائق الأشياء عن باريها
كُرهٍ ولستُ كجاهلٍ راضيها
سعداً بغير عَوائقٍ تَثْنيها
لعُلوّها الأفلاك أن تحويها
ناطَ القضاء بها الفضا والتيها
تَنْشُرْنَنِي أضعافَ ما أَطْويها
إِمّا ستُفني العمر أو يُفنيها
والفانيات فما أُفكّر فيها
جميعَ ما الناس فيه تكتسِبْ نَسَبا
للأصل بالعلم حتى يبلغ الشُهُبا
١٩٤٤ - ((عيون الأنباء)) لابن أبي أصيبعة (٢٩٠/١ - ٢٩٧)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٥٦٢/١، ٢٧٠/٢،
٢٨٦، ٦٨٧)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١٠٠/٢).

٢٧٣
محمد بن محرز
غَذّ العلوم بتذكارٍ تَعِشْ أبداً
إني أَرَى عدم الإنسان أصلَحَ من
قضى الحياة فلمّا مات شيّعه
ومنه [السريع]:
مَن لزم الصمت أكتسى هيبةً
لسانُ مَن يعقل في قلبه
ومنه [مخلع البسيط]:
قد أقبلتْ غُولُ الصبايا
فقلتُ من أعظم الرزايا
أحسن ما كنتِ في عباةٍ
قلت: شعر جيّد.
فالنار تخمد مهما لم تجد خَطَبا
عُمرٍ به لم يَنَلْ علماً ولا نَشَبا
جهلٌ وفقرٌ لقد قضاهما نَصَبا
تُخفي عن الناس مَساويه
وقلبُ مَن يجهل في فيهِ
تنظر عن مُعلَم النقابِ
قُفْلٌ على منزلٍ خرابٍ
ملفوفة الرأس في جرابٍ
١٩٤٥ - محمد بن محبّب. أبو همام الدلال القرشي البصري صاحب الدقيق. روى عنه
أبو داود عن رجل والنسائي وابن ماجه وثّقه أبو داود. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
١٩٤٦ - ((البناني)) محمد بن محبوب. أبو عبد الله البُناني. روى عنه البخاري وأبو داود
وروى النسائي عن رجل عنه، أثنى عليه ابن معين وقال: كيّس صادق. توفي سنة اثنتين وعشرين
ومائتين.
١٩٤٧ - ((ركن الدين الوهراني)) محمد بن مُحرز. أبو عبد الله المعروف بركن الدين
الوَهْراني وقيل جمال الدين أحد ظرفاء العالم وأدبائهم. قدم من المغرب إلى مصر وهو يدّعي
الإنشاء فرأى الفاضل والعماد وتلك الحلبة فعلم أنه ليس من طبقتهم فسلك ذلك المنهج الحلو
والأنموذج الظريف وعمل المنام المشهور وله ديوان ترسّل. قدم دمشق وأقام بها مدّةً وبها توفي
سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ووَهْران مدينة كبيرة بينها وبين تلمسان يومان بُنيت سنة تسعين
ومائتين. والمنام الذي عمله سلك فيه مسلك أبي العلاء المعرّي في ((رسالة الغُفران)) لكنه ألطف
١٩٤٥ - («تاريخ البخاري الكبير» (٢٤٧/١)، و («ميزان الاعتدال)) للذهبي (٢٥/٤)، و((لسان الميزان)» لابن حجر (٧)
٣٧٤)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٢٧/٩)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٠٤/٢).
١٩٤٦ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢٤٥/١)، و((تاريخ البخاري الصغير)) (٣٤٩/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي
حاتم الرازي (٤٤٠/٨)، و((الثقات)) لابن حبان (٨٠/٩)، و((التاريخ)) لابن معين (٥٣٧/٣)، و((تهذيب
الكمال)» للمزي (١٢٦٥/٣)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٢٥/٤)، و((الكاشف)» للذهبي (٩٣/٣)، و ((العِبَر)
للذهبي (٣٨٨/١)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٣٧٤/٧) ط. حيدرآباد، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر
(٤٢٩/٩)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٠٤/٢).
١٩٤٧ - ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٦٥٦/١)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (١٧٤/١١).

٢٧٤
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
مقصداً وأعذب عبارةً. وكان قد سلّطه الله تعالى على الشيخ تاج الدين الكندي وعلى المهذّب بن
النقاش الطبيب وعلى القاضي الفاضل. أما القاضي الفاضل فإنه ما كان يجسر على التصريح بذكره
بل يعرّض به كقوله في رسالةٍ كتبها إلى مجد الدين ابن المطلب وقد ذكر حمام الفيوم: فلم أشعر
إلاَّ والحائط الشمالي قد انشقّ، وخرج منه شخصٌ عجيب الصورة ليس له رأس ولا رقبة البتّة
وإنما وجهه في صدره ولحيته في بطنه مثل بعض الناس، فهذا تعريض بالفاضل رحمه الله. وأما
المهذّب فذكره صريحاً كقوله في جملة المنام الذي رآه: وإنَّ القيامة قد قامت والخلق في
الموقف، وإذا بحلقة عظيمة بعيدة الأقطار فيها من الأمم ما لا يُحصى كلّهم يصفقون ويلعبون
وثلاثة في وسطهم يرقصون إلى أن تعبوا ووقعوا إلى الأرض، فسألنا بعض الحاضرين عن ذلك
الفرح وعن الثلاثة الذين يرقصون فقال: أما الثلاثة فعبد الرحمن بن ملجم المرادي والشمر بن ذي
الجوشن والحجاج بن يوسف مُجرِمو هذه الأمة، وأما الفرح الذي ألهاهم عن توقّع العقاب حتى
رقصوا من الطرب مع ما كانوا عليه من رجاحة العقل ونزاهة النفس فهو الطمع في رحمة الله تعالى
بعد اليأس منها، والسبب فيه كون البارىء عز وجلَّ غفر اليوم للفقيه المجير والمهذّب بن النقاش
فخُذوا أنتم بخطّكم رحمكم الله من الفرح والسرور، فقلت وأيّ شيء ينالنا نحن من نجاة هذين
الرجلين ومن فوزهما بالرحمة والرضوان ونحن إلى الحزن أقرب منّا للسرور؟ فقال: قد أجمع
الناس على أنه لم يولد مولود في الإسلام أرقّ ديناً من هذين الرجلين ولا أقلّ خيراً منهما فإذا غفر
لهما فما عسى أن يكون ذنوب الحجاج وأصحابه وما ذنوبهم في جنب ذنوب هذين إلاَّ كالشعرة
البيضاء في الثور الأسود. ثم إن الوهراني استطرد بعد هذا في ذكره من شيء إلى شيء في ذكر
معائب وقبائح بمقاصد غريبة خفيّة الكيد، وكرّر ذكره في ترسله ورماه بكل عظيمة. وأما تاج الدين
الكندي فذكره أيضاً في غير موضع من ذلك في رسالة منها وقد ذكر قصيدةً للكندي أولها
[الطويل]:
كذلك عادي فى العِدَى والندَى قِدْما
قدمتُ فلم أترك لذي قدّم حُكما
ومع هذا فما ينبغي أن يبتدىء مثل هذه البداءة إلاَّ مصعب بن الزبير أو يزيد بن المهلّب أو
مسلم بن قتيبة الذين جمعوا الشجاعة والكرم، وأمّا الرجل السوقة إذا قال هذا الكلام فما يجاوب
إلاَّ بمكاوي البيطار في اليأفوخ والأصداغ. وأما قوله [الطويل]:
إذا وطيء الضرغامُ أرضاً تضايقتْ
خُطا وحشِها عنه فيوسعها هَزْما
فإنَّه وإن كان من الشعر الذي تمجّه الأسماع وتأباه النفوس فما له عندي جواب إلاَّ الضراط
المغربي الصُلب يصفّى في جوف لحية قائله من مكان قريب. وأما قوله [الطويل]:
وإن أَكُ في صدرٍ من العمر شارخاً
فكّم يَفَنٍ عن همّتي بفتى هَمّا
فلو أن لي به قوّةً أو آوي إلى ركن شديد لكتبتُ هذا البيت بالخرا على ورق القُنَّبِيط ثم
ألزمتُه أن يأكله فيكون الخرا قد أكل الخرا من خرا على خرا في خرا. وأما قوله [الطويل]:
تعزّ على طلابها العُرْبَ والعُجْما
سبقتُ إلى غايات كلّ فضيلةٍ

٢٧٥
محمد بن مُحرز
فهذا البيت المصيبة العظمى والطامّة الكبرى وليس ينبغي أن يجاوَب في هذا بجواب إلاَّ أن
يُحضره بعض السلاطين ويقول له: أنت قلت ((سبقت إلى غايات كلّ فضيلة))؟ فيقول: نعم،
فيرمي قوساً ويقول: جُرَّ هذا القوس، فيقول: ما أقدر، فيقول: أصفعوه فيُصفع ثم يقدّم له فرساً
ورمحاً ودرعاً ويقول له: قاتِلْ هذا الغلام بهذا السلاح، فيقول: ما أقدر، فيقول: اصفعوه،
فيصفع فيقول له: فحُلَّ لنا شكلاً من إقليدس، فيقول: لا أعلم، فيقول اصفعوه، فيصفع فيقول:
مسألةً من ((المجسطي))، فيقول: ما أعلم، فيقول: اصفعوه فيصفع فيقول له: مسألةً من النجوم،
فيقول: ما أعلم، فيقول: اصفعوه فيصفع فيقول له: يا ابن عشرة آلاف قحبة فأيّ شيء تعلم؟
فيقول: أعلم شيئاً من النحو والتصريف لا غير، فيقول له: ولأجل النحو والتصريف تقول ((سبقت
إلى غايات كل فضيلة))؟ رحمَ امرأةٍ سيبويه! والكلبَ على عيال الأخفش! وأصفع الفارسي عشرة
ألاف فلعة قفاه! فيُصفَع حتى يعمى. ومن كلامه: عشرة أشياء من أبواب البرّ تُسخط الله وتُرضي
الشيطان وهي: انقطاع ابن الصابوني إلى الله عز وجلَّ في القرافة، وتعصّب الخبوشاني لقبر
الشافعي رحمه الله، وتنقل القاضي الأثير قبل صلاة الجمعة وبعدها وظهور سجادة في هذه الأيام
على وجهه، وصلاة السديد الطبيب التراويح في شهر رمضان، وبكاء الفقيه البهاء على المنبر يوم
الجمعة. وقراءة الوهراني السبع في صباح كل يوم، وسماع ابن عثمان الحديث عن رسول الله وَ له
في جمعة واحدة ورواية ذلك على رؤوس الأشهاد، وحضور ابن مماتي مجالس الوعظ في القرافة
وبكاؤه عند قراءة القرآن، وإنكار أبي عبد الله البغدادي على المزارين خاصةً ولا يلتفت إلى غيره
من الذنوب، وبنيان ابن أبي الحجاج لقبر آسية رضي الله عنها وترتيب القراء فيه في كل جمعة،
ذكر أن هذه الأعمال الصالحة لا يعبأ الله بها وهي أحبّ إلى إبليس من كبائر الذنوب. قلت:
وعلى الجملة فما كاد يسلم من شرّ لسانه أحدٌ ممن عاصره، ومَن طالع ترسّله وقف على العجائب
والغرائب وما كان يخلو - سامحه الله - من تجرٍ.

٢٧٦
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ابن المحسن
١٩٤٨ - ((خطيب مصر البعلبكي)) محمد بن المحسِّن بن الحسين بن أبي المضاء. الخطيب
شمس الدين أبو عبد الله البعلبكي ثم المصري. نشأ بمصر وقرأ الأدب وسمع بدمشق من ابن
عساكر وغيره، ورحل إلى بغداد وسمع بها وقرأ بها الفقه، واتصل بصلاح الدين وهو أول من
خطب بمصر لبني العباس ثم نفذه صلاح الدين رسولاً إلى بغداد، ومات بدمشق ولم يكمل له
أربعون سنة سنةً اثنتين وسبعين وخمسمائة.
١٩٤٩ - محمد بن المحسِّن بن أحمد. أبو عبد الله السلمي. أصله من ((ملح)) قرية
بحوران. ولي أبوه على حلب زماناً، وكان فاضلاً وله نظم ونثر، قال يمدح القاضي ابن أبي عقيل
وهو شعر منحطّ [مرفل الكامل]:
إن كان يُحفَظ في الهوى نَسَبُ
يا هِندُ هل وصلٌ فيُرتقبُ
أيامَ أثوابُ الصِبَى قُشُبُ
أنّسيتٍ موقفنا بذي سَلَم
عهدي وحرّك نحوها سَبَبُ
قد زرتُ بغداداً وطال بها
فوق السماك لمجده طُنْبُ
دار الملوك وكلّ مَن ضُربَتْ
توفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة وقيل سنة تسع وأربعين.
١٩٥٠ - ((أبو الحسن الكارزيني)) محمد بن المحسن بن سهل الكارزيني. أبو الحسن
الأديب. ذكره السمعاني في ((كتاب النسب)) فقال: حدث ببغداد بشيء من الشعر عن أبيه، روى
عنه أبو شجاع كيخسرو بن يحيى بن باكير هذه الأبيات قال: أنشدني أبو سعد بن خلف النِيرماني
لنفسه [الكامل]:
فأرحمه قبل شماتة العُذّالِ
مولاي عبدُك من جفاك(١) بحالٍ
في الكأس أسماءٌ بلا أفعالٍ
أحبابُنا في الناس مثل حبابنا
منهم إليّ كاللؤلؤ المتلالي
يُلهيك(٢) أول نظرة ترمي بها
حالت عهود وجوههم في الحالِ
فإذا طردتَ الطرف فيهم ثانياً
١٩٥٠ - ((الأنساب)) السمعاني (٣١٦/١٠)، وكارزين: من بلاد فارس.
(١) في ((الأنساب)): هواك.
(٢) في ((الأنساب)): تلهيكَ.

٢٧٧
محمد بن محمود بن الحسين
ابن محمود
١٩٥١ - ((الحمامي الهمذاني)) محمد بن محمود بن إبراهيم بن الفرح بن إبراهيم. الحمامي
الهمذاني تقي الدين أبو جعفر. طلب الحديث بنفسه فسمع الكثير ببلده من أبي الفضل محمد بن
نبيهان المؤدب والليث بن سعد بن بوغة والحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني وخلق
كثير، ثم رحل إلى أصبهان بعد السبعين والخمسمائة وسمع بها من عبد الله بن عمر المعدل وكان
من أصحاب أبي عبد الله الثقفي ومن جماعةٍ، وقدم بغداد سنة أربع وسبعين وخمسمائة وسمع من
الأسعد بن بلدرك بن أبي اللقاء الجبريلي وغيره، ثم عاد إلى أصبهان وسمع من أصحاب أبي علي
الحداد وغانم البُرجي وأبي منصور الصيرفي وأبي طاهر الرشتياني وأمثالهم، ثم قدم بغداد سنة
إحدى وستمائة وحجّ وعاد وسمع من أصحاب ابن الحصين وأبي غالب بن البناء ومحمد بن عبد
الباقي الأنصاري، وسمعه محب الدين بن النجار قال: وكان يملي بمعرفة الصحابة ثم غريب
الحديث، ويتكلم على الناس على طريق الوعاظ، وكانت أوقاته مستغرقة في عقد المجالس في
كل يوم في موضع معين، وكان له القبول التام بين الخاصّ والعام والناس يعتقدون بركته، وكان
من أئمة الحديث وحفاظهم ومُتقنيهم، له المعرفة بفقه الحديث وغريبه ومعانيه وأسماء رجاله
وتواريخ أعمارهم ومعرفة أحوالهم، وكان فصيحاً ذا عبارة منقّحة كثير الكتب والفوائد وله الأصول
الحسان والكتب الكثيرة وله المصنَّفات المليحة ويكتب خطّاً صحيحاً، وهو نبيل ورع متديّن زاهد
عابد عفيف أمّار بالمعروف نهاء عن المنكر ناصر السنّة قامع البدع طيّب الأخلاق حسن العشرة
متودد متواضع محب للغرباء وطلاع العلم كريم النفس جواد بما في يديه، وُلد سنة ثمان وأربعين
وخمسمائة. ولما استولى التتار على همذان خرج إلى الجهاد وولده بين يديه وهو يحثّه على
القتال حتى استشهدا سنة ثمان عشرة وستمائة. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: تكلّم فيه الرفيع
الأبرقوهي وقال: لا يصحّ سماعه.
١٩٥٢ - ((الخطيب القرقوبي)) محمد بن محمود بن الحسين بن محمد بن حامد بن الحسن
بن يوسف القُرقوبي. أبو عبد الله الخطيب. وقرقوب بليدة قريبة من الطِيب. شاعر حسن الشعر
مدح الناس واجتداهم ومدح الإمام المستظهر بالله، وسمع منه أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ
وأبو محمد ابن الخشاب النحوي شيئاً من شعره. قال سألني بعض المشايخ إجازةً بيتٍ للشبلي
وهو [الطويل]:
بأيّ نواحي الأرض أبغي وصالكم وأنتم ملوكٌ ما لقصدكمُ سُبْلُ
١٩٥١ - ((سير الأعلام)» للذهبي (١٦١/٢٢).

٢٧٨
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
فقلت مجيزاً له [الطويل]:
إذا لم يكن وصلٌ يقرّب منكمُ
فنصبِرُ حتى نستلين حجابكم
فما قرع الصبّار باب لبانةٍ
وإلاَّ علاه من سوابغ طَولكم
ولا منكم تأتي إلى عندنا رُسْلُ
ويدرأ عنه جورَ هجرِكم الوصلُ
إليكم وإلاَّ دونه انفتح القُفْلُ
نسيمٌ له في كلّ مكرمةٍ فعلُ
وأنتم ملوكٌ في الورى دأبُها الفضلُ
أيقنَطُ من إِحسانكم عبدُ مثلكم
فإن لم يكن أهلاً لما رام عبدكم
ألا حَقِقوا المظنون فيكم وصدّقوا
لديكم من النعمان فأنتم له أهلُ
فأكبرُ ظنيّ أن سيتصل الحبلُ
قلت: شعر متوسط. وتوفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ببغداد ودُفن بباب أبرز.
١٩٥٣ - ((أبو عبد الله الواعظ)) محمد بن محمود بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن
حيوية. أبو عبد الله الواعظ الأصبهاني. كان ختن الحافظ أبي موسى على ابنته وكان أديباً فاضلاً
واعظاً من وجوه الحنابلة، سمع الحديث الكثير وكتب بخطّه وجمع معجماً لمشايخه، وكان متديناً
حسن الطريقة صدوقاً، سمع أبا سعد أحمد بن محمد بن أبي سعد البغدادي وأبا القاسم إسماعيل
ابن علي بن الحسن الحمامي وأبا رشيد أحمد بن محمد بن أحمد الخرقي وأبا القاسم إبراهيم بن
محمد بن أبي القاسم الدواتي وخلقاً كثيراً وقدم بغداد وحدَّث باليسير، سمع منه بلديه محمد بن
حامد بن عبد الواحد البقّال. توفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
١٩٥٤ - ((ابن القزويني)) محمد بن محمود بن الحسن بن محمد بن يوسف بن محمد بن
الحسن بن محمد بن عكرمة بن أنس بن مالك الأنصاري. أبو الفرج بن أبي حاتم المعروف بابن
القزويني من أهل آمل طبرستان. سمع أباه وأبا سعد منصور بن إسحاق الخزرجي الحافظ وأبا
علي عبد الله بن محمد بن عبيد الله الحسيني وأبا منصور محمد بن عبد الرحمن الفلاس وأبا
العباس أحمد بن بُندار الدامغاني وغيرهم، وقدم بغداد وحدث بها، روى عنه من أهلها أبو الفتح
محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبو الحسن محمد بن المبارك بن الخَلّ الفقيه والحافظ
محمد بن ناصر وأبو محمد الحسن بن علي بن عبد الملك الكاتب وأبو الفضل عبد الله بن أحمد
ابن محمد بن الطوسي نزيل الموصل. قال محب الدين بن النجار: كان فاضلاً صدوقاً حسن
السيرة بكاءً صاحب معاملة، توفي سنة إحدى وخمسمائة.
١٩٥٥ - ((ابن خمارتاش الواعظ» محمد بن محمود بن خمارتاش. التاجر أبو عبد الله الواعظ
الأصبهاني، طلب الحديث بنفسه وسمع الكثير وكتب بخطّه وحصّل الكتب والأجزاء وقرأ على
١٩٥٤ - (سير الأعلام)) للذهبي (٢١٧/١٩) رقم (١٣٤)، و((العبر)) وفيات سنة (٥٠١ هـ)، و((شذرات الذهب)) لابن
العماد (٣/٤).

٢٧٩
محمد بن محمود بن علي بن أبي علي الحسين بن يوسف الأسدي
المشايخ والحفاظ وكان يعقد مجلس الوعظ وله معرفة بالتفسير والحديث والفقه على مذهب
الشافعي وله حظّ من الأدب ويكتب الخطّ الحسن، سمع أبا القاسم إسماعيل بن علي بن الحسين
الحمامي وأبا الحسين محمد بن أحمد بن عمر الباغبان وأبا عبد الله الحسن بن العباس الرستمي
وأبا الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي وجماعةً. قال محب الدين ابن النجار: سمعت منه
بأصبهان وكان صدوقاً متديناً حسن الطريقة محمود الأفعال طيب الأخلاق متواضعاً، ولد في سنة
أربعين وخمسمائة .
١٩٥٦ - ((الطرازي البخاري)) محمد بن محمود بن علي بن أبي علي الحسين بن يوسف
الأسدي. أبو الرضا البخاري المعروف بالطرازي، كان من أئمة الفقهاء على مذهب الشافعي جال
في خراسان في طلب العلم وسمع الحديث من جماعة من الشيوخ وحدث. روى عنه أبو المظفر
ابن السمعاني، أورد له محب الدين بن النجار [البسيط]:
قولوا لمن رحلوا عن ربعنا عُودوا
قالوا تهنَّ بيوم العيد قلت لهم
أو لا فعن سُقم فقداني لهم عُودوا
فإن أجابوا فهتُوني بِعيدكم
تفقّه ببخارى على والده وعلى عبد العزيز بن عمر المعروف بالبرهان. قال ابن النجار:
کتبت عنه ببخاری ومات بعد الستين وخمسمائة .
آخر الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ويتلوه إن شاء الله تعالى محمد بن محمود بن عون بن فريج أبو عبد الله
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
١٩٥٦ - ((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٨٤/٤).