Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ محمد بن محمد بن أحمد ابن عبد الرحمن، أبو وأشار عند قوله عيسى إلى عيسى المعظم وعند قوله موسى إلى الأشرف موسى وعند قوله محمد إلى الكامل محمّد، قال الأمير سيف الدين بن اللمطي: كتب بعض المغاربة إلى الملك الكامل رقعة في ورقة بيضاء إن قرئت في ضوء السراج كانت فضيّةً وإن قرئت في الشمس كانت ذهبية وإن قرئت في الظلّ كانت حبراً أسود فيها هذه الأبيات [المتقارب]: وعيني بأشواقها ساهِرَةْ لئن صدّني البحر عن مَوطني فقد زخرفَ الله لي مكةً بأنوار كعبته الزاهِرَة وزخرف لي بالنبي يثرباً وبالملك الكامل القاهِرَة قال الأمير سيف الدين بن اللمطي فقال الملك الكامل قُل [المتقارب]: وطيّبَ لي بالنبي طَيبةٌ وبالملك الكامل القاهرة ١٢٢ - ((جمال الدين بن عمرون النحوي)) محمد بن محمد بن أبي علي بن أبي سعد ابن عَمْرُونَ. الشيخ جمال الدين أبو عبد الله الحلبي النحوي، ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة تقديراً وتوفي سنة تسع وأربعين وستمائة، سمع من ابن طبرزَد وأخذ النحو عن الموفق بن يعيش وغيره وبرع في العربية وتصدّر لإقرائها وجالسه الإمام جمال الدين بن مالك وأخذ عنه الشيخ بهاء الدين ابن النخاس وحدث عنه الشيخ شرف الدين الدمياطي، وشرح ((المفصّل)) (١) شرحاً مطوّلاً. ١٢٣ - ((الجدائي الكاتب)) محمد بن محمد بن المبارك بن علي الشيرازي. أبو سعد المعروف بالجدائي، كان من الأدباء وله شعر وكان كثير الهجاء سمع الحديث من أبي طالب بن غيلان وأبي بكر الخطيب وغيرهما وحدّث باليسير، ومن شعره يهجو غرس النعمة أبا الحسن بن الصابىء صاحب التاريخ [الطويل]: تجاوزتَها من قبل أن تبلغ السنّا أَلا قُل لغرسِ النعمة الیومَ مِدحةً ولسنا نری فیهم لما قلته خدنا فقد كتب التاريخَ قبلك معشرٌ فكذبُك فيه يملأ العين والأذنا فإن كان كذبٌ يملأُ العین وحدها ومنه أيضاً [الخفيف]: لوضيع جدوده من سرّخْسٍ أدبُ نازِعٌ وخِسَّة نفسٍ ت فحمّلْ غداً على أمّ أمسٍ إن يكن من مضی کسیدنا أن قلت شعر جيّد. ١٢٤ - ((ابن محرز الزهري البلنسي الشاعر)) محمد بن محمد بن أحمد ابن عبد الرحمن، أبو بكر الزُّهري البلنسي ويعرف بابن محرزٍ، سمع وروى وكان أحد رجال الكمال علماً وإدراكاً وفصاحةً مع ١٢٢ - ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٣١/١)، و((معجم المؤلفين)) لكخّالة (٢٤٧/١١). ١٦٢ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات التفتّن في العلوم وحفظِ اللغات، روى عنه ابن الزبير، ولد في سنة تسع وستين وتوفي سنة خمس وخمسين وستمائة، وله شعر رائقٌ فمنه ما قاله مُلغزاً في نارنجة [الرجز]: ما ذاتُ حمل وهي حملٌ نفسُها كالبدر إلا أنّها مُكِنَّةٌ تُريكَ من جملتها فاعجب لها ومنه [الوافر]: سقى الله المعرَّسَ إذ سهرنا قطعنا ليلةٌ والحال رفعْ نضاجع من نبات الماء أو من يرُوقُك أو يروعك منه فاعجب ومنه [الخفيف]: إن الله مطلقين أسارى عثَروا إذ تحيّروا فرآهم قُبِلتْ منهُم الصلاةُ وهم لا وكتب مع قلنسوة أهداها [الكامل]: خذها محدّبةً مقعّرةً لها أَطلِع بها الأسنى جبينك يُجْتلى وكتب مع تفّاحة [مجزوء الوافر]: بعثتُ بها على عَجَلٍ فخذ من لونها خـجـلـي وكتب مع حَجَل [الكامل]: مَزُقْ مُوشَّى بُردها ومُفصَّلاً خذها بما فيه مشَت غدراً ولا فاعجب من البازي له في جنسها نُظِمَتْ ثلاثُ بدائعٍ في خَلْقِها تمشي بمرجانٍ وتبلع أرقماً لا حُرَّةٌ في جنسها ولا بَغِي أَهِلَّةً إِبدارُها لا ينبغي شطر اسمِها وخاطِرَ ابن إصبَغِ به والحادثات بحال غمضٍ يقرّ العين منه عَيشُ خفض بنات الماء كلّ ..... غضّ سيوفٌ بعضها أغماد بعض طلبوا القربَ مُهتدين حَيارى فجزاهم بأن أقال العِثارا يقربون الصلاة إلاّ سكارى من طرفها ما للسماء من الحبُك منها ومنه الشمس في نصف الفلك وودِّ خالصِ صَدَقَكْ وخذ من عطرها خلُقَكْ مِن طَوقها انثُره وعفّر جَتْبَها تُغْفِلْ خُطاها في الدماء وغبها أَثَرُ العدوّ ولا يزالُ مُحِبَّها نَثَرَتْ بها في كلّ قلب حُبَّها وبحبّة الرمّانِ تلقطُ حَبَّها (١) ((المفصّل)): كتاب في النحو للزمخشري. ١٦٣ محمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن مَميل وقال يخاطب والي بلنسية لما صدر إليه من مراكش [الكامل]: ما ساءك ليلةً أَزمعوا التَزْحالا بشرى الإياب أفادها لك حالا كم مِنْحةٍ من محنةٍ نَجَّت وكم أَجمالٍ بغيتنِ سَبَّبَتْ إِجمالا وله الأبيات الدالية المكسورة واللامية المضمومة في وصف مثال فعل النبي وَّر. ١٢٥ - ((الحافظ ضياء الدين المالقي)) محمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن مُنْدار. الحافظ المتقن ضياء الدين أبو جعفر القيسي الأندلسي المالقي، ولد بمالِقَة سنة خمس وعشرين وستمائة، وسمع الكثيرَ ببلاد المغرب وحجّ وسمع بمصر وقدم دمشق وسمع من أصحاب يحيى الثقفي، وكتب الكثيرَ بخطّه وكان سريعَ الكتابة والقراءة كثيرَ الفوائد ديّناً فاضلاً جيّد المشاركة في العلوم، كتب عنه الشريف عزّ الدين وأفاد الطلبة ومات شاباً في القاهرة سنة اثنتين وستين وستمائة. ١٢٦ - ((زين الدين الكوفني المحدث)) محمد بن محمد بن أبي بكر. المحدث المفيد زين الدين أبو الفتح الأبيوردي الكوفَني الصوفي الشافعي، ولد سنة ستمائة أو سنة إحدى، وقدم دمشق وسمع من كريمة والضياء المقدسي وجماعة، وبمصر من أصحاب السَّلفِي وابن عساكر ومن أصحاب البُوصيري والخُشوعي، وكتب الكثيرَ وحصل جملةً صالحةً وکلف بالحديث وحرص وبالغ في الإكثار وخرّج المعجم وروى اليسير ولم يعمّر ولا أفاق من الطلب وأدركته المنيّة وطُلِبَ وهو ابن أربعين، ووقف كتبه وأجزاءه، وروى عنه الدمياطي وله شعرٌ يسير، وكُوفن بلدة قريبة من أبیورد. ١٢٧ - ((بدر الدين الواعظ النيسابوري)) محمد بن محمد بن أبي سعد بن أحمد. العالم الواعظ بدر الدين أبو حفص الكرماني الأصل النيسابوري التاجر، ولد بشاذِياخ نيسابور في تاسع المحرم سنة سبعين كان يمكنه أن يسمع من ابن الفَراوي وطبقته وإنما سمع في الكهولة من ابن الصفّار القاسم بن عبد الله وحدّث بدمشق ومصر وعُمِّرَ دهراً طويلاً وحفظ مقامات الحريري، قال الشيخ شمس الدين الذهبي: ولا نعلم أحداً روى بعده بالسماع عن ابن الصفَّار، روى عنه الدمياطي وإمام الحنابلة وابن الخباز وابن الزرّاد وقارب المائة، وتوفي سنة ست وستين وستمائة . ١٢٨ - ((عماد الدين بن الشيرازي الكاتب)) محمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن مَميل. الصدر الكبير عماد الدين أبو الفضل بن القاضي شمس الدين بن الشيرازي الدمشقي صاحب الخط المنسوب، سمع أباه وابنَ مُلاعب وابن الحرَستاني، وروى عنه الخباز وابن العطار والشيخ جمال الدين المِزْي والشيخ علم الدين البرزالي وطائفة، وكان رئيساً محتشماً متموّلاً مليح الشكل متواضعاً وقوراً وافر الحرمة، كتب على الولي الكاتب وانتهى إليه التقدم في براعة الخطّ لا سيما في المحقق والنسخ، ارتحل غيرَ مرة للتجارة فسمّع ولده المعمَّر أبا نصر من أصحاب السِّلَفِيّ، واتفق أنه قبل موته بأربعة أيام شهد عند ابن الصائغ في العادلية وهو طيّب وركب وخرج فتغيّر عند ١٦٤ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات باب الجابية وأصابه فالج فركب الغلام خلفه وأمسكه إلى البستان واستمرّ به المرض إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين ودفن بسفح قاسيون، وحُكي لي أنه بلغه أن ربعةً في بغداد بخط ابن البوّاب كتبها بخفيف المحقق فاستعمل من ورق الطير جملةً وأخذه معه وتوجه إلى بغداد وأخذ تلك الربعة جزءاً فجزءاً وكان يضع ورق الطير على خط ابن البواب فيشِفّ عما تحته ويجلي الكتابة له فيكتب عليها لا يخلّ بذرّةٍ منها، وقد رأيت أنا من هذه الربعة التي كتبها عماد الدين جزءاً وما في الورقة مكتوب إلا وجهةٌ واحدةٌ فكنت أتعجب لذلك فلما سمعت هذه الواقعة علمت السبب في ذلك والله أعلم، وحُكي أيضاً أنه توجه إلى الديار المصرية واتفق أنه ركب في النيل مع الصاحب تاج الدين بن حنّا فكان معه جماعة من أصحابه المختصين به وكان فيها شخص يعرف بابن الفقاعي ممن له عناية بالكتابة فسأل الصاحبَ بهاء الدين وقال: يا مولانا عندي لمولانا الصاحب وهؤلاء الجماعة يوم كامل الدعوة، ومولانا يدَعُ المولى عماد الدين يفيدني قطّة القلم فقال والله ما في ذا شيءٌ مولانا يتفضل عليه بذلك فأطرق عماد الدين مغضباً ثم رفع رأسه وقال أَوَخيرٌ لك من ذلك قال وما هو قال أحملُ إليك ربعة بخطي وتعفيني من هذا فقال الصاحب لا والله الربعة بخط مولانا تساوي ألفي درهم وأنا ما آكل من هذه الضيافة شيئاً يساوي عشرة دراهم أو كما قيل، وكان قد طُلِبَ إلى الديار المصريّة ورُتّب ناظراً على الأملاك الظاهريّة والتعلّقات المختصة بالملك السعيد بن الظاهر وذلك في أواخر الدولة الظاهرية بعد وفاة الرئيس مؤيّد الدين أسعد بن القلانسي، وكان والده القاضي شمس الدين أبو نصرٍ من كبار العلماء العارفين بالمذهب وولي نيابة الحكم بدمشق مدة زمانية. ١٢٩ - ((الحافظ شمس الدين بن جعوان)) محمد بن محمد بن عباس بن أبي بكر بن جعوان بن عبد الله. الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الأنصاري الدمشقي الشافعي النحوي، أحد الأئمة أخذ النحو عن جمال الدين محمد بن مالك وكان من كبار أصحابه ثم أقبل على الحديث وعُني به أتمّ عناية وسمع من ابن عبد الدائم وابن النشبي وابن أبي الخير وغيرهم وارتحل إلى مصر وسمع من عامر القلعي والعزّ الحرّاني وطائفة وكتب كثيراً بخطّه وخرّج المشايخ وقرأ المسند على ابن علان قراءة لم يسمع الناس مثلها في الفصاحة والصحة وحضره جماعة من الأئمة فما أمكنهم أن يأخذوا عليه لحنّة واحدة، ومات في عنفوان الشبيبة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وهو أخو الفقيه الزاهد شهاب الدين، كتب ابن جعوان إلى أهله من تبوك(١) [الطويل]: مضت بعد عَشرٍ في المحرّمِ وَلّتِ كتبتُ كتابي من تبوك لتسعةٍ إذا صفرٌ عشرون منه تبقّتٍ وإني بحمد الله أرجو لقاءكم ١٣٠ - ((القاضي بهاء الدين بن خلكان)) محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان. القاضي بهاء الدين أبو عبد الله الإربلي الشافعي قاضي بعلبك أخو قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، ولد بإربل سنة ثلاث وستمائة، وسمع صحيح البخاري من أبي جعفر بن مكرم كأخيه وحدّث وسمع منه ابن أبي الفتح والشيخ علم الدين البرزالي والجماعة، وهو والد النجم صاحب ١٦٥ محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الفيض والخيال الهذياني وكان معدوم النظيرَ في كثير من أوصافه من التواضع المفرط ولين الكلمة ورقّة القلب وسلامة الصدر، توفي ببعلبك قاضياً بها في سنة ثلاث وثمانين وستمائة، ولم ينله من جميع ما كان باسمه من الجراية والجامكية إلا قوته لا غيرُ ولا يسألُ عما عدا ذلك ومات فما خلّف ديناراً ولا درهماً وعليه جملة من الدين فأبيعت كتبه لوفائها، وتوفي أخوه القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان قبله سنة إحدى فلم ترقا له بعده دمعةٌ ودفن في تربة الزاهد عبد الله اليونيني. ١٣١ - ((الشيخ بدر الدين بن مالك)) محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك. الإمام البليغ النحوي بدر الدين ابن الإمام العلامة جمال الدين الطائي الجيّاني ثم الدمشقي كان إماماً ذكيّاً فهماً حادّ الخاطر إماماً في النحو إماماً في المعاني والبيان والبديع والعروض والمنطق جيّد المشاركة في الفقه والأصول أخذ عن والده وجرى بينه وبين والده صورةٌ سكن لأجلها بعلبك فقرأ عليه بها جماعةٌ منهم بدر الدين بن زيد، فلما مات والده طُلب إلى دمشق وولي وظيفة والده وسكنها وتصدّى للإشغال والتصنيف، وكان اللعب يغلب عليه والعِشْرة، حكى لي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين محمود الكاتب رحمه الله تعالى حكاية جرت له مع الأمير علم الدين سنجر الدواداري وهي غريبة وما أُؤْثِرُ ذكرَها وحكّى لي غيره عنه ما يوافقها من اللعب وكان إماماً في موادّ النظم من العروض والنحو والمعاني والبيان والبديع ولم يقدر على نظم بيت واحد ولقد حضرت إليه رقعةٌ من صاحبه فيها نظمٌ أراد أن يجيبه عنها بنظم فجلس في بيته من بكرة إلى صلاة العصر ولم يقدر على بيت واحد حتى استعان بجارٍ له في المدرسة على الجواب بعدما حكى ذلك لجاره، وقيل لي إنه أملى على قول أبي جلنك [الكامل]: والبان تحسبه سنانيراً رأت قاضي القضاة فنفّشت أذنابها كُرّاسةً وتكلم على ما في هذا البيت من علوم البلاغة سبحان الله العظيم، ووالده كان ينظم العلوم في الأراجيز ويُذرج المسائل الكثيرة في الألفاظ القليلة وهذا دليل القدرة على النظم، ومن تصانيف الشيخ بدر الدين ((شرح ألفية والده المعروفة بالخلاصة)) وهو شرح فاضل منقّى منقّح وخطّأ والده في بُعَيْضِ المواضع ولم تشرح الخلاصةُ بأحسن ولا أسدّ ولا أجزل على كثرة شروحها وأراها في الشروح كالشرح الذي لابن يونس للتنبيه، و((المصباح)) اختصر فيه معاني وبيان المفتاح وهو في غاية الحسن وقيل إنه وضع أكبر منه وسمّاه ((روضة الأذهان)) وإلى الآن لم أره ورأيت له ((مقدمة في المنطق)) و((مقدمة في العروض))، ومات قبل الكهولة من قولنج كان ١٢٩ - ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٢٤/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٨١/٥). (١) تبوك: مدينة تقع في شبه الجزيرة العربية شمالي العربية السعودية تكثر فيها العيون والنخل، وفيها حائط ينسب إلى النبي ◌َّ﴾، وبين تبوك والمدينة المنورة اثنتا عشرة مرحلة، انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٣٢/١). ١٣٠ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٨٤/٥). ١٣١ - ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٢٥/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٩٨/٥ -٣٩٩). ١٦٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات يعتريه كثيراً في سنة ست وثمانين وستمائة بدمشق ودفن بمقبرة باب الصغير وكثر التأسف عليه، وولي إعادة الأمينية بعده الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وكثر تأسف الناس عليه، وقيل إنه حضر مجلس الشيخ شمس الدين الايكي وكان يعرف الكشّاف معرفةً مليحةً فقعد لا يتكلم والأيكي يذكر درسه إلى أن أطال الكلام فقال له يا شيخ بدر الدين لأي شيء ما تتكلم فقال ما أقول ومن وقت تكلّمتَ فيه إلى الآن عددت عليك إحدى وثلاثين لحنةً أو كما قيل. ١٣٢ - ((فخر الدين بن التنبي(١) الكاتب)) محمد بن محمد بن عقيل. فخر الدين بن الصدر بهاء الدين بن التنبي بالتاء ثالثة الحروف والنون والباء الموحدة على وزن جلّق الكاتب، روى عن الشيخ الموفق بن قدامة والعَلَم السخاوي وكتب الخطّ المليح طريقة ابن البواب على الشيخ وليّ الدين العجمي، وتوفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة. ١٣٣ - ((جمال الدين بن سالم قاضي نابلس)) محمد بن محمد بن سالم بن يوسف بن صاعد. القاضي جمال الدين ابن القاضي نجم الدين سفير الدولة قاضي القضاة شمس الدين النابلسي الشافعي قاضي نابلس وابن قاضيها، إمام جليل متميّز فاضل رئيس، ولد سنة عشرين وسمع بالقدس عَلَى الأوْقيّ مشيخة الفَسوي وغيرها، وكان قاضي نابلس مدّةً وأضيف إليه آخرَ عمره قضاءُ القُدس، سمع عليه الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي بقراءة الحافظ العلامة جمال الدين المِزْي بدار الحديث لما قدم دمشق، وتوفي سنة أربع وتسعين وستمائة. ١٣٤ - ((الأسد ابن الشيخ جمال الدين بن مالك)) محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، تقي الدين. المعروف بالأسَد ابن الشيخ جمال الدين بن مالك وأخو الشيخ بدر الدين المذكور آنفاً (٢)، قال الشيخ شمس الدين: صنّف له والده ((الألفية)) فلم يحذق في نحو وكان طيّب الصوت يقرأ بالظاهرية وله مسجد ودكّان شهود، وتوفي في سنة تسع وستمائة(٣)، قلت و((المقدمة الأسديّة)) لوالده أيضاً وهي صغيرة نثرٌ غير نظم إنما وضعها باسمه. ١٣٥ - ((الغالب بالله ابن الأحمر صاحب الأندلس)) محمد بن محمد بن يوسف بن نصر. صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله ابن الأحمر، تملك بعد والده سنة إحدى وسبعين وامتدّت أيامه إلى أن مات في سنة تسع وتسعين وستمائة وهو من الخزرج، أخبرني الشيخ الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان قراءةً مني عليه وهو يسمع: رأيته بغرناطةً مراراً بالمصلّى وأنشدته قصيدةً أمدحه بها وحضرتُ عنده إنشاد الشعراء في بعض أعياده وكان رجلاً جميلاً عاقلاً حسن السياسة مُتظاهراً بالدين وقرأ شيئاً من النحو على الأستاذ أبي الحسن الأبدي، ويُذكر أنّ له نظماً وقد اشتهر عنه وهو قوله يخاطب وزيره أبا سلطان عزيز بن علي الداني [المتقارب]: وأُنْساً نُعاطي على الفرقدينْ تذكّر عَزيزُ ليالينا ونُعطي النُضارَ بكلتا اليدينْ ونحن ندبّر في مُلكنا ١٣٢ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٤٢٤/٥). (١) في ((شذرات الذهب)) (٤٢٤/٥): التيني. ١٦٧ محمد بن محمد بن إبرهيم بن الحسين بن سُراقة وقد طلب الصلحَ منّا اللعينُ إذا ما تكاثر إرساله فلِمْ لا تشمر عن ساعدٍ وقد خدمَتْنا ملوكُ الزمان فنسأل من ربّنا عونَهُ ومما ذكر عنه له قوله [الطويل]: فما فاز إلاّ بِخُفَّيْ حُنّينْ يكون الجوابَ شَبَا المُرْهَفَينْ وتضرب بالسيف في المغربين وقد تصدَتْنا من العُذْوَتَيْنْ على ما نَوَينا من الجانِبَيْنْ على كلّ حال أنتِ لا بُدَّ لي منكِ أيا رَبَّةَ الحُسْنِ التي أذهبَتْ نُسْكي وإِمّا بِعِزّ وهو أليقُ بالمُلْكِ فإِمّا بِذُلْ وهو أليقُ بالهوى انتهى ما أخبرني الشيخ أثير الدين، قلت: لم أُثبت هذه القطعة الأولى إلاّ من كونها شعر سلطان وإلا فليست ممّا يُنتقَى وأما البيتان الكافيّان فإني نظمت جوابه مجاراةً كأنّي حاضره وفي وزنه وروته وهو [الطويل]: كأنّك من ذلّ المحبة في شكّ متى لاقَ بالعُشّاق عزّ وسطوة لِتُنْظَمَ مع أهل المحبّة في سلكِ تلَقَ الهوى مخ ما ملكت بذِلّةٍ بويع السلطان أبو عبد الله بعد أبيه سنة إحدى وسبعين فتملك ثمانية أعوام ثم توثّب عليه أخوه أبو الجيوش نصر وظفر به فخلعه وسجنه مدّةً ثم جهزه إلى بلده شَلَوُبينة(١) فحبسه إلى أن تحرك على نصرِ ابنُ أخته الغالبُ بالله وطلب نصرٌ أخاه المخلوعَ إلى غرناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته ومرض أبو الجيوش نصر فأغمي عليه ثلاثة أيام فأحضر الكبراءُ أخاه ليملّكوه فلما عوفي أبو الجيوش تعجّب من مجيئه وأُخبر فغَرَّقَهُ خوفاً من شهامته وكان خلعه سنة تسع وتسعين وسبعمائة(٢) ووفاته. ١٣٦ - ((الشيخ محيي الدين الشاطبي المحدث المالكي)) محمد بن محمد بن إبرهيم بن الحسين بن سُراقة. محي الدين أبو بكر الأنصاري الأندلسي الشاطبي، مولده في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بشاطبة وتوفي سنة اثنتين وستين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطّم، سمع الكثير وولي مشيخة دار الحديث البهائية بحلب ثم قدم الديار المصريّة وولي مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى حين وفاته، وكان أحدَ الأئمّة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة والنُّبْلِ وأحدَ المشايخ المعروفين بطريق القومَ وله في ذلك إشاراتٌ لطيفة معَ ما جُبِلَ عليه من كرم الأخلاق واطّراح التكليف ورِقَةٍ الطبعِ ولين الجانب وله شعر منه [الطويل]: فيذهب عمري والأمانيُّ لا تُقضَى إلى كم أَمنّي النفس ما لَا تَنالُه (١) انظر رقم (١٣١). (٢) إنَّ سنة وفاته غير صحيحة، لأنَّ والده الإمام ابن مالك ولد سنة (٦٠٠هـ). فلعل وفاته كانت سنة (٧٠٩). ١٦٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ولم أرضَ فيها عيشتي فمتى أرضَى وقد مرّ لي خمس وعشرون حجّةً وخيرُ مغاني اللهو أوسعها رفضًا ووحدي إلى أوبٍ من العشرِ قد أفضى وأَعلمُ أني والثلاثون مدّتي فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ومنه أيضاً [مخلع البسيط]: صفاؤه الشكّ باليقين وصاحبٍ كالزلال يمحو كأنّه كاتبُ اليمينِ لم يُخْصِ إلاّ الجميلَ منّي وهذا عكس قول أحمد المنازي [مخلع البسيط]: وما جرى غَذْرُهُ ببالي وصاحبٍ خلتُه خليلاً كأنّه كاتبُ الشمالِ لم يُصِ إلا القبيحَ منّي وكان محيي الدين من أبناء القضاة حفظ القرآنَ العظيمَ وتفقّه على مذهب مالك رضي الله عنه ورحل إلى بغداد ولقي بها أبا حفص عمر بن مكرم الدينوري وأبا علي الحسن بن مبارك بن محمد الزبيدي وأبا الفضل بن بكران وقدم إِربل وقرأ على أبي الخير بدران التبريزي. ١٣٧ - ((قاضي حلب القاضي شمس الدين الدمشقي)) محمد بن محمد بن بهرام. الدمشقي الشافعي العلامة قاضي حلب وخطيبها ومُفتيها شمس الدين أبو عبد الله ولي القضاء مدةً طويلةً، تفقّه بمصر على الشيخ عز الدين بن عبد السلام وبرع في المذهب وتصدّر وخرّج له الأصحاب وكان محمودَ الأحكام على ضِيقٍ خلقه كان يخالف قرا سنُقر نائبها في أغراضه فعُزل بالقاضي زين الدين ابن قاضي الخليل وتوفي سنة خمس وسبعمائة. ١٣٨ - ((البوزجاني الحاسب)) محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس. البوزجاني بالباء الموحدة والواو والزاي والجيم أبو الوفاء أحد الأئمّة المشاهير في علم الهندسة والحساب وله فيهما استخراجات غريبة لم يُسْبَقْ إليها، قال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان رحمه الله تعالى: كان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس رحمه الله وهو القيّم بهذا الفن يبالغ في وصف كتبه ويعتمد عليها في أكثر مطالعاته ويحتجّ بما يقوله وكان عنده من تأليفه عدة كتب وله في استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع، ولد يوم الأربعاء مستهلّ شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة(١) بمدينة بوزجان انتهى، قلت: ومن تصانيفه في الحساب ((كتاب المنازل)) وهو مبسوط مرتّب جيّد إلى الغاية(٢). ١٣٩ - ((أبو النصر الطوسي الزاهد)) محمد بن محمد بن يوسف بن الحجاج. أبو النصر الطوسي الزاهد العابد يصوم النهار ويقوم الليل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتصدق بما فضل عن (١) شلوبينة: حصن في الأندلس من أعمال كورة البيرة على شاطىء البحر كثير الموز وقصب السكر. انظر: (معجم البلدان)) لياقوت (١٥٣/٣). (٢) تقدم ذكر وفاته سنة ( ٦٩٩ هـ) وقوله وسبعمائة خطأ من الناسخ. ١٦٩ محمد بن محمد بن عبد الله بن القسم بن المظفر بن علي قوته، رحلٍ في طلب الحديث إلى العراق والشام ومصر والحجاز وسمع الكثيرَ وجزّأ الليلَ ثلاثة أجزاء جزاً للقرآن وجزاً للتصنيف وجزاً للراحة، توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ورُئي في المنام فقال الرائي وصلتَ إلى ما تطلبه فقال إي والله أنا عند رسول الله وَّل وبشر بن الحارث يحجبنا بين يديه ويرافقنا وقد عرضت مصنفاتي كلها على رسول الله وَّر فرضيها. ١٤٠ ـ ((القاضي محيي الدين ابن الشهرزوري)) محمد بن محمد بن عبد الله بن القسم بن المظفر بن علي. القاضي محيي الدين أبو حامد الشهرزوري، ولي القضاء بالموصل وقدم بغداد رسولاً من صاحبها فأكرمه الخليفة وخلع عليه، توفي في جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ومن نظمه في يوم وقع فيه الثلج [الوافر]: لما قاساه من فقد الكِرام ولما شاب رأس الدهر غيظاً أقام يُميط عنه الشيبَ عمداً وينشر ما أماط على الأنام قلت هذا تخيّل حسن إلى الغاية، وما أحسن قول أبي طالب المأموني [البسيط]: كأنّ في الجوّ منه وهو منعكس كأنّ ناق ثمود في الهواء غدت وقول الآخر [الكامل]: سحابةٌ نشأت من فَتّ كافور ترمي اللُغام على الأرضين والدور فالأرض تضحك عن قلائد أنجم فكأنّما زَنَتِ البسيطةُ تحته وهو يُشبه قول الغزّي [الكامل]: نُشِرَتْ بها والجوُجهْمْ قاطِبُ وأكبَّ يرجُمها الغمامُ الحاصبُ ترمي البسيطةَ عن قسيّ البُنْدُقِ والسحب من بَرَدٍ تسُحُ كأنّما وقول الصاحب بن عباد [الخفيف]: ولشُرب الكبير بعد الصغير أَقْبَلَ الثلجُ فانبسِطْ لِسُرُورٍ ١٣٧ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٣/٦). ١٣٨ - ((الفهرست)) لابن النديم (٢٨٣)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٠٦/٢ - ١٠٧)، و((تاريخ الحكماء)) للقفطي (٢٨٧ - ٢٨٨)، و((مختصر الدول)) لابن العبري (٣١٥)، و((تاريخ حكماء الإسلام)) للبيهقي (٨٤ - ٨٥)، و(كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٤٧٢ - ١٧١٨)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤٤/٧)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (٥٥/٢ - ٥٦)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٣٠٩/١١ - ٣١٠). (١) في (وفيات الأعيان)) (١٠٦/٢ - ١٠٧): سنة (٣٧٦ هـ). (٢) وله رسالة فيما يحتاج إليه الصانع من أعمال الهندسة توجد نسخة منها في مكتبة أياصوفيا ورقمها (٢٧٥٣) وكانت كُتبت لخزانة كتب الغ بيك. ١٣٩ - ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٠٢/٣ - ١٠٣)، و((اللباب)) لابن الأثير (٩٣/٢)، و((مختصر دول الإسلام)) (١/ ١٦٧)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٦٨/٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٣٦/٢)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٥٥٦)، و((معجم المؤلفين)) لكحَّالة (٣١٢/١١). ١٧٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ضَ فصار النثار من كافور فكأنّ السماء صاهرت الأر وقول ظافر الحدّاد [مجزوء الوافر]: على الأرضين في وشكٍ كأن الريح تنثره د كافوراً على مِسْكِ تُغَربلُ من خلال الـنــ قيل إنه مُدَّةً ولايته في الموصل لم يعتقل أحداً على دَيْنٍ في دينارين فما دونهما بل كان يوفي ذلك من ماله، وهو ووالده لهما شعرٌ حَسَنٌ وسيأتي ذكر والده القاضي كمال الدين، ومن شعر محيي الدين المذكور [الخفيف]: ليس لي ما حييتُ مِنْك بديلُ إن تبدّلتَ بي سوايَ فإنّي ءُ وطَزْفٌ حتى يراك كليل لِيَ أُذنْ حتى أناجيك صمًّا ومنه [مخلع البسيط]: يا راقد الليل عن محبّ فراشُ جنبيه من قَتادٍ ومنه [الخفيف]: جاد لي في الرُقاد وَهْناً بوصلٍ وجفاني لما انتبهت فما أقـ ومنه [الكامل]: لا تحسبوا أني امتنعت من البُكَى لكنّني زوّدتُ عيني نظرةً إن كان ما فاضتْ فَقُلْتُ الزمتُها قلت: شعرٌ جيّد في الذروة. عند الوداع تَجلَّداً وتصبُّرا والدمعُ يمنع لحظَها أن ينظُرَا صِلَةَ السُهاد وسُمْتُها مَجْرَ الكَرَى ١٤١ - ((الكشميهني الصالح)) محمد بن محمد بن محمود. الكشميهني بالكاف والشين المعجمة الساكنة والميم المكسورة والياء آخر الحروف ساكنة والهاء والنون، كان من الصلحاء وله مجاهدات ورياضات، توفي سنة ست عشرة وستمائة وأوصى أن يكتب على كفنه [الطويل]: إليكم تلقَّى نَشَرَكم فيطيبُ يكون أُجاجا دونكُمْ فإذا انتهى وهذا البيت من أبياتٍ مختلف فيها الصحيح أنها ((للعباس بن الأحنف)) والله أعلم. ١٤٢ - ((محمد التكريتي الشاعر)) محمد بن محمد التكريتي. النحوي أقام ببغداد وقرأ الأدب وبرع فيه وله شعر من جملته [مخلع البسيط]: فإنّني للرقيب شاكر من كان ذمَّ الرقيبَ يوماً ما زاره بعدك الرُقادُ وكحلُ أجفانه سُهادُ أنشط القلب من عِقال الهموم ـربَ ما بين شقوتي ونعيمي ١٧١ محمد بن محمد بن اليعمري إلّ ووجهُ الحبيبِ حاضرْ لم أَرَ وجهَ الرقيب وقتاً أخذه برُمّته من قول [الخفيف]: لا أرى مَنْ أُحِبُ حتى أراهُ لا أحبّ الرقيبَ إلاّ لأنّي توفي سنة ثمان عشرة وستمائة. ١٤٣ - ((محمد بن مسلمة الإشبيلي الشاعر)) محمد بن محمد بن مسلمة. الإشبيلي وسلفه من قُرطبةَ أبو الحسين، وكان جميلَ الصورة في صغره وفيه يقول أبو العباس اللصّ [المجتث]: أبا الحسين خَلوبِ خلبتَ قلبي بلحظ وأنت لصُّ القلوبِ فلِمْ أُسمَّى بلصِّ توفي سنة خمس وثمانين وستمائة، وقال في كير الحدّاد [الكامل]: فإذا تحرّك آذنت بهبوبٍ ومنضَّدٍ فيه الرياحُ سواكنٌ عند التحرّك هيئةُ المکروبِ يَطوي على زَفَراته كَشْحاً له أهدى له ما شئتَ من تذهيب ومتى تُعطّلهُ فخصرُ حبيبٍ ولابُنوس الفحم إن عَرَّضتَهُ صَدرُ المُحِبِّ يُخَال منه مُعْمَلاً وقال في قصيدة [الكامل]: يا دارُ، وادي الشطّ من أعلى القُرى عهدي بدَوْحِكِ وهو يخطر من قناً ومَهاكِ هذي البيض وهي أَوانسٌ نَفْرٌ تَصيدُ ولا تُصادُ وإنما من كلّ سابغة الوشاح خريدةٍ(١) منها [الكامل]: هطلتْ عليكِ من الغمام ثقالُها والسِربْ وهو من الجياد رِعالُها يقصدن حبّات القلوب نِبالُها تُدني لنا آجالَنا آجالُها لفّاءً غصَّ بساقها خلخالُها أيام أرضكِ لا يطير غرابها فكأنّها والأَمْن فيها والمُنَى سالت مذانبها ورقّ ظلالُها لأبي سليمان اغتدت أعمالُها قلت قوله ((عهدي بدوحك)) البيت أخذه من ابن هانىء الأندلسي حيث يقول [الكامل]: وإذ الديارُ مَشاهِدٌ ومَحافِلٌ والرابع أخذه من قول أبي سعيد المخزومي [المديد]: إذ ذلك الوادي قِناً وأسِنَّهُ حدق الآجال آجال ١٤٤ - ((محمد اليعمري الأبدي)) محمد بن محمد بن اليعمري. الأُبذي بالذال المعجمة وباؤها الموحدة مشددة وهمزتها مضمومة، أبو بكر، قال ابن الأبار في ((تحفة القادم)): أنشدنا أبو عبد الله بن ١٧٢ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات الصفّار الضرير قال أنشدنا أبو بكر المذكور يهجو ابن همشك [مجزوء الوافر]: ون من هَمِّ و[مِنْ] شكٌ هُمشكٌ ضُمَّ من حرفيْـ لإمرته أسئ تبكي فعين الدين والدنيا هذا إبراهيم أحمد بن همشك رومي الأصل ملك في الفتنة جيّغان وشقورة (١) وكثيراً من أعمال غرب الأندلس، قال ابن الابار: كان يعذّب خلقّ الله تعالى بالتعليق والتحريق ولا يتناهى عن منكرٍ فعلَّهُ من رميهم بالمجانيق، ودهدهتهم كالحجارة من أعالي النيق، وحَكَى ابنُ صاحبٍ الصلاة عن بعض الصالحين أنه رآه في النوم فقال له كيف حالك وما لقيتُ من ربك فأنشده بيتين لم يُسمعا قبلُ وهما [البسيط]: يصوّرُ الخَلْقَ في الأرحام کیفَ یَشا من سرَّهُ العَيْثُ في الدنيا بخلقةٍ من مُغَلَّلاً يمتَطي جمرَ الغضا فُرُشا فليحزَنِ الیومَ حزناً قبل سَطوتِهِ ١٤٥ - ((ابن أبي البقاء البلنسي)) محمد بن محمد بن سليمان. الأنصاري الأستاذ أبو عبد الله البلنسي يعرف بابن أبي البقاء، أصله من سَرَقُسْطَةٍ (٢) وتعلّم كثيراً فبرع في العربية وعلّم بها واعتنى بتقييد الآثار وكان شاعراً مجوّداً، توفي سنة عشر وستمائة قال من مرئيةٍ [البسيط]: قد علّمْتني الليالي أنّ ريقتها إنّ الذي كانت الآمالُ مُشْرِقَةً أصابَ صرفُ الليالي منه قطبَ حِجَئْ وهَدَّ للحلم طَوْداً شامخاً عَلَماً وضاق وجه الدجا عن نور بهجته وقال يصف السيفَ [الطويل]: وذي رونقٍ كالبرق لكنّ وعده عقدتْ نِجَادَيْهِ لحلّ تَائمي وساء الأعادي إذ بكت شَفراتُهُ وقال أيضاً [الخفيف]: غيرُ خافٍ على بصيرِ الغرامِ عبَراتٌ تَصُدُّ عن نظراتٍ ودماءٌ تُراقُ باسم دمُوع صابٌ وإِن قال قومٌ إنه عَسَلُ به وعيشُ الأماني بَرْدُهَا خَضِلُ يا من رأى الشُهْبَ قد أعيتْ بها السُّبُلُ يا للياليّ تشكو صَرفَها الحِيَلُ فكيف تُوسِعُها إشراقَها الأُصُلُ صدوقٌ ووعد البرق كذبٌ وربّما وقلتُ له كن للمكارم سُلّما وسرَّ وُلاةَ الوُدّ حين تبسَّما أنّ يومَ الفراق يومُ حِمامِ ونَشيجٌ يحول دون الكلامِ ونفوسٌ تُؤَدَى برسم سلامٍ (١) الخريدة: من النساء البِكْرُ والخَفِرَةُ الحبيّةُ الطويلة السكوت المستترة. (٢) شَقُورةُ: مدينة بالأندلس شمالي مرسية وبها كانت دار إمارة همشك أحد ملوك تلك النواحي. انظر: ((معجم البلدان)» لياقوت (١٥٠/٣). ١٧٣ محمد بن محمد بن جهور الأزدي غيرَ أوشالٍ لوعتي وسّقامي شَرِبت بعدك الليالي حياتي ما أحسن قوله (شربت بعدك الليالي حياتي). ١٤٦ - ((أبو القسم الغافقي قاضي بلنسية)) محمد بن محمد بن نوح. الغافقي هو أبو القسم قاضي بَلَنسِيَّة وهي بلدة وأصله من سَرَقُسطَة، توفي مصروفاً بمراكش سنة أربع عشرة وستمائة، له شعر حسن منه قوله في فتح المهدية (١) من أبيات [البسيط]: من كان معتقداً في برجها الأسدا قد أنزل القَسْرُ من أعلى ذوائبها على مجانيق تُوهي العقل والجَلَدا حيثُ الثواءُ لقد ظلّت حلومهمُ حقداً على واكفاتِ السُّخبِ أو حَرَدا كانت قديماً عليها أمطرت بَرّدا كأَنَّما الأرضُ كانت قبلُ واجدةً فأمطرشُنَّ أحجارَ العَذَابِ بما وقال [الرمل]: مشتملّ ملابسَ العَظَمةِ لا تَغِطنّ كلّ موفور الغِنَّى يحويه من أكياسه المُفْعَمةِ يلمز لا بسبب إلاّ بما وقال في آياته المُحكمةِ فالله قد أخبر عن أمثاله (كلاً ليُنبذنّ في الحُطَمةِ) (يحسب أنّ ماله أخْلَدَهُ) ١٤٧ - ((ابن جهور الأزدي المرسي)) محمد بن محمد بن جهور الأزدي. أبو بكر من أهل مُرسِيَة، كان أحد أدبائها ونبهائها، من شعره وقد رأى امرأة سافرةً فغطت وجهها بكفّها المخضوب [السريع]: فاحتجبَتْ بالكفّ والمِغْصَمِ فاجأْتُها كالظَّبْيٍ في سِرِيِهِ فأقصرتْ عن لومها لُوَّمي وقد بدا الوَشْيُ بأطرافِها من طَوَّق البُلاَّر بالِعَنْدِمِ قالوا وقد دَلَّهَهُم حبُّها فاختضبت أنملُها بالدمِ قلتُ جرت من مقلتي دمعةٌ هذا المعنى مطروق مبذول متداول، مَرَّ وهو بجزيرة شُقر بأرضٍ حمراء لابن مَرج الكُحل غير صالحة للعمارة فقال يداعبه [البسيط]: ما كان أحوج هذي الأرض للکحل يا مَرُجَ كُخلٍ ومَنْ هُذِي المُرُوجُ له فلا تكن طمِعاً في رزقها العجلِ ما حمرةُ الأرض عن طيبٍ وعن كرمٍ (١) سرقسطة: بلدة مشهورة بالأندلس تتصل أعمالها بأعمال تطيلة ذات فواكه عذبة. انظر: ((معجم البلدان)» لياقوت (٤٠/٣). (٢) المهْدِيَّة: مدينة اختطها عبد المؤمن بن علي قرب سلافي المغرب. انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٤٤/٤). ١٧٤ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات فما تفارقها كيفية الخجل لكنّ شيمتها أخلاقُ صاحبها فأجابه [البسيط]: ما كان أحوج هذي الأرض للكحل يا قائلاً إذا رأى مَرْجي وحمرتَهُ في الفتح بيضُ ظُبَى أجدادِيَ الأُوَل تلك الدماء التي للروم قد سَفكت في حمرة الخدّ أو إِخلافه أَمَلِي أَحببتُها إذْ حَكت مَن قد كَلِفْتُ به ١٤٨ - ((الصاحب تاج الدين بن حِنَّ)) محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري. الصاحب تاج الدين أبو عبد الله بن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين بن حِثًّا، ولد سنة أربعين وتوفي سنة سبع وسبعمائة، وسمع من سبط السلفي جزء الذُّهلي ومن الشرف المُرسي وبدمشق من ابن عبد الدائم ومن ابن أبي اليُسر، حدّث بدمشق وبمصر، وانتهت إليه رئاسة عصره بمصره وكان ذا تَصَوُّنٍ وسؤدَدٍ ومكارم وشكل حسن وبَزَّةٍ فاخرة إلى الغاية يتناهى في المطاعم والملابس والمناكح والمساكن ومع ذلك صدقاته كثيرة وتواضعه وافر ومحبته في الفقراء والصلحاء زائدة وهو الذي اشترى الآثار النبوية على ما قيل بستين ألف درهم وجعلها في مكانه بالمعشوق وهو المكان المنسوب إليه بالديار المصرية وقد زرتُ هذه الآثارَ في مكانها ورأيتُها وهي قطعةٌ من العنزةِ ومِرْوَدٌّ ومِخْصَفْ ومِلْقَطْ وقُطِعَةٌ من قَضْعة وكحلتُ ناظري برؤيتها وقلت أنا [الكامل]: من زارها استوفى السعودَ مزارُهُ أكرِمْ بآثارِ النبيِّ محمّدٍ إن لم تَرَيْهِ فهذه آثارُهُ يا عينُ دونكِ فألحظي وتمنّعي ورأى من العزّ والرئاسة والوجاهة والسيادة ما لا رآه جدّه الصاحب بهاء الدين، حكى لي القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله وغيرُ واحد: أن الصاحب فخر الدين بن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة توجّه من القلعة بالخلعة إلى عند الصاحب تاج الدين وجلس بين يديه وقبّل يده فأراد أن يَجْبُرَهُ ويعظّم قدره فالتفت إلى بعض غلمانه أو عبيده وطلب منه توقيعاً بمرتّب يختصّ بذلك الشخص فأخذه وقال: مولانا يُعَلِّمُ على هذا التوقيع فأخذه وقبّله وكتب عليه قدّامَهُ، وكان الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس رحمه الله إذا حكى ذلك يقول: وهذه الحركة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي، ومن أحسن حركةٍ اعتمدها ما حكاه لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتَزتُ بتربته فرأيت في داخلها مكتباً للأيتام وهم يكتبون القرآن في ألواحهم فإذا أرادوا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره فسألت عن ذلك فقيل لي هكذا شرط في هذا الوقف وهذا مقصد حسن وعقيدة صحيحة، وكان الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصلبه ويعظّمه أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله قال: وقفتُ على إقرار الصاحب بهاء الدين بأنّه في ذمّته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف دينار مصريّة، ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نُكِبَ على يد الشجاعي جرّده من ثيابه وضربه مقرعة واحدة فوق قميصه ولم يدَعْهُ الناس يَصِلُ ١٧٥ محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري إلى أكثرَ من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوّه وتمكّنه من السلطان، وكان له شعر حسن من ذلك ما كتبه إلى السراج الورّاق يعزّيه عن حمارٍ سقط في بئر فنفق من أبيات [الكامل]: وبتالدٍ يُفدَى الأديبُ وطارفٍ يفديك جَحشُك إذ مضى مُتردّياً تِبناً وراح من الظمأ كالتالف عدِمَ الشعيرَ فلم يجده ولا رأى فَرمى حُشاشَةً نفسِهِ لمخاوِفٍ ورأى البُؤَيرةَ غيرَ جافٍ ماؤُها هذي المكارمُ لا حَمامة خاطفٍ فهو الشهيدُ لكم بوافر فضلكم قومٌ يموت حمارهم عطشاً لقد أَزْرَوا بحاتِمٍ في الزمان السالف قوله لا حمامة خاطف أشار إلى أبيات ((ابن عُنَين)) التي مدح الإمام فخر الدين الرازي وقد جاءت حمامةٌ فدخلتْ حِجْرهُ هرباً من جارح كان خلفها وسيأتي ذلك في ترجمة فخر الدين الرازي، وأجابه الورّاقُ بقصيدة على وزنها في غاية الحسن موجودة في ديوانه أوّلها [الكامل]: وثَنَتْ بأنفاس النسيم مَعاطفي أَذْنَتْ قُطوفَ ثمارِها للقاطفِ منها فيما يتعلق بذكر الحمار [الكامل]: ومراتعٍ رُشَّتْ بدمعي الذارفِ بمعارفٍ تُلهيه دون مَعالفٍ بي وهي في ذا الوقت جُلُّ وظائفي واعتاقَهُ صَرْفُ الحِمامِ الآزِفِ أَنْسىَ حقوقَ مرابعي ومآلفي في الدهر غير مُواقفي ومُخالفي ـ الماء في شاتٍ ويومٍ صائف قَتَلَتْهُ شاماتٍ بموتٍ جارف ولكّم بكيتُ عليه عند مَرابِعٍ يُمسي على عُسري ويُسرِيَ صابراً وقد استمرّ على القناعة يقتدي ودَعاه للبئر الصَّدَى فأجابه وهو المُدِلّ بأُلْفةٍ طالت وما ومُوافقي في كلّ ما حاولتُه دَوَران ساقيه لطاحون لنقـ لكن بماء البئر راح بنَقْلةٍ ومما ينسب إلى الصاحب تاج الدين [الطويل]: فجاء ليسعَى بيننا بالتباعُدِ توهَّمَ واشينا بليلِ مزارنا فلم يَرَ واشينا سوى فردٍ واحدٍ فعانقته حتى اتّخذنا تلازُماً ونظم يوماً الصاحب تاج الدين [الطويل]: توافى الجمالُ الفائزيّ وإنّه لَخيرُ صديقٍ كان في زمن العُسرِ وأمر السراجَ الورّاق بإجازته فقال [الطويل]: يكون بها في الفائزينَ لدی الحشرِ فيا رَبِّ عامِلْهُ بألطافك الّتي وبعث الصاحب إلى السراج وقد وُلِدَ له ولدٌ صلةً وثُلُثاً حريرياً وكتب مع ذلك أبياتاً خمسةً ١٧٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات أوّلها [الوافر]: بعثتُ بـهـا وبالثلث الرفـيعِ فأجابه الورّاق بأبيات أوّلها [الوافر]: إليَّ بطِيبِ أنفاسِ الربيعِ سَرَتْ من جانب العزّ الرفيع ولجتُ على حبيبٍ والصَريعِ مُصرَّعةٌ كأنّي اليوم منها لسبحِ عُلقت فوق الجميعِ دعونا الخمسةَ الأبياتِ ستّاً كأنْ مَحُوكّها قِطَعُ الربيعِ فُدينا من هباتك مُذْهَباتٍ كحسن الروض بالغيث الهَمُوعِ تَزيدُ بلمس كفّك حُسْنَ وَشَيْ ولي معها وللطفل الرضيعٍ بما أحييت للنفساء نفساً به التقتِ الضلوع مع الضلوعِ وقد سمَّنْتَ كيسي بعد ضعفٍ وهذا الثالث من هذه الأبيات بديع في الغاية، ومن شعر الصاحب تاج الدين ما قاله مُلْغزاً في الوَزْدِ [الطويل]: أَكُفْهُمُ من شدّة الضرب عَنْدَما ومعركةٍ أَبطالُها قد تخضَّبت تأجّج حتى يترك الورد أدهما لهم عندها نارٌ وللنار عنبر وقوله يمدح الشيخ خضر الهكاري [الطويل]: تذكرني يوم السباق ابن أدهما وحُزْتَ بميدان العبادة غايةٌ وله موشّح مشهور بين أهل مصر التزم فيه الحاء قبل اللام في أقفاله وهو [مجزوء الرجز]: وأوحل القلب فيه مُذحلّ قد أنحلَ الجسمَ أَسْمَرُ أكحلْ يميل وعنه لا أميل يحول وعنه لا أحول أقول إذا زاد بي النحول أما حلَّ عَقْدُ الصدود يَتْحَلّ ويرحل عن نجمي المُزَحَّلْ برغمي كم يستبيح ظلمي ويرمي بحربه لسِلْمِي وجسمٍي مع التزام سقمي منخَل وقد غدا مزخـل فلِم حل سفك دمى وما حل متوَّج بالحسن هذا الأبهج مدبَّجِ عِذارُه البنفسج ١٧٧ محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري مغلَّج يرنو بطرفٍ أدعج مفخَّل بالعنبر المحلحل مكخل وريقه المنخّل كم أبعد وكم أبيتُ مُكمّد بهجره لا يُفقد ويُعمَد ويُجهد في ارتضاء من قد تمخَّلَ والحاسدون دُخَل ومحَّلَ والوعد منه أمحل قلانِي واشتطّ هذا الحاني رماني في عشقه زماني خلأني أشكو لمن يراني قد انحلَّ الجسم أسمر أكحل وأوحل القلب فيه مذحَلّ ونظم يوماً الصاحب تاج الدين بيتاً وهو [الطويل]: أذابت فؤاد الصبّ لما تغَنَّتِ ألا قاتل الله الحمامةَ إنها وقال للسراج أَجِزه فقال قصيدة أولها [الطويل]: فما صَدَحَتْ إلاّ أجَبْتُ بأَنَّةٍ أُطارِحُها شكوى الغرام وَبَثَّهُ أخبرني الشيخ العلامة أثير الدين أبو حَيّان قراءةً مني عليه قال: اجتمعت به وسمعت عليه شيئاً من الحديث وأنشدني من لفظه لنفسه [الكامل]: عَبْلِ الشَوَى كالليل إذ هو مظلمُ ولقد أَبِيتُ على أغَرِّ أدهم كالأُفِعُوانِ سنانها منه الفمُ وبكفّيَ اليُمنَى قناةٌ لَدْنَةٌ بَزْقُ تلألأ أو حريقٌ مُضْرَمُ متقلّداً عَضباً كأنَّ متونَهُ سلخْ كسانيه الشُجاعِ الأرقمُ وعليَّ سابغةُ الذيولِ كأنّها كالنجم لاح وأين منها الأنجم وعلى المفارق بيضةٌ عاديّةٌ برق الأشعّةِ والرَذاذُ هو الدمُ فالرعد من تصهال خيلي والسَنا اشترى فرساً من العرب فأقامت عنده في الحاضرة ثم إنه عبر بها على بيوت العرب فجفلت فقال [الطويل]: رُبيتِ بها والحُرّ للعهد ذاكرُ نسيتٍ بيوت الشّعر یا فرسي وقد على صفةٍ أخرى فعذرك ظاهر ولكن رأیتِیھا بنجد وأهلُها في الثاني عيب لأنه لحن من كونه أشبع حركة الكسرة في رأيتها حتى نشأت ياء، قال الشيخ أثير الدين ونظمت أنا في هذا المعنى فقلت [الطويل]: ١٧٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات كأن لم يكن بين الأعاريبِ قد رَبًا عجبتُ لمُهْري إذ رأى العُربَ نُكِّبَا تخَوَّف عتباً منهمُ فتجنّبا أجَل ليس نُكراً للفريق وإنّما قلت: التصريع في البيتين ليس بمليح، وكان يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات ويتصيّد بالجوارح والكلاب، وقد مدحه الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله بقصيدة عِدّتها أزيد من ثمانين بيتاً وهي روايتي عنه بالإجازة أولها [الكامل]: أم هل تذكّرها عليّ حرامُ أعليَّ في ذكر الديار مَلامُ فارقْتُها ولها عليَّ ذِمام أم هل أُذَّمُّ إذ ذكرْتُ منازلاً منها في مدح الصاحب تاج الدين [الكامل]: قدمٌ ولا عمرو له إِقدامُ وشجاعةٌ ما عامرٌ فيها له خوفَ الرَدَی لم يَثْنِه إِحجامُ ثبت الجنان إذا الفوارس أحجمتْ تُزهى الرماح السُمْرُ والأقلامُ وبكفّه في جَحفَل أو مَحفِل وَحَكَى لي المشارُ إليه سيادةً كثيرةً شاهَدَها منه من ذلك أنه قال: دخلتُ يوماً إليه فلقيني إنسانٌ نسيت أنا اسمَهُ ومعه قصيدة قد امتدحه بها فقال لي: يا مولانا لي مدة ولم يتفق لي إلى الصاحب وصولٌ فأخذتها ودخلت إليه وقلت بالباب شاعرٌ قد مدح مولانا الصاحب فقال: يدخل فأعطاه القصيدة فأنشدها ولم يمتنع من سماعها كما يفعله بعض الناس فلما فرغتْ أخذها منه ووضعها إلى جانبه ولم يتكلم ولا أشار فحضر خادم ومعه مبلغ مائتي درهم وتفصيلةٌ فدفعها إليه قلت وهذا غاية في الرئاسة من سماعِها وعدم قوله أعطوه كذا أو إشارة إلى من يحضر فيُسرُّ إليه، وقيل عنه إن جميعَ أحواله كذا لا يشير بشيءَ ولا يتكلم به في بيته، وكل ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق المراد، وحكى لي أنه أضاف جدَّهُ يوماً ووسّع فيه فلما عاد إلى بيته أخذ الناس يعجبون من همّته وكرم نفسه فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب لأن نفسه كريمة ومكنته متسعة والعجب العجيب كونه طول هذا النهار وما أحضره من المشروب والمأكول من الطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف أنواعه ما قام من مكانه ولا دعا خادماً فأسرّ إليه ولا أشار بيده ولا بطرفه ولم يجيء إليه أحد من خدمه ولا أشار وقيل إن الناس تعجّبوا على كثرتهم وشربهم الماء مُبَرَّداً في كيزان عامّة ذلك النهار فسُئل عن ذلك فيما بعدُ فقال اشترينا خمسمائة كوز وبعثنا إلى الجيران قليلاً قليلاً برَّدوا ذلك في الباذهنجات التي لهم ولا شكّ في أنه كان عالي الهمّة ممجّداً مُسَوَّداً ولكن لم يكن له دُربة والده في تنفيذ الوزارة فإنه وليها مرتين وما أنجب، وكان له انسانٌ مرتِّب، معه حمامٌ كحمام البطائق مدرّبٌ إذا خرج من باب القرافة أَطْلَقَ ما معه من الحمام فيروح إلى الدار التي له فيعلم أهله بأنه قد خرج من القلعة فيرمون الططماج والمُلوخية وغير ذلك من أنواع المطجّن وما شابهه حتى إذا جاء وجد الطعام حاصلاً والسماط ممدوداً، وقد سمع منه الشيخ شمس الدين الذهبي أيضاً وجالسَهُ وأنشده شعره، واعتكف في مأذنة عرفات ١٧٩ محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري بجامع مصر ثلاثة أيام فقال السراج الورّاق [الطويل]: ثلاثَ شديداتٍ من السَنوَّاتِ ثلاثة أيّامٍ قطعتَ لطولها حَجَبْنَ محيّا الصاحب بْنِ محمّدٍ وما كاد قلبي أن يقرّ قراره لتجمع بين الحسن والحسنات لأني بمصر وهو في عرفات وقال السراج أيضاً لما عمّر الصاحب تاج الدين جامع دَير الطين [الطويل]: وخيرُ مباني العابدين المساجدُ بنيتم على تقوى من الله مسجداً إجابته الصُمّ الجبالُ الجلامدُ واعلن داعيه الأذانَ فبادرت ونالتْ نواقيسَ الديارات وجمةٌ تبكِّى عليهنّ البطاريقُ في الدُجَى بذا قضتِ الأيّامُ ما بين أهلها وخوفٌ فلم يُمْدَذ إليهنّ ساعدُ وهنّ لديهم مُلقَياتٌ كواسدُ مصائبُ قوم عند قوم فوائدُ البيتان الأخيران للمتنبي من قصيدته المشهورة، وأهدى إليه عسلاً مَسعُودِيّاً فقال [الطويل]: من الظِرْفِ ردُّ الظَرْفِ ممتلئاً جداً منها [الطويل]: أتانيَ مسعودٌ به لون عرضه وكنتُ لسيعاً من زماني وصرفه فأَدْنَيْتُ مَنْ أبعدتُا لا قِلَىّ لها فإن رفع الداعي يَدَيْهِ فهذه وقال أيضاً يمدحه بقصيدة أولها [الكامل]: أَتَرُومُ صبري دُون ذاك الريم لو شاهدتْ عيناك ما شاهَدْتُهُ مخضرّ آسٍ واحمرارُ شقائقٍ ومعاطفْ من دونهنّ روادفٌ سل طرفه عن شَعره الداجي فلم يا غُصنَ قامته إليك تحيّتي إنّ الجمال له بغير مُنازع وكذا العُلا لمحمد بن محمد بـ نَسَبٌ كمطره الكعوب فلا ترى منها[الكامل]: كما جاء في نُعماك ممتلئاً رِفْدا بياضاً جلا من حالكِ الحال ما اسودًا فبدّلني من سُمّه القاتل الشهدا ولكن من الأشياء ما يوجب البُعدا بأربعها تدعو وتستفرغ الجهدا هيهات لُمتْ عليه غيرَ مَلُومٍ لرجعتْ في أمري إلى التسليم أنا منهما في جنّةٍ ونعيم أنا منهما في مُفْعِد ومُقِيمٍ يُخبرك عن طول الدجى كسَقيم مع كل ماطرةٍ وكل نسيم والوجد لي فيه بغير قَّسيمٍ ـن عليّ بن محمد بن سليم إلاّ كريماً ينتمي لكريم ١٨٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيات فلها محلُّ الشيب في التعظيم وشبيبةٍ حَرَسَ التُّقَى أطرافَها جَلّى عن التحليل والتحريم وإذا تحرّمت المسائل باسمه إن قال لا يخلو فما من علّةٍ أمّا إذا جارى أخاهُ أحمداً بحران إن شئتَ الندى نجمان إن تبقى لصحة ذلك التقسيم شاهدتَ بحرَيْ نائلٍ وعلومٍ شئت الهُدَى غَوثان في الإقليم وأرسل إليه ديوكاً مخصيّةً فاستبقاهنّ فأرسل إليه دجاجةً كبيرةً فقال [المتقارب]: وأنقذتَها من عذاب أليم فدَيتَ الديوكَ بذبح عظيم فناري لهم مثلُ نارِ الخليل وذو العرف بالله في جنّةٍ لقد أَنِسَتْ ليَ دارٌ بهم مشوا كالطواويس في ملبسٍ كأنّي أشاهدهم كالقضاة وإلاّ أزمَّة دارٍ غدتْ ولا فرق بيني وبين الخصيّ ونعم الغداء لهم قد بعثت أعذْنَ الشبابَ إلى مطبخي وعادت قدوريّ زنجيّةً وطال لسانٌ لناري به وأمسيتُ ضيفك في منزلي ونارك لي مثل نار الكليم فكن واثقاً بالأمان العظيم ومن قبلهم أصبحتْ كالصريمٍ بهيّ البرود بهيج الرقومٍ بسمتٍ عليهم كسَمت الحليمِ بهم حَرَماً آمناً كالحريمِ فَلِمْ لا أراهم بعين الحميمِ من القانتات ذوات الشحوم وقد كان شاب لحمل الهموم فأعْجِبْ بزنجيّةٍ عند رُومي خصمْتُ خطوباً غدت من خصومي ومن فيه ضيف الضيف الكريم ثم خرج إلى المدح وأدخل الميم على ضمير الديكة وإن كانت لمن يعقل لأنه نزّلها منزلة من يعقل، وأمّا استعارة الشباب والشيب للمطبخ فمن أحسن الكنايات عن الطبخ وعدمه وقوله زنجية عند رومي ظرّف فيه إلى الغاية لأن السراج رحمه الله كان أشقر أزرق وله نظم في ذلك وهو قوله [الرجز]: وزُرقتي للروم عرقٌ قد ضَرَبْ ومن رآني والجِمار مركبي لا فارسُ الخيلِ ولا وَجْهُ العَرَبْ قال وقد أبصر وجهي مقبلاً ولما قدم من غزوة حمص سنة ثمانين وستمائة امتدحه الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال [بقصيدة] أوّلها [الطويل]: تذكّرتَ سُعدَى أم أتاك خيالُها أم الريحُ قد هَبَّتْ إليك شمالُها