Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الترجمة الشريفة النبويّة
سلمة قبل النبي ◌َّ وتزوجها بعد عبد الأسد أبو رُهُم بن عبد العزى بن أبي قيس فولدت له أبا
سبرة بن أبي رهم، وأما أم حكيم البيضاء فإنها كانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس
بن عبد مناف فولدت له أروى بنت كريز وهي أم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
أمراؤه:
باذان بن ساسان بن يلابش بن الملك جاماسب بن الملك فيروز بن الملك يزدجرد بن بھرام
جُور الفارسي على اليمن كلها فلما مات باذان ولَّي رسولُ اللهِ وَر ابنه شهر بن باذان على صنعاء
وأعمالها فقط، وولّى المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة كندة والصَدف، وولّى زياد بن لبيد البياضي
الأنصاري حضرموت، وولّى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن ورمع والساحل، وولّى معاذ بن جبل
الجَنَّد، وعتابَ بن أبي أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس مكةَ وإقامة الموسم والحج
بالمسلمين سنة ثمان وهو دون العشرين سنة في سنّه، وولّى أبا سفيان صخر بن حرب بن أمية بن
عبد شمس نجران، وولّى يزيد بن أبي سفيان بن حرب على تيماء، وولّى خالد بن سعيد بن
العاص بن أمية بن عبد شمس على صنعاء بعد قتل شهر بن باذان قَتَل شهراً رحمه الله الأسودُ
العنْسيُّ الكذّابُ، وولّى أخاه عمرو بن سعيد على وادي القرى، وولّى أخاهما الحكم بن سعيد
على قرى عرينة وهي فدك وغيرها، وولّى أخاهم أبان بن سعيد على مدينة الخط بالبحرين وهي
الّتي تنسب إليها الرماح، وولّى العلاء بن الحضرمي حليف بني سعيد بن العاص على القطيف
بالبحرين، وولّى عمرو بن العاص على عُمان وأعمالها، وولّى عثمان بن أبي العاص الثقفي على
الطائف، وولّى محمئة بن جزء بن عبد يغوث بن عَرفج بن عمر بن زبيد الزنيدي على الأخماس
التي بحضرته قيل وهو حليف بني جُمَح، وولّى علي بن أبي طالب على الأخماس باليمن
والقضاء بها، وولّى معيقب بن أبي فاطمة الدوسي حليف بني أمية بن عبد شمس على خاتمه،
وولّى عدي بن حاتم على صدقات بني أسد وطيِّء، وولّى مالك بن نويرة اليربوعي على صدقات
بني حنظلة، وولّى قيس بن عاصم المنقري على صدقات مَنقر، والزبرقان بن بدر السعدي على
صدقات بني سعد بن تميم، وولّى عمر بن الخطاب على بعض الصدقات أيضاً، وولّى ابن اللُّتْبِيَّةِ
الأزدي على بعض الصدقات أيضاً، وولى جماعة كثيرة على الصدقات أيضاً لأنه كان على كل
قبيلة والٍ يقبض صدقاتها، وولّى أبا بكر الصديق أيضاً رضي الله عنه على موسم سنة تسع وخليفتهُ
عَلَى ولايةِ الأمور كلّها.
رسله إلى الملوك:
أرسل عَمْرَو بن أميّة الضمري إلى النجاشي(١) واسمه أصحمة ومعناه عطيّة فأخذ كتابَ
رسول الله وَ﴿ ووضعه على عينيه ونزل عن سريره وجلس على الأرض وأسلم وحسُنَ إسلامه إلا
(١) انظر: ((الأمم والملوك)) للطبري (٨٩/٣).

٨٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
أن إسلامه كان عند حضور جعفر بن أبي طالب وأصحابه ورُوي أنه كان لا يزال النور يُرى على
قبره، وأرسلَ دحيةَ بن خليفة الكلبي إلى قيصر (١) ملك الروم واسمه هرقل فسأل عن النبي وَيّـ
وثبت عنده صحة نبوته فهَمّ بالإسلام فلم توافقه الروم وخافهم على ملكه فأمسك، وأرسل عبدَ الله
بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس فمزّق كتاب النبي وَّ فقال النبي ◌َِّ ((مزَّق الله مُلْكَهُ))(٢)
فمزّق الله ملكه ومُلْكَ قومِهِ، وأرسلَ حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس(٣) ملك
الإسكندرية ومصر فقال خيراً وقارَبَ الأمر ولم يسلم وأهدى إلى النبي وَّر مارية القبطية وأُختها
شيرين فوهبها لحسّان بن ثابت الأنصاري فولدت له عبد الرحمن بن حسان، وأرسل عمرو بن
العاص إلى مَلِكَيْ عُمَان جيفر وعبد ابني الجُلَندي وهما من الأزد والملِك جيفر فأسلما وصدّقا
وخليا بين عمروٍ والصدقةِ والحكم فيما بينهم فلم يزل عندهم حتى توفى رسول الله وَلّه، وأرسل
سليطَ بن عمرو العامري إلى اليمامة إلى هَوْذَة بن علي (٤) الحنفي فأكرمه وأنزله وكتب إلى
النبي وَ﴿ ما أحسنَ ما تدعو إليه وأجمله وأنا خطيب قومي وشاعرهم فاجعلْ لي بعضَ الأمر فأبى
النبي ◌َّه ولم يسلم ومات زمن الفتح، وأرسل شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر
الغسّاني(٥) ملك البلقاء من أرض الشام قال شجاع فانتهيتُ إليه وهو بغوطة دمشق فقرأ كتاب
النبي ◌َّه ورمى به وقال أنا سائر إليه وعزم على ذلك فمنعه قيصر، وأرسل المهاجر بن أبي أمية
إلى الحارث الحميري(٦) أحد مقاولة اليمن، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى
العبدي(٧) ملك البحرين وكتب له كتاباً يدعوه إلى الإسلام فآمن وصدّق، وأرسل أبا موسى
الأشعري ومعاذَ بنَ جبل الأنصاري(٨) رضي الله عنهما إلى جملة اليمن داعِيَيْنِ إلى الإسلام فأسلمَ
عامَّةُ أهل اليمن وملكوهم طوعاً.
نبذة من معجزاته وآياتهِ وَليقات:
منها القرآن العظيم وهو أكبرها الذي دعا به بلغاء قريش وهم ما هم قالَةُ البلاغة ولسن
الفصاحة لهم:
من آفاق ذلك قمراها والنجوم والطوالع
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) رقم (٤١٦٢) كتاب المغازي، باب كتاب النبي وَّل إلى كسرى وقيصر، و((الكامل))
لابن الأثير (٨١/٢).
(٢) انظر: ((المواهب اللدنية)) القسطلاني ((شرح الزرقاني)) (٣٩٣/٣).
(٣) ((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٤٣/١)، و((الخطط)) للمقريزي (٢٩/١).
(٤) انظر ((السيرة الحلبية)) لابن برهان (٣٧٤/٢).
(٥)
انظر: السيرة الحلبية)) لابن برهان (٣٧٦/٢)، و((المواهب اللدنية)) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٧/٣).
(٦)
انظر: ((الأمم والملوك)) للطبري (٨٨/٣)، والسيرة الحلبية)) لابن برهان (٣٧٦/٢)،
(٧) انظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٨٠)، و((فتوح البلدان)) للبلاذري (٧٧ - ٧٨).
(٨) انظر: ((كتاب الخراج)) لأبي يوسف (٥٦)، و((فتوح البلدان)) للبلاذري (٨٨).

٨٣
الترجمة الشريفة النبويّة
ودعا غيرَهم مذ بعثه الله تعالى قرناً فقرنا وجيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا وإلى يوم البعثِ
والنشور على أن يأتوا بعشر سُوَرٍ مثله مفترياتٍ وتنازَلَ معهم إلى الإتيان بسورة من مثله وفي السور
ما هو ثلاث آيات وتحدّى به الإنسَ والجِنَّ فلم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ونكصوا
على أعقابهم خائبين، وذهب كلَّ نبيِّ بمعجزاته ولم يبقَ لها أثر ظاهر خلا الروايات عنها والأخبار
وأبقى لنا ◌َّهُ معجزاً خالداً بين ظهرانينا إلى يوم القيامة بعد ذهابه لا تنكسف شموسه ولا تذوي
زهراته، وانشقاق القمر روى مسلم والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: انشقّ القمر على
عهد رسول الله وَ ﴿ فلقتين فستر الجبلُ فلقةٌ وكانت فلقةٌ فوق الجبل فقال رسول الله وَّرَ اللهُمَّ
اشْهَد) وروى الترمذي عن جبير بن مطعم قال انشقّ القمر على عهد رسول الله فصار فرقتين فقالت
قريش: سحر محمد أعيننا فقال بعضهم لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم - وزاد
رَزِينَ -: فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه فيكذّبونهم، وما أحقّه وَّ بقول أبي
الطيب [الطويل]:
تَخِرُّ له الشَّعْرَى وينكسِفُ البَدْرُ
متى ما يُشِرْ نحوَ السماءِ بطرفه
وإن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله فخرج عليهم فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في
صدورهم وأقبل حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب وقال: ((شاهت الوجوه)) وحصبهم
فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصباء إلا قُتل يوم بدر، ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في
وجوه القوم فهزمهم الله تعالى، ونسج العنكبوت في الغاز وما كان من أمر سراقة بن مالك إذ بُعِث
خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلدَ (١)، ومَسَحَ على ظهر عَنَاقٍ لم يَنْزُ عليها
الفحل فدرَّتْ، وشاة أم معبد (٢)، ودعوته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعزّ الله به الإسلام(٣)
ودعوته لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يذهب عنه الحرّ والبرد(٤)، وتفله في عينيه وهو أرمد
فعوفي من ساعته ولم يرمد بعد ذلك(٥)، وردّه عين قتادة بن النعمان بعد أن سالت على خدّه فكانت
أحسن عينيه وأَحدَّهما(٦)، ودعاؤه لعبد الله بن عباس بالتأويل والفقه في الدين(٧) وكان يسمَّى الحبر
(١) انظر: ((فتوح البلدان)» للبلاذري (٧٨).
(٢) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٧٩/٢ - ١٨١).
(٣) انظر: ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم (٢٣٨)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٨٢/٦ -٢٨٣).
(٤) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٦٤٤/٣).
(٥) انظر: ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري رقم الحديث (٣٨٠٨) أبواب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب
رضي الله عنه (١٠ ج/ ص ٢٢٨ - ٢٢٩)، وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب)).
(٦) انظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٦/٢/٣)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٧٤/٣ - ١٢٧٥) رقم
الترجمة (٢١٠٧).
(٧) انظر: ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري، كتاب المناقب (ج ١٠/ص ٣٢٧)، وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن
صحیح).
(٨) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٠٧/١).

٨٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
والبحر لعلمه، ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقاً بعد أن كان مسبوقاً(١)، ودعاؤه لأنس بن مالك
بطول العُمُرِ وكثرة المال والولد فعاش مائة سنة أو نحوها وُولِدَ له مائةٌ وعشرون ولداً ذكراً لصلبه
وكان نخله يحمل في السنة مرتين(٢)، وفي تمر جابر بالبركة فأوفى غرماءَهُ وفضل ثلاثة عشر
وَسْقاً، واستسقاؤه عليه السلام فمُطروا أسبوعاً ثم استصحاؤه فانجابتِ السحاب [الكامل]:
لبستْ بوجهك أحسنَ الإشراق
وإذا النوائب أظلمت أحداثها
ودعاؤه على عتبة بن أبي لهب فأكله الأسد (٣) بالزرقاء من الشام، وشهادة الشجرة له
بالرسالة في خبر الأعرابي الذي دعاه إلى الإسلام فقال هل من شاهدٍ على ما تقول فقال: ((نعم
هذه الشجرة))(٤) ثم دعاها فأقبلت فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثاً ثم رجعت إلى منبتها،
وأمره شجرتين فاجتمعتا ثم افترقتا(٥)، وأَمْرُهُ أنساً أن ينطلق إلى نخلات فيقول لهن أمركنّ
رسول الله وَ﴿ل أن تجتمعن فاجتمعْنَ فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعَوْدِ إلى أماكنهن فعُدْنَ
ونام فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتى قامت عليه فلما استيقظ ذُكِرَتْ له فقال: ((هي شجرة
استأذنت ربّها في أن تسلّم عليّ فأذِنَ لها)»(٦)، وسلام الحجر والشجر عليه ليالي بُعِثَ السلام
عليك يا رسول الله، وقوله: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أُبعث))(٧)، وحنين
الجذع (٨) إليه وتسبيح الحصى في كفّه وكذلك الطعام، وإعلامه الشاةُ بسمّها(٩)، وشكوى البعير
إليه كثرةَ العمل وقلةَ العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود
فخلّصها فتلفظّت بالشهادتين(١٠)، وإخباره عن مصارع المشركين يوم بدر فلم يَعْدُ أحدٌ منهم
مصرعه، وإخباره أنَّ طائفةً من أمّته يغزون في البحر وإن أمّ حرام بنت ملحان منهم فكان
كذلك(١١)، وقوله لعثمان رضي الله عنه («تصيبه بلوى شديدة(١٢) فكانت وقُتل، وقوله للأنصار:
(١) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٥١/١).
(٢) عُتبة بن أبي لهب أسلم هو وأخوه مُعَتِّب يوم الفتح، وكانا قد هربا من النبي وَّر، فبعث النبي ◌َّرِ العباس بن
عبد المطلب عمهما إليهما، فأتى بهما، فأسلما، فسُرَّ رسول الله وَ﴿ر بإسلامهما، وشهدا مع رسول الله وَّر
حنيناً، وكانا ممن ثبت ولم ينهزما، وشهدا الطائف ولم يخرجا عن مكة، ولم يأتيا المدينة، ولهما عقب.
انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٤٦٥/٣)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٠٣١/٣).
(٣) انظر: ((دلائل النبوة))، لأبي نعيم الأصبهاني (٣٣٣).
(٤) انظر: المصدر السابق، (ص ٣٣٣).
(٦)
انظر: المصدر السابق، (ص ٣٤٠).
(٥) انظر: المصدر السابق، (ص ٣٣٢).
(٧) انظر: المصدر السابق، (ص ٣٤٤).
(٨) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٢١٦٥) كتاب المغازي، باب الشاة التي سُمَّتْ للنبي وَّهِ .
(٩) انظر: ((دلائل النبوة)) لأبي نعيم الأصبهاني (٣٢٠).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٤٢٣/١٦).
(١١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٦٦٨٤) كتاب الفتن، باب الفتن التي تموج كموج البحر، وفي كتاب
فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان رقم (٣٤٩٢) و(٣٤٩٦). ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٤٠٣) كتاب
فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان رضي الله عنه، وأحمد في «مسنده» (٣٩٣/٣ - ٤٠٦).
(١٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) رقم (١٨٤٥) كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم.

٨٥
الترجمة الشريفة النبويّة
((إنكم ستلقون بعدي أثره))(١) فكانت زمن معاوية وقوله في الحسن: ((أن ابني هذا سيّد وأن الله
سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))(٢)، وإخباره بقتل العنسي الكذاب وهو بصنعاء ليلة
قتله وبمن قتله، وقوله لثابت بن قيس: ((تعيش حميداً وتُقتلُ شهيداً (٣)) فقُتِلَ يوم اليمامة، ولما
ارتدّ رجل من المسلمين ولحق بالمشركين بلغه أنه مات فقال: ((إن الأرض لا تقبله)) فكان كذلك،
وقوله لرجل يأكل بشماله: ((كل بيمينك)) فقال لا أستطيع فقال له: ((لا استطعتَ)) فلم يطق أن
يرفعها إلى فيه بعدُ، ودخوله مكة عام الفتح والأصنام حول الكعبة معلّقة وبيده قضيب فجعل يشير
إليها به ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل))(٤) وهي تتساقط، وقصّة مازن بن الغضوية الطائي(٥)
وسواد بن قارب(٦) وأمثالهما، وشهادة الضبّ بنبوّته، وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق(٧)
فشبعوا والطعامُ أكثرُ مما كان وأطعمهم من تمر يسير وجمع فضل الأزواد على النطع ودعا لها
بالبركة ثم قسمها في العسكر فقامت بهم وأتاه أبو هريرة بتمرات قد صفّهن في يده: وقال ادعُ لي
فيهن بالبركة قال أبو هريرة فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وَسْقاً في سبيل الله وكنا نأكل منه
ونطعم حتى انقطع في زمن عثمان، ودعاؤه أَهْلَ الصفة لقصعة ثريد قال أبو هريرة فجعلتُ أتطاول
ليدعوني حتى قام القومُ وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها فجمعها رسول الله ﴿ فصار لقمة
ووضعها على أصابعه وقال: ((كل باسم الله)) فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت،
وأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزوّد أربع مائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة
البعير فزوّدهم كلَّهم منه وبقي بحسبه كما كان، ونبع الماء من بين أصابعه حتى شرب القوم
وتوضّؤوا وهم ألف وأربع مائة، وأتي بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم يَسَعْ فوضع أربعةً
منها وقال: ((هلمّوا فتوضؤوا أجمعين)) وهم من السبعين إلى الثمانين، وورد في غزوة تبوك على
ماء لا يروي واحداً والقوم عطاشٍ فشكوا إليه فأخذ سهماً من كنانته فغرسه فيها ففار الماء وارتوى
القوم وكانوا ثلاثين ألفاً، وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم فجاء في نفر من أصحابه حتى وقف
على بئرهم فتفل فيه فتفجر بالماء العذب المَعين، وأتته امرأة بصبيّ لها أقرعَ فمسح على رأسه
فاستوى شعره وذهب داؤه فسمع أهل اليمامة بذلك فأتت امرأة إلى مُسَيْلِمَةً بصبيّ فمسح رأسه
فتصلّع وبقي الصَّلَع في نسله، وانكسر سيف عكّاشة يوم بدر فأعطاه جذلاً من حطب فصار في يده
سيفاً ولم يزل بعد ذلك عنده، وعزّت كُذْيَةٌ بالخندق عن أن يأخذها المِعول فضربها فصارت كئيباً
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه) رقم (٦٦٩٢) كتاب الفتن، باب قول النبي بَّه للحسن بن علي: إنَّ ابني هذا
لسيدٌ، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين.
(٢) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٧٥/١ - ٢٧٦).
(٣) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (٤٠٣٦) كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ◌َّر الراية يوم الفتح، ومسلم
في «صحيحه)) رقم (١٧٨٠) كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة.
(٤) انظر قصته في: (أسد الغابة)) لابن الأثير (١٣٠/٤ - ٤٤) رقم (٢٣٣٣).
(٥) انظر: ((دلائل النبوة)) لأبي نعيم الأصبهاني (٣٢١ - ٣٢٢).
(٦) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٣٨٧٦) ((كتاب المغازي، باب غزوة الخندق.

٨٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
أَهْيَلَ، ومسح على رِجْلٍ أبي رافع وقد انكسرت فكأنّه لم يشكها قط، وقوله وَلّه: ((إن الله زوى
لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زُوِيَ لي منها «وصدّق الله قوله بأنّ مُلْكَ
أمّتِهِ بلغ أقصى المشرق والمغرب ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال، وأخبر عن الشيماء بنت
بقيلة الأزدية أنها رُفِعَتْ له في خمار أسود على بغلةٍ شهباء فأخذت في زمن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه في جيش خالد بن الوليد بهذه الصفة، وقال لرجل ممن يدّعي الإسلام وهو معه في
القتال ((أنه من أهل النار)) فصدّق الله قوله بأن ذلك الرجل نحر نفسه وهذا لا يُعْرَفُ البتةَ بشيءٍ من
النجوم ولا بخطّ ولا بزجر ولا بالنظر في الكف ولا بتصويت الوزغ وأبطلَ الله تعالى ببعثته الكهانة
فانقطعت وكانت ظاهرة موجودة، ودعا اليهود الى تمنّي الموت وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه فحيل
بينهم وبين النطق بذلك، وأخبر بأن عمّاراً تقتله الفئة الباغية فكان مع علي بن أبي طالب وقتله
جماعة معاوية، وأنذر بموت النجاشي وخرج هو وأصحابه الى البقيع فصلّوا عليه فورد الخبر
بموته بعد ذلك في ذلك اليوم، وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين فقال: ((أحدكم في النار
ضرسه مثل أُحُد)) فماتوا كلّهم على الإسلام وارتدّ منهم واحد وهو الدجّال الحنفي فقتل مرتدّاً مع
مسليمة وقال لآخرين منهم (آخركم موتاً في النار) فَسقط آخرهم موتاً في نارٍ وهو سَمُرَةُ بن
جندب، وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجُمَحِيّ فخدشه يوم أحد خدشاً لطيفاً فكانت منيّته منه
وأخبر فاطمةٍ ابنته رضي الله عنها أنها أول أهله لحاقاً به فكان كذلك، وأخبر نساءه أن أطولهن يداً
أسرعهن لحاقاً به وكانت زينبَ بنت جحش الأسدية لأنها كانتْ كثيرةَ الصدقةِ، وحكىَ الحكمُ ابن
أبي العاص مشيته مستهزئاً فقال: ((كذلك فكن)) فلم يزل يرتعش إلى أن مات، وخطب أمامة بنت
الحارث بن أبي عوف وكان أبوها أعرابياً حافياً فقال إن بها بياضاً فقال ((لتكن كذلك)) فبرصت من
وقتها فتزّوجها ابنُ عمها يزيدُ بن حمزة فولدت له الشاعرَ شبيب بن يزيد وهو المعروف بابن
البرصاء، وليلة ميلاده اضطرب إيوان كسرى حتى سُمِعَ صوته وسقطت منه أربع عشرة شرافة
وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ومن علائم نبوّته حراسة
السماء بالشهب التي تقذف الشياطين فلا تسترق السمع، وبشرى الكهان به والهواتف، وإخبار
الأحبار بظهوره، وفراسة بحيرا الراهب فيه ومعرفته آيات النبوة وأمارات البعثة [الكامل]:
ورأوك وضّاح الجبين كما يُرَى
قَمَرُ السماءِ السعدِ ليلةً يكمل
وولادته مختوناً مسروراً، وسجع شقِّ وسطيح، ورؤيا الموبذان إلى غير ذلك من الآيات
الظاهرة والامارات الباهرة والدلالات الزاهرة والمعجزات القاهرة والسيرة التي:
شُهِرَتِ شُهْرَةَ النجوم وسارَ الذكر منها في الناس سير القوافي
غزواته:
غزا رسولُ اللهِ وَلّهِ خمساً وعشرين غزوةً بنفسه هذا هو المشهور قاله محمد بن إسحاق وأبو
معشر وموسى بن عقبة وغيرهم وقيل سبعاً وعشرين غزوة، غزوة الأبواء وهي أول غزاة غزاها
بنفسه، غزوة بواط وهي من ناحية رضوى، غزوة العَشيرة من بطن ينبع، غزوة بدر الأولى يطلب

٨٧
الترجمة الشريفة النبويّة
كرز بن جابر، بدر الثانية وهي أكرم المشاهد، غزوة بني سُليم حتى بلغ ماء الكدر، غزوة السويق
يطلب أبا سفيان بن حرب غزوة ذي أمر، غزوة بُخران، غزوة بني قينقاع [غزوة أحد]، غزوة
حمراء الأسد، غزوة بني النضير، غزوة ذات الرقاع، غزوة بدر الثالثة، غزوة دومة الجندل، غزوة
الخندق، غزوة بني لِخِيَانَ، غزوة ذي قرد، غزوة بني المصطلق، غزوة الحديبية، غزوة خبيير،
غزوة مؤتة، غزوة فتح مكة، غزوة حنين، غزوة الطائف، غزوة تبوك، قاتل وَللر من هذه الغزوات
في سبع بدر وأحد والخندق وبني قريظة وبني المصطلق وخيبر والطائف وقيل قاتل أيضاً بوادي
القرى والغابة وبني النضير ولم يكن في غير ما قاتل فيه قتال.
مواليه:
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد وكان يقال له الحِبُّ بن الحِبّ،
وثوبان بن بُجدُد وكان له نسب في اليمن، وأبو كبشة من مولّدي أرض دَوْس شهد بدراً وأعتقه
واسمه سُلَيْم(١) وتوفى يوم استخلف عمر، وأنيسة من مولّدي السراة وأعتقه، وصالح(٢) شقران
ورثه من أبيه وقيل اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه، ورباح أسود(٣)، ويسار نوبيّ، وأبو
رافع(٤) واسمه أسلم وقيل إبراهيم وهبه له العباس فأعتقه حين بشره بإسلام العباس وزوّجه سلمى
مولاةً له فولدت له عبيد الله كَتَبَ لعليٍّ، وأبو موهبة (٥) من مولّدي مزينة وأعتقه، وفضالة(٦) مات
بالشام، ورافع كان مولى لسعيد بن العاص فورثه ولده فأعتقه بعضهم وتمسك بعضهم فجاء رافع
إلى النبي وَّهل يستعينه فوُهِبَ له وكان يقول أنا مولى رسول الله وَّل، ومِدعَم أسود وهبه له رفاعة
الجذامي قتل بوادي القرى، وكركرة (٧) نوبيّ أهداه له هوذة بن عليّ وأعتقه وكان على ثقل
النبي ◌َّ﴾، وزيد جدّ هلال بن يسار بن زيد، وعبيد، وطهمان أو كيسان أو مهران أو ذكوان أو
(١) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٦١/٦).
(٢) واسمه صالح بن عدي، انظر: ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور.
(٣) كان يأذن على رسول الله وَّر انظر: ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٣٠١/٢).
(٤) ويقال: رافع.
(٥) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣١٦/٢).
(٦) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٦٣/٤) وفيه: أنه كان من أهل اليمن.
(٧) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٠٧/٢ - ٣٠٨).
(٨) انظر: ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٣٠٥/٢)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٩٩/٣).
(٩) وكان خصيّاً.
(١٠) روى عن رسول اللَّهِ وَل﴿ل حديثاً هو: ((مَنْ أطاع اللَّه فقد ذكر الله، وإن قلَّتْ صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن،
ومَن عصى الله فلم يذكره، وإن كثرت، صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن)). انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير
(٤٣٣/٥).
(١١) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٧٧/٦) وفيه: أن رسول الله وَلل كتب له كتاباً، ولأهل بيته كتاباً، أوصى
المسلمين بهم خيراً. وانظر الكتاب في: ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٣١٤/٢).

٨٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
مروان(١)، ومابور القبطي أهداه له المقوقس(٢)، وواقد(٣) وأبو واقد، وهشام، وأبو ضميرة(٤) من
الفيء وأعتقه، وحنين، وأبو عسيب(٥) واسمه أحمر، وأبو عبيد (٦)، وسفينة كان لام سلمة فأعتقته
وشرطت عليه أن يخدم النبي ◌َّ حياته فقال لو لم تشترطي عليّ ما فارقته وكان اسمه رباحاً وقيل
مهران، وأبو هند وأعتقه، وأنجشة الحادي، وأبو لبابة وأعتقه، هؤلاء هم المشهورون وقد عُدّوا
أكثر من ذلك.
وإماؤه:
سلمى أمّ رافع(٧)، وبركة أم أيمن(٨) حاضنته ورثها من أبيه، ومارية(٩)، وريحانة سبيّة من
قريظة، وميمونة (١٠) بنت سعد، وخُضرة(١١) ورضوى(١٢).
خدمه:
أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، وهند وأسماء ابنا حارثة (١٣)، وربيعة بن كعب(١٤)
الأسلميّون، وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه كان إذا قام ألبسه إياهما وإذا جلس جعلهما في
ذراعيه حتى يقوم، وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته يقود به في الأسفار، وكان بلال بن
رباح المؤذِّن، وكذلك عمرو بن قيس الأعمى المدعوّ ابن أم مكتوم، وأبو محذورة أقرّه مؤذّناً
بمكة، وسعد القرظ مؤذن بالمدينة، ومن خدمه سعد(١٥) مولى أبي بكر الصديق، وذو مخمر ابن
أخي النجاشي ويقال ابن أخته ويقال ذو مخبر، وبكير (١٦) بن شَدّاخ الليثي، وأبو ذَرّ الغفاري،
وخطيبه ثابت بن قيس بن الشماس، وفارسه أبو قتادة الأنصاري، وكانت أم أيمن دايته، وبلال بن
رباح على نفقاته، وقيس بن سعد بن عبادة بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وذؤيب بن حلحلة
والد الفقيه قبيصة صاحب بُدنه التي أهداها والناظر عليها، وحجمه أبو طيبة.
(١) له صحبة ورواية.
(٢) روى حديثه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤٨٥/٣) وأوله: ((ناولني ذراعها)). وانظره في ((مختصر تاريخ دمششق))
لابن منظور (٣١٤/٢).
(٣) انظر: ((أسد الغابة) لابن الأثير (١٤٧/٧)، وفيه: وكانت قابلة بني فاطمة، وقابلة إبراهيم ابن رسول الله وَيتر،
وشهدت خيبر مع رسول الله وَله.
(٤) وهي بركة بنت ثعلبة. انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٦/٧).
(٥) تقدَّمت ترجمتها في أزواج النبي ◌َّر.
(٦)
ذكرها الإمام أحمد، وأخرج لها أبو نعيم وابن مندة.
(٧) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٨٦/٧).
(٨) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١١٠/٧).
(٩) انظر: ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٤٠٧/٢).
(١٠) المصدر السابق.
(١١) المصدر السابق.
(١٢) ويقال: بكر. انظر: ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٤٠٧/٢).

٨٩
الترجمة الشريفة النبويّة
حرسه:
سعد بن معاذ يوم بدر(١)، وذكوان بن عبد قيس ومحمد بن مسلمة بأحد، والزبير يوم
الخندق، وعباد بن بشر، وسعد بن أبي وقاص وأبو أيوب(٢) بخيبر، وبلال بوادي القرى فلما نزلت:
﴿وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ترك الحرس، ووقف المغيرة بن شعبة الثقفي على رأسه
بالسيف يوم الحديبية، وكان الضحاك بن سفيان الكلابي سيّافه، وكان عمرو بن عَبسة السلمي
صديقَ رسول الله ◌َّير في الجاهلية، وكان عياض بن حمار بن عقال بن محمد بن سفيان بن
مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم حرميَّ رسول الله وَّر في الجاهلية ومعنى
ذلك أن قريشاً كانت من الحُمْس وكانت بنو مجاشع من الحلة وهما دينان من أديان العرب في
الجاهلية وكان الحليّ لا يطوف بالبيت إلا عريان إلا أن يعيره رجل من الحمس ثياباً يطوف فيها
وكان عياض يطوف في ثياب رسول الله وَّرُ وعِيَاض هذا ابن عم الأقرع بن حابس بن عقال لحّاً.
كتّابه:
كتب له عليه السلام أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وعامر
بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس بن الشماس، وخالد بن سعيد،
وحنظلة بن الربيع، وزيد بن ثابت الأنصاري من بني النجار، ومعاوية ويزيد أخوه ابن أبي سفيان،
وشرحبيل بن حَسَنة(٣)، وكان معاوية وزيد بن ثابت دون هؤلاء يلازمون الكتابة بين يديه في
الوحي وغيره لا عمل لهما سواه.
وكان علي والزبير ومحمد بن مسلمة وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح والمقداد يضربون
الأعناق بين يديه وَله.
النجباء من أصحابه:
أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو ذرّ والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمّار
وبلال.
العشرة المشهود لهم بالجنة:
هم الخلفاء الأربعة، وطلحة بن عُبَيْد الله، والزُبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص،
وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح رضي الله عنهم.
الذين أشبهوه:
الحسن بن علي بن أبي طالب، وعمه جعفر بن أبي طالب، وقثم بن العباس بن عبد
(١) في العريش، انظر: ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٤١٤/٢).
(٢) وذلك عندنا تزَّوج صفية، انظر: المصدر السابق.
(٣) ذكره الحافظ ابن كثير، ولم يذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه.

٩٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والسائب بن عبيد جد الشافعي، وقد جمعهم
الشيخ الإمام فتح الدين بن سيد الناس اليعمري أنشدني من لفظه لنفسه [البسيط]:
يا حُسنَ ما خُوّلوا من شِبْهِهِ الحَسَنِ
لخمسةٍ شَبّهُ المختار من مضر
وسائبٍ وأبي سفيان والحّسَنِ
لجعفر وابن عم المصطفى قُثَمٍ
وشبهُه ◌َّر مقتسم بين الحسن والحسين فالأعلى للحسن والأسفل للحسين، وممن أشبهه
مسلم بن مُعتب، وكابس بن ربيعة السامي.
دواتّه:
من الخيل(١) عشرة على خلافٍ في ذلك بزيادة ونقص، وهي السَّكتب(٢) وكان عليه يوم
أحد وكان أغرّ محجّلاً طلق اليمين وهو أول فرس غزا عليه اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر
أواق، والمُزْتجز (٣) وهو الذي شهد به له خزيمة بن ثابت، ولِزاز(٤) وهو الذي أهداه إليه
المقوقس، واللُّحَيف(٥) وهو الذي أهداه له ربيعة بن أبي البراء، والظَّرَبُ(٦) وهو الذي أهداه فروة
الجذامي، والورد (٧) وهو الذي أهداه له تميم الداري، والضرس وملاوح(٨) وسبحة(٩) اشتراه من
تجار من اليمن فسبق عليه ثلاث مرّات فمسح عليه السلام وجهه وقال (ما أنت إلا بحر) وقد جمع
من أسماء خيله وَّر في أبيات من قصيدة يمدحه بها الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين أبو الفتح
محمد بن سيد الناس اليعمري أنشدني لنفسه قراءةً مني عليه [مجزوء الكامل]:
وثَبَاتٍ وَثَبَاتْ
لم يزل في حربه ذا
ب وحُبّ الصافنات
كَلِفاً بالطعن والضر
ومن السكب المُؤاثي
من لزاز ولُخَيف
بق سبق الذاريات
ومن المرتجز السا
ـحة قيد العاديات
ومن الورد ومن سبـ
(١) انظر: خيله عليه الصلاة والسلام في ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٤٢٠/٢ - ٤٢١).
(٢) شبه في سرعته بفيض الماء وانسكابه.
(٣) المرتَجز: سمي بذلك لحسن صهيله. وهو الذي شهد به فيه خزيمة بن ثابت، فجعل شهادته رجلين، كما في
(صحيح البخاري)) (٤٧٨٤)، وأبي داود (٣٦٠٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٨/٢).
(٤) لِزاز: من قولهم: لا ززته، أي لاصقته، كأنَّه يلتصق بالمطلوب لسرعته.
(٥) اللحيف: فُعَيل بمعنى فاعل، كأنه يلحف الأرض بذنبه.
(٦) الظَّرِبُ: واحد، الظّراب، وهي الروابي الصغار، سمي به لكبره وسِمنِه، وقيل: لقوته وصلابته.
(٧)
الوَرْد: لونٌّ بين الكُمَيْت والأشقر.
(٨) ملاوح: الضامر الذي لا يسمن.
(٩) سبحة: من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مدّ اليدين.

٩١
الترجمة الشريفة النبويّة
ومن البغال ثلاثة وهي الدلدل(١) التي أهداها له المقوقس وهي أول بغلة رُكِبَتْ في الإسلام
وعاشت بعده إلى أن زالت أسنانها وكان يُجشّ لها الشعير، وفضة أتّهبها من أبي بكر، والأيليّة
أهداها له ملك أيلة، وكان له حمار يقال له عُفَير (٢) وقيل يعفور وهو الأشهر، وأما النعم فلم ينقل
أنه اقتنى من البقر شيئاً، وكان له بالغابة عشرون لقحة(٣) يُراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من
لبن وكان فيها لقاحٌ عُزْرٌ الحنّاء والسمراء والعُريس والسعديّة والبَغْوم(٤) واليَسوم والزبّاء وكانت له
لقحة تسمّى بردة أهداها له الضحاك بن سفيان كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان وكانت له
مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل، والشقراء والعضباء ابتاعها أبو بكر من نعم بني
الحريش والقصواء(٥) وهي التي هاجر عليها إلى المدينة وكانت إذ ذاك رباعية وكان لا يحمله إذا
نزل عليه الوحي غيرُها، والجدعاء وهي التي سُبِقت فشقّ على المسلمين فقال ◌َله: ((إن حقّاً على
الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلاّ وضعه)) وقيل المسبوق غيرها، وكان له من الغنم مائة وكان له
منائح سبغ من غنم عُجرة وزمزم وسُقيا وبَركة ووَرسة والطِلال وأطراف وكان له شاة يختصّ بشرب
لبنها تُدعی غیئة، وكان له ديك أبيض.
سلاحه:
تسعة أسياف ذو الفقار تنقّلَهُ يوم بدر من بني الحجاج السهميَّيْنِ ورأى في النوم في ذبابه
ثُلْمَةً فأوّلها هزيمة وكانت يوم أحد، وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف سيفُ قلَعي بفتح
اللام وسيف يدعى بتّاراً وسيف يدعى الحتف(٦) وكان له المخذم(٧) والرَسوب أصابهما من الفُلُس
وهو صنم لطيّ، وآخر ورثه من أبيه والعضب أعطاه إياه سعد بن عبادة والقضيب وهو أول سيف
تقلّد به وَله، وقال أنس بن مالك كان نعل سيف رسول الله وَ لقوله فضة وقبيعته فضة وما بين ذلك
حلق فضة، وأربعة رماح المتثني وثلاثة من بني قينقاع وعَنَزَة تحمل بين يديه في العيدين ومحجن
قدر الذراع ومخصرة تسمّى العرجون وقضيب يسمّى الممشوق، وأربعة قسِيٍّ قويس اسمها الروحاء
وقوس شَوْحَط وقوس صفراء يدعى الصفراء وجعبة وترس كان فيه تمثال عقاب أهدي له فوضع
يده على العقاب فذهب وقيل تمثال رأس كبش فكره مكانه فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل،
ودرعان من سلاح بني قينقاع درع يقال له السُّعدية(٨) ودرع يقال لها فضة ودرع تسمى ذات
(١) ويقال لها: الشهباء.
(٢) كان أشهب، ونفق في حجة الوداع، والعُفرة: الغُبرة. انظر: ((السيرة الحلبية)) لابن برهان (٤٣٢/٣).
(٣) هي الناقة الحلوب، وهي التي أغار عليها القوم بالغابة. انظر: ((الطبقات)) لابن سعد (٤٩٤/١).
(٤) وقيل: البغوم.
(٥) وروي عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال: إنما كان له ناقة واحدة موصوفة بهذه الصفات الثلاث. قال ابن
كثير: وهذا غريب جدًّاً، حكاه النووي. انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٣٦/١ - ٣٧).
(٦) في ((السيرة الحلبية)) لابن برهان (٤٢٧/٣): الحيف، بفتح الحاء وسكون الياء، وهو الموت.
(٧) المِخْذَم: القاطع.
(٨) ويقال: السُّغدية.

٩٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
الفضول(١) لبسها يوم حنين ولبس يوم خيبر ذات الفضول وفضة، ومغفر يقال له السبوغ ولواء
أبيض، ومنطقة من أديم مبشور فيها ثلاث حلق فضة والإبزيم فضة والطرف فضة، ومن القصيدة
التائية التي للشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس المذكورة آنفاً أبيات فيها أيضاً ذكر شيء من
أسماء سلاحه وهي [مجزوء الكامل]:
هزَّه حتف الكُماةٌ
وإذا هزّ حساماً
راسب في الضربات
من قضيب ورسوب
فلّ حدّ الباترات
وانتضى البتّار فيهم
من سَنا ذي الفقرات
خِلت لمعَ البرق يَبدو
ولنار المخذم المـا
ضي لهيب الجمرات
ـب طهور الفجرات
وبماء الحتف والعضـ
بل حزّ الفعلات
وله بالأسمر الذا
مثل رقص الراقصات
مثل نظم الخزراث
بسهام مُصميات
يتثنى المتثني
ناظماً منهم رؤوساً
وعن الروحاء يرمي
واتخذ ◌َّ خاتم ذهب ثم رماه وتبرأ منه(٢) واتخذ خاتم فضة فَصُّهُ منه نقشه محمد رسول
الله في ثلاثة أسطر قيل إنه كان حديداً ملويّاً بفضة كان يحبسه في خنصره في يساره وربما في يمينه
يجعل فصّه إلى باطن كفّه (٣) ونهى أن ينقش أحد على نقشه كما نهى أن يكتني أحد بكنيته ولم
يزل الخاتم في يده إلى أن مات ثم في يد أبي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان فلما كان في
السنة السادسة من خلافته سقط في بئر أريس فنزحت البئر وأخرج منها أكوام طين فلم يوجد
الخاتم .
أثوابه وأثاثه:
ترك ◌َ﴿ يوم مات ثوبي حبرة وإزاراً وعمامة وثوبين صُحارِيَّيْنِ وقميصاً صُحارِيّاً وآخر
سَحُولِيّاً وجبّة يمنيّةً وخميصةً وكساء أبيض وقلانسَ صغاراً لاطية ثلاثاً أو أربعاً وملحفة مُوَرَّسة
وكانت له ربعة فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وسواك، وكان له فراش من أدم حشوه
(١) سميت بذلك لطولها.
(٢) انظر: ((الشمائل)) للترمذي رقم (٩٨).
(٣) كان ◌َّر يتختم به في يمينه. انظر: ((الشمائل)) للترمذي رقم (٩٠ - ٩٤) ورقم (٩٥) وفيه: أنَّ النبي ◌َّر اتخذ
خاتماً من فضة وجعل فصه مما يلي كفه ونقش فيه (محمد رسول الله) .. وهو الذي سقط من معيقيب في بئر
أريس كما سيذكر الصفدي.

٩٣
الترجمة الشريفة النبويّة
ليف، وقدح مضبَّبٌ بفضة في ثلاثة مواضع وقدح آخر وتَورٌ من حجارة ومخضب من شبٍّ تعمل
فيه الحناء والكتم ويوضع على رأسه إذا وَجد فيه حرارةً وقدح زجاج ومغتسل من صفر وقصعة
وصاع يخرج به زكاة الفطر ومُدّ وسرير وقطيفة، وأهدى له النجاشيُّ خفَّيْن ساذجين فلبسهما وكان
له كساء أسود وعمامة يقال لها السحاب فوهبها عليّاً فكان ربما قال إذا رآه مقبلاً وهي عليه (أتاكم
عليٍّ في السحاب) وله ثوبان للجمعة غير ثيابه التي يلبسها في سائر الأيام ومنديل يمسح به وجهه
من الوضوء.
ومدحه بالشعر جماعة من رجال الصحابة ونسائهم جمعهم الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين
بن سيد الناس اليعمري في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلدة ((سمّاها مِنَح المدح)) ورتبهم على
حروف المعجم فأربى في هذا الجمع على الحافظ ابن عبد البر لأنه ذكر منهم ما يقارب المائة
والعشرين أو ما يزيد على ذلك والشيخ فتح الدين قارب بهم المائتين ولا أعلم أحداً حصّل من
الصحابة الذين مدحوا النبي ◌َّ هذا القَدْرَ وقد كتبت هذا المصنَّفَ بخطّي وسمعت من لفظه ما
يقارب نصفَهُ وأجازني البقية، وأما شعراؤه الذين كانوا بصدد المناضلة عنه والهجاء لكفّار قريش
فإنهم ثلاثة حسان بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن رواحة الأنصاري وكعب بن مالك الأنصاري،
وكان حسان يُقبل بالهجو على أنسابهم وعبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر وكعب بن مالك يخوّفهم
الحرب فكانوا لا يبالون قبل الإسلام بأهاجي ابن رواحة ويألمون من أهاجي حسّان فلما دخل مَنْ
دخل منهم الإسلامَ وجد ألم أهاجي ابن رواحة أشدَّ وأشقَّ، ومن أشهر الصحابة بالمدح له كعب
بن زهير بن أبي سلمى السعدي وقصيدته (بانت سعاد)(١) مشهورة وما من شاعر في الغالب جاء
بعده ومدح رسول الله وَّوَ إلاّ وقد نظم في وزنها ورَوِيِّها، وَ القاضي محيي الدين عبد الله بن
[عبد] الظاهر حيث يقول [الطويل]:
وقلنا عسى في مدحه نتشارك
لقد قال كعب في النبي قصيدة
كرحمة كعبٍ فهو كعبٌ مبارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمةٌ
وقلت أنا أمدحه بقصيدة متيمِّناً بوجهه الأغرّ وكعبه المبارك راجياً أن أُحشر في زمرةٍ مَنْ
مدحه فأولاه بِرَّهُ يوم القيامة ومَنَحَهُ وهي [البسيط]:
ولا تملّوا ففي إملائها طول
سَلوا الدموع فإنّ الصبّ مشغول
هل في الغرام الذي تُبديه تبديل
واستخبروا صادحات الأيك عن شجني
من الجوى عندما تحويه تحويل
وهل لِمَا ضمّت الأحشاءُ بعدكم
وربعُ لهويَ باللذّات مأهول
أحبّتي لا وعيشٍ مرّ لي بكمُ
يكون في غيركم قصدٌ ولا سُول
ما كان لي مذ عرفت الوجد قطُّ ولا
(١) شرحها ابن هشام (جمال الدين عبد الله) بعنوان ((قصيدة بانت سعاد في مدح خير العباد (وَّر)) و((حاشية الإسعاد
علی بانت سعاد» للباجوري.

٩٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
هیهات ما راق طرفي غیرُ حسنِکمُ
وحقکم إنّ عذري في محبّتكُم
ما لي أنين لتقضوا أنّ لي رمقاً
فليت جسمِيَ إذ أبلاه حبُّكمُ
عقدتمُ هُذْبَ أجفاني بحاجبها
هَبُوا من الغمض ما ألقى الخيال به
وخفّفوا إن أردتم من ضنى جسدي
إن تحكموا لي بأن أبكي على أرقي
يا برق لا تتشبّه لي بمبسمهم
وليت ثغرك فيه منهُم شنب
ويا نسيم الصبا برّذ لظى كبدي
واحمل رسائل أشواقي لطيبةً لا
سلّم على ربعها المحروس إنّ لها
محمّدٍ خير مبعوث لأمّته
سادت قريشٌ به الأعرابّ قاطبةً
أضحوا وفرع معاليهم إذا فخروا
وكان يُدعى نبيّاً حيث آدم لم
والبيت صار حمى إذا كان مظهره
فصان ساحته من كيد أبرهةٍ
بادوا بأحجار سجّيلٍ وما رجعوا
وما شكتْ أمُّهُ من حمله ألماً
وانشقّ إيوان كسرى عند مولده
ورؤية الموبذان الخيلَ في حُلُم
ونار فارس من بعد اللهيب خبَثَ
وكم به بَشّرَ الأحبارُ من يِشرٍ
وكم له آيةٌ في الناس قد ظهرت
وشَقَّ في آل سَعدٍ صَدرَهُ مَلَكٌ
حتّى رمى مغمز الشيطان منه فلم
لأنه بسويدا القلب مجبول
عند العواذل بعد اليوم مقبول
هذا دليلٌ على أن ليس مدلول
لم تبق من سَقَمي عندي عقابیل
فلم أنم ونطاق الدمع محلول "
إذا سرى فلقاء الطيف تخييل
أو لا فما أحد عن ذاك مسؤول
فإنّ هذا على عينيّ محمول
فما ابتسمتَ بثغر يُخجل اللولو
وليت قطرك مثل الريق معسول
فإنّ ذيلك بالأنداء مبلول
زالت تحثّ لها النجب المراسيل
مجداً له برسول الله تأثيل
في الحشر والنشر تقديمٌ وتفضيل
فكم لها منه تنوية وتنويل
به على هامة الجوزاء مهدول
يكن له قبل خلق الطين تشكيل
فكلّ مَنْ رامه بالسوء مخذول
لما أتاه وفي أصحابه الفيل
لمّا رمتهم بها الطير الأبابيل
وكيف وهو بلطف الله محمول
وارتجّ من جانبيه العرض والطول
منه وسجع سطيح فيه تطويل
فراح كلِّ بهذا وهو مشغول
بحيث لم يبق في الأخبار تأويل
لسردها جملٌ فينا وتفصيل
من السماء وهذا القول منقول
يكن له فيه بعد اليوم مأمول

٩٥
الترجمة الشريفة النبويّة
وقد رآه ((بحيرا)) حين واجهَهُ
فقال يا عمَّهُ احفَظ ما خُصِصتَ به
فعاد حتى أراد الله بِغْشَتَهُ
کم قد تحثّث يوماً في حریّ فأتى
وقال قم فأتِ هذا الخلقَ تُنذرهم
فجاءهم بكتاب ليس يدخله
وحيّ إليه من الله العظيم له
حبلٌ من الله قد أضحت هدايته
باقٍ على الدهر غَضِّ في تلاوته
به تحذّى الورى طُرّاً فأعجزهم
بلاغةٌ قصرت عنها الأنام ولم
أعيى قريشاً وهم في الحفل إن نطقوا
إذا تلا آيةً في جمعهم زهقَتْ
وجاء أصنامَ أهل الشرك فاضطربت
فكان منه لدين الله حين دعا
ولم يزل في جهاد المشركين إلى
وقام في الله أقوام إذا ذُكِرُوا
وافَوا يلبّونه طوعاً فقابلَهم
لا يألمون إذا أنكَتْ جراحهمُ
حتى لقد ظهر الدين الحنيف وفي
وصار أشهر من نارٍ على عَلَمٍ
فيا لها أمّةً بالمصطفى رُحمتَ
وفضل أمّته لم تخفَ رتبته
كلِّ يجيء وآثار الوضوء له
أعمالهم تشبه التيجان فوقهم
يا خاتم الرسل هل لي وقفةٌ بِمنى
وهل أزور ضريحاً أنت ساكنه
في عُصبةٍ يقطعون البيد في ظُلَّم
عليه ظلُّ السحابِ الغُرّ إكليل
هذا به حَدُّ أهل الكفر مَفلول
وكل ما قدّر الرحمن مفعول
إليه من عند رب العرش جبريل
فعقلهم عن سراج الحقّ معقول
شكّ على أنه لم يبق تضليل
عليه في كل حينٍ منه تنزيل
بظلّها من توخّي الحقّ مشمول
وما سواه على التكرار مملول
وصدّهم عنه تنكيبٌ وتنكيل
يُعهَد لها قبلُ ترتيبٌ وترتيل
كما علمنا هم اللسنُ المقاويل
على فصاحتهم تلك الأباطيل
ونكست في الثرى تلك التماثيل
سيفٌ على عنق الكفّار مسلول
أَنْ فُلَّ جمعهمُ منه وما ديلوا
يوم الوَغَى فهُم الغرُّ البهاليل
مع الهُدَى منه ترحيبٌ وتأهيل
فكلّ صعب إذا راضوه تسهيل
عِزْنينه شمَمٌ والكفر مهزول
من بعد ما كان قِذماً وهو مجهول
إذ جوده لجميع الناس مبذول
إِذ مَن يُعَدُّ سواهم فهو مفضول
في حشره غُرَّةٌ زانت وتحجيل
لها الهدى والتقى والعلم إكليل
تُقضى المُنَى عندها والقصد والسول
تَسري إليك بِيَ العيس المراقيل
وجوههم في دياجيها قناديل

٩٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
حتّى أروّي بلثم التُّزبِ فيك حشاً
وَأُكْحِلُ العينَ من ذاك التراب على
قد أثقلتني على ضعفي الذنوب وما
فكن شفيعي فإنْ تشفع فإنّيَ من
مالي سوى حبّك المرجوّ من عمل
عليك صلّى إله الخلق ما نفحت
وما حكى فيك ربُّ النظم ممتدحاً
تمت القصيدة وبتمامها تمت الترجمة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
هيهات يشفي الظما من حرّها النيل
قربٍ ولا فرسخٌ دوني ولا ميل
لي في سوى جاهك المقبول تأميل
لحدي إلى جنّة الفردوس منقول
أنفقتُ عمري وهذا فيه محصول
ريح الشمال وروض الحزن مطلول
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

٩٧
محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان أبو الحسين الخزاعي النحوي
محمد بن محمد
كما بدأتُ بالمحمّدين في هذا الكتاب تبركاً باسم النبي ◌َّ كذلك بدأت بمن اسم أبيه
محمد أيضاً لأن البركة تضاعفت والهمّة تساعفت ولأن صاحب هذه الترجمة تقمّص حلّةً بطرازين،
ودخل إلى حقيقة هذا الترتيب من مجازين، واتّسم بحمل عَلَم علامته لها زين، ثم من بعد ذلك
ارتّبُ أسماءَ الآباء على الحروف، وأسرد منها نقوداً يكون لها عند المتأمّل أو الكاشف صروف،
وبالله الإعانة إنّه البرّ الرؤوف.
١ - ((الحافظ ابن الباغندي)) محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث. الحافظ أبو بكر بن
الباغَنْدي، قال أبو بكر الإسماعيليّ لا أتّهمه بالكذب لكنه خبيث التدليس ويصحّف أيضاً، وقال
الخطيب: كافّة شيوخنا يحتجّون به، وقال الدارقطني: كثير التدليس (١)، توفي في سنة اثنتي
عشرة وثلاثمائة .
٢ - ((أبو الحسن النفاح محدث)) محمد بن محمد بن عبد الله. النفّاح بالحاء المهملة هو أبو
الحسنَ الباهليّ البغدادي نزيل مصر، قال ابن يونس: كان ثبتاً ثقةً صاحبَ حديثٍ متقلِّلاً من الدنيا،
توفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة .
٣ - ((أبو جعفر الشيباني الكوفي)) محمد بن محمد بن عُقْبَة. أبو جعفر الشيباني شيخ الكوفة،
كان السلطان يختاره والقضاة وما قال فهو القول وكان ثقةً كثيرَ النفع ومكث الناس ينتابون قبره
نحو السنة وخُتِمَ عنده ختماتٌ كثيرة، وتوفي سنة تسع وثلاثمائة.
٤ - ((النسوي الشافعي)) محمد بن محمد بن إبراهيم أبو الفضل النسوي الفقيه الشافعي، سكن
بغداد ودرَّس بها وكانت له حلقة للمناظرة وكان مقدَّماً على أقرانه، حدّث عن أبي محمد عبد الله
بن محمد الدامغاني والقاضي أبي الفرج المعافى النهرواني والصاحب بن عبّاد وغيرهم، وروى
عنه القاضي أبو القاسم المحسّن التنوخي وأبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين
العكبري وأبو نصر عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن هارون الشيرازي، قال الشيخ أبو إسحاق
في ((طبقات الفقهاء)): النسوي من أصحاب أبي الحسين القطّان، وكان نظّاراً فصيحاً سكن بغداد،
وتوفي بأرجان.
٥ - ((أبو الحسين الخزاعي النحوي)) محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان أبو الحسين
١ - (الكامل)) لابن الأثير (٩٠/٥)، و((المغني في الضعفاء)) للذهبي (رقم ٥٩٤٥) (ص ٦٢٩).
(١) وقال فيه ابن عدي: ((أرجو أنه كان لا يتعهد الكذب)).
٢ -
((شذرات الذهب)» لابن العماد (٢٦٩/٢).
(بغية الوعاة)) للسيوطي (٢١٨/١).
٥ ۔
مسه

٩٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
الخزاعي النحوي، حدّث عن أبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري وأبي بكر أحمد بن
العباس بن عبد الله بن عثمان صاحب ثعلب وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الحسَني العلَويّ،
رَوى عنه ختَنُه إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن موسى السكُوني المَوْصلي وأبو بكر مكرّم بن أحمد
بن محمد بن مكرّم، كتبَ أحمد بن علي بن أحمد البتّي عن أبي الحسين الخزاعي إملاءً في صفر
سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
٦ ـ ((الوزير بن بقية)) محمد بن محمد بن بقيّة. بالباء الموحّدة والقاف على وزن هَدِيَّة، الوزير
أبو الطاهر نصير الدولة وزير عزّ الدولة بختيار بن مُعزّ الدولة بن بُويَه كان من جلّة الوزراء وأكابر
الرؤساء وأعيان الكرماء يقال إن راتبه في الشمع كان في كل شهر ألف مَنَا (١)، وكان من أهل أوانا
من عمل بغداد، وفي أول أمره توصّل إلى أن صار صاحبَ مطبخ معزّ الدولة، ثم تنقّل في غير
ذلك من الخدم، ولما مات معز الدولة حسنت حاله عند ولده عزّ الدولة ورعى له خدمته لأبيه
فاستوزره في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، وستر
عيوبَه كرمُه حَلَعَ في عشرين يوماً عشرين ألف خلعة، وقال أبو إسحاق الصابىء: رأيته في ليلة
يشرب كلما لبس خلعة خلعها على أحد الحاضرين فزادت على مائة فقالت له مغنّية: في هذه
الخلع زنانير ما تَدَعُك تلبَسُها فضحك وأمر لها بحُقّة حليّ، ثم إنه قُبِضَ عليه لسببٍ يطول ذكره
حاصله أنه حمله على محاربة ابن عمّه عضد الدولة فالتقيا على الأهواز وكُسِر عزّ الدولة وفي ذلك
يقول أبو عنان الطبيب بالبصرة [الطويل]:
يدبّر أَمْرَ المُلك حتى تدمَّرا
أقام على الأهواز خمسين ليلةً
وأوسطه بلوى وآخِرُه خِرَى
فدبّر أمراً كان أوّله عمىّ
ولما قبض عليه بمدينة واسِط سَمَلَ عينيه، ولزم بيته إلى أن مات عزّ الدولة، ولما ملك
عضد الدولة بغداد طلبَه لما كان يبلُغه عنه من الأمور القبيحة منها أنه كان يسمّيه أبا بكر الغُدَدي
تشبيهاً له برجل أشقر أنمش يبيع الغُدَد للسنانير والظاهر أن أعداءه كانوا يفعلون به ذلك ويفتعلونه
فلما حضر ألقاه تحت أرجل الفيلة فلمّا قتلته صلبه بحضرة البيمارستان العضديّ ببغداد وذلك يوم
الجمعة لستّ خَلَوْنَ من شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة وكان عمره قد نيف على الخمسين،
ورثاه أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بقصيدة لم أرَ في مصلوبٍ
أحسنَ منها وأوّلها [الوافر]:
بحقٍ أنت إحدى المعجزاتِ
عُلُوٌّ في الحياة وفي المماتِ
وُفُودُ نَداكَ أيّامِ الصِلاتِ
وكلّهمُ قيامٌ للصلاة
كأنّ الناسَ حَوْلَك حين قامُوا
كأنّك قائمٌ فيهم خطيباً
٦ - ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٩١/٢).
(١) المَنَا: مكيال.

٩٩
محمد بن محمد بن بقيّة
مددت يديك نحوّهم احتفاءً
ولمّا ضاق بطنُ الأرض عن أن
أَصارُوا الجوَّ قبرك واستَنابُوا
لعظمك في النفوس تبیتُ تُزْعی
وتُشْعَلُ عندك النيرانُ ليلاً
ركبتَ مطيّةٌ مِن قَبْلُ زيدٌ
ولم أر قبل جِذْعِكَ قَطّ جذعاً
أَسَأْتَ إلى النّوائبِ فاستَثارت
وكنتَ تُجيرُ من صَرْف الليالي
وصيّر دهرك الإحسان فيه
وكنتَ لمعشر سعداً فلمّا
غليلٌ باطنٌ لك في فؤادي
ولو أنّي قدرتُ على قيامٍ
ملأتُ الأرضَ من نظم القوافي
وما لكّ تربةٌ فأقولُ تُسْقى
عليك تحيّة الرحمن تَثْريا
كَمدّکَھما (١) إليهم بالھبات
يضُمّ عُلاكَ من بعد المماتِ
عن الأكفان ثوبَ السافيات
بِحُفّاظِ وحُرّاسٍ ثقات
كذلك كنتَ أيّام الحياة
علاها في السنين الماضيات(٢)
تمكّنَ من عِناق المَكرُمات
فأنت قتيل ثار النائبات
فعاد مُطالباً لك بالتِراتِ
إلينا من عظيم السيّئات
مضَيْتَ تفرّقوا بالمنحَّسات
يُخفّفُ بالدموع الجاريات
بفرضك والحقوق الواجبات
ونُخْتُ بها خلافَ النائحات
لأنّك نصبُ هَطلِ الهاطلات
برخماتٍ غَوادٍ رائحات
وكتبها الشاعر المذكور ورمى بها نسخاً في شوارع بغداد فتداولها الأدباء إلى أن وصل
خبرها إلى عضد الدولة وأَنشدَتْ بين يديه فتمنّى أن يكون هو المصلوبَ دونه وقال عَلَيَّ بهذا
الرجل فطُلِبَ سنةً كاملةً واتّصل الخبر بالصاحب بن عبّاد فكتب له إلى عضد الدولة بالأمان فحضر
إليه فقال له الصاحب أنشدنيها فلما بلغ [الوافر]:
ولم أر قبل جذعك قطّ جذعاً
تمكّن من عناق المكرمات
قام إليه وقبّل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فقال له ما حملك على رثاء عدوّي قال حقوق
وجبَتْ وأَيادٍ سَلَفَتْ فجاش الحزن في قلبي فرئيت وكان بين يديه شموع تزهَرُ فقال هل يَحضُرك
شيء في الشموع فأنشد [المتقارب]:
(١) في الأصل ((كمدهم)) تحريف، والمثبت من ((وفيات الأعيان)) (٩١/٢)، و((أسرار البلاغة)) (٢٨٠).
تُبَاعِدُ عَنْكَ تَعْبَيرَ العِدَاةِ
(٢) في ((وفيات الأعيان)) و((أسرار البلاغة)) بعد هذا البيت بيت وهو
وتِلْكَ فَضِيلةٌ فيهـا تَأْسٍ
وقوله: (ركبت مطية من قَبْل زيد): يقصدُ زيد بن الدَّثنة الأنصاري المصلوب في مكة عندما أسلمه أهل ماء
الرجیع لأهل مكة.

١٠٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
من النار في كلّ رأس سنانا
كأنّ الشموعَ وقد أظهرَتْ
تَضَرّعُ تطلبُ منك الأمانا
أصابعُ أعدائك الخائفين
فخلع عليه وأعطاه فرساً وبَذْرةً ولم يزل ابن بقيّة مصلوباً إلى أن توفي عضد الدولة فأُنزل
ودُفن، فقال ابن الأنباري المذكور يرثيه أيضاً [البسيط]:
باؤا بإثمك ثم استرجَعوا نَدَما
لم يُلْحِقوا بك عاراً إذا صُلِبْتَ بَلى
وأنهم نَصَبُوا من سُؤْدَدٍ عَلَما
وأيقنوا أنهم في فعلهم غَلِطُوا
بدفنه دفنوا الإفضال والكرما
يُنْسى وكم هالكِ يُنْسى إذا عُدِما
ما زال مَالُكَ بين الناس مقتسما
فاسترجعوك ووارَوا منك طودَ عُلَى
لئن بليتَ فما يَبلى نداكَ ولا
تقاسمَ الناسُ حُسْنَ الذكر فيك كما
وما أحسن قول ابن حَمديس في مصلوب [الطويل]:
ومرتفع في الجذع إذا حُطّ قَدْرُهُ
كُذِي غَرَقٍ مَدَّ الذراعَيْنِ سابحاً
وتحسبُه من جنّة الخلد دائِباً
وقول الآخر [البسيط]:
كأنّه عاشق قد مَدَّ صفحتّه
أو قائِمٌ من نُعاسٍ فيه لُوثَتُهُ
وقول عمر الخرّاط [الكامل]:
أنظُز إليه كأنه مُتَظَلّمْ
بَسَطَ اليدين كأنّه يدعو على
وقول الآخر [الكامل]:
أنظُر إليهم في الجذوع كأنّهم
أو عُضْبَةٌ عزَمُوا الفراق فنكّسوا
وقول أبي تمّام الطائيّ [الكامل]:
سُودُ اللباسِ كأنّما نُسِجَتْ لهم
بكروا وأسرَوْا في مُتون ضَوامرٍ
لا يبرحون ومن رآهم خالَهُمُ
وقوله أيضاً [الكامل]:
أهدى لمتن الجذع متنّيه كذا
أساءً إليه ظالمٌ وهو مُحسِنُ
من الجَوّ بحراً عَوْمُهُ ليس يمكِنُ
يُعانِقُ حُوراً ما تَراهُنّ أَعْيُنُ
يوم الفراق إلى توديع مرتحل
مُواصِلٌ لِتَمّطّيه من الكَسَل
في جذعه لَحَظَ السماءَ بِطَرْفِه
من قد أشار على العدوِّ بحتفه
قد فوَّقُوا يرمُونَ بالنُّشَّابِ
أعناقَهم أَسَفاً على الأحبابِ
أيدي السَّمُومِ مَدارِعاً من قارٍ
قيدَتْ لهم من مَرْبط النَجّارِ
أبداً على سَفَرٍ من الأَسفارِ
مَنْ عافَ متنَ الأسمرِ العَسّالِ