Indexed OCR Text
Pages 501-520
الحق يتجلى له على قدر مقامه، فلما رآني تجلى له على قدر ما رأى(١)، فلم يطق فمات(٢). واصطلاح أهل الطريق في التجلي معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية علية ولم يكونوا يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى عليه السلام - على خصوصيته - (لن تراني) والتي قيل فيها على العموم (لا تدركه الأبصار). وإذا فهمت أن مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس على اليأس في الدنيا، ووعد الخواص به في الأخرى، فلا ضير بعد ذلك عليك. ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولي السرائر. انتهى ملخصاً. [حكم السماع] وإذا علمت هذا فاعلم أن السماع في طريق القوم معروف، وفي الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب في ((القوت)) عن جماعة من الصحابة كعبدالله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا الجنيد، والسري وذي النون، واحتج له الغزالي في «الإحياء)» بما يطول ذكره، خصوصاً في أوقات السرور المباحة، تأكيداً له وتهييجاً، كعرس وقدوم غائب، ووليمة وعقيقة وحفظ قرآن، وختم درس أو كتاب أو تأليف. وفي الصحيحين من حديث عائشة: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، ورسول الله وَلخير متغش (١) في المخطوطات: على قدري. (٢) حادثة فيها غرابة كان المصنف في غنى عن ذكرها وليس هناك دليل عليها [م]. - ٥٠١ - بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف وَلّ عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. وفي رواية: دخل علي رسول الله وَل وعندي جاريتان تغنيان بغناء [يوم](١) بعاث - بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلثة - اسم حصن للأوس، وبالمعجمة تصحيف، أي تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله بض له فأقبل عليه وَله وقال: دعهما. [واستدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة](٢). وتعقب: بأن في الحديث الآخر عند البخاري عن عائشة: ((وليستا بمغنيتين)) فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي: قولها - يعني عائشة -: ((ليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين، وهو الذي يحرك الساكن، /٣٩/ ب ويبعث الكامن، وهذا/ إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد (١) في (ط، ش). (٢) في: ط، ش. - ٥٠٢ - ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنيَّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة. انتهى. والحق: أن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمن للصفات العلية، أو النعوت النبوية المحمدية، عرياً عن الآلات المحرمة، والحظوظ الخسيسة الغبية، والشبه الدنية، وأثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه، بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل، لئلا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن في غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف، إلا نادراً. وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني، وإذا كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقاً بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب، وهو لمن يرتقي لربه ترقية مثير للكامن في النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله: ﴿ألست بربكم﴾ فما كان في القلب من رقة ووجد وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمناً لذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار سيما في أرباب البدايات. - ٥٠٣ - وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة (١) من الطيور والبهائم، فقد شوهد تدلي الطيور من الأغصان على أولى النغمات الفائقة، والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيراً يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادي، وأعياه الإعياء تحت الحمل إذا سمع منادي الحداء يمد عنقه ويصغي إلى الحادي، ويسرع في سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه. وقد حكى مما ذكره في ((الإحياء)) عن أبي بكر الدينوري: أن عبداً أسود قتل جمالاً كثيرة بطيب نغمته إذ حداها، وكانت محملة أحمالاً ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل وقطع حباله وحصل له ما غيبه عن حسه، حتى خر لوجهه. فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذه البهائم تتأثر بالنغمات، فتأثير النفوس الإنسانية أولى. وقد قال: ولا جابت له الفلوات نوق نعم لولاك ما ذكر العقيق تدانى الحي أو بعد الطريق نعم أسعى إليك على جفوني فماذا يفعل الصب المشوق إذا كانت تحن لك المطايا فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي على الوفوي (٢) حزبه المشهور/ على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطاً ٣٩٠/أ (١) الأصح أن يقول: غير الناطقة. (٢) في الأصل: الوفاي. - ٥٠٤ - لقلوب المريدين وترويحاً لأسرار السالكين، فإن النفوس - كما قدمناه - لها حظ من الألحان، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية بهذه النغمات الفائقة والأوزان الرائقة، تشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوي المحمدي، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف. تنبيه: زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيراً. والحجة عن ذلك(١): أن جلال القرآن لا تحتمله القوى البشرية المحدثة، ولا تحتمله صفاتها المخلوقة، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدعت وتحيرت، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، والشعر نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف، شاكل بعضها بعضاً فكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق. قاله أبو نصر السراج. (١) الغريب أنه يأتي بزعم باطل ثم يقيم الحجة له بعد ذلك [م]. - ٥٠٥ - المقصيَد العَاشِر [محتوى المقصد العاشر] • في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته، ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه. وزيارة قبره الشريف، ومسجده المنيف. وتفضيله في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعليّ • الدرجات . وتشريفه بخصائص الزلفى في مشهد مشاهد الأنبياء والمرسلين. • وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده بالسؤدد في مجمع مجامع الأولين والآخرين. • وترقيه في جنات عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول : - ٥٠٩ - الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفائه ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه والات اعلم - وصلني الله وإياك بحبل تأييده، وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده - أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان. [نزول سورة النصر] و[اعلم أنه](١) لما كان الموت مكروهاً بالطبع، لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة، لم يمت نبي من الأنبياء حتى يخير. وأول ما أعلم النبي ◌َّ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾(٢)، فإن المراد من هذه السورة: إنك يا محمد إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل الناس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجاً، فقد اقترب أجلك، فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به، من أداء الرسالة والتبليغ، وما عندنا خير لك من الدنيا، فاستعد للنقلة إلينا. (١) في د. (٢) سورة النصر، الآية ١. - ٥١١ - وقد قيل إن هذه السورة آخر سورة، نزلت يوم النحر، وهو رَله بمني في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً. وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال. وعن مقاتل: سبعاً، وعن بعضهم: ثلاثاً. ولأبي يعلى(١) من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول الله وَلّ أنه الوداع. وفي حديث ابن عباس، عند الدارمي: لما نزلت: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ دعا رسول الله السليل فاطمة، وقال: نعيت إلي نفسي فبكت، قال: لا تبكي (٢)، فإنك أول أهلي لحوقاً بي، فضحكت. الحدیث. وروى الطبراني من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ نعيت إلى رسول الله مرح له نفسه، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة. وللطبراني أيضاً، من حديث جابر: لما نزلت هذه السورة قال النبي ◌َّ / لجبريل: نعيت إلي نفسي. فقال له جبريل: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾(٣). ٣٩٩/ ب وروي في حديث ذكره ابن رجب في ((اللطائف)): أنه تعبد حتى صار كالشن البالي (٤). (١) بإسناد ضعيف. (٢) في ش: لا تبك. قال مصحح شرح الزرقاني: سبق قلم لأن فعل المؤنثة المخاطبة يجزم بحذف النون، لا بحذف حرف العلة. (٣) سورة الضحى، الآية ٤. (٤) قال الشارح: الله أعلم بحال هذا الحديث، ففي الأحاديث الصحيحة أنه لم يصل إلى هذه الحالة وإن زاد في العبادة إلى الغاية. - ٥١٢ - وكان ◌َلم يعرض القرآن كل عام على جبريل مرة، فعرضه ذلك العام مرتين، وكان ◌َّ يعتكف العشر الأواخر من رمضان كل عام فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر من الذكر والاستغفار. وقالت أم سلمة: كان ◌َّ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم، فقال: إن ربي أخبرني أبي سأرى علماً (١) في أمتي، وأني إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره، ثم تلا هذه السورة. رواه ابن جرير وابن خزيمة. وأخرج ابن مردويه من طريق مسروق عن عائشة نحوه. [وداع الأحياء والأموات] وروى الشيخان من حديث عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله ول* على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع الأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط(٢)، وأنا عليكم شهيد. وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها. وزاد بعضهم: فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم. وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله وَّر جلس على المنبر فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما (١) أي دليلا. (٢) هو المتقدم على الواردين ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها، أي: أنا سابقكم إلى الحوض. - ٥١٣ - عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا [له](١)، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله وَ لفر عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله وَ الله هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبي وَّل: إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه. رواه البخاري ومسلم. ولمسلم من حديث جندب: سمعت النبي ◌َّلّ يقول قبل أن موت بخمس ليال(٢). وكأن أبا بكر رضي الله عنه فهم الرمز الذي أشار به النبي وَل من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بکی. وما زال ◌َّل يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: ((خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)) وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع. فلما رجع ◌َير من حجة الوداع إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى ((خما))(٣) في طريقه بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: أيها الناس، إنما (١) في (ط، ش). (٢) تتمة الحديث: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. رقمه عند مسلم ٥٣٢ [م]. (٣) أي غدير خم. - ٥١٤ - أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته. [فضل أبي بكر] قال الحافظ ابن رجب: وكان ابتداء مرضه وَّ في أواخر شهر صفر، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوماً في المشهور. وكانت خطبته التي خطب بها المذكورة في حديث أبي سعيد الذي قدمته في ابتداء مرضه الذي مات فيه، فإنه خرج - كما رواه الدارمي - وهو معصوب الرأس بخرقة، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال: والذي نفسي بيده، إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا، ثم قال: إن عبداً/ عرضت عليه الدنيا .. الخ، ثم هبط عنه ٤٠٠/أ فما رؤي عليه حتى الساعة . فلما عرَّض وَلَّ على المنبر باختياره اللقاء على البقاء، ولم يصرح، خفي المعنى على كثير ممن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول وَ﴿، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكَّن الرسول ◌َّ جزعه، وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر، ليعلم الناس كلهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف في خلافته فقال: إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر - رضي الله عنه - ثم قال وَلَهُ: لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لما كان وَال او لا يصلح له أن يخالل مخلوقاً، فإن الخليل من جرت صحبة خليله منه مجرى الروح ولا يصلح هذا لبشر، كما قيل: - ٥١٥ - قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا أثبت له أخوة الإسلام، ثم قال ◌َله: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر، إشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده، فإن الإمام يحتاج إلى سكن المسجد والاستطراق فيه بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحاً أن يصلي بالناس أبو بكر رضي الله عنه، فروجع في ذلك وهو يقول: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فولاه إمامة الصلاة، ولذا قال الصحابة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه: رضيه رسول الله وَال لديننا أفلا نرضاه لدنیانا . [ابتداء مرضه ولا] وكان ابتداء مرض رسول الله وَ له في بيت ميمونة، كما ثبت في رواية معمر عن الزهري (١)، وفي سيرة أبي معشر: كان في بيت زينب بنت جحش، وفي سيرة سليمان التيمي كان في بيت ريحانة، والأول هو المعتمد . وذكر الخطابي، أنه ابتدأ به يوم الإثنين، وقيل يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء، واختلف في مدة مرضه، فالأكثر أنها ثلاثة عشر يوماً، وقيل: أربعة عشر، وقيل: اثنا عشر، وذكرهما في الروضة، وصدر بالثاني، وقيل عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح . (١) في الصحيحين. - ٥١٦ - [في بيت عائشة] وفي البخاري: قالت عائشة: لما ثقل رسول الله وَله واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين(١) تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيدالله فأخبرت عبدالله بالذي قالت عائشة فقال لي عبدالله ابن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب. الحديث. وفي رواية مسلم عن عائشة: فخرج بين الفضل بن العباس ورجل آخر. وفي أخرى(٢): رجلين أحدهما أسامة. وعند الدارقطني: أسامة والفضل، وعند ابن حبان في أخرى: بريرة ونوبة - بضم النون وسكون الواو ثم موحدة - قيل وهو اسم أمة، وقيل: عبد. وعند ابن سعد من وجه آخر: بين الفضل وثوبان. وجمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد، فتعدد من اتكأ عليه. وعن عائشة رضي الله عنها، أنه وَلّ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور في بيوتكن، فإن شئتن أذنتن لي. رواه أحمد. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه(٣) عن عائشة: أنه وَ لّ كان يقول: أين أنا غداً، أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة. وذكر ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهري: أن فاطمة هي التي (١) في (ا، ب) الرجلين. (٢) لغير مسلم. (٣) ((عن أبيه)) ليست في (ا، د). - ٥١٧ - ٠ ٤٠٠/ ب خاطبت أمهات المؤمنين بذلك فقالت/ لهن: إنه يشق عليه الاختلاف(١). وفي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن دخوله وَلّ بيتها كان يوم الإثنين، وموته يوم الإثنين الذي يليه. وفي مرسل أبي جعفر عند ابن أبي شيبة: أنه نَّه قال: أين أكون أنا غداً، كررها [مرتين](٢)، فعرف(٣) أزواجه أنه إنما يريد عائشة، فقلن: يا رسول الله، قد وهبنا أيامنا لأختنا عائشة. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه - عند الإسماعيلي - كان يقول: أين أنا [غداً](٤) حرصاً على بيت عائشة، فلما كان يومي أذن له نساؤه أن يمرض في بيتي. وعن عائشة: أتى رسول الله وَالر ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل أنا وارأساه، ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، فقالت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم وَّة، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه. رواه أحمد والنسائي. وفي البخاري، قالت عائشة: وارأساه فقال وَ ل ◌ّ ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني (١) أي المجيء والرواح من حجرة إلى أخرى. (٢) في (ط، ش). (٣) كذا في ش، وفي النسخ: فعرفن. (٤) في (ط، ش). - ٥١٨ - لأظنك تحب موتي، فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك، فقال وسلّ: بل أنا وارأساه، لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون(١). وقوله: ((بل أنا ورأساه)) إضراب، يعني: دعى ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي. فإن قلت: قد اتفقوا على كراهة شكوى العبد كربه(٢)، وروى أحمد في الزهد عن طاووس أنه قال: أنين المريض شكوى، وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن تأوه المريض مكروه. قلت: تعقبه النووي فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مخصوص، وهو لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة هذا، ثم قال: فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذکر أولى. انتهى. قال في فتح الباري: ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء، وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقاً، فليس ذكر الوجع شكاية. فكم من ساكت وهو ساخط، وكم من شاك وهو راض، فالمعوَّل في ذلك على عمل القلب [اتفاقاً](٣) لا على نطق اللسان. (١) رقمه في البخاري ٧٢١٧ . (٢) في (ا، ش) ربه. (٣) في (ب، ط). - ٥١٩ - وقد تبين - كما نبه عليه في ((اللطائف)) - أن أول مرضه وح لي- كان صداع الرأس، والظاهر أنه كان مع حمى، فإن الحمى اشتدت به في مرضه، فكان يجلس في غْضَب(١) ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن(٢)، يتبرد بذلك. وفي البخاري قالت عائشة: لما دخل بيتي واشتد وجعه قال: أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة - زوج النبي ◌ّ - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. الحديث. وقد قيل في الحكمة في هذا العدد: أن له خاصية في دفع ضرر السم والسحر، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه وَالّ قال: ((هذا أوان انقطاع أبهري))، أي من ذلك السم. وتمسك بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب به، وزعم أن الأمر بالغسل منه سبعاً إنما هو لدفع السمية التي في ریقه. وكانت وَّل عليه قطيفة، فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه من فوقها(٣) فقيل له في ذلك فقال: إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر، رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، كلهم من رواية أبي سعيد الخدري. وقالت عائشة: ما رأيت أحداً كان أشد عليه الوجع من رسول اللّه عَطي (٤). (١) إناء يغتسل فيه. (٢) الوكاء: رباط القربة وغيرها، كما في القاموس [م]. (٣) أي إن حرارة جسمه ◌َ ﴿ كانت تصل إلى يده لشدتها [م]. (٤) رواه الشيخان. - ٥٢٠ -