Indexed OCR Text

Pages 421-440

وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وقد ذكر البخاري الحديث في
اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال: إن الراوي الآخر
قد غلط فزاده؟ وفي رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس، أفيقال: إن
الراوي الآخر قد غلط فزاد يونس؟
وتعقب أيضاً: بأن توهيم المهلب للراوي وهم منه، وإلا فأي
فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى
الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل.
وأجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان
كالمحقق، فقال: ((كأني أنظر إليه)) ولهذا استدل المهلب بحديث أبي
هريرة الذي فيه ((ليهلن ابن مريم بالحج)).
وقد اختلف في معنى قوله: ((كأني أنظر إليه)).
فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما
تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي .
وقيل: هو على الحقيقة، لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون،
فلا مانع أن يحجوا في هذه الحالة، كما في صحيح مسلم عن أنس:
أنه رأى موسى عليه السلام قائماً في قبره يصلي.
قال القرطبي : حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من
دواعي أنفسهم لا [بما](١) يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر.
ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دعواهم فيها
سبحانك اللهم﴾(٢) الآية.
لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها
(١) ليست في الأصل.
(٢) سورة يونس، الآية ١٠.
- ٤٢١ -

مثلت له ◌ّ﴾ في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم فهي في
القبور.
قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالاً، ويرى في اليقظة كما
يرى في النوم.
وقيل: كأنه مثلت أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا، كيف
تعبدوا، وكيف حجوا، وكيف لبوا، ولهذا قال: كأني ..
وقيل: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: كأني
أنظر إليه. انتهى.
وقد ذكرت في مقصد الإسراء من ذلك ما يكفي والله الموفق.
[حيض عائشة]
٣٨٤/ب
/ ولما نزل ◌َّيه بسرف خرج إلى أصحابه فقال من لم يكن معه
هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا.
وحاضت عائشة فدخل عليها وَلّ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك
يا هنتاه، قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: وما
شأنك؟ قالت: لا أصلي، قال: فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات
آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجك(١)، فعسى
الله أن يرزقكها. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وفي رواية(٢) قالت: خرجنا مع رسول الله وَل ◌َو لا نذكر إلا
الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله وَله وأنا
(١) في (ط، ش) حجتك.
(٢) رواها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
- ٤٢٢ -

أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت
العام، فقال: ما لك، لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: هذا شيء
كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي
بالبيت حتى تطهري. الحديث.
وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، كما اختلف: هل كانت
متمتعة أم مفردة؟ وإذا كانت متمتعة فقيل إنها كانت أولاً أحرمت
بالحج وهو ظاهر هذا الحديث.
وفي حجة الوداع من المغازي عند البخاري، من طريق هشام
ابن عروة عن أبيه قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه
آخر عن الزهري: ولم أسق هدياً، وفي رواية الأسود عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله و ل# نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة.
ويحتمل في الجمع أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردة، كما
صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبي ◌َّ أن يفسخوا الحج إلى
العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة
وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم
بالحج .
وقال القاضي عياض: واختلف في الكلام على حديث عائشة،
فقال: مالك ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديماً ولا
حديثاً .
قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل عليه في رفض العمرة
وجعلها حجاً، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة.
واختلف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن
ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ((ارفضي عمرتك)» أي اتركي
- ٤٢٣ -

التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية
المسلم ((وأمسكي عن العمرة)) أي عن أعمالها.
وإنما قالت عائشة: ((وأرجع بحج)) لاعتقادها أن إفراد العمرة
بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين.
واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها ((وأرجع أنا
بحجة ليس معها عمرة)) أخرجه أحمد.
وهذا يقوي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت
مفردة، وتمسكوا في ذلك بقوله لها ((دعي عمرتك))، وفي رواية
((اقضي(١) عمرتك)» ونحو ذلك.
واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت
قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفرداً كما صنعت عائشة.
لكن في رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال في ذلك: ما
رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان
بسرف حاضت فقال لها النبي بر: أهلي بالحج حتى إذا طهرت طافت
بالكعبة وسعت، فقال: قد حللت من حجتك وعمرتك، قالت: يا
رسول الله إني أجد نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال:
فأعمرها من التنعيم.
ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها النبي ◌َّار: ((طوافك
يسعك لحجك وعمرتك)) فهذا صريح في أنها كانت قارنة، لقوله: ((قد
حللت من حجك وعمرتك، وإنما أعمرها من التنعيم تطيباً لقلبها
لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وقد وقع في رواية مسلم:
٣٨٥/أ وكان ي رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء / تابعها عليه.
(١) في (ط، ش): ارفضي .
- ٤٢٤ -

[ادخال الحج على العمرة]
ثم قال ◌َله لأصحابه: ((من كان معه هدي فليهلل بالحج مع
العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً))(١).
وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفي منتهى
سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد
طوافه بالبيت كما جاء في رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في
الموضعين. وأن العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة.
وفي رواية قالت عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل
بحج، حتى قدمنا مكة فقال ◌َله: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل،
ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج
فلیتم حجە))(٢).
وهذا الحديث ظاهر في الدلالة لأبي حنيفة وأحمد وموافقيهما، في
أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر
هديه يوم النحر.
ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق
حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء أكان ساق هدياً أم
لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه
فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج.
وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التي ذكرها
مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللّه وَّل عام حجة الوداع،
(١) رواه الشيخان وغيرهما.
(٢) رواه مسلم في كتاب الحج برقم ١١٢.
- ٤٢٥ -

فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله وَالر: ((من كان معه هدي فليهلل
بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً)) (١) فهذه الرواية
مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها: ومن
أحرم بعمرة فليهل(٢) بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا
التأويل، لأن القصة واحدة، والراوي واحد، فتعين الجمع بين
الروايتين على ما ذكر والله أعلم.
[المبيت بذي طوى ودخول مكة]
ولما بلغ سيدنا رسول الله مَر ذا طوى - بضم الطاء وبفتحها،
وقيدها الأصيلي بالكسر - عند آبار الزاهر، بات بها بين الثنيتين، فلما
أصبح صلى الغداة ثم اغتسل. رواه البخاري.
وللنسائي: كان ◌َل# ينزل بذي طوى، يبيت به حتى يصلي
صلاة الصبح حين يقدم إلى مكة.
ومصلى (٣) رسول الله وَير ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس
في المسجد الذي بنى ثَمَّ، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة
غليظة .
وفي الصحيحين: أنه وَلّ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن
عمر في الصحيح: كان ◌َير يدخل من الثنية العليا، يعني أعلى مكة
من كداء - بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف - وهذه
(١) رواه مسلم في كتاب الحج برقم ١١١ .
(٢) في المخطوطات: فليحلل، وهو تصحيف.
(٣) في المخطوطات: فصلى. قال الشارح: بالميم أي مكان الصلاة كما في مسلم
والنسائي .
- ٤٢٦ -

الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة - مقبرة مكة - وهي التي يقال لها:
الحجون - بفتح الحاء المهملة وضم الجيم -.
ولم يقع أنه ◌ّي دخل مكة ليلاً إلا في عمرة الجعرانة، فإنه لاَّيه
أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلاً، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلاً
فأصبح بالجعرانة [كبائت](١) كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من
حديث محرش الكعبي .
وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا ليلاً، إنكم لستم كرسول
اللّه وَله، إنه كان إماماً، فأحب أن يدخلها نهاراً ليراه الناس. رواه
النسائي .
ثم دخل وَّ مكة لأربع خلون من ذي الحجة.
[دخول المسجد الحرام]
ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب
بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت
تؤقى من أبوابها، وأيضاً: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات
الأربع، كما قال ابن عبد السلام في ((القواعد)).
وكان وَلّ إذا رأى البيت قال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً
وتعظيماً ومهابة وبرأ. رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي (٢) عن
مکحول.
/ وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد(٣): كان ◌َلّ إذا نظر إلى ٣٨٥/ب
(١) في (ط، ش) والمعنى: كأنه بات بها.
(٢) مجهول.
(٣) صحابي من أصحاب الشجرة.
- ٤٢٧ -

البيت قال: اللهم زد بيتك هذا تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً ومهابة،
وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وبراً
ومهابة(١)
.
ولم يركع لله تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف لأنه تحية البيت كما
صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد.
ثم استلم ◌َ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري:
((استلم الركن))، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله
الأزهري، وقيل من السلام - بالكسر - أي الحجارة، والمعنى: أنه
يومىء بعصاه إلى الركن حتى تصيبه، وكانت محنية الرأس، وهي المراد
بقوله في الحديث بـ ((المحجن)) .
واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان: كون الحجر
الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، والثاني: الثانية فقط، وليس
للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا
پقبل الآخران ولا يستلمان.
وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله اليه
الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلاً. وكان إذا استلم الركن
قال: بسم الله والله أكبر، وكلما أتى الحجر قال: الله أكبر، رواه
الطبراني.
[الطواف بالبيت]
وهل كان ◌َلّ طائفاً على بعيره أم على قدميه؟
(١) في سنده من اتهم بالكذب ومن نسب للوضع.
- ٤٢٨ -

١
ففي مسلم عن عائشة: طاف ◌َّ في حجة الوداع على بعيره.
وفيه عن أبي الطفيل: رأيته ◌َل* يطوف بالبيت على بعيره.
وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن
عباس: أنه بَّل قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي
حديث جابر عند مسلم: أنه ◌َ لّ طاف راكباً ليراه الناس ويسألوه.
فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين.
قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها
المسجد إذا احتيج إلى ذلك، لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من
الدواب .
وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع
الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلوث يمتنع
الدخول، وقد قيل: إن ناقته بَّه كانت منوقة، أي مدربة معلمة،
فيأمن معها ما يحذر من التلويث.
قال بعضهم: وهذا كان - والله أعلم - في طواف الإفاضة، لا
في طواف القدوم، فإن جابراً حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول،
وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد رملت به راحتله، وإنما
قالوا: رمل، أي بنفسه. وقال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لمقدمه
فعلى قدميه. انتهى
ولما استلم ◌َّ الحجر مضى على يمينه(١)، فرمل ثلاثاً ومشى
أربعاً.
(١) أي فيكون البيت على يساره.
- ٤٢٩ -

وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية، لما قدم وَ ليّ وأصحابه
مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً
قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر،
وأمرهم النبي ◌َيرَ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين ليري
المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد
وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. رواه الشيخان وغيرهما من
حديث ابن عباس.
ولما كان في حجة الوداع رمل وَله وأصحابه، فكان سنة
مستقلة .
قال الطبري: قد ثبت أنه مَّ ه رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني
في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركاً
لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى
٣٨٦/أ خافضاً صوته لم يكن تاركاً / للتلبية بل لصفتها، فلا شيء عليه.
انتھی
:
فلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع، لأن هيئتها
السكينة فلا تغير، والله أعلم.
ولما فرغ وَ لّ من طوافه أتى المقام، فقرأ ﴿واتخذوا من مقام
إبراهيم مصلى﴾(١) فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما
ب﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ ثم رجع إلى الركن [الذي
فيه الحجر](٢) فاستلمه.
(١) سورة البقرة، الآية ١٢٥.
(٢) في (ط، ش).
- ٤٣٠ -

[السعي بين الصفا والمروة]
ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ﴿إن
الصفا والمروة من شعائر الله﴾(١)، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا
فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل
إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا
صعدتا مشى حتى أتى المروة.
وفي حديث أبي الطفيل عند مسلم وأبي داود، قال: قلت لابن
عباس، أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً، أسنة هو؟ فإن
قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك
صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله وَ له كثر عليه الناس، يقولون:
هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان
رسول الله وال﴿ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب،
والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ رواية مسلم. وفي أوله ذكر الرمل في
طواف البيت.
وعند أبي داود أن قريشاً قالت زمن الحديبية: دعوا محمداً وأصحابه
حتى يموتوا موت النغف (٢)، فلما صالحوه على أن يجيؤوا العام المقبل،
فيقيموا ثلاثة أيام، فقدم ◌َ ير فقال لأصحابه: ارملوا بالبيت، وفيه: طاف
وَلة بين الصفا والمروة على بعير، لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون
عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، ولا تناله أيديهم.
(١) سورة البقرة، الآية ١٥٨.
(٢) دود يكون في أنوف الإبل والغنم.
- ٤٣١ -

وكان عليه إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله
وحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة
قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها
عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام
سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبكة وَثه
أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا - مرتين -،
لا بل لأبد أبد.
وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة.
[هل يفسخ الحج إلى عمرة؟]
قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ، هل هو خاص
للصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟
فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً، بل هو باق
إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدي أن يقلب
إحرامه ويتحلل بأعمالها.
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف
والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا
به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في
أشهر الحج .
ومما يستدل به للجماهير، حديث أبي ذر في مسلم: كانت المتعة
في الحج لأصحاب محمد وَلهر خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة.
وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله،
- ٤٣٢ -

أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول
الله وَله: بل لنا خاصة(١).
قال: وأما الذي في حديث سراقة: ((ألعامنا هذا أم لأبد؟
فقال: لا، بل لأبد أبد)) فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج،
والقران / كما سبق تفسيره.
٣٨٦/ب
فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر الحج
جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة
مختص بتلك السنة، والله أعلم، انتهى
وفي رواية للنسائي(٢) أيضاً: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة،
يعني متعة النساء ومتعة الحج، يعني فسخ الحج إلى العمرة، ومتعة النساء:
هي نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحاً، ثم نسخ يوم خيبر، ثم
أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم
القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على
تحريمه .
[مكان نزوله دير بمكة]
وكان 8 مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه بالمسلمين بظاهر مكة،
يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة
أيام ملفقة، لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن، فصلى بها إحدى
وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم
(١) قال أحمد: حديث لا يثبت.
(٢) وكذا رواه مسلم.
- ٤٣٣ -

دخوله * مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح عشرة
أيام سواء.
[قدوم علي من اليمن]
وقدم علي من اليمن على رسول الله وَله فقال له: بما أهللت؟
فقال: بما أهل به رسول الله وَله، فقال: لولا أن معي الهدي
لأحللت. رواه الشيخان من حديث أنس.
وفي حديث البراء عند الترمذي والنسائي: دخل علي على فاطمة
رضي الله عنهما فوجدها قد نضحت البيت بنضوح(١) فغضب. فقالت:
مالك؟ فإن رسول الله وعليه قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها إني
أهللت بإهلال رسول الله وَالله قال: فأتيته فقال لي رسول الله وَله :
كيف صنعت؟ قال: وقال لي: انحر من البُذْن سبعاً وستين، أو ستاً
وستين، وأمسك لنفسك ثلاثاً وثلاثين أو أربعاً وثلاثين، وأمسك من
كل بدنة منها قطعة.
وفي رواية جابر عند مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوباً
صبيغاً واكتحلت، فانكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال:
صدقتْ صدقتْ، ما قلتَ حين فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إني
أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال: فكان
جماعة(٢) الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي وَيه
مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي وَلّ ومن كان معه
هدي .
(١) نوع من الطيب.
(٢) أي جملة الهدي.
- ٤٣٤ -

[يوم التروية]
فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب والآه
وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى
وَل﴿ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً
حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على
طريق ضب، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام
بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، وكانت ((الحمس)) وهم
قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله، أي
جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات،
وذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾(١).
وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حماراً لي في الجاهلية،
فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله وَلّر واقفاً بعرفات مع الناس، فلما
أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك (٢).
وفي رواية(٣): كان رسول الله صل﴿ في الجاهلية يقف مع الناس
بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا
دفعوا، الحدیث.
[الوقوف بعرفة]
ولما بلغ ◌َّ عرفة وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى
إذا زاغت الشمس أمر بـ ((القصواء)) (٤) فرحلت له، فركب فأتى بطن
(١) سورة البقرة، الآية ١٩٩.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده.
(٣) من روايسة لجبير عند ابن راهويه وابن خزيمة.
(٤) ناقته صلى الله عليه وسلم.
- ٤٣٥ -

الوادي فخطب الناس وقال: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم
كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل
٣٨٧/أ شيء من أمر الجاهلية تحت / قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية
موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان
مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول رباً
أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا
الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة
الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن
ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم به
كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس
ويقول: اللهم اشهد، ثلاث مرات(١).
ثم أذن بلال، ثم أقام(٢) فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر،
ولم يصل بينهما شيئاً.
وهذا الجمع مختص بالمسافرين عند الجمهور، وعن مالك
والأوزاعي، وهو وجه للشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع(٣) للنسك،
فيجوز لكل أحد. قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف(٤).
(١) رواه مسلم.
(٢) في المخطوطات: قام.
(٣) أي مزدلفة.
(٤) أي أما للنسك ففيه خلاف.
- ٤٣٦ -

قال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا
الذهاب، إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين
خروجهم .
ولما فرع مَّ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن
ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل(١) المشاة بين يديه، واستقبل
القبلة، وكان أكثر دعائه وي﴿ يوم عرفة في الموقف: ((اللهم لك الحمد
كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي
ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب
القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، [اللهم إني أسألك من خير ما
تجيء به الرياح](٢) وأعوذ بك من شر ما تجىء به الريح)) رواه
الترمذي(٣) من حديث علي.
وفي رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه وَ له يوم عرفة بعد
قوله؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له: اللهم لك الحمد كالذي
نقول: اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، وعليك
يا رب ثوابي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة
الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي شر.
وفي الترمذي: أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا
والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير.
وكان من دعائه في عرفة أيضاً - كما في الطبراني الصغير- من
(١) ما طال من الرمل، وقيل أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
(٢) في (ط، ش).
(٣) قال الترمذي: ليس إسناده بقوي.
- ٤٣٧ -

حديث ابن عباس(١): اللهم إنك(٢) تسمع كلامي، وترى مكاني،
وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس
الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه، أسألك
مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء
الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته(٣) وذل
جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقياً، وكن بي
رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين.
وأتاه وَ لّ ناس من أهل نجد - وهو بعرفة - فسألوه كيف الحج؟
فأمر منادياً ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر
فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه،
ومن تأخر فلا إثم عليه، رواه الترمذي.
وفي رواية جابر عند أبي داود(٤) قال ◌َ له بعرفة: وقفت ها هنا
وعرفة كلها موقف.
وهناك أنزلت عليه(٥) ﴿اليوم أكملت لكم دينكم) الآية (٦) كما
في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته - وهو محرم - فمات،
فأمر رسول الله وَلقر أن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء
(١) قال الحافظ العراقي وغيره: إسناده ضعيف.
(٢) في المخطوطات: أنت.
(٣) في (أ، ب): عيناه.
(٤) رواه مسلم أيضاً.
(٥) في ش: وها هنا أنزل علي، وفي ط: وهنالك أنزلت علي.
(٦) سورة المائدة، الآية ٣.
- ٤٣٨ -

وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة
يلبي. رواه البخاري ومسلم. أي يبعث على هيئته التي مات عليها.
واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال
النووي: يتأول هذا الحديث على أن النهي / عن تغطية وجهه ليس ٣٨٧/ب
لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو
غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند
الصخرات من عرفة، والله أعلم.
[الإفاضة من عرفات]
ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلاً، حين غاب
القرص، أفاض ◌َ له من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء
الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده: أيها الناس
السكينة السكينة، وكلما أتى حبلاً من الحبال(١) أرخى لها قليلاً حتى
تصعد(٢). وأفاض من طريق المأزمين.
وفي رواية ابن عباس(٣) أنه رَّر سمع وراءه زجراً شديداً،
وضرباً للإبل [وراءه](٤) فأشار بسوطه وقال: أيها الناس عليكم
بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع، يعني بالإسراع.
وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه
(١) جمع حبل: التل اللطيف من الرمل.
(٢) رواه مسلم من حديث جابر برقم ١٢١٨ .
(٣) عند البخاري.
(٤) في المخطوطات.
- ٤٣٩ -

أسامة، فقال: أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف
الخيل والإبل، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً.
وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق(١)،
فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.
وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن
رسول الله وَلتر أفاض من عرفات وهو يقول:
إليك تعدو قلِقا وحنينها مخالف دين النصارى دينها
قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله.
والقلق: الانزعاج.
والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل
ولما كان ◌َّ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً،
فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: الصلاة أمامك.
[المبيت بمزدلفة]
فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ ((جمع)) بفتح الجيم
وسكون الميم، وسميت [جمعاً](٢) لأن آدم اجتمع فيها مع حواء
فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعاً لأنه يجمع
فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله
تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف فيها. انتهى.
(١) سير بين الإسراع والإبطاء.
(٢) في (ط، ش).
- ٤٤٠ -