Indexed OCR Text
Pages 381-400
من خير وشر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت
ورأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان
فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وهذا عرض خاص في هذين
اليومين غير العرض العام كل يوم فإن ذلك عرض خاص دائم بكرة
وعشياً. ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري
قال: قام فينا رسول الله وَل ﴿ل بخمس كلمات فقال: إن الله تعالى لا
ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه(١)، يرفع إليه عمل
الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل الحديث.
وعن أم سلمة كان وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الأثنين
والخميس من هذه الجمعة، والإثنين من المقبلة، وفي [رواية](٢)
أول إثنين من الشهر، ثم الخميس ثم الخميس الذي يليه. رواه
النسائي .
وعن عائشة: كان يصوم من شهر: السبت والأحد
[والإثنين](٣)، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. رواه
الترمذي .
وعن کریب، مولی ابن عباس، قال: أرسلني ابن عباس وناس
من أصحاب النبي وله إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان النبي وَيقيل
أكثرها صياماً؟ قالت: السبت والأحد، ويقول: إنهما عيد المشركين،
وأنا أحب أن أخالفهما. رواه أحمد والنسائي، وفيه محمد بن عمر، ولا
يعرف حاله، ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر ولا يعرف
حاله أيضاً.
(١) قيل هو الميزان، لحديث أبي هريرة عند الشيخين: وبيده الميزان يخفض
ويرفع .
(٢) في المخطوطات.
(٣) في (ط، ش).
- ٣٨١ -
وعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن رسول الله وَ التر قال:
لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا
لحاء(١) عنبة أو عود شجرة فليمضغه. رواه أحمد وأبو داود والترمذي
وابن ماجه والدارمي(٢).
قال بعضهم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة، فإن النهي
عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب
النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم
الأحد. قالوا: ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن
يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده.
قال النووي: وأما قول مالك في الموطأ ((لم أسمع أحداً من أهل
العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه
حسن، فقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه ((فهذا
الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة
مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة
فتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. قال الداودي من
أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه.
قالوا: واستحباب الفطر يوم الجمعة ليكون أعون له على وظائف
العبادات المشروعة في الجمعة، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها
من غير ملل ولا سآمة كالحاج بعرفة .
(١) اللحاء: القشر.
(٢) قال مالك: هذا الخبر كذب، وقال النسائي: مضطرب، وقال أبو داود:
منسوخ، وقال أحمد: هذا الحديث على ما فيه يعارضه حديث أم سلمة.
يعني الذي قبله.
- ٣٨٢ -
فإن قلت: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم يوم قبله
أو بعده لبقاء المعنى، فالجواب: أنه يحصل له بفضيلة الصوم / الذي ٣٧٨/ب
قبله أو بعده ما يجبره ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم
الجمعة بسبب صومه، والله أعلم.
- ٣٨٣ -
الفصل السادس
في صومه وَالر الأيام البيض
وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، وهي:
ثلاث عشرة، وأربع عشرة وخمس عشرة، وليس في الشهر يوم أبيض
كله إلا هذه الأيام، لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول من
قال: الأيام البيض، على الوصف، واليوم الكامل هو النهار بليلته.
وفيه رد لقول الجواليقي: ((من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة
الأيام فقد أخطأ)) والله أعلم.
عن ابن عباس قال: كان رسول الله وسلّ لا يفطر أيام البيض في
حضر ولا سفر. رواه النسائي.
وعن حفصة: أربع لم يكن النبي وَليل يدعهن: صيام عاشوراء،
والعشر، وأيام البيض من كل شهر، وركعتا الفجر، رواه أحمد.
وعن معاذة العدوية: أنها سألت عائشة: أكان رسول الله وَله
يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام
الشهر كان يصوم؟ قالت: ما كان يبالي من أي أيام الشهر يصوم.
رواه مسلم.
قال بعضهم: لعله وَله لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن
تعینها .
- ٣٨٤ -
قال: وقد جعل الله تعالى صيام هذه الثلاثة أيام من الشهر
بمنزلة صيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقد روى أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن
مسعود قال: كان النبي وَ لّ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر.
وقد تحصل أن صيامه مل# في الشهر على أوجه:
الأول: أنه كان يصوم أول اثنين من الشهر، ثم الخميس ثم
الخميس الذي يليه، رواه النسائي.
الثاني: كان يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين، ومن
الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخيس. رواه الترمذي.
الثالث: أيام البيض، ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر
الرابع: أنه كان يصوم ثلاثة غير معينة كما روته معاذة عن
عائشة عند مسلم.
الخامس: أنه كان يصوم ثلاثة من أول الشهر، واختار جماعة
منهم: الحسن وهو ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود.
قال القاضي عياض: واختار النخعي صوم ثلاثة إيام من آخر
الشهر لتكون كفارة لما مضى، واختار آخرون: أول يوم من الشهر
والعاشر والعشرين، وقيل إنه صيام مالك بن أنس. وقال ابن شعبان
من المالكية: أول يوم من الشهر والحادي عشر، والحادي والعشرون،
ونقل ذلك عن أبي الدرداء، وهو موافق لما رواه النسائي من حديث
عبد الله بن عمر ((وصم من كل عشرة أيام يوماً)) وحكى الأسنوى عن
الماوردي أنه يستحب أيضاً صوم الأيام السود وهي السابع والعشرون
واليومان بعده.
- ٣٨٥ -
وتترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله، ولأن
الكسوف غالباً يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا
اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائماً، فيتهيأ له أن
يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من
لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها .
ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر، لأن المرء لا يدري
ما يعرض له من الموانع، والله أعلم.
- ٣٨٦ -
النَّوَعِ الخَامِسُ
في ذكر اعتكافه وسير واجتهاده في العشر
الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر
[التعريف والحكمة والحكم]
اعلم أن الاعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزوم.
وفي الشرع: المكث في المسجد من شخص مخصوص / بصفة ٣٧٩/أ
مخصوصة .
ومقصوده وروحه عكوف القلب على الله، وجمعيته عليه، والفكر
في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه
بالخلق، ليكون ذلك أنسه يوم الوحشة في القبر حين لا أنيس له.
وليس بواجب إجماعاً، إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه
فقطعه عامداً عند قوم.
[هل يشترط له الصوم؟]
واختلف في اشتراط الصوم له:
ومذهب الشافعي: أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح
اعتكاف المفطر.
وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: يشترط الصوم، فلا يصح
اعتكاف المفطر.
واحتج الشافعي باعتكافه ومه في العشر الأول من شوال. رواه
البخاري ومسلم، وبحديث عمر: أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت
- ٣٨٩ -
أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال: أوف بنذرك. رواه البخاري
ومسلم، والليل ليس محلاً للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة
الاعتكاف.
[المسجد هو مكان الاعتكاف]
واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن
عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية للمرأة أن
تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه. وفيه قول قديم
للشافعي .
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها
الصلوات .
وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد.
وقال الجمهور: بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة،
فاستحبه له الشافعي في الجامع. وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عنده
ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك.
وخصه طائفة من السلف، كالزهري بالجامع مطلقاً، وأومأ إليه
الشافعي في القدیم.
وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجدي مكة
والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة.
[أقل الاعتكاف وأكثره]
واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فمن شرط فيه
- ٣٩٠ -
الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في
دون اليوم. حكاه ابن قدامة. وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه:
یوم أو یومان.
ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما ينطلق عليه اسم لبث، ولا
يشترط القعود.
واتفقوا على فساده بالجماع.
[اعتكافه واخر وتحريه ليلة القدر]
وقد كان سيدنا رسول الله وسلّ يعتكف العشر الأواخر من
رمضان. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله ولم يعتكف كل
عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه. رواه
البخاري .
وعن أبي سعيد الخدري أنه بَّر اعتكف العشر الأول من
رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية، ثم أطلع رأسه
فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة - يعني ليلة القدر -
ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر
فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من
صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر [منه](١)،
قال: فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف
المسجد، فبصرت عيناي رسول الله وَليره وعلى جبهته أثر الماء والطين من
صبحية إحدى وعشرين. رواه الشيخان.
(١) في (ط، ش).
- ٣٩١ -
وفي حديث عبادة بن الصامت: أنه وَلّ خرج يخبر بليلة القدر
فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها
في التاسعة والسابعة والخامسة، رواه البخاري.
ولمسلم من حديث عبد الله بن أنيس: أنه وَلّ قال: أريت ليلة
القدر ثم أنسيتها، وأراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين، قال:
فمطرت ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا وأثر الماء والطين في جبهته
وأنفه .
وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعاً: اطلبوها ليلة سبع
عشرة .
وأخرج الطبراني مرفوعاً من حديث أبي هريرة: التمسوا ليلة
٣٧٩/ب القدر / في ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو
ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع
وعشرين.
[تحديد ليلة القدر]
وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً، وأفردها بعضهم
بالتأليف، وقد جمع الحافظ أبو الفضل بن حجر من كلام العلماء في
ذلك أكثر من أربعين قولاً، كساعة الجمعة.
ومذهب الشافعي: انحصارها في العشر الأخير، كما نص عليه
الشافعي، فيما حكاه عنه الأسنوي.
وعن المحاملي [في ((التجريد))](١): إنها تلتمس في جميع الشهر،
(١) في (د، ب، ط) قال الشارح: قال شيخنا: لا يعرف له كتاب يسمى
التجريد ولا ذكره الأسنوي في الطبقات.
- ٣٩٢ -
وتبعه عليه الشيخ أبو اسحاق في ((التنبيه)) فقال: وتطلب ليلة القدر في
جميع شهر رمضان. ثم الغزالي في كتبه.
وتردد صاحب ((التقريب)) في جواز كونها في النصف الأخير، كذا
نقله عنه الإمام وضعفه. وحكاه ابن الملقن في شرح العمدة.
وفي المفهم للقرطبي حكاية قول إنها ليلة النصف من شعبان.
ودليل الأول(١): حديث أبي سعيد الذي قدمناه، قال النووي:
وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين،
أما الحادي والعشرون فلقوله وَلفر في حديث أبي سعيد: ((فقد أريت
هذه الليلة، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فبصرت
عيناي رسول الله وَالقر وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى
وعشرين، وأما الثالث والعشرون فلحديث عبد الله بن أنيس المتقدم
أيضاً. وجزم جماعة من الشافعية: بأنها ليلة الحادي والعشرين، ولكن
قال السبكي: إنه ليس مجزوماً به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من
علق يوم العشرين عتق عبده بليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل
بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير. وعن ابن
خزيمة - من أصحابنا - أنها تنتقل في كل سنة إلى ليلة من ليالي العشر
[الأخير](٢).
وحاصله: قولان، ووجه(٣)، واختار النووي في الفتاوى وشرح
المهذب رأي ابن خزيمة.
(١) أي انحصارها في العشر الأخير.
(٢) في (ط، د).
(٣) أي قولان للشافعي، ووجه لابن خزيمة.
- ٣٩٣ -
[هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة]
وجزم ابن حبيب من المالكية، ونقله الجمهور، وحكاه صاحب
((العدة)) من الشافعية ورجحه: أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، ولم
تكن في الأمم قبلهم.
وهو معترض: بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه:
قلت يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال: بل هي
باقية .
وعمدتهم قول مالك في ((الموطأ)) بلغني أن رسول الله وَّل تقاصر
أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله تعالى ليلة القدر. وهذا
محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح من حديث أبي ذر كما قاله الحافظان
ابن كثير في تفسيره وابن حجر في فتح الباري .
[علامات ليلة القدر]
قال: وقد ظهر لليلة القدر علامات؛ منها: ما في صحيح مسلم
عن أبي بن كعب أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها، ولابن
خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعاً: ليلة القدر لا حارة ولا باردة،
تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة، ولأحمد من حديث عبادة بن
الصامت مرفوعاً أنها صافية، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة صاحية،
لا حر فيها ولا برد ولا يحل (١) لكوكب يرمى به فيها، وإن من أماراتها
أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة
البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها حينئذ.
(١) أي: لا يتفق.
- ٣٩٤ -
وروى البيهقي في ((فضائل الأوقات)) أن المياه المالحة تعذب في
تلك الليلة .
[اجتهاده {َّ في العشر الأخير]
وقد كان وَّلهير يجتهد في العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد في
غيره. رواه مسلم من حديث عائشة.
وفي البخاري عنها: كان رسول الله بَ لّ إذا دخل العشر شد
مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.
وجزم عبد الرزاق بأن ((شد مئزره)) هو اعتزاله / النساء، وحكاه ٣٨٠/أ
عن الثوري. وقال الخطابي: يحتمل أن يراد به الجد في العبادة، كما
يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به
التشمير والاعتزال معاً، ويحتمل أن يراد به الحقيقة والمجاز، فيكون
المراد: شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وتشمر للعبادة.
وقوله: ((وأحيا ليله)) أي: سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره
فيه، لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعاً، لأن النائم إذا
حيي باليقظة حيي ليله بحياته، وهو نحو قوله: لا تجعلوا بيوتكم
قبوراً، أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور.
فقد كان * يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها في بقية
الشهر:
فمنها: إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويشهد
له حديث عائشة من وجه ضعيف ((وأحيا الليل كله)) وفي المسند عنها
أيضاً، قالت: كان ◌َل ◌َ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر
- ٣٩٥ -
شمر وشد المئزر، وفي حديث ضعيف عن أنس عند أبي نعيم: كان
* إذا دخل شهر رمضان قام ونام فإذا كان أربعاً وعشرين لم يذق
غمضاً. ويحتمل أن تريد بإحياء الليل غالبه، وقد قال الشافعي في
القديم: من شهد العشاء والصبح في جماعة ليلة القدر فقد أخذ بحظه
منها. وروي في حديث مرفوع عن أبي هريرة: من صلى العشاء الآخرة
في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر. رواه أبو الشيخ.
ومنها: أنه كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من
الليالي .
ومنها: تأخير الفطور إلى السحور، ففي حديث أنس وعائشة أنه
* * كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحوراً، ولفظ حديث عائشة:
كان * إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب
النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحوراً، أخرجه ابن أبي
عاصم. ولفظ حديث أنس: كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان
طوى فراشه واعتزل النساء وجعل عشاءه سحوراً. وإسناد الأول
مقارب، والثاني فيه حفص بن غياث، وقال فيه ابن عدي: إنه من
أنكر ما لقيت له. لكن يشهد له حديث الوصال المخرج في الصحيح
کما قدمته.
ومنها: اغتساله وَ ل بين العشاءين: المغرب والعشاء، روي من
حديث علي، وفي إسناده ضعف.
- ٣٩٦ -
النَّوَعِ السَّادِسُ
في ذكر حجة وعمره ولو
[المبادرة إلى الحج]
اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود،
ومشاهدة لذلك المشهد العلي الرحماني، والمام بمعهد العهد الرباني، ولا
يخفى أن نفس الكون(١) بتلك الأماكن شرف وعلو، وأن التردد في
تلك المواطن فخار وسمو، فإن المحالَّ المحترمة لم تزل تفرغ (٢) على
الحال فيها من سجال(٣) وصفها بفيض غامر، وحسبك في هذا ما
يحكى في أبيات عن مجنون بني عامر:
فجر عليه للإحسان ذيلاً
رأى المجنون في البيداء كلباً
وقالوا لم منحت الكلب نيلاً
فلاموه على ما كان منه
رأته مرة في حي ليلا
فقال دعوا الملام فإن عيني
فينبغي للعبد أن يهتم بأمر الحج ويبادر إليه، وينهض فاتر عزمه
إنهاضاً يحثه عليه، ولا يتوانى في غسل أدران سيئات العمر بصابون
المغفرة، ولا يتكاسل عن البدار، فيعرضه للفوات بركوب عمياء
المخاطرة .
(١) أي الوجود.
(٢) أي: تصب.
(٣) السجل: الدلو المملوء.
- ٣٩٩ -
[وجوب الحج]
وروى ابن عباس أنه رَ ليّ قال: من أراد الحج فليتعجل. رواه
أبو داود.
وفي حديث علي بن أبي طالب، عنه وَّر: من ملك راحلة وزاداً
٣٨٠/ب يبلغه / إلى بيت الله الحرام، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.
الحديث رواه الترمذي .
وخطب رَ له فقال: أيها الناس: قد فرض الله عليكم الحج
فحجوا. رواه مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة.
وفي رواية النسائي، من حديث ابن عباس مرفوعاً: إن الله
كتب عليكم الحج، فقال الأقرع بن حابس التميمي: كل عام يا
رسول الله؟ فقال: لو قلت نعم لوجبت الحديث.
فوجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقد أجمعوا على أنه
لا يتكرر إلا لعارض کالنذر.
واختلفوا: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ فقال الشافعي
وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي، إلى أن ينتهي إلى حال يظن
فواته لو أخره عنها. وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: هو على الفور.
[ابتداء فرض الحج]
واختلفوا أيضاً في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو
شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته.
فالجمهور على أنه سنة ست، لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا
- ٤٠٠ -