Indexed OCR Text

Pages 221-240

القِسْمُ الثّاني
في صلاته وَ النوافل وأحكامها
وفيه بابان :

الباب الأول
في النوافل المقرونة بالأوقات
وفيه فصلان :
الفصل الأول
في رواتب الصلوات الخمس والجمعة
وفيه فروع:
[الفرع] الأول
في أحاديث جامعة لرواتب مشتركة
عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللّه وَّر كان يصلي قبل
الظهر، ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد
صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي
في بيته ركعتين. قال: وأخبرتني حفصة أن رسول الله اَلير كان إذا
سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا له الصبح صلى ركعتين
خفيفتين قبل أن تقام الصلاة. رواه البخاري(١).
فهذه عشر ركعات، لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع
الركعتين بعد الظهر، إلا لعارض، بأن يصلي الجمعة وسنتها التي
(١) القسم الأول من الحديث رواه البخاري في ((الجمعة)) وروى القسم الثاني
في ((أبواب التطوع)) وكلام المصنف يوهم أن البخاري ساقه في مكان واحد.
- ٢٢٢ -

بعدها، ثم يتبين له فسادها فيصلي الظهر ويصلي بعدها سنتها كما نبه
عليه الشيخ ولي الدين العراقي .
واختلف في دلالة ((كان)) على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها
تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف،
وصحح الإمام فخر الدين في ((المحصول)) أنها لا تقتضيه، لا لغة ولا
عرفاً، وقال النووي في شرح مسلم، إنه المختار الذي عليه الأكثرون
والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفاً.
فعلى هذا: ففي الحديث دلالة على تكرار هذه النوافل من النبي
وَلّر وأنه كان دأبه وعادته.
وعن عائشة: كان ◌َليل يصلي في بيته قبل الظهر أربعاً ثم يخرج
فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب
ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي
ركعتين، الحديث، وفي آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
رواه مسلم. فهذه ثنتا عشرة ركعة.
وعنها: كان ◌َّ لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة.
وفي رواية: / لم يكن يتركهما سراً وعلانية، في سفر ولا حضر ركعتان ٣٥٤/ب
قبل الصبح وركعتان بعد العصر. رواه البخاري ومسلم.
[الفرع] الثاني
في ركعتي الفجر
[التأكيد عليهما، وتخفيفهما]
قالت عائشة: لم يكن مَ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه
على ركعتي الفجر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي .
- ٢٢٣ -

ولمسلم: لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً.
وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستنير الفجر ويخففهما.
رواه الشيخان وهذا لفظ النسائي .
واختلف في حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في
أول الوقت، وبه جزم القرطبي، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين
خفيفتين، كما كان يصنع في صلاة الليل كما تقدم، ليدخل في الفرض
أو ما شابهه في الفضل بنشاط واستعداد تام.
وقد ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر
الحنفية، ونقل عن الشعبي، وأورد البيهقي فيه حديثاً مرفوعاً من
مرسل سعيد بن جبير، وفي سنده راو لم يسم، وخص بعضهم ذلك
بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل، فيستدركها في ركعتي الفجر،
وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن البصري.
[القراءة فيهما ]
وكان كثيراً ما يقرأ في الأولى منهما ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل
إلينا﴾ (١) الآية التي في البقرة، وفي الآخرة ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا
إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ إلى قوله: ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾(٢).
رواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن عباس.
وفي رواية أبي داود، من حديث أبي هريرة ﴿قولوا آمنا بالله وما
أنزل إلينا﴾ في الركعة الأولى، وبهذه الآية ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا
(١) سورة البقرة، الآية ١٣٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية ٦٤.
- ٢٢٤ -

الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾(١) أو ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيراً
ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾(٢) قال أبو داود: شك
الراوي .
وقال أبو هريرة: قرأ في ركعتي الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
و﴿قل هو الله أحد) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وقد روى ابن ماجه بإسناد قوي، عن عبد الله بن شقيق عن
عائشة قالت: كان رسول الله وَلول يصلي ركعتين قبل الفجر، وكان
يقول: نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر ﴿قل يا أيها
الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ .
ولابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن عائشة: كان يقرأ
فیھما بهما.
وللترمذي والنسائي من حديث ابن عمر: رمقت النبي
شهراً فكان يقرأ بهما.
وسـ
وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر،
ولا حجة فيه، لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة،
ويدل على ذلك أن في رواية ابن سيرين المذكورة: ((يسر فيهما القراءة))
وصححه ابن عبد البر.
واستدل بعضهم أيضاً بهذه الأحاديث المذكورة، على أنه لا
تتعين الفاتحة، لأنه لم يذكرها مع سورتي الإخلاص. وأجيب: بأنه
ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر فيها. انتهى.
(١) سورة آل عمران، الآية ٥٣ .
(٢) سورة البقرة، الآية ١١٩.
- ٢٢٥ -

[الضجعة بعد ركعتي الفجر]
وكان ◌َّ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. رواه
البخاري ومسلم من حديث عائشة.
لأنه وَّ كان يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أن القلب من
جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نوماً، لكونه أبلغ في الراحة،
بخلاف اليمين فيكون القلب معلقاً فلا يستغرق، وهذا إنما يصح
بالنسبة إلى غيره وَلّ كما لا يخفي.
وأما ما روي أن ابن عمر رأى رجلاً يصلي ركعتي الفجر ثم
اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أردت أن أفصل بين
صلاتي فقال له: وأي فصل أفضل من السلام، قال: فإنها سنة،
قال: بل بدعة. رواه ابن الأثير في جامعه عن رزين. وكذا ما روي
من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعي: إنها ضجعة
الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم
الأمر بفعله.
وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل، لكن لم يداوم ◌َّ عليه،
٣٥٥/أ ولذا / احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك عند
أبي داود وغيره على الاستحباب.
وفائدة ذلك: الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا
يستحب ذلك إلا للمجتهد. وبه جزم ابن العربي. ويشهد لهذا ما
رواه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: إن النبي ◌َّ لم يضطجع
لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. وفيه راو لم يسم.
وقيل: فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى
- ٢٢٦ -

هذا فلا اختصاص. ومن ثم قال الشافعي: إن السنة تتأدى بكل ما
يحصل به الفصل من مشي وكلام وغيره، حكاه البيهقي.
وقال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة، وقد
قال أبو هريرة راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد يكفي.
وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطاً
لصحة صلاة الصبح، فرد عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية في
صحة الحديث لتفرد عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مقال،
والحق: أنه تقوم به الحجة.
وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو
محكي عن ابن عمر. وقواه بعض شيوخنا(١)، بأنه لم ينقل عن النبي
وَ* أنه فعله في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من
يفعله في المسجد، أخرجه ابن أبي شيبة.
وقال وَلّر: من لم يصل ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما تطلع
الشمس. رواه الترمذي من رواية أبي هريرة.
[الفرع] الثالث
في راتبة الظهر
عن ابن عمر: صليت مع رسول اللّه وَلّ ركعتين قبل الظهر
وركعتين بعدها. رواه البخاري ومسلم والترمذي.
وعن عائشة: كان ◌َّ لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل
صلاة الغداة. رواه البخاري أيضاً.
(١) أي شيوخ ابن حجر لأن هذا الكلام منقول عنه. أنظر فتح الباري
٤٤/٣.
- ٢٢٧ -

فإما أن يقال: إنه ◌َّ كان إذا صلى في بيته صلى أربعاً، وإذا
صلى في المسجد صلى ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل
هذا وهذا، فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان
صحیحان لا مطعن في واحد منهما.
وقال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله،
والركعتان في قليلها. انتهى.
وقد يقال: إن الأربع التي قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل
هي صلاة مستقلة، كان يصليها بعد الزوال. وروى البزار من حديث
ثوبان: إنه ◌َّ كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقالت
عائشة: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، قال: تفتح
فيها أبواب السماء، وينظر الله تعالى إلى خلقه بالرحمة، وهي صلاة
كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى.
وعن عبد الله بن السائب: كان ◌َلّ يصلى أربعاً بعد أن تزول
الشمس قبل الظهر، وقال: إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب
أن يصعد لي فيها عمل صالح. رواه الترمذي.
وروى الترمذي أيضاً حديث ((أربع قبل الظهر وبعد الزوال
تحسب بمثلهن في السحر وما من شيء إلا وهو يسبح الله تعالى تلك
الساعة)) ثم قرأ ﴿يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم
داخر ون﴾(١).
فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا
يدعهن. وأما سنة الظهر فالركعتان التي قال ابن عمر. ويوضح هذا
(١) سورة النحل، الآية ٤٨.
- ٢٢٨ -

أن سائر الصلوات سنتها ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع وردا
مستقلاً، سببه انتصاف النهار وزوال الشمس.
وسر هذا - والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل الانصاف
الليل، وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس، ويحصل النزول الإلهي
بعد انتصاف الليل، فهما وقت قرب رحمة، هذا فيه تفتح أبواب
السماء، وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى عن حركة الأجسام.
[الفرع] الرابع
في سنة العصر
عن علي: كان ◌َّ يصلي قبل العصر ركعتين. رواه أبو داود(١).
وعن علي أيضاً: كان ◌َله يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل
بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن / تبعهم من المسلمين ٣٥٥/ب
والمؤمنين. رواه الترمذي (٢).
وروى مرفوعاً أيضاً حديث ((رحم الله امرأً صلى قبل العصر
أربعاً))(٣).
وقالت عائشة: ما كان ◌َّ يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى
ركعتين، وفي رواية: ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط. رواه
البخاري ومسلم.
ولمسلم: أن أبا سلمة سألها عن السجدتين اللتين كان يصليهما
(١) بإسناد صحيح .
(٢) وكذا النسائي.
(٣) حسنه الترمذي، ورواه أيضاً: أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان. من
حديث ابن عمر.
- ٢٢٩ -

بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما
ونسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها،
تعني داوم عليها.
ولأبي داود، قالت: كان يصلي بعد العصر ركعتين وينهي عنهما،
ويواصل وينهى على الوصال(١).
وقال ابن عباس: إنما صلى رَّ ركعتين بعد العصر، لأنه اشتغل
بقسمة مال أتاه عن الركعتين اللتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر،
ثم لم يعد لهما. رواه الترمذي.
وقالت أم سلمة: سمعته بَلّه ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين
صلى العصر، ثم سألته عنهما فقال: إنه أتاني أناس من عبد القيس
بالإسلام فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان، الحديث(٢).
وفيه: أن ابن عباس قال: كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس
عنهما .
قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له
ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فخاص به،
قال: وقد عد هذا من خصائصه. انتهى.
والدليل عليه رواية عائشة: كان يصلي ركعتين بعد العصر
وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. لكن قال البيهقي: الذي
اختص به والر المداومة على ذلك، لا أصل القضاء.
وأما رواية ابن عباس عند الترمذي: أنه إنما صلاهما بعد العصر
(١) أي في الصيام.
(٢) متفق عليه.
- ٢٣٠ -

لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه. فهو من رواية جرير عن عطاء، وقد
سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن
ظاهر قوله: ((ثم لم يعد)) معارض لحديث عائشة المذكور في الباب،
فيحمل النفي على نفي علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت
مقدم على النافي.
وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة، عن أم سلمة: أن
رسول الله وَيل صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، الحديث،
وفي رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد. فيجمع بين الحديثين
بأنه وَّ لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم
سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة في رواية: ((وكان لا يصليهما في
المسجد مخافة أن يثقل على أمته)).
ومراد عائشة بقولها: ((ما كان في يومي بعد العصر إلا صلى
ركعتين)) من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما. ولم
ترد أنه كان يصلي بعد العصر من أول ما فرضت الصلوات مثلاً إلى
آخر عمره، والله أعلم.
[الفرع] الخامس
في راتبة المغرب
عن ابن مسعود قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله محل يقرأ
في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قل يا أيها
الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد) رواه الترمذي.
وعن ابن عباس: كان ◌َّ يطيل القراءة في الركعتين بعد
المغرب حتى يتفرق أهل المسجد، رواه أبو داود.
- ٢٣١ -

وكان أصحابه عليه السلام يصلون ركعتين قبل المغرب قبل أن
يخرج إليهم مَّ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس.
وفي رواية أبي داود، قال أنس: رآنا بَّ فلم يأمرنا ولم ينهنا.
وقال عقبة: كنا نفعله على عهده، وَلّر. رواه البخاري ومسلم.
وظاهره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمراً
قرر أصحابه عليه، وعملوا به (١)، وهذا يدل على الاستحباب، وأما
كونه وعليه لم يصلهما فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليسا من
٣٥٦/ أ الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد / وإسحاق وأصحاب الحديث.
وعن ابن عمر: ما رأيت أحداً يصليهما على عهده وَالي(٢).
وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا
يصلونهما(٣).
فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب: بأن دعوى النسخ لا
دليل عليها، ورواية المثبت - وهو أنس - تقدم على رواية النافي - وهو
ابن عمر -.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا
أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما، وهو
عند الشافعية وجه رجحه النووي ومن تبعه، وقال في شرح مسلم:
قول من قال: ((إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها)) خيال
فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن
أول وقتها. ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما.
(١) هذه الجملة ليست في ش .
(٢) رواه أبو داود بإسناد حسن.
(٣) رواه عنهم محمدبن نصر وغيره، وهو منقطع.
- ٢٣٢ -

وقال ◌َله: ((صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء)) خشية أن يتخذها
الناس سنة. رواه أبو داود(١).
قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما، لأنه لا يمكن أن
يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أدل(٢) الأدلة على
استحبابهما .
ومعنى قوله: ((سنة)) أي شريعة وطريقة لازمة.
وكأن المراد انحطاط مرتبتهما عن رواتب الفرائض، ولهذا لم
يعدهما أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركهما بعضهم. وتعقب: بأنه
لم يثبت أنه وَلّ واظب عليهما.
وقال ◌َله في الصلاة بعد المغرب: هذه صلاة البيوت، رواه أبو
داود والنسائي من حديث كعب بن عجرة.
وعنه رَله: من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعت
صلاته في عليين. رواه رزين(٣).
[الفرع] السادس
في راتبة العشاء
قالت عائشة: ما صلى رسول الله وَلّ العشاء قط فدخل بيتي إلا
صلى أربع ركعات، أو ست ركعات. رواه أبو داود.
وفي مسلم قالت عائشة: ثم يصلي بالناس العشاء فيدخل بيتي
(١) وفي البخاري، ((صلوا قبل المغرب)) قال في الثالثة ((لمن شاء)).
(٢) في ش: أقوى.
(٣) قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف.
- ٢٣٣ -

فيصلي ركعتين. وكذا في حديث ابن عمر عند الشيخين. وتقدما أول
هذا القسم، والله أعلم.
[الفرع] السابع
في راتبة الجمعة
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وم طهر كان يصلي قبل الظهر
ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء
ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين. رواه
البخاري ولم يذكر شيئاً في الصلاة قبل صلاة الجمعة.
قال ابن المنير - كما حكاه في فتح الباري -: كأنه يقول الأصل
استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، لأن الجمعة بدل
الظهر.
وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر
من أجل أنه كان ◌َّ يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال:
والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين
ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. انتهى.
وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في
المسجد لهذا المعنى.
وقد روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال:
كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته،
ويحدث أن النبي وَّر كان يفعل ذلك، وقد احتج به النووي في
((الخلاصة)) على إثبات سنة الجمعة التي قبلها.
وتعقب: بأن قوله: ((كان يفعل ذلك)) عائد على قوله: ((ويصلي
- ٢٣٤ -

بعد الجمعة ركعتين في بيته))، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن
عبد الله: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته
ثم قال: كان رسول الله ◌َلا يفعل ذلك. رواه مسلم.
وأما قوله: ((كان يطيل الصلاة قبل الجمعة)) فإن كان المراد بعد
دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعاً، لأنه ◌َلو كان يخرج إذا
زالت الشمس / فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد ٣٥٦/ب
قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه
لسنة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق.
وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في الإنكار
منهم: الإمام شهاب الدين أبو شامة، لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا
بين يديه ◌َّية وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة لأنه
إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. قال ابن العراقي: ولم أر في كلام
الفقهاء من الحنفية والمالكية استحباب سنة الجمعة التي قبلها. انتهى.
وقد ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة، منها
عن أبي هريرة، رواه البزار، ولفظه: كان يصلي قبل الجمعة أربعاً
وبعدها أربعاً.
وأقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما
صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعاً: ((ما من
صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان)). قاله في فتح الباري.
وعن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم
فصلى ركعتين ثم يتقدم فيصلي أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة
ثم رجع إلى بيته فيصلي ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل له: فقال:
كان رسول الله ◌َ لا يفعله. رواه أبو داود.
- ٢٣٥ -

وفي رواية الترمذي: قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة
ركعتين ثم صلى بعد ذلك أربعاً.
وعن ابن عمر أيضاً قال: كان رسول الله وَالل يصلي بعد الجمعة
ركعتين. رواه النسائي، وفي رواية أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين
في بيته. وفي أخرى: أن ابن عمر كان يصلي بعد الجمعة ركعتين يطيل
فيهما ويقول: كان رسول الله وَل يفعله.
وتقدم حديث دخول سليك الغطفاني يوم الجمعة، وهو وقلة
يخطب، وقوله وَّ له: صليت؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين.
مع ما فيه من المباحث في صلاة الجمعة.
- ٢٣٦ -

الفصل الثاني
في صلاته وصالح العيدين
وفيه فروع:
[الفرع] الأول
في عدد الركعات
عن ابن عباس: أن رسول الله وَل خرج يوم عيد فصلى ركعتين
لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء وبلال معه، فأمرهن
بالصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بخرصها وسخابها(١). وفي رواية:
خرج يوم أضحى أو فطر، وفي أخرى: أن النبي ◌َّ صلى يوم الفطر
ركعتين. الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[الفرع] الثاني
في عدد التكبير
عن عائشة أن رسول الله وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى، في
الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية: خمس تكبيرات. زاد في رواية:
سوى تكبير الإحرام والركوع.
(١) الخرص: حلقة صغيرة من ذهب، وقيل هو القرط. والسخاب: قلادة من
عنبر أو قرنفل أو غيره، وقيل: هو خيط فيه خرز.
- ٢٣٧ -

وعن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده أن النبي وَلّ كبر في
العيدين، في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الأخرى خمساً قبل القراءة.
رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي.
[الفرع] الثالث
في الوقت والمكان
عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ◌ُّل يخرج يوم الفطر
والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة. الحديث رواه
البخاري ومسلم .
وفي هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى
المصلى، وأنه أفضل من صلاتها في المسجد، لمواظبته بَلتر على ذلك،
مع فضل مسجده، وعلى هذا عمل الناس في الأمصار. وأما أهل مكة
فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول. ولأصحابنا الشافعية
وجهان: أحدهما، الصحراء أفضل لهذا الحديث، والثاني: وهو الأصح
عند أكثرهم، المسجد أفضل إلا أن يضيق، قالوا: وإنما صلى أهل
مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي بَل ◌َ لضيق المسجد، فدل على
٣٥٧/أ / أن المسجد أفضل إذا اتسع.
والمراد بالمصلى المذكور، الذي على باب المدينة الشرقي.
قال ابن القيم: ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم
مطر فصلى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي
داود وابن ماجه. انتهى.
ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة قال: أصابنا مطر في يوم فطر
فصلى بنا رسول الله وَلّ في المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى
المصلى .
- ٢٣٨ -

[الفرع] الرابع
في الأذان والإقامة
عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله وحّل العيدين غير
مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي .
وعن ابن عباس أن رسول الله وَ له صلى العيد بلا أذان ولا
إقامة. رواه أبو داود.
[الفرع] الخامس
في قراءته رقم يد في صلاة العيدين
عن أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله وَله يقرأ في الأضحى
والفطر ب﴿ق والقرآن المجيد﴾ و﴿اقتربت الساعة وانشق القمر). رواه
مسلم ومالك وأبو داود والترمذي .
وعن النعمان بن بشير قال: كان النبي ◌َّ يقرأ في العيدين وفي
الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وربما
اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي
والنسائي .
[الفرع] السادس
في خطبته وَ ر وتقديمه صلاة العيدين عليها
عن ابن عمر: كان رسول الله وَل وأبو بكر وعمر يصلون
العيدين قبل الخطبة. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي .
وعن جابر: أنه بَلّ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل
الخطبة .
- ٢٣٩ -

وفي رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل
فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه تلقي
فيه النساء الصدقة.
وفي أخرى، قال: شهدت مع رسول الله وَ لَّل العيد، فبدأ
بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال،
فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى
حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: تصدقن، فإن أكثركن حطب
جهنم، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين(١) فقالت: لم يا
رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير. قال: فجعلن
يتصدقن من حليهن ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن(٢).
رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري: فأول شيء يبدأ به
الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم،
فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو
يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على
ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر،
فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن
يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله. الحديث(٣).
ولابن خزيمة: خطب وَلّه يوم عيد على رجليه.
وهذا يشعر بأنه لم يكن في المصلى في زمانه وَل18 منبر، ويدل على
(١) أي في خديها سواد.
(٢) كذا في المخطوطات وفي البخاري الحديث ٩٧٩، وفي (ط، ش) خواتمهن
(٣) الحديث في البخاري برقم ٩٥٦.
- ٢٤٠ -