Indexed OCR Text
Pages 21-40
فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى:
﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾(١) الآية.
ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض
عليه وَ لّ وهو بمكة، كما افترضت الصلاة، وأنه لم يصل قطّ إلا
بوضوء، وقال: وهذا مما لا يجهله عالم.
وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد
على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث
ابن عباس: دخلت فاطمة رضي الله عنها على النبي ◌َّر وهي تبكي
فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: ائتوني
بوضوء فتوضأ.
قال الحافظ ابن حجر: وذا يصلح أن يكون رداً على من أنكر
وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ.
وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوباً، وجزم
ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة.
ورد عليه(٢) بما أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي
الأسود عن عروة أن جبريل عليه السلام علم النبي ◌َّ الوضوء عند
نزوله عليه بالوحي .
وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضاً، لكن
قال: عن الزهري عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه
ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري نحوه،
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) الذي في فتح الباري: عليهما.
- ٢١ -
لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبراني في الأوسط
من طريق الليث عن عقيل موصولاً. ولو ثبت لكان على شرط
الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة(١).
[هل الوضوء لكل صلاة؟]
وعن أنس قال: كان رسول ◌َالل يتوضأ لكل صلاة. قيل له:
كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث. رواه
البخاري وأبو داود والترمذي .
وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله وَ ال كان يتوضأ لكل
صلاة. رواه الدارمي .
وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله وَلا يتوضأ لكل
صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى صلوات بوضوء واحد. فقال له عمر:
فعلت شيئاً لم تكن تفعله، فقال: عمداً فعلته يا عمر. يعني لبيان
الجواز
وفي رواية أحمد وأبي داود، من حديث عبد الله بن أبي عامر
الغسيل، أنه وص 18 أمر بالوضوء، لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، فلما
شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من
حدث .
[موجب الوضوء]
واختلف العلماء في موجب الوضوء:
فقيل: يجب بالحدث وجوباً موسعاً
(١) عن فتح الباري ٢٣٣/١.
- ٢٢ -
وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معاً، ورجحه جماعة من الشافعية
وقيل: بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب
السنن عن ابن عباس مرفوعاً: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى
الصلاة(١).
[حكم السواك]
وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا من قال بوجوب
السواك عليه وَّة، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه
بالعنعنة وهو مدلس، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن عن عائشة
مرفوعاً: ثلاث هن عليَّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام
اللیل.
وقد روى أحمد في مسنده بإسناده حسن من حديث واثلة بن
الأسقع أن رسول الله وَ ليل قال: أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب
علي.
وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن
حكى عن بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه.
واتفقوا على أنه مستحب مطلقاً، ويتأكد بأحوال:
منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة.
ومنها: عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين من حديث
(١) هذه الفقرة والتي قبلها عن فتح الباري ٢٣٢/١ .
- ٢٣ -
٣٢٢/ب حذيفة أنه والد / (كان إذا قام من الليل يشوص(١) فاه بالسواك)، لكن
قد يقال: المراد، قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة
وعند الوضوء.
ومنها: قراءة القرآن، كما جزم به الرافعي.
ومنها: تغير الفم، سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة
الأسنان، كما ذكره الرافعي .
ومنها: دخول المنزل، جزم به النووي في زيادة الروضة، لما
روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عائشة، أنه
وَّر (كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك).
ومنها: إرادة النوم، كما ذكره الشيخ أبو حامد (٢) في ((الرونق))،
وروى فيه ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر: أن رسول
اللّه وَلّ كان يستاك إذا أخذ مضجعه. وفيه: حرام بن عثمان، متروك.
ومنها: الانصراف من صلاة الليل، لما روى ابن ماجه من
حديث ابن عباس بإسناد صحيح قال: كان رسول الله وَله يصلي
بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.
[أداة التسوك]
ويجزىء بكل خشن، ولو بأصبع غيره الخشنة(٣)، وقد جزم
(١) أي يدلك.
(٢) الإسفرايني.
(٣) هذا اجتهاد غريب - أن يستاك بأصبع غيره - ويتنافى مع الذوق العام الذي
يربيه الإسلام من خلال منهجه، والتسوك هنا عملية عبادية تقتصر على ما
وردت به السنة ولا مجال للاجتهاد. انظر كتاب التربية الجمالية في الإسلام
للمحقق[م].
- ٢٤ -
النووي في شرح المهذب ودقائق المنهاج أنه يجزىء بها قطعاً. قال في
شرح تقريب الأسانيد: وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع
غيره وكونه جزءاً منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه
أبلغ في الإزالة، لأنه يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه
لا جرم(١). قال النووي في شرح المهذب: المختار إجزاؤه مطلقاً.
قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في اللباب والبغوي واختاره في
البحر. انتهى.
ولقد أطبق أصحاب الشافعي على استحباب ((الأراك)). فروى
الطبراني من حديث أبي خيرة الصنابحي - وله صحبة - حديثاً قال فيه:
ثم أمر لنا رسول الله و3* بأراك فقال: استاكوا بهذا.
وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في دخول أخيها عبد
الرحمن بن أبي بكر في مرضه وَ ل# ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة
فطيبته ثم أعطته رسول الله وسلّ فاستاك به. والحديث في الصحيح
وليس فيه ذكر الأراك(٢). وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك
من جريد النخل.
[كيفية التسوك ]
وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك، من حديث عائشة قالت:
كان النبي ◌َّ يستاك عرضاً، وروى البيهقي أيضاً من حديث ربيعة
ابن أكثم قال: كان رسول الله وَلّ يستاك عرضاً الحديث.
(١) أي حقا.
(٢) فذكره في رواية الحاكم وهم أو شذوذ لاسيما وقد عارض رواية البخاري
الثانية .
- ٢٥ -
قال أصحابنا: والمراد بقوله ((عرضاً)): عرض الأسنان في طول
الفم .
وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم
بيمينه، لحديث: كان يعجبه التيمن في ترجله (١) وتنعله وطهره
وسواکه .
وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطيب، أو من
باب إزالة القاذورات. فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمنى، وإن
قلنا بالثاني فبشماله لحديث عائشة: كانت يد رسول الله وَالر اليمين
لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى. رواه أبو داود
بإسناد صحيح.
قال في شرح تقريب الأسانيد: وما استدل به على أنه يستحب
باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل،
والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهير، والبداءة
بالجانب الأيمن في الاستياك، وأما كونه يفعل ذلك بيمينه فيحتاج إلى
نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه فيكون
باليسرى. وقد صرح بذلك أبو العباس أحمد القرطبي فقال في
((المفهم)) حكاية عن مالك: أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب
إزالة القذر والله أعلم.
[الاقتصاد بماء الوضوء]
وأما مقدار ما كان اوَلّ يتوضأ أو يغتسل به من الماء:
فعن أنس قال: كان رسول الله ولم يغتسل بالصاع إلى خمسة
(١) أي تسريح شعره.
- ٢٦ -
أمداد، ويتوضأ بالمد، وفي رواية: كان يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ
بمكوك(١). رواه البخاري ومسلم وأبو داود وعنده:
يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. ورواه الترمذي
وعنده :
١/٣٢٣
أنه وَالثّ / قال: يجزىء في الوضوء رطلان من الماء.
وعن عائشة قالت: كان ◌َّلير يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. رواه
أبو داود.
وعن ابن عباس، أن النبي وَلّ وميمونة كانا يغتسلان من إناء
واحد .
والصاع: خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله
النووي مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.
وحذر وَ لّ أمته من الإسراف فيه.
ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال:
أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار. رواه أحمد
بإسناد لين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي.
وقال ◌َله: إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان، فاتقوا وسواس
الماء. رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب(٢)
(١) أي: مد.
(٢) وقال الترمذي: غريب ليس إسناده بالقوي لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة
ابن مصعب انتهى. وخارجة ضعيف جداً كما قال الحافظ وغيره. وأخرجه
ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق خارجة. وتعجب من ذلك ابن
سيد الناس فقال: لا أدري كيف دخل هذا في الصحيح. والله أعلم. كذا
في الشرح. ومن المعلوم أن الوضوء عبادة فكيف يكون لها شيطان؟ [م].
- ٢٧ -
الفصل الثاني
في وضوئه ولل مرة مرة
ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله وَل مرة مرة. رواه
البخاري وأبو داود وغيرهما. وهو بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا﴾(١) الآية إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا
يتعين بعدد، فبين الشارع أن المرة الواحدة، للإيجاب، وما زاد عليها
للاستحباب .
وأما حديث أبي بن كعب أنه و * دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال:
هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ففيه بيان القول والفعل معاً،
لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة،
كما قال في فتح الباري.
وعن عبد الله بن زيد أن رسول الله وَله توضأ مرتين مرتين
وقال: نور على نور، ذكره رزين(٢).
وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله وَالهول توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
رواه أحمد ومسلم.
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) أصل الحديث في البخاري. لكن هنا فيه زيادة ((نور على نور)) وهي
ضعيفة .
- ٢٨ -
وعنه أن رسول الله وليّ توضأ ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء
الأنبياء من قبلي ووضوء إبراهيم. ذكره رزين، وضعفه النووي في
شرح مسلم كما حكاه في مشكاة المصابيح .
ولم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ولايقال أنه
زاد على ثلاث، بل روي عنه أنه نهى عن الزيادة على الثلاث.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَّ توضأ
ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، رواه
أبو داود بإسناد جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو
ابن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة.
وأجيب: بأنه أمر نسبي، والإساءة تتعلق بالنقص والظلم
بالزيادة، وقيل: فيه حذف تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما
رواه أبو نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعاً: الوضوء
مرة ومرتين وثلاثاً، فإن نقص من واحدة أو زاد على الثلاث فقد
أخطأ، وهو مرسل رجاله ثقات.
وأجيب عن الحديث أيضاً: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص
فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد فقط، كذا رواه ابن خزيمة
في صحيحه.
قال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضىء على ثلاث، فإن زاد
أكرهه، أي لم أحرمه، لأن قوله: لا أحب، يقتضي الكراهة وهذا هو
الأصح عند الشافعية أنه يكره كراهة تنزيه.
وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث
تبطل الوضوء، كالزيادة في الصلاة، وهو قياس فاسد.
- ٢٩ -
وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث.
وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.
ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا
يندب تجديد الوضوء على الإطلاق(١).
(١) من أين جاء هذا اللزوم، فتجديد الوضوء هو إنشاء وضوء كامل، ولا
يقاس على زيادة العدد [م].
- ٣٠ -
الفصل الثالث
في صفة وضوئه وَال
[صفة وضوئه { [ *]
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه دعا بإناء فأفرغ على يديه
ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض / واستنشق ٣٢٣/ب
ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم
غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله رَمثل :
من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر
له ما تقدم من ذنبه. رواه البخاري.
وقد استدل بعضهم بقوله: ((ثم أدخل يمينه)) على عدم اشتراط
نية الاغتراف. ولا دلالة فيه نفياً ولا إثباتاً، وأما اشتراط نية الاغتراف
فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. قال الغزالي: مجرد
الاغتراف لا يصيّر الماء مستعملاً، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف
منه. وبهذا قطع البغوي .
وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه، أنه لاعتبار أوصاف
الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح بالأنف.
فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو مفروض احتياطاً
للعبادة .
وقال النووي في قوله: ((نحو وضوئي))، إنما لم يقل وصل: مثل،
- ٣١ -
لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.
لكن تعقبه في ((فتح الباري)) بأنه ثبت التعبير بها في رواية
البخاري في الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران بن
عثمان ولفظه: ((من توضأ مثل وضوئي هذا)). وفي الصيام من رواية
معمر: ((من توضأ وضوئي هذا))، قال: وعلى هذا فالتعبير بنحو من
تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازاً، ولأن ((مثل)) وإن كانت
تقتضي المساواة ظاهراً، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم
الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود، انتهى.
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، أنه قيل له: توضأ
لنا وضوء رسول الله وَله، فدعا بإناء، فأكفأ منه على يديه فغسلهما
ثلاثاً، [ثم أدخل يده فاستخرجها فتمضمض واستنشق من كف واحد
ففعل ذلك ثلاثاً)(١). ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً،
ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم
أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل
رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله وله .
وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى
قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري
ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما،
وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه.
(١) هذه الجملة ليست في المخطوطات. وقد وردت في روايات الحديث. انظر
صحيح مسلم الحديث ٢٣٥ .
- ٣٢ -
وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عمارة
ابن زيد بن خَوْلي - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء -
الهمداني، من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد
صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا
ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل
يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكف
الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً،
وغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم جعل يده اليمنى في الإناء فمسح برأسه
مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله اليسرى ثلاثاً، وقال:
من سره أن يعلم وضوء رسول الله وسلّ فهو هذا.
[هل يتكرر مسح الرأس؟]
قال ابن القيم: والصحيح أنه وَ ل لم يكرر مسح رأسه، انتهى
وقال النووي: والأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة،
وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح.
واحتج الشافعي(١) بحديث عثمان رضي الله عنه في صحيح
مسلم أنه ◌َ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى
وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم
يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على
التخفيف فلا يقاس على الغل الذي المراد منه المبالغة / في الإسباغ،
وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة
الغسل جريان الماء.
١/٣٢٤
(١) في ش: للشافعي.
- ٣٣ -
واحتج الشافعية أيضاً بما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان
من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه وَ لجر مسح رأسه ثلاثاً. وفي
رواية أبي داود والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه
ثلاثاً، ووضأ وجهه ثلاثاً، وتمضمض واستنشق مرة، ووضأ یدیه ثلاثاً،
ومسح رأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كليهما ظهورهما
وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثاً ثلاثاً.
وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان
الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه.
وقال ابن السمعاني - كما حكاه في فتح الباري -: اختلاف
الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثاً، فليس
في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على
المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية
بين الغسل والمسح .
قال(١): ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور
الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن
العاصي في صفة الوضوء بعد أن فرغ: ((من زاد على هذا فقد أساء
وظلم)) فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة
واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة،
ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة
الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعاً بين
الأدلة. انتهى .
[كيفية مسح الرأس]
وفي حديث عبد الله بن زيد - عند البخاري - الذي ذكرته قبل:
(١) أي صاحب فتح الباري.
- ٣٤ -
ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر.
وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما
في المكان الذي بدأ منه.
وزاد ابن الطباع(١) بعد قوله: ((ثم مسح رأسه)) كله، كما هو في
رواية ابن خزيمة .
[معنى ((الباء)) في ((برؤوسكم))]
وفي رواية غيره - كما قدمته -: ((برأسه))، بزيادة الباء، موافقة
لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾(٢).
قال البيضاوي: ((الباء)) أي في الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض،
فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل، وبالمنديل، ووجه أن يقال:
إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فلكأنه قيل: وألصقوا
المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل:
وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله: واغسلوا وجوهكم، انتهى .
وقال الشافعي: احتمل قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾
جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزىء، والفرق بينه
وبين قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم، أن المسح فيه
بدل عن الغسل ، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح
الخف بدلاً عن غسل الرجل، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع.
وقد روى من حديث عطاء أنه ول # توضأ، فحسر العمامة عن
(١) اسحاق بن عيسى بن الطباع، أبو يعقوب، ثقة من رواة الموطأ. روى له
مسلم وأصحاب السنن، مات سنة أربع عشرة ومائتين.
(٢) سورة المائدة، الآية ٦.
- ٣٥ -
رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه
آخر موصولاً أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل،
لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر
وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعي من
أن المرسل يعضد بمرسل آخر أو مسند.
وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم
رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك
مختلف فيه .
وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن
المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك. قاله ابن
حزم.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم
ذكره. انتهى
[الواجب مسحه من الرأس]
واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس، فذهب الشافعي
وجماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة أخذاً
بالیقین،
وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه / أخذاً
بالاحتياط .
٣٢٤/ب
وقال أبو حنيفة في رواية: الواجب ربعه، لأنه يُثير مسح على
ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم.
- ٣٦ -
[المضمضة والاستنشاق]
وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على
رسول الله وَل وهو يتوضأ والماء يسيل من جوهه ولحيته على صدره،
فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود.
وعنه أيضاً قال: إن رسول الله وَلّ توضأ، فمضمض ثلاثاً
واستنشق ثلاثاً من كف واحد. رواه ابن ماجه.
وفي حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث
مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل
وجهه ثلاث مرات.
وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري: ثم غسل ومضمض
واستنشق من كف واحد ثم قال: هكذا وضوء رسول الله وَ له .
قال النووي: فيه أن السنة في المضمضة والاستنشاق، أن يأخذ
الماء لهما بيمينه، قال: وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق
خمسة أوجه :
الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من
كل واحدة ثم يستنشق.
والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً ثم
يستنشق منها ثلاثاً.
والثالث: يجمع أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم
يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم
يستنشق .
- ٣٧ -
والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً،
ثم يستنشق من الأخرى ثلاثاً.
والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم
يستنشق بثلاث غرفات، .
قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة.
وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن
يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله صل# في حديث أبي هريرة: إذا
توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر، لظاهر الأمر.
وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة على الندب،
لقوله وَيّ للأعرابي: توضأ كما أمر الله، وليس في الآية ذكر الاستنشاق،
والله أعلم.
[بعض سنن الوضوء]
وعند أبي داود: كان(١) وَلَّ يمسح الماقين(٢).
وعن عثمان أنه ◌َ لّ كان يخلل لحيته، رواه الترمذي وابن ماجه.
وعنده(٣) من حديث ابن عمر: كان ◌َلَّ إذا توضأ عرك
عارضيه (٤) بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها.
وعن أنس كان رسول الله وَ ل إذا توضأ أخذ كفاً من ماء
(١) كذا في المخطوطات، وفي (ط ش): وكان.
(٢) الماقين: مثنى ماق، ومؤق، وهو ما يلي الصدغ.
(٣) أي عند ابن ماجه، وإسناده ضعيف.
(٤) العارض: ما نبت على عرض اللحى فوق الذقن.
- ٣٨ -
فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: بهذا أمرني ربي عز وجل.
رواه أبو داود(١).
وعن أبي رافع: كان ◌َ ﴿ إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه
والدارقطني وضعفه.
وعن المستورد بن شداد: كان وَالّ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه
بخنصره، رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة: كانت يد رسول الله وصل اليمنى لطهوره وطعامه.
وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
[الاستعانة بشأن الوضوء]
وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله وَله في سفر، وأنه
ذهب لحاجة له وأن المغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ. رواه
البخاري ومسلم.
وعن صفوان ابن عسال: صببت على النبي بَلَّ الماء في السفر
والحضر في الوضوء. رواه ابن ماجه.
وفي ذلك جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء في الوضوء
من غير كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل في هذين
الحديثين لجواز الإعانة المباشرة(٢).
وقد روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ
أنها قالت: أتيت النبي وَلَّ بوضوء فقال: أمسكي، فمسكت عليه.
(١) في إسناده مقال.
(٢) أي أن يقوم المعين بمباشرة غسل أعضاء المتوضىء [م].
- ٣٩ -
وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في
الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم.
[التنشيف بعد الوضوء]
وفي الترمذي، من حديث معاذ بن جبل: كان ◌َّ إذا توضأ
مسح وجهه بطرف ثوبه(١).
وعن عائشة: كانت له وَ لّ خرقة ينشف بها بعد الوضوء. قال
الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الراوي ضعيف عند
أهل الحديث.
[ لا حاجة للوضوء]
وقد احتجم / رَّ ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، رواه
الدارقطني
١/٣٢٥
وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخاري ومسلم.
وللنسائي (٢): قال كان آخر الأمرين من رسول الله اص لي ترك
الوضوء مما غيرت النار.
وشرب وَلَّ لبناً ولم يتمضمض ولم يتوضأ وصلى. رواه أبو
داود(٣).
(١) قال الترمذي: غريب وإسناده ضعيف، وبه جزم الحافظان العراقي
والعسقلاني .
(٢) وكذا لأبي داود، وصححه ابن خزيمة.
(٣) وإسناده حسن.
- ٤٠ -