Indexed OCR Text
Pages 461-480
والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا
ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطبيين فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة
من رحمتك على هذا الوجع فيبرأ. وأمره أن يرقيه بها، فرقاه بها
فبرىء. وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي
الدرداء .
رقية الحمى
عن أنس قال: دخل رسول الله وَالر على عائشة وهي موعوكة،
وهي تسب الحمى، فقال: لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن إن شئت
علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك، قالت: علمني، قال: قولي
اللهم ارحم جلدي الرقيق وعظمي الدقيق من شدة الحريق، يا أم
مِلدم(١)، إن كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني
الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ
مع الله إلهاً آخر. فقالتها فذهبت عنها، رواه البيهقي.
وقد جرب ذلك - كما رأيته بخط شيخنا - ولفظه: اللهم ارحم
عظمي الدقيق وجلدي الرقيق، وأعوذ/ بك من فورة الحريق، يا أم
ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلي اللحم، ولا
تشربي الدم، ولا تفوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله
إلها آخر (٢)، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
٢٩٩/ب
ويكتب للحمى المثلثة(٣) - مما ذكره صاحب الهدي - على ثلاث
(١) كنية الحمى.
(٢) من قوله ((فقالتها)) في آخر الفقرة السابقة، سقط من د.
(٣) التي تلازم ثلاثة أيام، ثم تقلع، ثم تأتي كذلك ثلاثاً.
- ٤٦١ -
ورقات لطاف: بسم الله فرَّت، بسم الله مرَّت. بسم الله قلَّت،
ويأخذ كل يوم ورقة ويجعلها في فمه ويبلعها بماء.
وقد رخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه،
وجعل ذلك من الشفاء الذي جعله الله فيه.
قال ابن الحاج في ((المدخل)): وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني
لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية، فمن كان به ألم
أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيها:
أزلي لم يزل، ولا يزال، يزيل الزوال(١)، وهو لا يزال، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة
للمؤمنين﴾(٢).
وقال المروزي(٣): بلغ أبا عبدالله (٤) أني حممت فكتب لي من
الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد
رسول الله، يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم، وأرادوا به كيداً
فجعلناهم الأخسرين، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف
صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، إله الحق آمين.
[كتابات لآلام أخرى]
· ومما جرب للخراج(٥)، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب
(١) أي الأعراض.
(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٢.
(٣) أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد، ثقة حافظ، معاصر للإمام أحمد.
(٤) أي الإمام أحمد بن حنبل.
(٥) الخراج - بضم الخاء وخفة الراء - بثر، الواحدة خراجة.
- ٤٦٢ -
عليه ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعاً
صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا﴾(١).
· ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبدالله بن
الإمام أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها
ولادتها في جام أبيض(٢)، أو شيء نظيف، حديث ابن عباس(٣): لا
إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله
رب العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار،
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي أن أبا عبدالله جاءه رجل
فقال: يا أبا عبدالله اكتب لامرأة قد عسر عليها الولادة منذ يومين
فقال: قل له يجيء بجام واسع وزعفران. قال المروزي: ورأيته يكتب
لغير واحد.
وفي ((المدخل)) (٤): يكتب في آنية جديدة: اخرج أيها الولد من
بطن ضيق إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذي جعلك في قرار
مكين إلى قدر معلوم، لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، إلى آخر
السورة، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. وتشربها
النفساء، ويرش منها على وجهها. قال الشيخ المرجاني: أخذته عن
بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح في وقته. انتهى.
(١) سورة طه، الآية ١٠٥.
(٢) إناء معروف مستدير لا قعر له غالباً.
(٣) المعروف بكلمات الفرج.
(٤) لابن الحاج.
- ٤٦٣ -
وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى عليه السلام
على امرأة وقد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله لي
أن يخلصني مما أنا فيه فقال: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص
النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت
بولدها وإذا هي قائمة. قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.
وممكا يكتب أيضاً لذلك، ويكون في إناء نظيف: ﴿إذا السماء
انشقت وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها
وتخلت﴾(١) وتشرب الحامل منه وترش على بطنها.
· ومما يكتب للرعاف على جبهة المرعوف ﴿وقيل يا أرض
ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر﴾(٢)، ولا يجوز
كتابتها بدم الرعاف كما يفعله بعض الجهال، فإن الدم نجس فلا يجوز
أن يكتب به كلام الله .
· ومما يكتب لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب
كل شيء، ومليك كل شيء، وخالق كل شيء، أنت خلقتني وخلقت
عرق النسا فيَّ فلا تسلطه عليَّ بأذى، ولا تسلطني عليه بقطع، واشفني
شفاء لا يغادر سقماً، لا شافي إلا أنت.
[بدعة منكرة]
/ وأما حفيظة رمضان: لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، إنك سميع
١/٣٠٠
(١) سورة الإنشقاق ١ - ٤.
(٢) سورة هود، الآية ٤٤.
- ٤٦٤ -
عليم محيط به علمك كعسلهون، وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إلى
آخرها . .
فقال شيخنا: اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب وجملة
بلدان أنها حفيظة رمضان، تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر
الآفات، وتكتب في آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب
على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر.
وهذه بدعة لا أصل لها، وإن وقعت في كلام غير واحد من
الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم إلى ورودها في حديث ضعيف، وكان
الحافظ ابن حجر ينكرها جداً، حتى وهو قائم على المنبر في أثناء خطبته
حین یری من يكتبها.
ذكر ما يقي من كل بلاء
عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَلَه يقول:
من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في
السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات حين يمسي لم تصبه فجأة بلاء
حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي.
قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج، فجعل الذي سمع منه الحديث
ينظر إليه، فقال مالك تنظر فوالله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان
على رسول الله رَسير، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت
فنسيت أن أقولها. رواه أبو داود، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن
صحيح. وعنده: فكان أبان أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه
فقال له أبان: مالك تنظر إلي، أما إن الحديث كما حدثتك ولكن لم
أقله يومئذ ليمضي الله أمراً قدره.
- ٤٦٥ -
ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء
وذكر أبو محمد عبدالله بن محمد المالكي الإفريقي، في كتابه
((أخبار أفريقية)) عن أنس بن مالك مرفوعاً: من قال بسم الله الرحمن
الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات برىء من
ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفي من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها
الجنون والجذام والبرص والريح .
ويشهد له ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
﴿* أكثروا من ذكر ((لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)» فإنها من
كنز الجنة.
قال مكحول(١): من قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم، ولا ملجأ من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين باباً من الضر
أدناها الفقر.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من
قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها
الهم(٢).
ومن ذلك في الأمان من الفقر:
عن أبي موسى قال قال رسول الله وَله: من قال لا حول ولا
قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبداً. رواه ابن أبي
الدنيا .
(١) مكحول الشامي، ثقة فقيه، كثير الإرسال، مات سنة بضع عشرة ومائة.
(٢) في سنده بشر بن رافع، وهو ضعيف.
-٤٦٦ -
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلـ: من
أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب
يرفعه: من قال كل يوم وليلة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، مائة
مرة كان له أماناً من الفقر، وأنساً من وحشة القبر، واستفتح به باب
الغنى، واستقرع به باب الجنة. قال بعض رواته: لو رحلتم في هذا
الحديث إلى الصين ما كان كثيراً. ذكره عبد الحق(١) في كتاب الطب
النبوي .
ذكر دواء داء الطعام
روى البخاري في تاريخه عن عبدالله بن مسعود: من قال حين
يوضع الطعام: بسم الله خير الأسماء في الأرض وفي السماء، لا يضر
مع اسمه داء، اجعل فيه رحمة وشفاء. لم يضره ما كان.
ذكر دواء أم الصبيان
عن علي قال قال رسول الله وسلم من ولد له مولود فأذن في أذنه
اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم / الصبيان. رواه ابن السني، ٣٠٠/ب.
وذكره عبد الحق في ((الطب النبوي))(٢).
(١) هو عبد الحق الأشبيلي وقد سبقت ترجمته.
(٢) إسناده ضعيف.
- ٤٦٧ -
وأم الصبيان: هي الريح التي تعرض لهم، فربما يخشى عليهم
منها (١).
وسر التأذين - كما قاله صاحب تحفة الودود بأحكام المولود - أن
يكون أول ما يقرع سمع المولود كلماته المتضمنة لكبرياء الرب
وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك
كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله في الدنيا، كما يلقن كلمة
التوحيد عند خروجه منها مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي
هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه
للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع الشيطان ما يضعفه ويغيظه
أول أوقات تعلقه به .
(١) قال الحافظ ابن حجر: هي التابعة من الجن.
- ٤٦٨ -
النوع الثاني
طبه وَالَّ بالأدوية الطبيعية
ذكر ما كان ◌ّلر يعالج به الصداع والشقيقة
اعلم أن الصداع ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان
منه في أحد جانبي الرأس لازماً سمي شقيقة - بوزن عظيمة - وسببه
أبخرة مرتفعة، أو أخلاط حارة أبو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد
منفذاً أحدثت الصداع، فإن مال إلى أحد شقي الرأس أحدث
الشقيقة، وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة تشبيهاً ببيضة
السلاح تشتمل على الرأس كله.
وأسباب الصداع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم
في المعدة أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها، ومنها ما
يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقيء والاستفراغ والسهر وكثرة
الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع
والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه أو ورم
في صفاق الدماغ، أو حمل شيء ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بشيء
خارج عن الاعتدال، أو بتبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد.
وأما الشقيقة: فهي في شرايين الرأس وحدها، أو تختص
بالموضع الأضعف من الرأس. وعلاجها بشد العصابة.
- ٤٦٩ -
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة أنه وجهالبر كان ربما أخذته
الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج.
وفي الصحيح أنه وَ لّ قال في مرض موته: (وارأساه) وأنه خطب
وقد عصب رأسه. فعصب الرأس ينفع في الشقيقة وغيرها من أوجاع
الرأس.
وفي البخاري من حديث ابن عباس: احتجم ◌َّ وهو محرم في
رأسه من شقيقة كانت به. وقد جاءت مقيدة في بعض طرق ابن
عباس نفسه، فعند أبي داود الطيالسي في مسنده من حديث ابن عباس
أن النبي وَّ احتجم في وسط رأسه. وقد قال الأطباء إنها نافعة جداً.
وورد أنه وَلّ احتجم أيضاً في الأخدعين(١) والكاهل(٢). أخرجه
الترمذي وحسنه، وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.
وقد قال الأطباء: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض
الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف.
وقد ورد في حديث ضعيف جداً، أخرجه ابن عدي من طريق
عمر بن رباح عن عبدالله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رفعه:
الحجامة في الرأس تنفع في سبع، من الجنون والجذام والبرص
والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين. وعمر متروك، رماه
الفلاس وغيره بالكذب.
(١) قال أهل اللغة: عرقان في سالفة العنق - كما في الترغيب -، وفي المصباح:
هما عرقان في موضع الحجامة.
(٢) ما بين الكتفين.
- ٤٧٠ -
وروى ابن ماجه في سننه أن النبي ◌َّ كان إذا صدع غلف
رأسه بالحناء، ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع. وفي صحته
نظر.
وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة، ولم
يكن من مادة يجب استفراغها، وإذا كان كذلك نفع فيه الحناء نفعاً
ظاهراً. قالوا: وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع،
وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم جميع الأعضاء.
وفي تاريخ البخاري وسنن أبي داود: أن رسول الله وَل ما شكا
إليه أحد وجعاً في رأسه إلا قال / له احتجم، ولا شكا وجعاً في رجليه ١/٣٠١
إلا قال له اختضب بالحناء(١).
وفي الترمذي عن علي بن عبدالله عن جدته - وكانت تخدم النبي
وَالله - قالت: ما كان يكون برسول الله صل قرحة ولا نكتة (٢) إلا أمرني
أن أضع عليها الحناء.
ذكر طبه مَله للرمد
وهو ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو
بياضها، وسببه: انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى
الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث
الرمد، أو إلى اللهاة (٣) والمنخرين أحدث الخنان - بالخاء المعجمة
(١) قال الترمذي: حديث غريب.
(٢) أثر يسير.
(٣) اللحمة المشرفة على الحلق من أقصى الفم.
- ٤٧١ -
والنون -، أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث
الشوصة(١)، وإن لم ينحدر وطلب نفاذاً فلم يجد أحدث الصداع، كما
تقدم .
وروي أنه وَلّر كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة.
وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي ◌َّ#
وبين يديه خبز وتمر فقال: ادن وكل، فأخذت تمراً فأكلت، فقال:
تأكل تمراً وبك رمد؟ فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية
الأخرى، فتبسم رسول الله وَلته .
وقد روي أنه حمى علياً من الرطب لما أصابه الرمد.
وفي البخاري من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت النبي وَل
يقول: (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين)(٢).
والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد في الأرض من غير
أُن یزرع.
وروى الطبري من طريق المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة
على عهد رسول الله وَل ير، فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدري
الأرض، فبلغه ذلك فقال: إن الكمأة ليست جدري الأرض، ألا أن
الكمأة من المن.
واختلف في قوله: ((من المن))، فقيل: من المن الذي أنزل الله
على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل
(١) وجع في البطن.
(٢) ورواه أيضاً مسلم والترمذي. وهو عند البخاري برقم ١٩٦٣ وعند مسلم
برقم ٢٠٤٩ .
- ٤٧٢ -
حلواً، ومنه الترنجبيل (١) فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود
كل منهما عفواً بغير علاج.
وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل الله على
بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبيل الذي
يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف
ببذر ولا سقي، وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال
المحض، الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال
الحلال المحض يجلو البصر.
وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان (٢):
أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها
لا تستعمل صرفاً في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين:
أحدهما أن يختلط في الأدوية التي يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما:
أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيجعل في
ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته
الرديئة ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا
ينجع .
وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب عليها الماء، ولا
يطرح فيها ملح، ثم يؤخذ غطاء جديد نقي فيجعل على القدر، فما
جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذي يكتحل به.
(١) المن كل طل ينزل من السماء على شجر أو حجر وينعقد عسلاً ويجف جفاف
الصمغ. والمعروف بالمن ما وقع على شجر البلوط.
(٢) لم يذكر المصنف القول الثاني: وهو أن المراد ماؤها الذي تنبت فيه فإنه أول
مطر يقع في الأرض. قال ابن القيم: وهو أضعف الوجوه. [فتح الباري
١٠ / ١٦٥] [م].
- ٤٧٣ -
وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربي به الإثمد كان
ذلك من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به يقوي أجفانها، ويزيد
الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل. وقال أيضاً: إذا
اكتحل بماء الكمأة وحده بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة
وحدة في البصر كثيرة.
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو
العين، منهم المسيحي وابن سينا وغيرهما، قال: والذي يزيل
الإشكالات عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت في الأصل
سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو
امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي / أرادها الله تعالى، فالكمأة في
الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها
المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من
يستعمله، ويدفع الله عنه الضر لنيته والعكس بالعكس والله أعلم.
٣٠/ ب
ذكر طبه وَله من العذرة
وهي - بضم المهملة وسكون الذال المعجمة - وجع في الحلق
يعتري الصبيان غالباً، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو
في الخرم الذي بين الأنف والحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة،
وقيل هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع
قريب من اللهاة، واللهاة - بفتح اللام - اللحمة التي في أقصى الحلق.
وفي البخاري(١)، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية -
(١) وكذا رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
- ٤٧٤ -
أسد خزيمة - وهي أخت عكاشة، أنها أتت رسول الله وَل بابن لها قد
علقت عليه من العذرة(١)، فقال النبي ◌َّ: (علامَ تدغرن أولادكن
بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات
الجنب) يريد الكست وهو العود الهندي.
قوله: ((تدغرن)) خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال
المهملة، والدغر: غمز الحلق.
وعن جابر بن عبدالله قال: دخل رسول الله وسلم على عائشة
وعندها صبي يسيل منخراه دماً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: به العذرة،
أو وجع في رأسه، فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب
ولدها عذرة أو وجع فلتأخذ قسطاً (٢) هندياً فلتحله بماء ثم تسعطه (٣)
إياه. فأمرت عائشة فصنع ذلك للصبي فبرىء. الحديث (٤).
وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا
يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق: وهو شيء يعلقونه على
الصبيان، فنهاهم النبي ◌َّ ر عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع
للأطفال وأسهل عليهم.
والسعوط: ما يصب في الأنف.
وقد استشكل معالجتها - أي العذرة - بالقسط الهندي مع كونه
حاراً، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة،
لا سيما وقطر الحجاز حار؟
(١) أي عالجت رفع لهاته بأصبعها.
(٢) هو مثل الكافور.
(٣) أي يصبه في أنفه .
(٤) أخرجه أحمد وأصحاب السنن.
- ٤٧٥ -
وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط
تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وأيضاً
فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيراً، بل
وبالذات أيضاً، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع
الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئاً من التوجيهات لكان المعجز
خارجاً من القواعد الطبية.
ذكر طبه وسر لداء استطلاق البطن
في الصحيحين من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري :
أن رجلاً أتى النبي وَير فقال: إن أخي يشتكي بطنه - وفي رواية:
اسطتلق بطنه - فقال: اسقه عسلاً، فسقاه فقال: إني سقيته فلم يزده
إلا استطلاقاً، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك.
وفي رواية مسلم فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال:
اسقه عسلاً، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً، فقال: صدق الله.
وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال في الرابعة: اسقه
عسلاً، قال فأظنه فسقاه فبرأ(١)، فقال ◌َله: صدق الله وكذب بطن
أخيك.
قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع
الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له،
فمعنى: كذب بطن أخيك، أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله وَّر علم بنور الوحي أن
(١) بوزن قرأ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولها بوزن علم.
- ٤٧٦ -
ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع
كونه وسير كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان جارياً مجرى
الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.
وقد اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل، فكيف
يوصف لمن / وقع به الإسهال؟
١/٣٠٢
وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بل
كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾(١) فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد
يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف،
والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة
التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن
احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان
استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له وَّ ر العسل لدفع الفضول
المجتمع في نواحي المعدة من أخلاط لزجة تمنع من استقرار الغذاء
فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة
أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو
تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء
الحار، وإنما لم يفده أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية
بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة
وأحدث ضرراً آخر، فكأنه شرب منه أولاً مقداراً لا يفي بمقاومة
الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء
برأ(٢) بإذن الله تعالى.
(١) سورة يونس، الآية ٣٩.
(٢) بوزن قرأ لغة أهل الحجاز، كما سبقت الإشارة إليه.
- ٤٧٧ -
وفي قوله {وَ ل: ((وكذب بطن أخيك)) إشارة إلى أن هذا الدواء
نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة
الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها.
وقال بعضهم: إن العسل تارة يجري سريعاً إلى العروق وينفذ
معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضاً، وتارة يبقى في المعدة
فيهيجها بلذعة لها حتى تدفع ويسهل البطن فيكون مسهلاً، فإنكار
وصفه بالمسهل مطلقاً قصور من المنكر.
وقال ابن الجوزي: في وصفه ﴿ العسل لهذا المسهل أربعة
أقوال :
أحدها: أن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى، وإلى ذلك
أشار بقوله: صدق الله، أي في قوله: ﴿فيه شفاء للناس﴾ فلما نبه على
هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله تعالى.
الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي
بالعسل من الأمراض كلها.
الثالث: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة، كما تقدم
تقريره.
الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه
يعقد البلغم، فلعله شربه أو لا بغير طبخ، انتهى .
والثاني والرابع ضعيفان.
ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: (عليكم بالشفاءين العسل
والقرآن) أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعاً، وأخرجه ابن أبي شيبة
والحاكم موقوفاً، ورجاله رجال الصحيح. وأثر علي: إذا اشتكى
- ٤٧٨ -
أحدكم فليستوهب من امرأته شيئاً من صداقها فليشتر به عسلاً، ثم
يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئاً مريئاً مباركاً، أخرجه ابن أبي حاتم في
التفسير بسند حسن.
وروينا عنه رضي الله عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء
فليكتب آية من كتاب الله في صحفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من
امرأته درهماً عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلاً فليشربه فإنه شفاء.
قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أي من وجوه: قال الله
تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾(١) وقال: ﴿ونزلنا من السماء
ماء مباركاً﴾(٢) وقال: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً
مريئاً﴾(٣) وقال في العسل ﴿فيه شفاء للناس﴾ (٤).
ذكر طبه وَّل في ييس الطبيعة بما يمشيه ويلينه
روى الترمذي وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت
عميس / قالت: قال رسول الله وَالله بماذا كنت تستمشين(٥)؟ قالت: ٣٠٢/ب
بالشبرم، قال: حار حار [ضار ضار](٦) ثم قالت: استمشيت بالسنا،
فقال النبي ◌َله: لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان في السنا.
قال أبو عيسى(٧) هذا حديث غريب(٨)، وقد ذكر البخاري في تاريخه
(١) سورة الإسراء، الآية ٨٢.
(٢) سورة ق، الآية ٩، وقد وردت في النسخ (وأنزلنا .. ) وهو خطأ.
(٣) سورة النساء، الآية ٤.
(٤) سورة النحل، الآية ٦٩.
(٥) أي تطلبين مشي بطنك، أي إخراج ما فيه.
(٦) في (ط، ب، د).
(٧) أي الترمذي.
(٨) قال مخرج أحاديث زاد المعاد: في سنده جهالة ٧٤/٤.
- ٤٧٩ -
الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذي.
وذكر أبو محمد الحميدي في كتاب ((الطب)) له أنه وَالّ قال:
إياكم والشبرم فإنه حار حار، ضار ضار(١)، وعليكم بالسنا فتداووا
به، فلو دفع الموتّ شيء لدفعه السنا.
وحكى عبد الحق الإشبيلي في كتاب ((الطب النبوي)) له أن
المحاسبي ذكر في كتابه المسمى بـ ((القصد إلى الله)) أن النبي ◌َّ شرب
السنا بالتمر.
وفي سنن ابن ماجه، من حديث إبراهيم بن أبي عبلة قال:
سمعت عبدالله بن حرام (٢)، وكان ممن صلى مع رسول الله وَله إلى
القبلتين، يقول: عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء
إلا السام، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: الموت (٣).
قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة
الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط
إسهالها .
وأما السنا: فهو نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء
شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة
الأولى، يسهل الصفراء أو السوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة
شريفة، ومن خاصيته النفع في الوسواس السوداوي.
(١) كذا في (ط د) وفي (أ. ش) ذكر ((ضار)) مرة فقط، وفي (ب) قدم كلمتي
ضار على كلمتي حار.
(٢) كذا في جميع النسخ، قال الشارح وصوابه: عبدالله بن أم حرام، كما في
الإصابة والتقريب.
(٣) فيه عمرو بن بكير، اتهمه ابن حبان، وقال ابن عدي له مناكير.
- ٤٨٠ -