Indexed OCR Text

Pages 361-380

بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمِ الصدقة بعده، قال(١): ومن هم؟
قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس. قال: كل هؤلاء
حرم الصدقة؟ قال: نعم، خرجه مسلم.
و((الثقل)) محركة كما في القاموس، كل شيء نفيس مصون، قال:
ومنه حديث (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)، وهي بكسر
المهملة وسكون المثناة الفوقية .
والأخذ بهذا الحديث أحرى، وليس المراد بالأهل الأزواج فقط،
بل هن مع أهله، ولا يشك من تدبر القرآن أن نساء النبي وَّ
داخلات في الآية الكريمة، فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال بعد
هذا كله ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٢).
وهذا اختيار ابن عطية (٣) بعد أن نقل أن الجمهور على أنهم:
علي وفاطمة والحسن والحسين. قال: وحجة الجمهور قوله تعالى:
﴿عنكم، ويطهركم﴾ بـ((الميم)) ولو كان للنساء خاصة لقال: عنكن.
وأجيب بأن الخطاب بلفظ التذكير وقع على سبيل التغليب،
فيكون المراد به كالمراد بـ((الآل)) في حديث كيفية الصلاة عليه السابق
ذكره، على قول من فسره به، كما قدمته مع غيره قريباً في الفصل
السابق، والله أعلم. ولله در القائل(٤):
(١) في (ش): قيل.
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٣٤.
(٣) عبد الحق بن غالب بن عطية، كان فقيهاً عالماً بالتفسير والأحكام
والحديث، كان غاية في الذكاء ألف الوجيز في التفسير فأبدع فيه، مات
سنة ست وأربعين وخمسمائة.
(٤) ينسب للشافعي رحمه الله.
- ٣٦١ -

يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
من لم يصل عليكم لا صلاة له
يكفيكم من عظيم الفضل أنكم
[حب آل البيت]
وأخرج أحمد عن أبي سعيد معنى حديث زيد بن أرقم السابق
مرفوعاً بلفظ: (إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم
الثقلين: كتاب الله وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى
الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا
حتى يردا على الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني فيهما)
وعترة الرجل - كما قاله الجوهري -: أهله ونسله، ورهطه
الأدنون، أي الأقارب.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (يا أيها الناس
ارقبوا محمداً في أهل بيته) رواه البخاري.
والمراقبة للشيء: المحافظة عليه، يقول: احفظوهم فلا تؤذوهم.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - كما في البخاري أيضاً -
(لقرابة رسول الله وَ ر أحب إليَّ أن أصل من قرابتي) وهذا قاله على
سبيل الاعتذار لفاطمة من منعه إياها ما طلبته منه من تركة النبي
وَالر، وقد جرى منه على موجب الإيمان، لأنه وَلّ شرط الأحبية فيه
على النفس والمال والولد، كما ذكرته في الفصل الأول من هذا المقصد.
ثم إنه ◌َر أثبت لأقاربه ما أثبت لنفسه من ذلك فقال: (من
أحبهم فبحبي أحبهم) وحثنا على ذلك شفقة منه علينا صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم، ولقد أحسن القائل:
- ٣٦٢ -

رأيت ولائي آل طه فريضة على رغم أهل البعد يورثني القربى
بتبليغه إلا المودة في القربى
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى
وفي الترمذي - وقال: حديث حسن غريب -: أحبوا الله لما
يغذوكم به، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي / بحبي .
٢٨٣/ب
وفي المناقب لأحمد: من أبغض أهل البيت فهو منافق.
وروى ابن سعد: من صنع إلى أحد من أهل بيتي معروفاً،
فعجز عن مكافأته في الدنيا، فأنا المكافئ له في [يوم](١) القيامة.
[المراد بالقرابة]
والمراد بالقرابة من ينتسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب،
ممن صحب النبي وَالر ، أو رآه من ذكر وأنثى، وهم:
• علي وأولاده: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة
رضي الله عنها.
• وجعفر بن أبي طالب وأولاده: عبدالله، وعون، ومحمد،
ويقال إنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد.
•
وعقيل بن أبي طالب، وولده مسلم بن عقيل.
• وحمزة بن عبد المطلب، وأولاده: يعلى، وعمارة، وأمامة.
• والعباس بن عبد المطلب، وأولاده الذكور العشرة، وهم:
(١) في (ط، ش).
- ٣٦٣ -

الفضل، وعبدالله، وقثم، وعبيدالله، والحارث، ومعبد، وعبد
الرحمن، وكثير، وعون، وتمام، وفيه يقول العباس رضي الله عنه:
تموا بتمام فصاروا عشرة يا رب فاجعلهم كراماً بررة
ويقال: إن لكل منهم رؤية، وكان له من الإناث: أم حبيبة،
وآمنة، وصفية، وأكثرهم من لبابة أم الفضل.
· ومعتب بن أبي لهب، والعباس ابن أبي لهب(١)، وكان زوج
آمنة بنت العباس.
• وعبدالله بن الزبير بن عبد المطلب، وأخته ضباعة، وكانت
زوج المقداد بن الأسود.
• وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر.
• ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وابناه: المغيرة والحارث،
ولعبدالله بن الحارث هذا رؤية. وكان يلقب ((ببة)) بموحدتين، الثانية
ثقيلة .
• وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب، أسلمت
صفية وصحبت، وفي الباقيات خلاف، والله أعلم.
[مكانة علي رضي الله عنه]
وفي البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي وَّ قال
لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي). وفي
(١) صوابه: العباس بن عتبة بن أبي لهب، كما في الإصابة وغيرها.
- ٣٦٤ -

لفظ آخر (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)(١) أي
نازلاً مني منزلة هارون من موسى. والباء زائدة.
وقال الطيبي: معنى الحديث: أنت متصل بي نازل مني منزلة
هارون من موسى. وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي)
فعرف أن الاتصال بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها
وهو الخلافة، ولما كان هارون المشبه به، إنما كان خليفة في حياة
موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي وَلّ بحياته والله
أعلم .
وأما ما استدل به من هذا الحديث على استحقاق علي للخلافة
دون غيره من الصحابة، فإن هارون كان خليفة موسى، فأجيب: بأن
هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل
موسى باتفاق. أشار إلى ذلك الخطابي.
وأما حديث الترمذي والنسائي (من كنت مولاه فعلي مولاه)
فقال الشافعي: يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله
مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾(٢) وقول عمر(٣):
أصبحت مولى كل مؤمن، أي: ولي كل مؤمن. وطرق هذا الحديث
كثيرة جداً، استوعبها ابن عقدة (٤) في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها
صحاح وحسان.
(١) كلا الحديثين رواهما الشيخان.
(٢) سورة محمد، الآية ١١.
(٣) مخاطباً لعلي رضي الله عنهما.
(٤) ابن عقدة: أحمد بن محمد الكوفي مولى بني هاشم،. كان إليه المنتهى في
الحفظ وكثرة الحديث، ألف وجمع، ولد سنة تسع وأربعين ومائتين.
- ٣٦٥ -

وروي أنه وسلّ قال: (من آذى علياً فقد آذاني) خرجه أحمد.
وأخرج المخلص الذهبي: من أحب علياً فقد أحبني.
وقد ذكر النقاش: أن قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً﴾(١) نزلت في علي.
وقال محمد بن الحنفية: لا تجد مؤمناً إلا وهو يحب علياً وأهل
بیته .
وقال أبو حيان في ((البحر)): ومن الغريب ما أنشدنا الإمام
اللغوي رضي الدين أبو عبدالله بن يوسف الأنصاري الشاطبي لزبينا
ابن إسحاق النصراني الرسعني:
بسوء ولكني محب لهاشم
عدي وتيم لا أحاول ذكرهم
إذا ذكروا في الله لومة لائم
وما يعتريني في علي ورهطه
وأهل النهى من أعرب وأعاجم
يقولون ما بال النصارى تحبهم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم
/ فقلت لهم إني لأحسب حبهم
١/٢٨٤
[مكانة فاطمة رضي الله عنها]
وقالت عائشة رضي الله عنها: كانت فاطمة أحب الناس إلى
رسول الله وسلم ، وزوجها أحب الرجال إليه. رواه الترمذي.
وفي البخاري: (إن فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني)
و((البضعة)) بفتح الباء الموحدة، وحكي ضمها وكسرها أيضاً،
وبسكون المعجمة، أي قطعة لحم.
(١) سورة مريم، الآية ٩٦.
- ٣٦٦ -

واستدل به السهيلي على أن من سبها فإنه يكفر.
[مكانة الحسن والحسين]
وفي الترمذي من حديث أسامة بن زيد - وقال حسن غريب -
إنه ◌َّيّ قال في حسن وحسين: اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من
يحبھما .
وخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في الحسن خاصة، زاد أبو
حاتم فما كان أحد أحب إلي من الحسن بعد ما قال وَالية ما قال.
وفي حديث أبي هريرة أيضاً عند الحافظ السلفي قال: ما رأيت
الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن رسول الله وَال
خرج يوماً وأنا في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي حتى جئنا سوق
قينقاع، فنظر فيه ثم رجع حتى جلس في المسجد ثم قال: ادع ابني،
قال: فأتى الحسن بن علي يشتد حتى وقع في حجره، فجعل رسول الله
وَّر يفتح فمه، ثم يدخل فمه في فمه ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه
وأحب من يحبه، ثلاث مرات.
وفي الترمذي من حديث أنس، أنه وَيّ كان يشمهما ويضمهما
إليه، وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي
يوم القيامة، رواه أحمد، وقال الترمذي؛ كان معي في الجنة، وقال:
حديث غريب. وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام، بل من
حيث رفع الحجاب، وتقدم نحوه في قوله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين
أنعم الله عليهم من النبيين﴾(١) في المقصد السادس.
(١) سورة النساء، الآية ٦٩.
- ٣٦٧ -

وفي حديث أبي زهير بن الأرقم عن رجل من الأزد أنه وَّ قال
في الحسن: من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب.
وفي البخاري: (هما ريحانتاي من الدنيا).
وكان وَّ يمص لسان الحسن أو شفته، رواه أحمد.
وعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر، وحمل الحسن وهو
يقول: بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيهاً(١) بعلي. وعلي يضحك.
وعن محمد بن سيرين عن أنس: كان - يعني الحسين - أشبههم
برسول الله وَ له . رواهما البخاري.
وعنده من رواية الزهري عن أنس (لم يكن أحد أشبه بالنبي
صَهَى اللّه
من الحسن بن علي) وهذا قد يعارضه قول علي في صفة النبي
وسيلا
وَله: (لم أر قبله ولا بعده مثله)، أخرجه الترمذي في الشمائل كما
تقدم في المقصد الثالث، وأجيب: بأن يحمل النفي على عموم الشبه،
والإثبات على معظمه.
وقول أنس: (لم يكن أحد أشبه بالنبي وَّ من الحسن بن علي)
قد يعارض رواية ابن سيرين عنه السابقة (كان الحسين - يعني بالياء -
أشبههم بالنبي ◌َّة) ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية
الزهري في حياة الحسن، لأنه كان يومئذ أشد شبهاً بالنبي وَلّ من
أخيه الحسين. وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك، أو
المراد بمن فضل عليه الحسين في الشبه، كان من عدا الحسن، ويحتمل
(١) كذا في جميع النسخ، والذي في البخاري ((ليس شبيه بعلي))، قال في فتح
الباري: قال ابن مالك: كذا وقع برفع ((شبيه)) على أن ((ليس)) حرف
عطف وهو مذهب كوفي. ٩٦/٧ [م].
- ٣٦٨ -

أن يكون كل منهما كان أشد شبهاً به في بعض أعضائه، فقد روى
الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن علي قال: الحسن
أشبه رسول الله وسلّ ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبي
50* ما كان أسفل من ذلك.
[ذكر من كان له شبه بالنبي
وقد عدوا من كان له شبه بالنبي ◌َّ سوى الحسن والحسين،
جعفر بن أبي طالب، وقد قال وَل لجعفر: (أشبهت خلقي وخلقي)
قال الترمذي : حسن صحيح .
وابنه عبدالله بن جعفر.
وقثم بن العباس بن عبد المطلب.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
٢٨٤ / ب
ومسلم بن عقيل / بن أبي طالب.
ومن غير بني هاشم:
السائب بن يزيد المطلبي، الجد الأعلى للإمام الشافعي.
وعبدالله بن عامر بن كريز - بضم الكاف وفتح الراء -
وكابس بن ربيعة رجل من أهل البصرة، وجه إليه معاوية،
وقبله بين عينيه وأقطعه قطيعة، وكان أنس إذا رآه بكى.
فهؤلاء عشرة، ونظمهم شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن
حجر فقال :
- ٣٦٩ -

سفيان والحسنين الطاهرين هما
شبه النبي لعشر سائب وأبي
وجعفر وابنه ثم ابن عامرهم ومسلم كابس يتلوه مع قثما
وعدهم بعضهم: سبعة وعشرين.
وممن كان يشبهه أيضاً:
فاطمة ابنته، وابراهيم ولده.
وولدا جعفر، عبدالله - السابق ذكره - وأخوه عون.
وكان يشبهه أيضاً من أهل البيت غير هؤلاء:
إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن علي بن الحسين بن
علي، وكان يقال له: الشبيه. قال الشريف محمد بن أسعد النسابة في
الزورة الأنيسة لمشهد السيدة نفيسة أنه كان ليحيى هذا موضع خاتم
النبوة شامة قدر بيضة الحمامة، تشبه خاتم النبوة، وكان إذا دخل
الحمام ورآه الناس صلوا على النبي وَّر وازدحموا عليه يقبلون ظهره
تبركاً، ولذا وصف بالشبيه.
والقاسم بن عبدالله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب.
وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي، شيخ بصري من
أتباع التابعين.
والمراد بالشبه هنا، الشبه في البعض، وإلا فتمام حسنه وَله منزه
عن الشريك، كما قال الأبوصيري - رحمه الله - وأجاد:
منزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
- ٣٧٠ -

كما أشرت إليه في أول المقصد الثالث.
[اعتذار المصنف عن الإطالة]
وقد أطلت المقال، وإنما جرني إلى ذلك ذكر حمل الصديق
للحسن على عاتقه، المشعر بالإكرام من أفضل البشر بعد النبيين،
لأهل البيت المحمدي، وحملهم على الأعناق، ولا سيما مع قوله - رضي
الله عنه - لقرابة رسول الله وَي أحب إلى أن أصل من قرابتي، فلما
تضمن هذا الحديث ذلك الشبه الكريم جرني الكلام إليه، وهذا وقع
لي كثير في هذا المجموع [بل في غالبه](١) لكنه لا يخلو عن فرائد(٢)
الفوائد .
[منزلة العباس]
وقد روي أنه وَ يّ قال: العباس بن عبد المطلب مني وأنا منه،
لا تؤذوا العباس فتؤذوني، من سب العباس فقد سبني. أخرجه
البغوي (٣) في معجمه.
وقال ◌َلهول للعباس أيضاً: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل
الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله، ثم قال: أيها الناس، من آذى عمي
فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه. رواه الترمذي وقال: حسن
صحيح .
(١) زيادة في (ب، د، ط).
(٢) جمع فريدة: درة ثمينة تحفظ في ظرف على حدة لنفاستها.
(٣) أبو القاسم عبدالله محمد بن عبد العزيز البغوي الكبير ثم البغدادي أحد
الحفاظ، متقدم على محبى السنة البغوي بزمان.
- ٣٧١ -

وفي قوله: ((لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم)) الإشارة إلى
الإيمان الحقيقي المنجي، وهو التصديق القلبي، وبين المحبة والإيمان
ارتباط من جهة أن المحبة ميل القلب إلى المحبوب، والإيمان التصديق
القلبي، فيجتمعان في القلب، وجعلهما متلازمين، فيلزم من نفي
أحدهما نفي الآخر، ثم علل هذه المحبة بكونها لله ولرسوله، فلا عبرة
بمحبة تكون لغير ذلك، ثم جعل أذاه كأذى نفسه، لأنه عضوه وعصبه،
ثم عظم مقامه بتنزيله منزلة الأب، فكما أنه يجب على الولد تعظيم
والده والقيام بحقوقه فكذلك عمه، فقال: ((وإنما عم الرجل صنو أبيه))
وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون، أي: مثل أبيه، قال ابن
الأثير: وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل
العباس وأصل أبي واحد، انتهى.
١/٢٨٥
وجلله وَّ وبنيه بكساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده
مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده. رواه
الترمذي وقال: حسن غريب. وبين ابن السري / في روايته: أن بنيه
الذين جللوا بالكساء كانوا ستة: الفضل وعبدالله وعبيدالله وقثم ومعبد
وعبد الرحمن. قال: وغطاهم بشملة له سوداء مخططة بحمرة وقال:
اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وعترتي فاسترهم من النار كسترهم بهذه
الشملة، قال: فلم يبق في البيت مدرة ولا باب إلا أمن(١).
[منزلة عقيل وأبي سفيان]
وروى أنه وسلّم قال لعقيل بن أبي طالب: إني أحبك حبين، حباً
(١) حديث التأمين رواه البيهقي وابن ماجه في سننه عن عبدالله بن عثمان
الوقاصي قال عنه ابن معين: لا أعرفه وقال أبو حاتم: يروى أحاديث
مشبهة (قاله النجار في تخريج أحاديث الوفا لابن الجوزي). [م].
- ٣٧٢ -

لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمي لك، قال الطبري:
أخرجه أبو عمر، والبغوي .
وروى الدارقطني أنه بَ لّ قال يوم حنين: أبو سفيان بن الحارث
خير أهلي، أو من خير أهلي.
[مصطلحات أطلقت على آل البيت]
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد: أن رسول الله
قال: لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار.
وسـ
اعلم أنه قد اشتهر استعمال أربعة ألفاظ يوصفون بها:
الأولى: آله عليه الصلاة والسلام.
والثانية: أهل بيته.
والثالثة: ذوو(١) القربى.
والرابعة: عترته.
فأما الأولى: فذهب قوم إلى أنهم هم أهل بيته، وقال آخرون:
هم الذين حرمت عليهم الصدقة وعوضوا عنها خمس الخمس، وقال
قوم: من دان بدینه وتبعه فیه.
وأما اللفظة الثانية، وهي أهل بيته، فقيل من ناسبه إلى جده
الأدنى، وقيل من اجتمع معه في رحم، وقيل من اتصل به بنسب أو
سبب .
(١) في (ط، ش): ذو القربى، وفي (ب) ذوي القربى.
- ٣٧٣ -

وأما اللفظة الثالثة: وهي ذوو القربى، فروى الواحدي في
تفسيره بسنده عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم
عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ (١) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء
الذين أمرنا الله تعالى بمودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما (٢).
وأما اللفظة الرابعة: وهي عترته، فقيل العشيرة، وقيل الذرية.
فأما العشيرة فهي الأهل الأولون، وأما الذرية: فنسل الرجل، وأولاد
بنت الرجل ذريته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود﴾ إلى قوله:
﴿وعيسى﴾(٣)، ولم يتصل عيسى بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم.
[ذرية فاطمة واللباس الأخضر]
فهذه الذرية الطاهرة، قد خصوا بمزايا التشريف، وعموا
بواسطة السيدة فاطمة بفضل منيف، وألبسوا رداء الشرف، ومنحوا
بمزيد الإكرام والتحف.
وقد وقع الاصطلاح على اختصاصهم من بين ذوي الشرف
كالعباسيين والجعافرة بالشطفة (٤) الخضراء، لمزيد شرفهم.
والسبب في ذلك - كما قيل - أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة في
بني فاطمة فاتخذ لهم شعاراً وألبسهم ثياباً خضراً - لكون السواد شعار
العباسيين، والبياض شعار سائر المسلمين في جمعهم ونحوها، والأحمر
(١) سورة الشورى، الآية ٢٣ .
(٢) في إسناده مقال.
(٣) سورة الأنعام، الآية ٨٤ - ٨٥.
(٤) الشطفة هي القطعة الخضراء التي توضع على العمامة (من الشرح) ولم
يذكرها في القاموس.
- ٣٧٤ -

مختلف في كراهته، والأصفر شعار اليهود بآخرة. ثم انثنى عزمه عن
ذلك، ورد الخلافة لبني العباس، فبقي ذلك شعار الأشراف العلويين
من الزهراء، لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة من ثوب أخضر توضع
على عمائمهم شعاراً لهم ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن.
قال في حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من ((أنباء الغمر
بأبناء العمر)) (١): وفيها أمر السلطان الأشرف أن يمتازوا عن الناس
بعصائب خضر على العمائم، ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفي
ذلك يقول الأديب أبو عبدالله بن جابر الأندلسي.
إن العلامة شأن من لم يشهر
جعلوا لأبناء الرسول علامة
نور النبوة في كريم وجوههم يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وللأديب شمس الدين الدمشقي رحمه الله :
أطراف تيجان أتت من سندس خضر باعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهمُ بها شرفاً ليفرقهم من الأطراف
والأشرف السلطان هو شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن
قلاوون .
[حب الصحابة]
[ثناء الله تعالى عليهم]
وأما الصحابة رضوان الله عليهم، فقال الله سبحانه وتعالى:
(١) اسم كتاب للحافظ ابن حجر.
- ٣٧٥ -

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾(١) إلى
آخر السورة .
٢٨٥/ب
لما أخبر سبحانه وتعالى/ أن سيدنا محمداً وَّل رسوله حقاً من
غير شك ولا ريب، قال: محمد رسول الله، وهذا مبتدأ وخبر. وقال
البيضاوي وغيره: جملة مبينة للمشهود به، يعني قوله تعالى: ﴿هو الذي
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) إلى قوله: ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ (٢)،
قال: ويجوز أن يكون ((رسول الله)) صفة، و((محمد)) خبر مبتدأ محذوف
انتھی .
وهذه الآية مشتملة على كل وصف جميل.
ثم ثنَى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿والذين معه أشداء على الكفار
رحماء بينهم﴾، كما قال تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة
على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ (٣) فوصفهم بالشدة والغلظة على
الكفار، والرحمة والبر بالأخيار.
ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام (٤)، فمن نظر
إليهم أعجبه سمتهم وهديهم، لخلوص نياتهم، وحسن أعمالهم.
قال مالك: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين
فتحوا الشام يقولون: ((والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا))،
وصدقوا، فإن هذه الأمة المحمدية، خصوصاً الصحابة، لم يزل ذكرهم
(١) سورة الفتح، الآية ٢٩.
(٢) سورة الفتح، الآية ٢٨ .
(٣) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(٤) أي بقوله تعالى في سورة الفتح، الآية ٢٩ ﴿تراهم ركعاً سجداً يبتغون
فضلاً من الله ورضواناً .. ﴾.
- ٣٧٦ -

معظماً في الكتب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ذلك مثلهم في التوراة
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ أي أفراخه ﴿فآزره﴾ أي شده
وقواه ﴿فاستغلظ﴾ شب فطال ﴿فاستوى على سوقه يعجب الزراع﴾ قوته
وغلظه وحسن منظره. فكذلك أصحاب محمد والت آزروه وأيدوه
ونصروه فهم معه كالشطأ مع الزرع ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾(١).
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله - في رواية عنه -
تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن
غاظه الصحابة فهو كافر، وقد وافقه على ذلك جماعة من العلماء.
والأحاديث في فضائل الصحابة كثيرة، ويكفي ثناء الله عليهم
ورضاه عنهم، وقد وعدهم الله مغفرة وأجراً عظيماً، ووعد الله حق
وصدق لا يخلف، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.
و((من)) في قوله ((منهم)) لبيان الجنس(٢).
[تعريف الصحابي]
واختلف في تعريف الصحابي:
فقيل: من صحب النبي وَ لّ أو رآه من المسلمين. وإليه ذهب
البخاري، وسبقه إليه شيخه ابن المديني(٣)، وعبارته - كما قال
(١) سورة الفتح، الآية ٢٩.
(٢) أي في قوله تعالى آخر سورة الفتح ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا
الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ [م].
(٣) علي بن عبد البر بن جعفر المديني البصري، ثقة ثبت إمام، أعلم أهل
البصرة بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عند علي
ابن المديني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
- ٣٧٧ -

شيخنا _(١): من صحب النبي ◌َّ أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من
أصحابه. انتهى. وهذا هو الراجح .
والتقييد بـ((الإسلام)) يخرج من صحبه أو رآه من الكفار، ولو
اتفق إسلامه بعد موته.
لكن يرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمناً به ثم ارتد بعد
ذلك، ولم يعد إلى الإسلام، كعبيدالله بن جحش (٢)، فإنه ليس
بصحابي اتفاقاً، وكذلك ابن خطل(٣)، وربيعة بن أمية بن خلف
الجمحي، وهو ممن أسلم في الفتح وشهد حجة الوداع وحدث عن
النبي ◌َّ بعد موته، ثم لحقه الخذلان - والعياذ بالله - في خلافة عمر
فلحق بالروم وتنصر بسبب شيء أغضبه (٤). وقد أخرج له الإمام أحمد
في مسنده(٥)، وإخراجه له مشكل ولعله لم يقف على قصة ارتداده،
فينبغي أن يزاد في التعريف: ومات على ذلك.
(١) أي السخاوي.
(٢) كان أسلم وهاجر إلى الحبشة، ولكنه تنصر فيها ومات على نصرانيته.
(٣) أسلم وتسمى عبدالله وكان اسمه عبد العزى بن خطل، وبعثه النبي وَل
على الصدقة فقتل مولى كان معه يخدمه وارتد واتخذ قينتين تغنيان بهجاء
النبي ول ، فقتل متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح [م].
(٤) قال في الإصابة: شرب ربيعة الخمر في زمن عمر فهرب منه إلى الشام ثم
هرب إلى قيصر فتنصر ومات عنده، ولعبد الرزاق والنسائي: أن عمر
غرب ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا
أغرب بعده أحداً أبداً.
(٥) وهو قوله: أمرني رسول الله وَ لا أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف
بالموقف بعرفة، وكان رجلاً صيتاً، فقال: يا ربيعة قل يا أيها الناس إن
رسول الله يقول لكم: تدرون أي بلد هذا؟ الحديث، رواه ابن إسحاق
وأحمد وغيرهما.
- ٣٧٨ -

فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام، لكنه لم ير النبي وَل ثانياً بعد
عوده، فالصحيح أنه معدود في الصحابة، لإطباق المحدثين على عد
الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في
المسانيد .
لكن قال الحافظ زين الدين العراقي: إن في ذلك نظراً كبيراً،
فإن الردة محبطة للعمل عند أبي حنيفة، ونص عليه الشافعي في الأم،
وإن كان الرافعي قد حكى عنه أنها إنما تحبط بشرط اتصالها بالموت،
وحينئذ فالظاهر أنها محبطة للصحبة المتقدمة، أما من رجع إلى الإسلام
في حياته وقد كعبد الله بن أبي سرح فلا مانع من دخوله في الصحبة
بدخوله الثاني في الإسلام.
وهل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه، أو يكتفي
بمجرد حصول الرؤية؟ قال الحافظ ابن حجر: محل نظر، وعمل من
صنف في الصحابة يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر
الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبي وَلّ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت أن
أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن/ تدخل مكة،
وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة.
١/٢٨٦
ومنهم من بالغ، فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب
الصحبة العرفية. وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد في
الصحابة إلا من أقام مع النبي وَليه سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة
فصاعداً. والعمل على خلاف هذا القول.
ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغاً، وهو
مردود أيضاً، لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث
الصحابة .
- ٣٧٩ -

وأما التقييد بالرؤية فالمراد به عند عدم المانع منها، فإن كان
كابن أم مكتوم الأعمى فهو صحابي جزماً، فالأحسن أن يعبر
بـ((اللقاء)) بدل الرؤية ليدخل فيه ابن أم مكتوم ونحوه.
صَلىالله
قال الحافظ زين الدين العراقي: قولهم ((من رأى النبي
وسيلا))
هل المراد رآه في حال نبوته، أو أعم من ذلك، حتى يدخل من رآه
قبل النبوة ومات قبل النبوة على دين الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل،
فقد قال النبي ◌َّ أنه يبعث أمة وحده(١)، وقد ذكره في الصحابة أبو
عبدالله بن منده، وكذلك لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه وعاش إلى
بعد زمن البعثة، وأسلم ثم مات ولم يره، ولم أرَ من تعرض لذلك،
ويدل على أن المراد: رآه بعد نبوته، أنهم ترجموا في الصحابة لمن ولد
للنبي ◌ّ كابراهيم وعبدالله، ولم يترجموا لمن ولد قبل النبوة ومات
قبلها کالقاسم، انتهى .
وهل يختص جميع ذلك ببني آدم، أم يعم غيرهم من العقلاء؟
محل نظر. أما الجن، فالراجح دخولهم لأن النبي ◌َّ بعث إليهم
قطعاً، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه
منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب
على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة(٢)، وأما الملائكة فيتوقف
عدهم في ذلك على ثبوت البعثة إليهم، فإن فيه خلافاً بين الأصوليين،
حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم.
(١) أخرجه الطيالسي، والبزار بلفظ قريب.
(٢) عاب الحافظ ابن الأثير في أسد الغابة على أبي موسى المديني ذلك، وليس
بمعيب، قال ابن حزم: قد علمنا الله أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا
القرآن منه # فهم صحابة فضلاء.
- ٣٨٠ -