Indexed OCR Text
Pages 201-220
تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ ((الرسول)) يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله، فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمداً وَالرَ، فجبريل تلقاه عن الله، ومحمد دوله تلقاه عن جبريل. وقد وصف الله تعالى رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهداية والبر والإرشاد، وهذا غاية الكرم. ذو قوة، كما قال في النجم: ﴿علمه شديد القوى﴾ فيمنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وروي أنه رفع قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها(١). عند ذي العرش مكين، أي متمكن المنزلة، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف(٢) والتعظيم. مطاع ثم، في ملائكة الله المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، أمين على وحي الله ورسالته، فقد عصمه الله من الخيانة والزلل . فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد وَل من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علواً وجلالة، فقد تولى الله تزكيته بنفسه، ثم نزه رسوله البشري وزكاه مما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ وهذا أمر (١) من رواية ابن عساكر. (٢) في ط: الاشراف والتكريم. - ٢٠١ - يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون . ثم أخبر عن رؤيته وَ لّ لجبريل عليه السلام، وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر، خلافاً لقوم؛ فحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان، وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي وَّير لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تبارك وتعالى، فإن رؤيته ◌َلو لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعاً، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب سبحانه أعظم من رؤية/ جبريل، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة. ١/٢٥٧ ثم نزه تعالى رسوليه كليهما صلى الله عليهما وسلم، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان . والقراءتان كالآيتين، تضمنت إحداهما - وهي قراءة الضاد - تنزيهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت أبخل ومعناه، وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله، وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم. - ٢٠٢ - وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا: القرآن والوحي. قال الفراء: يقول الله تعالى: يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه، فلا يضنن به عليكم. وهذا معنى حسن جداً، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول وَله لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله. وقال أبو علي الفارسي: المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلواناً. وأما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيداً بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمین فیه لا يزيد فيه ولا ينقص منه. وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد مرَالية ، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ ثم قال: وما هو: أي وما صاحبكم بمتهم وبخيل فنفى سبحانه عن رسوله 8* ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. [القسم على أن القرآن وحي] وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ الآية(١). (١) سورة الحاقة، الآية ٣٨. - ٢٠٣ - أقسم تعالى بالأشياء كلها، ما يبصرون منها وما لا يبصرون، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق، وذلك من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله بَلتر، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى وهو كلامه تعالى، لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال تعالى: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود، ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره ((نفسه)) ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهد من أحواله ظاهراً وباطناً، ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب سبحانه وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وَله، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم يخالط بشاشة الإيمان قلبه . ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم، فيسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم وبلادهم ونساءهم قائلاً إن الله أمرني / بذلك، وأباحه لي؟ بل كيف يليق به أن يصدق بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه، ثم ٢٥١/ب - ٢٠٤ - يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلائل القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك. والمراد بالرسول الكريم هنا محمد مرَّر - كما قدمته - لأنه لما قال: إنه لقول رسول كريم ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾(١). قيل المراد بـ((الكتاب المكنون)) اللوح المحفوظ. قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾(٢)، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه أنها مثل الذي في ((عبس))، قال: ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، والأول أرجح لأن الآية سيقت تنزيهاً للقرآن أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون﴾(٣) وأيضاً: (١) سورة الواقعة، الآيات ٧٥ - ٧٧ . (٢) سورة عبس، الآيات ١٣ - ١٦ . (٣) سورة الشعراء، الآية ٢١٠ . - ٢٠٥ - فإن قوله: (لا يمسُّه) بالرفع، فهذا خبر لفظاً ومعنى، ولو كان نهياً لكان مفتوحاً. ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي، انتهى ملخصاً . وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود، بأنه يجوز مس المصحف للمحدث. وقد أجاب ابن الرفعة في ((الكفاية)) عن أدلتهم المزخرفة فقال ما نصه: القرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ لأنه غير منزل، ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون المراد بالمطهرين الملائكة، لأنه قد نفى وأثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أن المراد: المطهرين من الآدميين، ويبين ذلك ما روي أنه ◌ّ قال في كتاب عمرو بن حزم المروي في الدارقطني وغيره (١): (ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر)) ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل لأن قوله: (لا يمسُّه) بضم السين، ليس بنهي عن المراد ولو كان نهياً لكان بفتح السين، فهو إذاً خبر. قلنا: أما قول ((أكثر المفسرين)) فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل. (١) رواه أيضاً أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي. - ٢٠٦ - وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهي (١)، وهو كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تضارَّ والدة بولدها﴾ (٢)، ﴿والمطلقات يتربصن﴾(٣). انتهى. وأجاب العلامة البساطي في شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن (يمسه) مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب في ((شافيته)) انتهى . وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي الشافعي، المشهور بـ((السمين))، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال في ((لا)) هذه وجهان، الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم، لأنه لو فكّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿لم يمسسهم سوء﴾(٤) ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضمة لأجل ((هاء)) ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم. وفي الحديث (إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حرم)(٥) وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفاً. قال: وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهياً لكان يقال: (لا يمسَّه) بالفتح، لأنه خفي / عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه فإنه لا يجيز غيره . ١/٢٥٨ (١) سقطت من ط كلمة ((النهي. (٢) سورة البقرة، الآية ٢٢٣ . (٣) سورة البقرة، الآية ٢٢٨ . (٤) سورة آل عمران، الآية ١٧٤ . (٥) أخرجه الشيخان وغيرهما، وفي هذا الحديث أن الصعب الليثي أهدى لرسول الله وَل حماراً وحشياً فرده عليه - وهو بالأبواء - فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم. - ٢٠٧ - الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يس، والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين) الآية(١). اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن إلا ((نون)). ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أموراً تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك. واختلف المفسرون في معنى (يس) على أقوال: أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيء، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي أنها بالسريانية . قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين، وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال (يس)، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد بَّه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنك لمن المرسلين﴾ (١) سورة يس، الآيات ١ - ٣. - ٢٠٨ - وتعقبه أبو حيان: بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان: أنيسيان - بياء بعدها ألف - فدل على أن أصله: إنسيان، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، لا يعلم أنهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى. قال السمين: وهذا الاعتراض الأخير صحيح، فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعاً، ولذلك يحكى أن ابن قتيبة لما قال في ((المهيمن)) إنه مصغر من ((مؤمن)) والأصل: مؤتمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له: هذا يقرب من الكفر، فليتق الله قائله، انتھی . وقيل معنى (يس): يا محمد، قاله ابن الحنفية والضحاك. وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية(١). وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر. وعن جعفر الصادق: أنه أراد يا سيد، مخاطبة للنبي وَّ وفيه من تعظيمه وتمجيده ما لا يخفى. وعن طلحة عن ابن عباس: أنه قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه. وعن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. (١) في (أ): ابن العالية، وأبو العالية هو رفيع بن مهران التابعي. - ٢٠٩ - ثم قال: ﴿والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين) وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لست مرسلاً﴾(١) فأقسم الله تعالى باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له صلى الله عليه وسلم . (١) سورة الرعد، الآية ٤٣. - ٢١٠ - الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته ومالفر وعصره وبلده [القسم بحياته (*] قال الله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾(١). والعَمر والعُمر واحد، ولكنه في القسم يفتح لكثرة الاستعمال، فإذا أقسموا قالوا: لعمرك القسم. قال النحويون: ارتفع قوله (لعمرك) بالإبتداء، والخبر محذوف، والمعنى: قسمي، فحذف الخبر لأن في الكلام دليلاً عليه، وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: تالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله، فتحذف ((أحلف)) لعلم المخاطب بأنك حالف. قال الزجاجي (٢): من قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله، ومن ثم قال المالكية والحنفية: ينعقد بها اليمين، لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك. وقال الإمام (١) سورة الحجر، الآية ٧٢. (٢) في ط الزجاج، والزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق صاحب ((الجمل)) و((الأمالي)) مات بطبرية سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، نسبة إلى شيخه الزجاج محمد بن إبراهيم. - ٢١١ - الشافعي وإسحاق: لا يكون يميناً إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عنه كالشافعي. واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين: أحدهما: أن الملائكة قالت للوط عليه السلام - لما وعظ قومه وقال: (هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين) -: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾/، أي يتحيرون، فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟! ٢٥٠ /ب والثاني: أن الخطاب لرسول الله وَله، وأنه تعالى أقسم بحياته، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال ابن عباس: ما خلق الله، وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد بَالر، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. رواه ابن جرير. ومراده بقوله: ((وما سمعت الله))؛ [سمعت كلامه] (١) المتلو في الكتب المنزلة . ورواه البغوي في تفسيره بلفظ: وما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياته، وما أقسم بحياة أحد غيره، وذلك يدل على أنه أكرم خلق الله على الله، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد وال كلاماً معترضاً في قصة لوط. (١) في (ط، ش). - ٢١٢ - قال القرطبي: وإذا أقسم الله تعالى بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا: أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي مَل ينعقد به يمينه وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكونه من أحد ركني الشهادة. وقال ابن خويز منداد(١): واستدل من جوز الحلف به وَالّ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده 18 أن يحلفوا به وَلّ حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا خاصم أحدهم صاحبه قال له: احلف لي بحق [ما حواه](٢) صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي وَالر . [القسم ببلده ◌َ و] وقال الله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد﴾ الآ ية(٣) . أقسم تعالى بالبلد الأمين، وهي مكة أم القرى بلده السلام ، وقيده بحلوله ومَّلي فيه إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله. قاله البيضاوي. ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل، (١) هو أبو بكر، محمد بن أحمد، تفقه على الأبهري، وله كتاب كبير في الخلاف وكتاب في أصول الفقه وكتاب في أحكام القرآن، ولم يكن بالجيد النظر ولا قوي الفقه . (٢) في النسخ عدا (ش). (٣) سورة البلد، الآية ١ - ٢. - ٢١٣ - وما ولد: محمد وَلّ، وعلى هذا فتتضمن السورة القسم به في موضعين، وقيل المراد به آدم وذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين. وإنما أقسم تعالى بهم لأنهم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنظر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم. وقوله: (وأنت حل) هو من: الحلول، ضد الطعن، فيتضمن إقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع واشتمل على خير العباد، فقد جعل الله تعالى بيته هدى للناس، ونبيه إماماً وهادياً لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد. وعن قتادة: (وأنت حل) أي لست بآثم، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت. وذلك أن الله تعالى يفتح عليه مكة وأهلها، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره، وحرم دار أبي سفيان. فإن قلت: هذه السورة مكية، ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟ - ٢١٤ - أجيب: بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾(١). وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول الله وَ عليه ، ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي وَله: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾. [القسم بعصره مَلٌ] ١/٢٥٩ /وقال تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ (٢). اختلف في تفسير العصر على أقوال: فقيل: هو الدهر، لأنه مشتمل على الأعاجيب، لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم وغير ذلك. وقيل: ذكر العصر الذي بمضيه ينقضى عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل وفي تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما: أنه أقسم بزمان الرسول و له. قال الإمام الرازي: واحتجوا له بقوله دولار: إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من (١) سورة الزمر، الآية ٣٠. (٢) سورة العصر، الآية ١. - ٢١٥ - يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً، فقال الله تعالى: وهل نقصت من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً. رواه البخاري(١). قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصرهم18 الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله : ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، وبعمره في قوله: (لعمرك)، فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى. (١) رواه البخاري من حديث ابن عمر في ((الصلاة)) و((الإجارة)) و((فضل القرآن)) وفي ((ذكر بني إسرائيل)) وفي ((التوحيد)) بألفاظ متقاربة ليس في محل منها بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ مسلم، وأخرجه البخاري بنحوه من حديث أبي موسى لكن ظاهر سياقهما أنهما قضيتان. وحاول بعضهم الجمع فتعسف كما في الفتح . - ٢١٦ - النوع السادس في وصفه تعالى له له بالنور والسراج المنير اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله مح له بـ((النور)) في قوله تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾(١)، وقيل المراد: القرآن . ووصفه وَّ أيضاً بـ((السراج المنير)) في قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾(٢). والمراد: كونه هادياً مبيناً كالسراج الذي يري الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي ◌َ﴿ تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية، ولذلك وصف الله الشمس بأنها سراج حيث قال: ﴿وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً﴾ (٣). (١) سورة المائدة، الآية ١٥. (٢) سورة الأحزاب، الآية ٤٦ . (٣) سورة الفرقان، الآية ٦١. - ٢١٧ - وكما وصف الله رسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال: ﴿الله نور السموات والأرض﴾(١)، فليس فيهما نور إلا الله، ونوره القدسي هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجاً منيره، يستمد منها من هو دونها بجود الله تعالى، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه(٢). والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولاً، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين - الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو بمعنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا القول قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن علي وغيرهما (نَوَّر) فعلاً ماضياً، و(الأرضَ) بالنصب. وقوله :(مثل نوره) أي: مثل هداه سبحانه وتعالى. وأضاف النور إلى السماوات والأرض/، إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماء والأرض، وأنهم يستضيئون به. ٢٥٩ / ب (١) سورة النور، الآية ٣٥. (٢) أي قوة قبوله لما يلقى إليه. - ٢١٨ - وعن مقاتل: أي مثل الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبدالله، والزجاجة نظير جسد محمد *، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد واله . وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل عليهما السلام، والمصباح جسد محمد ◌َّة، والشجرة: النبوة والرسالة. وعن أبي سعيد الخراز(١): المشكاة: جوف محمد رَّة، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله في قلب محمد واه . وعن كعب وابن جبير: النور الثاني هنا محمد دَله. وعن سهل بن عبدالله: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة صدره، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة. توقد من شجرة مباركة، أي من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة . وقوله: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ أي تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا القول الأخير القاضي أبو الفضل اليحصبي والفخر الرازي، لكنه عن كعب الأحبار(٢). وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبدالله بن رواحة: (١) إبراهيم وقيل أحمد بن عيسى البغدادي، كان أحد المشهورين بالورع، صحب السقطي وذا النون وغيرهما. مات سنة سبع وسبعين ومائتين. (٢) أي لكن الفخر الرازي حكاه عن كعب الأحبار لا عن سهل بن عبدالله. - ٢١٩ - لولم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر لكن التفسير الأول في هذه الآية هو المختار، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾(١) فإذا كان المراد بقوله (مثل نوره) أي مثل هداه كان ذلك مطابقاً لما قبله . واختلفوا في هذا التشبيه(٢). أو هو مشبه جملة بجملة، لا يقصد فيها إلى تشبيه جزء بجزء، ومقابلة شيء بشيء، أو مما قصد منه ذلك؟ أي: مثل نور الله، الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق، وبراهينه الساطعة، على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين يدي الناس، أي: مثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر. وقيل: هو من التشبيه المفصل، المقابل جزء بجزء، قد رده على تلك الأقوال الثلاثة . أي: مثل نوره في محمد مرَّه، أو في المؤمنين، أو في القرآن والإيمان كمشكاة، فالمشكاة هو الرسول أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة (١) سورة النور، الآية ٣٤ (٢) هذه الفقرة حتى قوله: ((النوع السابع)) لم ترد إلا في الأصل. ولم تذكرها النسخ الأخرى. - ٢٢٠ -