Indexed OCR Text
Pages 101-120
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون. كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية: كما لا يلزم من عدم الرؤية عدم العلم. وفي صحيح مسلم (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ولا يلزم من هذا عدم الثناء فكذلك هذا. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَاهـ في قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال: لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً. قال ابن كثير: غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم. ومما نسب لإمام الحرمين في ((لمع الأدلة)) أنه قال: من أصحابنا من قال: إن الرب تعالى يُرى ولا يُدرَك، لأن الإدراك ينبي عن الإحاطة، ودرك الغاية، والرب جل جلاله تقدس عن الغاية والنهاية، ثم قال: فإن عارضوا بقوله تعالى في جواب موسى عليه السلام: ﴿لن تراني﴾(١) وزعموا: أن ((لن)) تفيد النفي على التأبيد، قلنا: هذه الآية أوضح الأدلة على جواز الرؤية، فإنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد (١) سورة الأعراف الآية ١٤٣. - ١٠١ - ١/٢٤٠ جواز الرؤية ضالاً وكافراً، وكيف يعتقد ما لا يجوز على الله تعالى من اصطفاه لرسالته واختاره لنبوته، وخصه / بكرامته، وشرفه بتكليمه، وجعله أفضل أهل زمانه، وأيده ببرهانه، وكيف يجوز على الأنبياء الريب في أمر يتعلق بعلم الغيب. فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى عليه السلام جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز، فرجع النفي في الجواب إلى الإنجاز، وما سأل موسى عليه السلام ربه رؤيته في المآل، فصرف النفي إليه، والجواب يدل على قضية الخطاب، انتهى . وقال البيضاوي: في هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة، لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصاً ما يقتضي الجهل بالله تعالى، ولذلك رده بقوله: ﴿لن تراني﴾ دون: لن أرى، انتهى . ونقل القاضي عياض عن أبي بكر الهذلي، في الآية، أن المراد: ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليَّ في الدنيا، وأنه من نظر إليَّ مات. قال: وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته تبارك وتعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرة، غرضاً للآفات والفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية، فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيباً آخر، ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم، قووا بها على الرؤية. قال: وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس - رحمه الله - قال: لم ير في الدنيا لأنه باق، ولا یری الباقي بالفاني. فإذا كان في الآخرة رزقوا أبصاراً باقية، رؤي الباقي بالباقي، وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القوة، فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه، انتهى. - ١٠٢ - والاستثناء في قوله: ((إلا من حيث ضعف القوة)) ينبغي أن يكون منقطعاً، على معنى: لكن من حيث ضعف القوة، وإلا فضعف القوة قصاراه أن يكون مانعاً، أي امتنع من جهة ضعف القوة لا من جهة كونه مستحيلاً، ويدل على هذا قوله: ((فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقه)). وقد وقع في صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة في حديث مرفوع فيه (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا). وأخرجه ابن خزيمة أيضاً من حديث أبي أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت. [امتناع الرؤية شرعاً] فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلاً فقد امتنعت شرعاً، لكن من أثبتها للنبي وَّر له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. وفي كلام ابن كثير: أن في بعض كتب الله المتقدمة أن الله تعالى قال الموسى لما سأله الرؤية، يا موسى، إنه لن يراني حي إلا مات. وقد جزم القشيري - في الرسالة - بأنها لا تجوز في الدنيا على جهة الكرامة، وادعى حصول الإجماع عليه. وحكى القاضي عياض امتناعها في الدنيا عن جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وقال القشيري أيضاً: سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يحكي عن أبي الحسن الأشعري في ذلك قولين في كتاب الرؤية الكبير. انتھی . - ١٠٣ - [الآراء في رؤيته و يق ربه تعالى] وقد ذهبت عائشة وابن مسعود إلى أنه وَله لم ير ربه ليلة الإسراء. واختلف عن أبي ذر. وذهب جماعة إلى إثباتها. وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: أنه حلف أن محمداً رأى ربه. وأخرج ابن خزيمة عن عروة ابن الزبير إثباتها، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس. وجزم به كعب الأحبار والزهري، وصاحبه معمر وآخرون وهو قول الأشعري وغالب أتباعه . ثم اختلفوا: هل رآه بعينيه أو بقلبه؟ وجاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك، ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضاً من طريق عكرمة عن ابن عباس ٢٤٠/ب قال / أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ◌َله. ومنها: ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتین. وله: من طريق عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك: ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله وَ ل﴿ بعينيه وإنما رآه بقلبه. - ١٠٤ - ٩ وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. لكن روى الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح، خلا جهور بن منصور الكوفي، وجهور بن منصور قد ذكره ابن حبان في الثقات، عن ابن عباس أنه كان يقول: إن محمداً وَلّ رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده. ثم المراد ((برؤية الفؤاد)) رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم، لأنه والتّ كان عالماً بالله على الدوام. بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلاً، ولو جرت العادة بخلقها في العين. وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال: (رأى محمد ربه) وفي مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي وَ لّر عن ذلك فقال: (نور أنى أراه) أي حجابه نور فكيف أراه، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية. وعند أحمد قال: (رأيت نوراً) ومن المستحيل أن تكون ذات الله تعالى نوراً، إذ النور من جملة الأعراض، والله تعالى يتعالى عن ذلك. وعند ابن خزيمة عنه، قال: (رآه بقلبه ولم يره بعينه). وبهذا يتبين مراده في حديث أبي ذر بذكر النور، أي أن النور حال بينه وبين رؤيته له ببصره. وجنح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب - ١٠٥ - في الاستدلال بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤية وقعت مرتين: مرة بقلبه ومرة بعينه . [رأي في الجمع بين الروايات] ومما يعزى للأستاذ عبد العزيز المهدوي: أنه بَّ و لما رجع من سفر الإسراء، أخبر العوالم من حيث فلكهم ومراتبهم، وسقى كل واحد من كأسه، وعلى قدر عقله، فخاطب الكفار، وهم آخر العوالم، بما رأى في الطريق، وما كان في المسجد الأقصى على العيان وبما يعرفون، لأنهم في فلك الأجسام، حتى صدقوا بالإسراء، ثم ارتقى حتى حدث عن فلك السماء، وكذلك في كل سماء، وأخبر عما شاهد ورأى في كل فلك وما يليق أن يحدث به - أعنى الصحابة - كلا على قدر مرتبته بلا ضيق ولا مزاحم إلى السماء السابعة، ولما وصل مقام جبريل تحدث عن الأفق المبين، وعما فوق إلى الدنو وإلى التدلي إلى موضع الإيحاء عند حضرة إسقاط الصور والخلق، فأخبر بذلك أصحابه، فمنهم من قال: رأى جبريل بالأفق المبين، وبالأفق الأعلى، وصدق، ومنهم من قال برؤية الفؤاد والبصيرة وصدق، وهي عائشة ومن معها، ومنهم من قال: بعيني رأسه رأى وصدق. فكل أخبر بما حدثه ◌َ لّر من مقامه وسقاه من كأسه وما يليق به، فإذا صح هذا المعراج عرفت الأمر (١)، ومقامات الرؤية والقائلين بذلك وقولهم: الجميع الحق، انتهى. (١) كذا في ش، وفي النسخ: الإسراء. - ١٠٦ - [رأي الإمام أحمد] وممن أثبت الرؤية لنبينا وَ ر الإمام أحمد. فروى الخلال في ((كتاب السنة)) عن المروزي: قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فبأي معنى يدفع قولها؟ قال: بقول النبي وَله: (رأيت ربي) فقول النبي أكبر من قولها . وقد أنكر صاحب ((الهدي)) على / من زعم أن أحمد قال: رأى ١/٢٤١ ربه بعيني رأسه. قال: وإنما قال مرة: رأى محمد ربه، وقال مرة: بفؤاده. وحكي عن بعض المتأخرين: رأى بعيني رأسه. وهذا من تصرف الحاكي، فإن نصوصه موجودة انتهى. [القول بالوقف في المسألة] وقد رجح القرطبي في ((المفهم)) قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه: بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به الطائفتان ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي. والله أعلم. [فرض الصلاة] [روايات الحديث] وأما قوله في الحديث: (ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة في كل يوم) - ١٠٧ - ففي رواية ثابت البناني عن أنس عند مسلم (ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة). ونحوه في رواية مالك بن صعصعة عند البخاري أيضاً. ويحتمل أن يقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما استثني من خصائصه. وفي حديث ثابت عن أنس عند مسلم (فنزلت إلى موسى، فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخيرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمساً، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في اليوم والليلة، لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: لقد رجعت إلى ربي حتى استحییت منه. وفي رواية النسائي عن أنس: فقال لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك، وذكر مراجعته مع موسى، وفيه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما. وقال في آخره: فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. قال: فعرفت أنها عزمة من الله فرجعت إلى موسى فقال: ارجع، فلم أرجع. - ١٠٨ - فإن قلت: لم قال موسى عليه السلام لنبينا وَله: إن أمتك لا يطيقون ذلك، ولم يقل: أنت وأمتك لا تطيقون ذلك؟ أجيب: بأن العجز مقصور على الأمة لا يتعداهم إلى النبي وَ له، فهو لما رزقه الله تعالى من الكمال يطيق ذلك وأكثر منه، وكيف لا وقد جعلت قرة عينه في الصلاة. [حكمة الفرض ليلة الإسراء] قال العارف ابن أبي جمرة: والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه # لما عرج به ورأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها في ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص. [موسى وفرض الصلاة] وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار، قال ◌َله: كان موسى أشدهم علي حين مررت، وخيرهم لي حين رجعت. وفي حديث أبي سعيد: فأقبلت راجعاً فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألني كم فرض عليك ربك. الحديث. قال السهيلي: وأما اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة، وإلحاحه على نبيها أن يشفع لها ويسأل التخفيف / عنها، فكقوله - والله ٢٤١/ب - ١٠٩ - أعلم - حين قضي إليه الأمر بجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد وَل في الألواح، وجعل يقول: إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا، اللهم اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، وهو حديث مشهور وقد تقدم ذكره في خصائص هذه الأمة. قال: فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. لقوله: اللهم اجعلني منهم، انتهى . وقال القرطبي: الحكمة في أمر موسى بمراجعة النبي وَ لّ في أمر الصلوات يحتمل أن تكون لكون أمة موسى عليه السلام كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها من الأمم قبلها، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد وَلّ مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إني جربت الناس قبلك. انتهى. [تعليل ((إشاري)) لموقف موسى] ووقع في كلام بعض أهل الإشارات: لما تمكنت نار المحبة من قلب موسى أضاءت له أنوار نور الطور، فأسرع إليها ليقتبس فاحتبس، فلما نودي من النادي، اشتاق إلى المنادي، فكان يطوف في بني إسرائيل: من يحملني رسالة إلى ربي، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب، فلما مر عليه نبينا وَلّ ليلة المعراج، ردده في أمر الصلوات ليسعد برؤية حبيب الحبيب. وقال آخر: لما سأل موسى عليه السلام الرؤية، ولم تحصل له البغية، بقي الشوق يقلقه، والأمل يعلله، فلما تحقق أن سيدنا محمداً الحبيب منح الرؤية، وفتح له باب المزية، أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأی. كما قيل: - ١١٠ - لعلي أراكم أو أرى من يراكم واستنشق الأرواح من نحو أرضكم تجودون لي بالعطف منكم عساكم وأنشد من لاقيت عنكم عساكم فيا حبذا إن مت عبد هواكم فأنتم حياتي إن حييت وإن أمت وقال آخر: ليجتلي حسن ليلى حين يشهده وإنما السر في موسى يردده لله در رسول حين أشهده يبدو سناها على وجه الرسول فيا وقال آخر: لما جلس الحبيب في مقام القرب، دارت عليه كؤوس الحب، ثم عاد، وهلال ما كذب الفؤاد ما رأى بين عينيه، وسرُّ(١) فأوحى إلى عبده ما أوحى ملء قلبه وأذنيه، فلما اجتاز بموسى عليه السلام، قال لسان حاله [لنبينا وَ ل﴾](٢). يا وارداً من أهيل الحي يخبرني عن جيرتي شنف الأسماع بالخبر حدث فقد ناب سمعي اليوم عن بصر ناشدتك الله يا راوي حديثهم فأجاب لسان حال نبينا وَلا يقول: ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفاً وكنت منكرا فكل قوم يلحظون مذهبهم، وقد علم كل أناس مشربهم، والله بفضله وإحسانه يوالي انسجام سحائب عفوه ورضوانه على العارف الرباني أبي عبد الرحمن السلمي، فلقد أجاد إذ أفاد بما أفرد من لطائف المعراج حسبما جمعه من كلام أهل الإشارات، بأقوم منهاج. (١) في (ط، ش): وبِشْر. (٢) في (ط، ش). - ١١١ - [الاستدلال بحديث فرض الصلاة] وقد استدل العلماء بقوله في الحديث (فهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فتلك خمسون): [١] على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر. [٢] وعلى دخول النسخ قبل الفعل. قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى؟ ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وغيرهم، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة. لكونهم اتفقوا جميعاً على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ. وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعاً. اهـ . فإن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى بعض الأمة فمسلّم، لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخاً، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي ◌َّ لأنه كلف بذلك قطعاً، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعله، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه وله . [موقف قريش من الإسراء] ولما رجع ◌َّ من سفر الإسراء، مر في طريقه بعير لقريش تحمل طعاماً، فيها جمل يحمل غرارتين: غرارة سواء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وانصرع ذلك البعير(١). (١) رواه ابن أبي حاتم عن أنس. - ١١٢ - وفي رواية(١): [مر بعير قد](٢) أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان. قال ◌َ: فسلمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتى مكة قبل الصبح وأخبر قومه بما رأى، وقال لهم: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعيركم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى إذا كان قريب(٣) من نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه واله . وفي رواية [البيهقي](٤): سألوه آية، أخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف(٥). وعن عائشة: لما أسري بالنبي ◌َّل إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس (١) هي أيضاً لابن أبي حاتم عن أنس. أقول ذكرها ابن كثير عن البيهقي من طريقين وقال البيهقي إسناده صحيح. ووافقه ابن كثير على ذلك بعد أسطر من ذكره ١٤/٣ [م]. (٢) في (ط، ش) . (٣) كذا في النسخ، ولعل ((كان)) هنا تامة [م]. (٤) في ط. (٥) وهذا مخالف للرواية قبلها، وهو حديث ضعيف رواه البيهقي في الدلائل، وقد عارض ما هو أصح منه فلا يعتد به. [م]. - ١١٣ - وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي الصديق. رواه الحاكم في المستدرك، وابن إسحاق. وزاد: ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله وَ ر فقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس في هذه الليلة؟ قال: نعم، فقال: يا نبي الله صفه لي فإني قد جئته، قال الحسن: فقال رسول الله وَالَ: فرفع لي المسجد حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله وَال يصفه لأبي بكر، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئاً. وقول أبي بكر: صفه لي، لم يكن عن شك، فإنه صدقه من أول وهلة، ولكنه أراد إظهار صدقه لقومه، فإنهم كانوا يثقون بأبي بكر، فإذا طابق خبره وَلّ ما كان يعلم أبو بكر وصدقه كان حجة ظاهرة عليهم. وفي رواية البخاري (فجلا الله لي بيت المقدس) أي كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته. وفي رواية مسلم: (فسألوني عن أشياء لم أثبتها، فكربت كرباً شديداً لم أكرب مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به). فيحتمل أن يكون حمل إلى أن وضع بحيث يراه، ثم أعيد، ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: فجيء بالمسجد وأنا أنظر ٢٤٢/ ب إليه حتى وضع عند دار / عقيل فنعته وأنا أنظر إليه. وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين. - ١١٤ - وأما ما وقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد: فخيل إلي بيت المقدس، وطفقت أخبرهم عن آياته، فإن ثبت احتمل أن يكون مُثِل قريباً منه، كما قيل في حديث: (أريت الجنة والنار) ويؤول قوله: جيء بالمسجد، أي جيء بمثاله. وفي حديث أم هانئ المذكور: أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب، قال: ولم أكن عددتها قال: فجعلت أنظر إليه وأعدها باباً باباً. وعند أبي يعلى: إن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي، والدجبير بن مطعم. [حكمة الإسراء] وأشار ابن أبي جمرة: إلى أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق للمعاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، حيث سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق أنه أسري به إلى بيت المقدس. وإذا صح البعض لزم تصحيح الباقي، فكان ذلك سبباً لقوة إيمان المؤمنين، وزيادة في شقاء من عاند وجحد من الكافرين، والله سبحانه وتعالى أعلم. - ١١٥ - المقصِّد الشَّادِسْ فيما ورد في آي التنزيل من تعظيم قدره وَ لّ ورفعة ذكره، وشهادته تعالى بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجلیل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلاً ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك. [تمهيد] اعلم أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهار عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ((الرسول)) وبـ((النبي)) ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أناقة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده. ومن تأمل القرآن العظيم وجده طافحاً بتعظيم الله تعالى لنبيه ومير . ويرحم الله ابن الخطيب الأندلسي حيث قال: مدحتك آيات الكتاب فما عسى يثني على علياك نظم مديحي وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً كان القصور قصار كل فصيح وهذا المقصد - أكرمك الله - يشتمل على عشرة أنواع: - ١١٩ - النوع الأول في آيات تتضمن تعظيم قدره ورفعة ذكره وجلیل رتبته وعلو درجته على الأنبياء وتشريف منزلته [تفاوت مراتب الرسل] قال الله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله﴾(١). قال المفسرون: يعني موسى عليه السلام، كلمه بلا واسطة، وليس نصاً في اختصاص موسى عليه السلام بالكلام، فقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا وَلهر أيضاً كما مر. فإن قلت: إذا ثبت أنه مَّ كلمه ربه وقام به هذا الوصف، فلمَ لم يشتق له من الكلام اسم الكلیم، كما اشتق لموسى؟ أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق كاسم الفاعل فيطرد، بمعنى أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم وجوباً، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة(٢) فلا يطرد، (١) سورة البقرة، الآية ٢٥٣ . (٢) كذا في جميع النسخ. - ١٢٠ -